![]() |
الكائن اللغوي بين القضية والفن/للمفكر الجزائري شكري شرف الدين
http://www.doroob.com/wp-content/ima...thors//939.jpgالكائن اللغوي بين القضية والفن
شرف الدين شكري 02 جوان 1978-2008…الذكرى الثلاثون لموت الكاتب الذي قتله الوطن… http://www.doroob.com/wp-content/ima...lik_7addad.jpg مالك حداد…*** *** “في البلدان المتخلفة ، حيث الهوة سحيقة بين الواقع والصبوات ، لا يمكن للوجدان الفردي أن يتفتح إلا من خلال المأساة الجماعية …” جورج طرابيشي(01). ليست مأساة الإنسان كرونولوجيا زمن قد يسكن الماضي وحسب، ويكفُّ عن الإفراز في الزمن الآني. وليست القراءة التي يقوم بها الإنسان تجاه موروث حضاري ما، إنقاذا للأشياء المتلفعة بالغبار بحجة إحياء “الموروث ” أو إعادة بعث ” الفولكلور” من أجل إغناء الحاضر الثقافي أو ما شابه ذلك من المصطلحات الشوفينية التي يتم ربطها بالحداثة، وما بعدها أو بالتجديد … فالميت أبدا لا يتم إحياؤه، و(البعث) في زمن الثقافة البراغماتية بامتياز والنظرة العالمية الولاّدة - كشرط أساس- ليس من شأنه إلا أن يربط أذهاننا إلى عوالم وتصورات جدّ قديمة تجعلنا نقف موقف المدافع لا المهاجم -أي السائر مع الركب الثقافي الحديث -… لأنَّ الماضي من حيث هو جزء من كيان السيرورة التاريخية لأية أمة، يظلّ ماضيا ، وليس بالإمكان إحالته إلى الزمن الحاضر أو الآتي بأي وجه من الأوجه : السياسية ، الأيديولوجية … الخ. ومن يدّعي فعل ذلك، فإنه ليس إلا بصدد القيام بعمل يتنافى وطبيعة المنطق الإنساني. إذ أنّ الطبيعة الرئيسة التي تبصم الفرد والمجتمعات عبر مرّ العصور هي التنقل، الترحال… أي الحركة. وحتى عملية التعامل مع التراث أو الموروث، هي عملية خلق جديد له، وعملية ارتباط جديد معه… أي عملية تفكيك وهدم له في الداخل، وعملية ترجمة -خاصة له - أي عملية خيانة ، إذا ما شئنا تجريم أنفسنا إيجابا! ، على اعتبار أن عملية تداول المنطوقات Les énoncés ، فالخطابات ، هي عملية توليد متواصلة، وتشغيل، وبعث للمنطوق نحو القتل ، من أجل ترك الفرصة لمنطوقات أخرى سواه. أي أنّ تعاملنا مع المنطوق أو الخطاب هو عملية نقل وخلخلة وترحيل .. أي تحريك. والتحريك من شأنه أن يتوقف في زمن ومكان معينين أو متروك للزمن تطبيقه. فهل للنصوص التي تركها “مالك حداد”، حياةٌ ؟؟.. هل مازالت تواصل ترحالها.. تنقلها فينا ؟؟ هل في دواخلنا وحياتنا الخارجية، مخابر يتم فيها تطبيق الفكرة: أي خلقها وتشويهها وخلقها من جديد..في شكل جديد؛ أي إبداعها ؟؟ هل إنَّ نصوصه تزوجت بالغبار، وأننا لسنا إلا بصدد البحث عن طريق يائس لإعادة بعثها من جديد دفاعا عن مصلحة ثقافية، مهما ادعينا براءتنا من هذا الفعل؟؟!! .. هل إننا، كرجال ثقافة في الجزائر، على علم وثيق بمختلف الخِرَق التي تشكل هندام ” أرلوكان” الخطاب الثقافي الجزائري”، علما بأن سياسة المصالح ومصالح السياسة لم تبتعد البتة عن المسار الثقافي لبلادنا منذ الاستقلال، وبأن المثقف الذي تخلى عن مقص الخطاب السلطوي من دماغه، هو مثقف يعيش أعتى درجات الحرمان والقهر والتهميش؟؟ في “سأهبك غزالة “(02) مثلا، ينتفي المكان، ينتفي الزمن، أو حسب تعبير بورجس Borges :” يمكن قلب الكرونولوجيا” (La chronologie peut être renversée (3 .. تواجهنا أشياءٌ تتكلم بدواخلنا، كلماتٌ ترسم علاقاتها مع العالم، لا حسب السرد التاريخي الذي لقنته المدرسة لنا، وإنما حسب تاريخ -أو كلام-Langage - خاص جدّا، ومفعم بجو إنساني عميق، وبرؤية واسعة تعارك مكابح يصعب تحديدها وتريد أن تحدّ من أفقها. وهذا ما أشار إليه الفيلسوف الألماني فتجنشتاين حين أشار إلى حدود الكلام في الـ ” Tractactus “: حدود الكلام، تعني حدود عالمـ(نا) ذاته.” Les limites du langage signifient les limites de (notre) propres monde” (4( وكذلك إشارة جورج طرابيشي في ” الأدب من الداخل”: “إن الرواية التاريخية شيء، والرواية التي تؤرّخ شيء آخر. الرواية التاريخية هي التي تحيي تاريخا مضى. أما الرواية التي تؤرخ فهي تلك التي يعمرّها إحساس هائل بالتاريخ الذي نحياه، حتى وإن خلت من ذكر أي أحداث تاريخية محددة. الرواية التاريخية تقترض من التاريخ أبطالها، أما الرواية التي تؤرّخ فتسلِّف التاريخ أبطالا. أبطال الرواية التاريخية موجودون في التاريخ، حتى بدونها، وأبطال الرواية التي تؤرّخ ما كانوا ليوجدوا لولاها. في الرواية التاريخية أحداث التاريخ هي الحاضرة، أما في الرواية التي تؤرّخ فإن التاريخ هو الحاضر وإن لم تحضر أحداثه… (…) .. أما في العالم الثالث، حيث التفرّد امتياز وحيث الذاتية وقف على النخبة وحيث الأنوية أنانية، فإن الرواية لا خيار لها إلا أن تكون من النوع الذي يؤرّخ، وإلا فلن تكون “رواية” (5). إن الأرشيف الذي يربض في دورنا الوطنية كتمثيل لفعل ثقافي، إنما يربض في دور أذهاننا. وهو لا يجيء إلينا بل إننا كواعين وكمسؤولين نروح إليه، ونتقصّد لمس الأعضاء التي تتحرك فيه بصمت وتؤثر فينا بعمق ككائنات صاخبة تجهل في أحايين كثيرة مقاليد ربط علاقتها مع الأشياء المختلفة التي تشكل حياتها الفردية(كفعل خلاق) والجماعية(كفعل تكرار). وإن إطلالة على الرؤى والعوالم العديدة التي تنبض في قلب “سأهبك غزالة” أو “التلميذ والدرس “…إلخ، لكفيلة بأن تقنعك بذلك. فهي الصمت الذي يتعامل مع أسسك الثقافية، ومكانتك كإنسان يتحرك داخل نسيج اجتماعي جدّ مركب. وهي المحك الذي يختبِر درجة تأثير الثقافة- بأوجهها المتعددة- على مسار حياتك. فتضعك في الأخير أمام مرآة نفسك السيكولوجية، لتحاول تحديدَ معالمها من أجل تحديد موقعك في النشاط السوسيولوجي - أي في الرواية الكبيرة - المسماة - حياة(6) أو، حسب تعبير مالك حداد : ” بالنسبة إلى الكاتب فإنَّ الحياة.. ليست سوى ظاهرة أدبية(7) « Pour l’auteur.. La vie n’était qu’un phénomène littéraire”….» *** إن من وجهات النظر الشائعة التي عرَّفت الوجودية فلسفيا وجهات عديدة تختلف حسب الزمن وإفرازات المكان ؛ أي الظروف المحيطة بذلك التواجد الذي يقبع فيه الإنسان. غير أن أعمق تعريف ينبثق من الذات المفكرة، ليغدو بعد ذلك نحو (الآخر) وذلك عبر نقد ذاتي ودُربة على ذلك ، هو التعريف الذي وضعه كيركغارد: ” الوجودية هي أنا في نظر ذاتي”… وروايات مالك حداد ؛ أو أشعاره لكي تصح التسمية، هي عبارة عن ذوات تتنقل في نسيج اجتماعي معقّد ، متخذة عن(خيار) “الهامشَ” مسرًى لها Le Choix de La marge. ذلك الهامش الذي يسمح برؤية المركز وبانتقاده بدءًا من نقد الذات المهمَّشة، استنادا إلى عوالم معرفية عديدة، كالاتجاهات والانتماءات السياسية والنظريات الأدبية، والقراءات التاريخية… إضافة إلى أهم معرفة يتزود بها الفنان عبر طريقه الطويل: الحياة… فتجتمع كل تلك المعارف لتشكل بدورها البناء الثقافي الذي يتعامل مع تلك الحياة، مبرزا نوعية العلاقة التي تربط الفنان بالوجود، وكيفية تعامله معها ككائن غذاؤه (الكلمة) : الكاتب، ككائن محاصَر بضرورات إنسانية تطرح أسئلة ليست أبدا باليسيرة على من يفتح عينيه واسعا على إفرازات الساعة ، متجاوزا (الإجابة) عنها في تفاعلاتها البيولوجية فقط. فالذوات التي يطرحها مالك في “سأهبك غزالة ” مثلا، ذوات تتجاوز (الحالة) البيولوجية وتجعل من (الثانويات) حاجيات ضرورية لبقائها -جسديا - … فالكتابة باختيارها -التزامها -الهامش، كفّت عن أن تكون رفاهية يمكن تجاوزها، وغدت شرطا أبدا لا يمكن التخلي عنه…شرطا يعكس المرآة المتفاعلة لمَا تمت إزاحته عن الساحة الثقافية من قِبل الخطاب السلطوي– المركزي، شرطا يُلغي القراءة الفقيرة التي تعتكفُ على فترة كرونولوجية شوفينية محصور في فترة الاستعمار فقط، ويفتحُها على زمن الإنسان بامتياز(أي الآني والآتي)… والمنطق انقلب: فالكائن هو لغة أو كلام Langage ، والأكل والشرب هو مسلَّمة -حاجة - تم تجاوزها وأصبح بالإمكان وضعها في خانة -الثانويات -. أصبح الكائن الكلامي، مكبر صوت للمهمَّشين، وأصبحت قراءة ذلك الواقع خرخشة أصوات تحفر في الخفاء أسس الأنانية المركزية لكي توقع بها … ملامِسَة ذلك السياج الدوغماتي المغلق، الذي اقترب منه أركون في الفكر الإسلامي، وهو: اللغة، الله، السلطة والجنس، بشكلٍ جدّ خاص يتحمل مسؤوليته الخاصة تجاه التاريخ وتجاه تاريخ إنسان المنطقة وإنسان (العالم) بأسره كمساهمة جزئية في صنع “الطابلوه” الثقافي للوطن الذي يشكل بدوره جزءًا لابد منه لتكملة “الطابلوه” الثقافي الكبير للإنسانية؛ على اعتبار أن الكل هو مجموع الأجزاء من جهة، والكل هو أكبر من مجموع الأجزاء.” العالم يبدأ من بيتي ” كما يقول محمود درويش، ويكتب مالك حداد في ” الأصفار تدور حول نفسها ” Les zéros tournent en rond : 1. - “إنني في المنفى داخل اللغة الفرنسية، ولكن ليست بعض ” المنافي” غير نافعة، كما أنني أتوجه بالشكر إلى هذه اللغة التي مكنتني من خدمة أو محاولة خدمة وطني الحبيب. وحين تتأكد الحرية والسلام، سوف أقول كما كررت ذلك، بأن عشقي” للأوراس” ليس أقل من عشقي للـ”Vèrcors”، ليس هناك فارق كبير بين ” جان دارك ” و” الكاهنة “، بين الكولونيل “فابيان ” والكولونيل” عميروش” ، بين “جون مولان ” و” بن مهيدي” ، بين ” كاتب ياسين” و”بول إلوار “. كما أنه ليس هناك فارق كبير بين أكبر متجذّر في فرنسا، وهو يطالب بأمله في إحدى إذاعات ” لندن “، ” شارل ديغول” ، وبين أكبر مُطَاِلب بقناعاته عبر الإذاعة في” تونس” ، ” فرحات عباس”"(8) . 2. ” يعبِّرُ “جول روا Jules Roy ” قائلا: “ليس طموح الكاتب الجزائري شبيها بطموح الكاتب المنغلق على مَحَليته، بل إنه يسعى نحو” العالمية Universel “. تعدُّد الأصول دليل على الغنى الروحي الذي تنعم به الجزائر، العائلة الكبيرة، الكثيرة العدد، والتي تنغرس شجرة جيولوجيتها في العديد من الطبقات الأرضية والثقافية المختلفة، والتي ترتفع غصونها وفروعها عاليا نحو نفس النور، نفس الرّقة، نفس العشق للعدالة والحرية “(9) . 3. ” إنه بالنظر إلى ذاته، بدءًا من أرضه في الجزائر، ينطلق ذلك الكاتب الجزائري، صاحب الخيار في تكريس حياته لأجل عمله، بعد أن يعثر من جديد على كلماته التي لا تفنى والتي تنضاف إلى السيمفونية العالمية. تلك الكلمات التي ستشارك في تطوير كل سيرورة إنسانية”(10). *** يحمل الكاتب منفاه حيث ولىّ، منفى تتربى فيه الثقافة على نقد ذاتها. نقد الأوضاع المزرية الراسخة دائما تحت الاستكانة إلى مصير القطعان المستهلكة دائما لعلف ” القناعة”. ففي الوطن المستعمَر، يقنع المغلوب على أمرهم بسياسة ” الإدماج للأهالي”: قانون الأنديجينا، ويقبلون بمحو الاختلاف الذي يميّز المبدعَ عن “المنذور للنسيان “… هذا القانون الذي بحثت عنه الأنظمة الاستعمارية (الخطاب السلطوي) عبر الخطاب الثقافي “: محو الآخر إذا ما أراد الاختلاف، والاعتراف به -الرضا عنه - إذا ما بذل جهدا للاندماج مع المستوطن …”(11) لذلك يبتدئ مالك مقدمة ديوانه “الشقاء في خطر Le malheur en danger ” بهذه العبارة: “… لستَ جزائريا فقط. لذلك لا تغالي في طلب أي شيء سوى لااكتراثك كي تتضامن أكثر ” (12) . فاللااكتراث، هو قـتل لكل مشابهة مع ثقافة التدجين، وبحثٌ دائم عن المغامرة.. عن الجديد..، عن مذاق جديد يشفي غليل البحث عن متنفس آخر للروح عند إطفاء نار الإحساس بالتهميش وبالسيطرة شبه المطلقة للنظام المركزي وتراكمات منطق التقزيم الذي يريد أن يؤكده بين أعضاء ” الأندجينا: أو الأهالي المحليين “. ” أيُّ مستوى يجب تعليمه للأندجينا؟، لغة بسيطة… لا تجريد، لا تعقيد، لا مستوى عال… لأن الأمة التي ليس لها من الحاجيات إلاَّ المادية منها ، ليست أبدا على استعداد لكي تتذوق أدبنا (تقرير تعليم الأندجينا لأكاديمية الجزائر1893-B.E.I.A. ” (13). واللااكتراث هو أيضا تأكيد على موت الإنسان، هذا الموت الذي تعكسه صور المنفى -المنفى الثاني - الذي يرتحل به الفنان إلى بلاد الحضارات العالمية، مهد الثقافات، والوجه - الإنساني الثاني للبلاد المستعـمِرة التي توحي شوارعها بالأمن والسلام وبراحة البال!. وهنا تبدأ الصدمة ، صدمة الشوارع المدججة بسياسة الإخضاع والخوف والتمايز والموت اللصيق بالحياة الأخرى . وهذا ما أشار إليه “خالد بن طوبال” بطل رواية “رصيف الأزاهر لن يردّ Le quai aux fleurs ne répond plus” إلى “مونيك” بأن شوارع باريس لا توحي أبدا بأن هناك حربا تدور رحاها في الضفة الأخرى. فمحاولة القتل التي تعرّض إليها الكاتب: قتل الهوية والتشويه الثقافي الذي يتبعُ ذلك (لاحظ في ذلك مقال محمد العيد تاورتة : نموذج من مواقف مالك حداد،في قراءته لمقالَي مالك حداد بدمشق : “الأدب الجزائري ومأساة التعبير لدى الكتاب الجزائريين”، و”الكاتب الجزائري أمام مشكلة الحرية- مجلة EXPRESSION ،جامعة قسنطينة 1994 -: ” الواقع أن القارئ لهذين النصين لمالك حداد يمكن أن يستنتج بأن مجمل مواقفه تتمحور حول الثقافة والحرية ، وهما موقفان مترابطان لأن أحدهما يؤدي حتما إلى الآخر “… قلت ، إنَّ محاولة القتل التي تعرّض إليها الكاتب: قتل الهوية والتشويه الثقافي الذي يتبعُ ذلك بكل ما يحمله من دلالات ، جعلته يسوح في بلاد القاتل، رفقة المهمشين أمثاله من رجالات الثقافة(14) ، محاوِلا البحث لديهم عن دليل منطقي جديد يغيِّر من قواعد اللعبة الظالمة واللاإنسانية التي يتعرض لها شعب بأكمله همه الأعظم ككل الشعوب، أن يعيش مثبتا وجوده كجزء لابد منه في”طابلوه” الشعوب العالمي. غير أن (شبه الموت) التي يحملها الكاتب، تقابلها (شبه موت ) أخرى قد تختلف في معالمها، غير أنها تظل دائما ( شبه موت ) قريبة من النهاية التي هي واحدة لدى كل إنسان، في كل بقعة جغرافية. لذلك يتوحد الإحساس لدى مالك مع كل المعانين في كل البقاع، وبين كل العاملين في كنف الصالح الإنساني. وهنا يحدث التضامن بين (الجرحى) ؛ إذ أن إمبراطورية الباحثين عن وطن التداوي واحدة وليست متعددة أو حتى ثنائية. لذلك يتخذ مالك صداقات حميمة مع ممثلي الثقافة الفرنسية، ويميز بين فرنسا المستدمر وفرنسا الحضارة.”: “..لستَ كذلك، لستَ ملزما أن تكون، ليس باستطاعتك أن تكون مضادا للفرنسي. رأيتُ هذه الأمسية، عجوزا يعمل في ساعة متأخرة في حانوته، كان بصدد الاشتغال على قطعة جلد. كان صديقي الإسكافي يتناول جبنا. كانت أصابعه مغضنة ومتقِنة، قادرة على مصافحتك، أو نسج إكليل زهر في أول مايو، أو صفع فظ ما. لا تنس، هذا العجوز الذي يتناول الجبن، والذي أخبرني: “لن أصنع البتة أحذية عسكرية.”، ذهب ابنه إلى الجزائر لخوض في حرب لم يُعلنها. إن فرنسا هي هذا الشاب. فرنسا ليست عدوَّك. هذا العجوز الذي يعمل في حانوته في ساعة متأخرة قد يكون قريبا لديسنوس Desnos أو بول إيلوار.Paul Eluard . التاريخ مفهوم كذلك ، ليس أبدا تصفية حسابات…”(15). إن هذا التمييز الذي لابد منه، يعكس مدى وعي مالك \ الإنسان الذي تراءت له الكتابة كمتنفَّس رئيس هو بمثابة رد الفعل المسؤول والمفتوح على ذلك الوخز اللاَّحضاري واللاَّإنساني للجمهوريات الفرنسية الاستعمارية المتعاقبة ، والتي عملت على تأكيد فكرة الحدّ من درجة التوعية لدى الشعب الجزائري - عبر المدرسة… والنظام التربوي ككل -. لذلك فإن تلك الطفرة التي ولدّت الكاتب الجزائري من ركام الرماد الضخم الذي خلفته فرنسا وقطعت به أوصال المعرفة على مئات الآلاف من أبناء شعبه، تعتبر شيئا مشهودا ومؤكِّدًا على استحالة المراقبة المطلقة للأشكال الفنية(16) ، ولذلك فإنه، وبالرغم من صحة ذلك الاتجاه النقدي الذي يرى بأن الرواية الجزائرية التي عالجت الأوضاع الاجتماعية الصعبة - وبخاصة في الفترة الممتدة بين 1945-1962 -على اعتبار أنها تمثل قلبا نابضا للأدب المكتوب بالفرنسية- لم تؤسِّس للجانب الجمالي Esthétique ، بقدر ما أسست للفكرة. فإن هذا الاتجاه يكاد يخلو من الصحة إذا ما رأينا الأعمال العملاقة لمولود فرعون ومحمد ديب خاصة، الذي لم يكفَّ أبدا عن تطوير الجانب الجمالي في كتاباته التي تواصلت حتى زمن قريب جدا: لاحظ ذلك في “من يذكر البحر”، “سطوح أُرسو”، “رقصة الملك” ، “الطفولة الموريسكية” …الخ، لذلك استُدعي،محمد ديب في السبعينيات (1974) لإلقاء دروس في أمريكا حول الأدب في الشمال الأفريقي، وقد عرض عليهم أن يلقي دروسا في تقنية الكتابة الأدبية،”وقد أعجبوا بالفكرة ونالت نجاحا منقطع النظير. وعرض على الجامعة الجزائرية أن يقوم بنفس الدروس، ولكنها لم تستجب لهذا الغرض وتجاهلت الموضوع كله.!. في هذه الأثناء كان محمد ديب عضوا في جائزة أدبية أمريكية تقدم جائزة كل سنتين لأحسن كاتب عالمي…”(17) !. وأمَّا إذا ما نظرنا إلى أعمال “مالك حداد”، فإن هذا الاتجاه يبطل كلية. وفي هذا الرأي لا توجد مغالاة. إذ أن الجانب الفني الجمالي يطغى بشكل كبير على الفكرة ويحليها ويدبّجها، مما يجعل درجة العامل الجمالي أكثر ارتفاعا من كل جانب آخر في أعمال مالك. وليس هذا بالغريب إذا ما تتبعنا طريقة العمل المضني التي انتهجها مالك في حبكِ جمله. والسيرة الذاتية التي يتكلم عنها “جمال علي خوجة في مقالته: ” مالك حداد- الوظيفة: كاتب…(18)” تُبرز ذلك بوضوح. وتضعنا أمام عاملٍ حنيك يصقل رغبة الكتابة كما يصقل النقّاش المحنك قطعة الخشب ليجعل منها تحفة تدفع بروح الإنسان إلى طلب الجمال والحب والتشبث بالحياة أكثر فأكثر. وقد تجذر فيه هذا الجانب الجمالي من خلال تلك الدربة الطويلة التي تعلمها على يد والده الذي كان يجعله يقضي ساعات طوالا في تصحيح دروس الإملاء وقراءة الأشعار والفلسفة وأعلام الأدب العالمي: بول إلوار، لويس أراغون، برغسون - وبخاصة هذا الأخير الذي أثر عليه بشكل كبير في فترة مراهقته - إضافة إلى غوركي، يوشكين، دوستويفسكي، تولستوي، باسترناك، هوجو، كامو…الخ. لقد كان يقضي حتى التسع ساعات عملا يوميا…! إن في هذا ما يحيلنا إلى عميد الأسلوبية في الأدب الفرنسي -غوستاف فلوبير- الذي كان ينحت الجملة نحتا، ويَعتبر أنَّ جمال الفكرة أبدا لا ينأى عن ذكائها. والأدب الفرنسي يشكل عمودا مشهودا له في أعمدة الآداب العالمية. لذلك فإن المجابهة التي كانت على عاتق الكاتب الجزائري- باللغة الفرنسية-، كانت مجابهة ليست أبدا بالهيّنة، لأنها كانت ملتزمة بإبطَال المقولة - الأنثروبولوجية الكلاسيكية- العنصرية التي تقزِّم ذهنية الشعوب المستعمَرَة، وتُبعِد إمكانية إقران الأدب الجزائري - باللغة الفرنسية- بعظمة الأدب الفرنسي. وهذا ما فهمه مالك حداد بتأكيده على الجانب الجمالي، كانعكاس للجانب الذكي في ذهنية الجزائري. هذا الجانب الذي جعل من ليوناردو دافنشي حيّا حتى هذه الساعة، ومن الأطلال الرومانية عالما ينبض حتى هذه الساعة، ومن العمران الأندلسي بصمة لا تُمَّحى من الذاكرة الإسلامية(19). هذا من ناحية الشَّكل. وأما من الناحية الداخلية لحياة النص ؛ أي من ناحية المضمون، فإننا نجد أنفسنا أمام معالم ملأى بالمعاني Sens نظرا لنوع الكتابة التي امتهنها “مالك”. إذ أن أعماله الروائية التي أخرجها إلى النور حسب الترتيب التالي: 1. الإحساس الأخير 1958 La dernière impression . 2. سأهبك غزالة 1959 Je t’offrirai une gazelle . 3. التلميذ والدرس 1960. L’élève et la leçon 4. رصيف الأزاهر لن يرد 1961 Le quai aux fleurs ne répond plus. هذه الأعمال، تقترب أكثر ما تقترب من الكتابات السريالية . ومالك لم يتبين ذلك في سيرته الذاتية. كان جوّه الثقافي مفعما بالصداقات التي تنتمي إلى الجماعات السريالية الفرنسية، التي ازدهرت في الخمسينيات بظهور ما يعرف بـ “الرواية الجديدة Le nouveau roman” ، وهذا الاتجاه كما هو معروف كان نتاج أنجع وأخطر المدارس الفكرية التي قفزت إلى الواجهة في العديد من الأشكال الفنية: الرسم، وبخاصة أثناء انتقال السرياليين الأسبان إلى باريس بسبب الأوضاع المزرية والمهدِّدة التي شهدتها مدريد، كالحرب الأهلية، واعتلاء اليمين قمة الحكم. مما دفع بالعديد من الشعراء والرسامين وبخاصة “سالفدوردالي” و”بيكاسو” إلى اختيار الضفة المحاذية لأسبانيا : باريس، التي نفحت بعبق السريالية بدءًا من العشرينات من القرن المنصرم، بفضل عبقرية أندريه بروتون. لقد تسنى لمالك التعرف على صاحب الـ “Lettres françaises ” لويس أراغون”، الذي ساعدته الأوضاع التي كانت ترزح تحتها فرنسا بعد الحرب العالمية الثانية، وتصدُّر الشيوعيين طليعة الثقافة الفرنسية، مما ترك بصمة ملحوظة على أعمال مالك حداد(20) في مضمون كتاباته التي تعتبر علامة مميّـزة يمكن الرجوع إليها في دراسة الكتابات السريالية في الأدب الجزائري. إذ أنها تستند إلى أسس عارفة بالمادة بشكل عميق، فيما يخص الالتزام بالمنهاج السريالي في ما يخص علاقة الكلمات بالأشياء التي تعالجها: بالذات، بالله ،بالموت ،بالتهميش ،بالمعنى ، بالآخر… أي بذلك الجو العام الذي يشكل الفضاء السريالي: تجاوز النفس، التماهي مع المطلق، الارتباط الجديد مع العالم عن طريق اللغة… الخ(21) . *** إن اللغة التي نفتح من خلالها أعيننا على العالم، هي اللغة البذرة التي تنمو بداخلنا منذ دروس التعليم الأولى، لتعطي ثمارها بعد ذلك في غصون شجرتنا الداخلية مع مرّ الزمن. لذلك فإنه لم يكن باستطاعة “مالك” أن يُخرِج من غصون الشجرة الرابضة بداخله غير ثمار فرنسية اللِّسان. والأدب أو الشعر، بعيدا عن كونهما شكلا من أشكال الكتابة، هما هوية إنسانية -عالمية - تنفتح فينا كالروح لكي تزهر عند ربيع العمر إبداعا ، بكامل ما تحمله من مزايا وراثية خاصة بها: ” كل لغة تقول العالم حسب طريقتها ” Chaque langue dit le monde à sa façon ” كما يقول” جورج شتاينر (22) “Jeorge Steiner ” نحن لا نحب ونبغض بنفس الطريقة في آلاسكا والصين، في الشيلي واليونان، في الجزائر أو في فرنسا. الرجل كخاصية، بعيدٌ عن أن يكون مُسمًى -تسمية - موحّدا. التشابه، لا يمنع تشكيل سلّم غير منتهي من الفوارق ” يكتب مالك. « On aime pas et on ne déteste pas de la même manière, en Alaska et en Chine, au Chili et en Grèce, en France ou en Algérie. L’attribut d’homme est loin d’être un dénominateur commun. Les ressemblances, les similitudes, n’empêchent pas une gamme infinie de nuances » (23) . إن اللغة الأولى التي (ترضَّعها) مالك، كانت لغة سلطة الاستعمار الفرنسي المهيمِنة من جهة - ولغة حرية فتحت له نوافذ المخيلة على عوالم إنسانية شاسعة -المخيال -. وهذه اللغة التي ” تقول العالم بطريقتها “، هي التي من المفروض على الكاتب أن يغيّر بواسطتها واقعه، هي المحرر والسجّان في نفس الوقت، هي المغنِّي والمُسكِّن للغناء في نفس الوقت. لذلك يتأرجح مالك في “منفاه ” بين الحب والكراهية. بين الكره لسجّان لا يعترف بالتمايز كميزة إنسانية، على كل الشعوب أن تتحلى بها، وبين الحب لمحرّر يشترك مع السجان في أداة التحرير. ولكن! هل يعرف قلب الشاعر الكراهية !؟؟.. هنا يكمن التناقض: بين حب جارف ينادي بكرامة الإنسان والعدالة، وغلبة الطيبة والرقة والحنو من جهة، وبين كره لفظاعة قطب يريد أن يمحو بوسائل أبدا غير حضارية القطب المُحِب!. لذلك ينزع مالك في مواقفه العديدة تجاه اللغة الفرنسية إلى عدة مواقف، سوف نحاول تحليل خطوطها العريضة : 1. ” أحيانا كثيرة، حين أكون بصدد النقاش مع بعض الكتاب الفرنسيين. أشعر بأن هذه المناقشة فعلا تدور بالفرنسية، ولكننا لا نستعمل نفس اللغة، نملأ الكلماتِ بمضامينَ، ونعطيها معنًى لا تترجمه التعبيرات الفرنسية عموما ” (24). 2. “هناك فقط مراسلة تقريبية بين فكرنا كعرب وبين مصطلحاتنا الفرنسية “(25). 3. “في “اللِّــسيه “، كان يتم تعليم العربية وتلقينها كلغة غريبة (أو دخيلة)… لغتنا الأم كانت تعيش المنفى في كنف وطنها ” (26) . 4. “شئنا أن نقبل أو نرفض ذلك، في عمومها الجزائر معربة، …وشئنا ذلك أو رفضناه، فإن الفرنسية فصاعدا تعتبر جزءا من تراثنا الوطني” (27) . 5. ” فلكلورنا، طرائق تفكيرنا وإحساسنا، وتعاملنا خاصة بنا. حتى إذا عبَّرنا بالفرنسية، فإننا نحمل الحلم، الغضب والعتاب المنبثق من قرون وقرون من تاريخنا الوطني” (28) . 6. “إن حنيني كان وما يزال دوما حنين يتيم إلى قراء يقرؤون لي بالغة العربية التي كنت أود أن أعبر بها، لغة أجدادي العرب. وسيظل هذا الحنين مرافقا لي حتى تتحقق أمنيتي” (29) . 7. “إنه أدب جزائري يعبّر عن ذاته باللغة الفرنسية ” (30) . 8. “ليس في نيّـتي أن أدين الثقافة الفرنسية أو اللغة الفرنسية.. فبالرغم من كونها غريبة بالنسبة لي، بل وغريبة عني، فهي تظل مع ذلك وسيلتي الوحيدة للاتصال بكم وبالآخرين، كما تظل أداتي وسلاحي الأول في الكفاح والنضال” …” إننا لا نخوض الحرب ضدَّ فرنسا وإنما، نخوضها من أجل وطننا” (31) 9. “إنني لواثق من أننا نحن الكتاب الجزائريون الذين نكتب باللغة الفرنسية، سنفقد مبرّرات وجودنا حين تحقق ثورتنا أهدافها .. أؤكد أنه لن يكون ثمة بقاء لأدب جزائري مكتوب باللغة الفرنسية ولا بقاء لكتاَّب جزائريين يكتبون باللغة الفرنسية، إلاّ إذا قام في الجزائر استعمارٌ جديد، أو إذا وُجد في الجزائر من يحنّون إلى الاستعمار” (32). *** لقد رأى مالك بأن الاستعمار شوّه -طبيعته - وبأن وسيلة الهجوم الوحيدة التي قد تبعد صفة -المسخ - تلك هي عملية التعبير عن تلك المأساة بواسطة اللغة : أي التعبير بأداة تنتمي إلى أدوات -المسخ- نفسها .التعبير بواسطة أداة حضارية جدّ راقية، هو في حد ذاته (بعيدا حتى عن مضمونه) أداة هجوم. واختار -الحبّ - كمضمون لتلك الأداة : ” أنت تكتب، لأنك تحب. إذا لم تكن كذلك، فضع القلم .. ” (33) . *** يبتدئ الهجوم : إنها ثورة القلم التي تمهل الثورة الغليظة - وغير الشعرية: الثورة المسلحة ، مدة من الزمن للقراءة، لكي تراجع نفسها، وتحترم طلب الحبّ والعدالة والحرية، وتعدل عن ضيمها. تبتدئ عملية الاستعراض الفكري والتذكير ومحاولات الإقناع والليونة.. لكن! بلا جدوى!!.. تمرُّ ثورة القلم بعد ذلك إلى التحذير من مخاطر الحبّ إذا استحال إلى كره… يتواصل الغناء الشجي من أجل إضفاء هالة الأمل دائما والاعتقاد في إمكانية استفاقة المخطئ والعدول عن (خطيئته) التي دامت زمنا طويلا، وهي تتعمق في جرح المسخ…ولكن ! لا جدوى من كل ذلك!!… يستحيل الحبّ كُرها. يكفّ الشاعر الذي كان يرفُضُ أخامس البنادق عن رفض أخامس البنادق، وينتقي أخامس البنادق …تنتهي لغة الحنو، ويغدو الشاعر شبه - عسكري وما هو بالعسكري. ” يتوقف عن الغناء” : ” حين يذهب المحارب إلى القتال، فلا عذر لديه للغناء “(34) . إنها لغة الغلاظ. يموت الشاعر وينتحر الحبّ…يموت كل الأبطال في هذا الكون ، وفي حياة المؤلف (L’Auteur). تستحيلُ حياة الكاتب بليدة أمام وقع خطى العساكر ونواح الأسلحة وغيهب السجون. أبدا لا يمكن للشاعر أن يصنع التاريخ وسط غوغاء القتل و السِّلاح : ” لم يستطع الكُتَّاب أبدا تغيير مجرى التاريخ ” Les écrivains n’ont jamais modifié le cours de l’histoire ” (35) الطبيعة التي شُوِّهت فيما مضى من قِبل وحش ضروس، أصبحت الآن مشوهة أكثر من قِـبل الذات التي اختارت موتها النهائي بمحض إرادتها.. قبل أن يقرّر الوحش الضروس القضاء عليها من جديد، يطلق مالك النار على نفسه بهذه العبارات: * “شئنا أم أبينا، فإن الفرنسية فصًاعدا تعتبر جزءًا من تراثنا الوطني”. * ” نحن لا نحب ونبغض بنفس الطريقة في آلاسكا والصين … في الجزائر أو في فرنسا “. * “مهما فعلتُ فإنني مدعو إلى أن أشوه طبيعتي”. * “أنا عاجز عن أن أسرد إليكم بالعربية ما أشعر به بالعربية”(36). * ” “حرب الجزائر” أكثر من شهادة كاتب جاد وحنيك، كانت صراخَ رجل ممزّق. نوع من التوبة(المِيَّاكولبا) mea-culpa(37) ” . * أما النضال المسلح الأخير فليس إلاّ الشكل الأمثل والأقصى لتأكيد وجودنا التاريخي، لنضالنا ضدَّ المستعمِر” (38) . إن الكتابة لدى مالك، كانت شعرا… أي غناءً، كانت “بوحا Confidence” . هذا ما يعترف به في روايته “سأهبك غزالة ” وما يؤكد عليه: “هذا الكتاب، هو بوح. ليس بإمكاننا أن نحكم على البوح”… Ce livre est une confidence, on ne peut pas juger une confidence”(39) غير أن مالك يحاكم نفسه بنفسه من خلال تلك النار التي أطلقها على نفسه إثر تلك العبارات سابقة الذكر، التي جاءت عبر تصريحاته المكتوبة سنة1961. إن تلك العبارات بالغة الخطورة، والجمع بينها كالجمع بين النار والحطب. فهي من جهة، تبشر برؤية واعية لكاتب هو مفكر في نفس الوقت، عرف كيف يتفكر في علاقة الكلمات بالأشياء ويطرحها على أرض الواقع ، ومن جهة ثانية يبرزُُ خطر ذلك الطرح الذي كان على حساب طاقة إنتاجية فنية رهيبة، كان بالإمكان تجنيبها كامل هموم القضية -الثورة- وفق ذلك الشكل المحدّد الذي يتنافى طبعا مع تصريحه الإبداعي الرهيب ككائن لغوي أمام قضية : * ” سبعُ سنواتٍ من الحرب ،لا تكفي وحدها لخلق الكاتب الأديب”(40) * ” نحنُ لا نكتب بين الفينة والأُخرى بمناسبة حدثٍ قد يبدرُ فجأة عبر أحاسيسنا المكتوبة، لا وجود لشعراء “نهاية الأسبوع”، ولا لسِنٍّ معينة من أجل الكتابة، تقودنا إلى الكتابة…لا ! لن أقول بأننا نعتنق الأدب مثلما نعتنق الدِّين. أن تكون كاتبا، فهذا لا يعني أنك رسول يبلغ رسالة التبشير”.(41) هنا يتفكك نص مالك في جوهره . هنا تبدر قضية مهمة من بين القضايا التي ساعدت على وأْد تلك الطاقة الفنية وجعلها تتوقف عن العطاء كلية، بعد أن تحقق (هدف) الكاتب : الاستقلال. لقد طوّع مالك طاقته الفنية المميزة جدّا، من أجل خدمة تلك القضية. ونذر -الحرية - حين تجيء، و تعانقُ ” الفلاحين” الذين لا يحسنون القراءة ولا الكتابة ” ولكنه يكتب لهم (42) … نذر الحرية بأن ينحر تحت قدميها قربان الفن. فجاءت الحرية… حين جاءت الحرية… نفَّذ الكاتبُ الحكمَ فعلا.. قتل الفنَّ..! قتل الشاعرُ فنَّهُ…غناءه.. قتل الفنَّ وحرم نفسه من أن ” تسكن رواياته ” . ” السكن هناك ، كان، وظل باهظ الثمن…!” انتهى الشاعر كما (فعل) المؤلف مع أعلام رواياته الأربع كلها..! لقد قتل الكاتبَ.. “مالكٌ “.! قتل مالكٌ الكاتبَ..! مات مالك إذن. مات في التزامه الغريب وفي تناقضه الأغرب!. قطع وسيلة اتصاله مع الآخرين، ولم تظل الكتابة أداة اتصاله مع العالم ولا سلاحه الأول في الكفاح والنضال. اعترفَ بأنه “لم يستطع تغيير مجرى التاريخ” واعتُدَّ من أوائل من أكد بأنه: ” لن يكون ثمة بقاء لأدب جزائري باللغة الفرنسية ولا بقاء لكتاب جزائريين يكتبون باللغة الفرنسية، إلاّ إذا قام في الجزائر استعمار جديد، أو إذا وُجِد في الجزائر من يحنون إلى الاستعمار “…. لقد أكد أنه أبدا لن يحن إلى الاستعمار، تحت أي ظرف كان وبأن الالتزام مهما كان مشوبا بالتناقض في المواقفِ، هو الهدفُ الأسمى، وليس الكلمة في حدّ ذاتها..! أي أن ” القضية أكبر ممن يحملها ” كما يقول قائد الثورة الكوبية ، “فيديل كاسترو”؛ أكبر من الإنسان (عاصمة التناقض) . ودليل ذلك، هو عودته اليائسة / الفاشلة إلى الكتابة الروائية سنة 1966 (43). كما نُلحظُ هذا في الأرشيف الشخصي الذي خلفه مالك !. * * إن الطريقة التي انتهجها مالك حداد بعد الاستقلال في خدمة وطنه المستقل اقتصاديا وسياسيا أكثر من استقلاله ثقافيا (44)، كانت شاهدا على مدى (بُعد) الرؤية الفنية لديه. هذه الرؤية التي عبّرت عن ضيق المتنفس الروحي للمثقف بعد الاستقلال. وعن مدى صغارة الكائن اللغوي أمام الأشياء التي أقرت بأن وضعيتها الجديدة هي نتاج كفاح مسلح أكثر منه كفاح فكرة. فالبناءات العديدة التي قامت بها الأنظمة الجزائرية في الميادين الثقافية والزراعية والتربوية … الخ، كانت دائما مقرونة بفكرة ” الثورة “. أي الحركة التي لا تهدأ وتنحو نحو السكينة الروحية والصمت الذي لابد منه، والتوحّد الخلاق: أساس كل إبداع … إن الثورة الجزائرية المسلحة ولَّدت لدى الكاتب حائط اغتراب يفصله عن الأشياء التي يدافع عنها. وجعلته في أحايين كثيرة يُقِرُّ من جهته كذلك بأن السلاح هو الوسيلة الوحيدة لصدّ فظاعة الاستعمار. وحتى بعد الاستقلال، فإن الخطاب الثقافي أكد ذلك. أي أكد مخيال الكفاح المسلح للشعب المستقل وأسس بناءه على ذلك المخيال ، دون سواه !!. والرؤية الفنية الناضجة التي ذكرتُها لدى مالك حداد، أكَّدت على ذلك حين توقف مالك عن الكتابة وأعلن عجز الكلمة عن الارتباط مع الوضعية الجديدة: أي عجز الكلمة عن رسم الشيء، وموت الإنسان الكاتب وضياع المكان المناسب الذي لا بُدَّ منه . أَوَلَم يتضح ذلك في هذه العبارات التي تقول نفسها ، والتي هي ليست بحاجة إلى تأويل سيكولوجي ولا نقد عميقين ؟ : ” في الحقيقة ، أعتقد بأنني أبدا لم أكن في المكان المناسب .أشعر بأنني أخطأت عصري “(45) *** مات مالك… بقيت الأصفار الدائرة حول نفسها تدور..! و بقي الشقاء دوما في خطر وارتسمت أكثر عبارة س.ج.بيرس آه يا لغة المنفى ô ..pur langage de l’exile بعيدة هي الضفة الأخرى lointaine est l’autre rive حيث تشرق الرسالة Ou le message s’illumine Saint Jhone Persse بقلم : شرف الدين شكري ملاحظة : كل الفقرات الفرنسية مترجمة من قبلنا. الكاتب الهوامش 1) - جورج طرابيشي. الأدب من الداخل - دار الطليعة - بيروت - ط 2- 1981.. ص 51 . 2)- Malek HADDAD : Je toffrerai une gazelle. SNED 10-18 (1983). 3)- George Steiner : Réelles présences - Les arts du sens - p 34 essai- GALLIMARD- 1991. 4)- IBID p 78 - Lorsque le “ Tractactus” de “ Witgenstein” affirme que “ Les limites du langage signifient les limites de “notre” propre monde” , il utilise le terme “ limites” de manière tautologique. Le langage ne doit s’arrêter devant aucune frontière pas même du point de vue de constructions conceptuelles et narratives devant la mort…, ce qui veut dire qu’il peut (ex: l’écrivain ) restructurer toutes les procédures de définition et de relation idiolecte. 5)-جورج طرابيشي ، الأدب من الداخل ، ص 53. IBID -(6 .ص 51 - 52 ” وحتى لو طمحت الشخصيات الروائية إلى أن تكون نمطية، فإنها لا تكتسب بعدا سوسيولوجيا إلاّ إذا استوفت أبعادها السيكولوجية .” 7)-Malek HADDAD - IBID . p 79. 8)- Malek HADDAD- “Les zéros tournent en rond” suivi de “Ecoute moi et je t’appelle”. François MASPERO 1961 - Paris - p 23: “ Je suis en exil dans la langue française. Mais des exils peuvent ne pas être inutiles, et je remercie sincèrement cette langue de m’avoir permis, de servir ou d’essayer de servir mon pays bien aimé. Lorsque la paix et la liberté s’affirmeront sur ma patrie, je dirai encore, comme je n’ai cessé de le dire, que mon amour pour les Aurès, n’est pas moins que celui que j’éprouve devant le Vercors. Il n’y a pas très loin de Jeanne d’Arc à la Kahina, du Colonel Fabien au Colonel Amirouche, de Jean Moulin à Ben M’Hidi, de Kateb Yassine à Paul Eluard. Comme il n’y a pas très loin du plus français des français, clamant son espoir d’un micro de Londres, Charles de Gaulle, au plus Algérien des Algériens, clamant ces certitudes d’un micro de Tunis, Ferhat Abbas”. 9)- IBID - 925 - Jules roy s’explique : “ … L’ambition d’un écrivain Algérien n’est pas celle d’un écrivain berrichon ou cévenol; elle tend à l’universel. La diversité des origines est une preuve de la richesse spirituelle de l’Algérie, grande famille aux membres multiples dont l’ombre généalogique plange ses racines à travers des couches de sols et de cultures extrêmement variées mais dans les branches et les rameaux s’élèvent vers la même lumière, la même sensualité, le même amour de la justice, et de la liberté.”. -10)- IBID- p 46 : “C’est en regardant en lui-même, d’abord chez lui, chez lui en Algérie, que l’écrivain Algérien, libre de se consacrer à son métier, vivant sur le sol national, retrouve à ces mots impérissables qui ,s’ajoutant à la symphonie universelle, contribueront aux progrès de toute démarche humaine”. 11)-Réflexions sur la culture. Journées d’étude du D.p.t. Des langues romans. Alger:Juin 1977. 1978 - O.P.U. -1984: Humanisme et colonialisme p 13: “ Mais sur le plan culturel, l’objectif est le même: Nier l’autre entant que différent de soi ou de reconnaître s’il fait l’effort de devenir semblable à soi, de s’assimiler ”. 12)- Malek HADDAD. Malheur en danger - Edition Bouchène 1988. p 9 … “ Tu n’est pas seulement Algérien. Alors il ne faut exagérer rien d’autre que ton indifférence pour mieux te solidariser ”. 13)-Réflexions sur la culture. p 37 : “quel niveau de français convient-il d’enseigner aux) “Indigènes” ? Une “langue simple” (…) rien d’abstrait, rien de compliqué, rien de savant… (…) car une population n’ayant que des besoins matériels n’est guerre prête pour goûter notre littérature.” (B.E.I.A 1893. (14) - الصوفية والسريالية، أدونيس، دار الساقي. الطبعة الأولى 1992.. ص 28: ” …وتعرّف السرياليون على أنفسهم في الهامشيين الذين أكدوا نظامهم الثقافي الخاص مقابل المؤسسة الرسمية و ثقافتها الضاغطة ..”. -(15 Malek HADDAD . Le malheur en danger. p 17 George Steiner : Réelles présences: p 42. 16)-“L’interdiction de tout discours sur la littérature et les arts exige un degré de censure irréalisable dans la pratique.”. 17) - محمد قناش، مع محمد ديب، مجلة الرواية، جانفي 1990، ص 34. 18)- Jamel Ali Khodja. “Malek HADDAD: Fonction: écrivain. “Expression - Revue de -l’institut des langues étrangères- Constantine . Janvier 1994 .p 19. 19)-George Steiner. Réelles présences. p 31 “Nulle forme de littérature, d’art ou de musique, n’est durable dès lors qu’elle est stupide. La création esthétique est intelligente au plus haut degré. L’intelligence d’un grand artiste peut être de l’intellectualité souveraine…” 20)- A- Jamel Ali Khodja. IBID. p 24: « Sa première rencontre dans les “Lettres françaises”fut celle d’Aragon qui lui apprit le métier et lui fit “ des remarques de grand-père” . Avec son maître préféré, HADDA apprit une certaine technique de composition littéraire. Il lui donna aussi de précieux enseignements sur l’observation du monde réel, sur la belle ordonnance architecturale d’une oeuvre. »… B- Malek H. Le malheur en danger: “ Aragon t’a flatter : oiseau de la plus haute branche”. (21) - لاحظ كتاب الصوفية والسوريالية لأدونيس، إضافة إلى André كتاب: Breton et les données du Surréalisme: Michel Carrouge n.r.f : 1956. 22)-George steiner. Réelles présences. p 81. 23)- Malek HADDAD : Les zéros tournent en rond . p 35. 24)-Malek HADDAD . IBID. p34 . 25)-Malek HADDAD . IBID. p34 . 26)-Malek HADDAD . IBID. p16 . 27)-Malek HADDAD . IBID. p21 “ Qu’on le veille ou non, qu’on l’admettre ou non, dans sa grande majorité, l’Algérie est arabophone… (…), Qu’on le veille ou non, qu’on l’admette ou non -la langue française - fait désormais partie de notre patrimoine nationale”. 28)-Malek HADDAD . IBID. p33 . 29) - مالك حداد : الحرية ومأساة التعبير، لدى الكاتب الجزائري، محاضرتان ألقاهما في وزارة الثقافة والإرشاد القومي. دمشق. حزيران ( يونيو 1961م) . ص 17. -30)- مالك حداد IBID .ص 8. 31) - مالك حداد IBID .ص 11. 32)-مالك حداد IBID .ص ص (15- 16). 33)- Malek HADDAD. Malheur en danger : p 13 . “Tu écris parce que tu aimes, si tu n’aime pas pose ton stylo.. 34)-Malek HADDAD. IBID. p 12: “Quand un soldat s’en va en guerre, il n’a aucune raison de chanter.”.. 35)- Malek HADDAD. Le quai au fleurs ne répond plus . 36)-Malek HADDAD. Les zéro tournent en rond. p 19. “ Je suis incapable de raconter en arabe ce que je sens en arabe”. -38) Malek HADDAD. IBID. p 35. (39) - مالك حداد: الحرية ومأساة التعبير لدى كتاب الجزائر. 40)-Malek HADDAD. “Je t’offrirai une gazelle.” : p 26. . 41)- Au Fil des lettres .Réflexions Par Malek HADDA, Annasr, samedi 15 Juillet 1967. 42)-Malek HADDAD. “ Les zéros tournent en rond p 12. 43)-La revue expression: Textes inédits de Malek HADDAD. p 120: Constantine27 Janvier 1966 “ J’ai commencé mon roman, je m’y installe, je m’y votre, je m’y plonge …. etc. 44)- مالك حداد : الحرية ومأساة التعبير، لدى الكاتب الجزائري، محاضرتان ألقاهما في وزارة الثقافة والإرشاد القومي. دمشق. حزيران ( يونيو 1961م). 45)- Malek HADDAD .l’élève et la leçon .Edt 10\ 18.P 64. |
| الساعة الآن 03:06 AM. |
Powered by vBulletin
قوانين المنتدى