![]() |
فوارق جوهرية
فوارق جوهـرية :
من الضروري أن نتّفق على تحديد واقع لمعاني ودلالات بعض المفاهيم المتداولة في الاُسرة حتى لا يُساء فهمها أو التعامل بها بشكل عكسي ، وحتى لا تختلط المصطلحات فيتصوّر المربِّي ـ أباً كان أو أمّاً ـ أ نّهما لم يخطئا بحقِّ ابنهما أو ابنتهما ، والحال أ نّهما قد يُخطئان وربّما من غير قصد للخطأ . 1 ـ ( الطاعة ) و ( الإحسان ) : يتحدّث الكثير من الآباء والاُمّهات عن طاعة الأولاد لهم ووجوب الامتثـال لجميع أوامرهم ، فتلك هي مسـؤوليّتهم . وإذا لم يستجيبوا للأوامر والطّلبات حتى ولو كانت غريبة ، أو مُنافية للشّرع ، فإنّهم عُصاة متمرِّدون ، والحال أنّ الله سبحانه وتعالى أراد للإنسان إبناً أو بنتاً أن يكونا محسنين بالوالدين ، ولم يطلب منهما أن يطيعاهما إلاّ فيما هو طاعةٌ له . وهذه هي الأدلّة : يقولتعالى: (وقضىربّكَ ألاّ تعبدوا إلاّ إيّاهُ وبالوالِدَينِإحساناً )([2]). فالعـبادة والطاعـة لله والإحسان للوالديـن . وكلمة ( الإحسان ) تنطوي على جانب أخلاقي تربوي أكثر من انطوائها على الإلزام ، بل ليس فيها شيء من الالزام ، على اعتبار لا يُقاس ولا يُقارَن . وهذا هو قوله تعالى : (إمّا يبلغنّ عندكَ الكِبَر أحـدهُما أو كِلاهُما فَلا تَقُل لَهُما أُفٍّ ولا تَنْهَرْهُما وقُل لَهُما قَوْلاً كَريماً ، واخْفض لَهُما جَـناحَ الذُّلِّ مِنَ الرّحْمَةِ ، وقُلْ رَبِّ ارْحَـمْهُما كَما رَبّياني صَغيراً )([4]) . إنّ بعض الآباء وكثيراً من الاُمّهات يتعاملون مع أبنائهم وبناتهم على ضوء وجوب ردّ الجميل في الالتزام بالطاعة لهما ، ولعلّك تسمع منهم لهجة متشابهة ، فحواها : لقد أفنينا زهرة شبابنا من أجلهم ، فهل هذا هو جـزاؤنا ؟! والحقيقة هي أ نّنا كما قال ذلك الحكيم : «زرعوا فحصدنا ، ونزرع فيحصدون» . فتلك هي سنّة الحياة في الذين خلوا وفينا وفي الذين سيأتون من بعدنا . فالحديث إذاً يدور دائماً عن عملية إحسان في رعاية وأخلاق مُهذّبة وكلمات رقيقة دافئة ، وتعامل بالتي هي أحسن . وإلاّ فالحديث الشريف صريح في الامتناع عن التنفيذ إن كان الأمر بالمعصية «لا طاعة لمخلوق في معصية الخالِق» . أمّا الأمر بالطاعة لله ورسوله ولأوامر الدِّين الحنيف ، واجتناب المعاصي ، فهو ليس أمراً والدياً ، وإنّما هو أمر بما أمر الله ، والطاعة هنا مُفترَضة على الوالدين وعلى الأولاد على حدٍّ سواء . وفي المحصِّـلة ، فإنّ المطلـوب من البنين والبنات ( الاحسان ) للوالدين وليس ( الطاعة ) التي هي في قبال طاعة الله ، فالوالدان ليسا مشرِّعين ، ولا يحقّ لهما فرض طاعة من الطاعات التي لم يقل بها الاسلام . أمّا ما جاء في بعض الأحاديث من طاعة الوالدين ، فالمُراد به إطاعتهما فيما أراده الله لا فيما يُخالف شريعته . وقد تكون الطاعة هنا بمعنى الاحسان والامتثال فيما يُسمّى بالأوامر الاشفاقية (([5])) . أمّا (رضا) الوالدين فهو لا يتنافى أو يتعارض مع رضا الله سبحانه وتعالى ، فإذا كان تعامل الأولاد مع الوالدين بالإحسان ـ كما أراد الله تعالى ذلك ـ فإنّ الاحسان والبرّ بهما وفي قصّة زكريا بن ابراهيم ـ النصرانيّ الذي أسلمَ ـ درس في ذلك وعبرة . فقد طلب من الإمام جعفر الصادق (عليه السلام) أن يبقى مع والديه النصرانيين لأنّ أمّه كفيفة البصر ، فأجابه الصادق (عليه السلام) إلى ذلك ، قائلاً : لا بأسَ عليك ، فانظر أمّك وبرّها ، فإذا ماتت فلا تكلها إلى غيرك ، كُن أنتَ الذي يقوم بشأنها (بتجهيزها) . وعملَ زكريا بما أوصاهُ به جعفر ، فأخذ يُلاطف أمّه ويسبغ عليها من عطفه وحنانه ويُحسن خدمتها أكثر من ذي قبل . فقالت له ذات يوم : يا بُنيّ ما أراكَ كنتَ تصنعُ بي مثل هذا عندما كنتَ على دين النـصرانية ، فما الذي أراهُ منـك منذُ تركتَ هذا الدِّيـن ودخلتَ في الاسلام ؟! فذكر لها ما أوصاه به جعفر الصادق (عليه السلام) ، فقالت : يا بُنيّ ، دينكَ خير دين ، أعرضهُ عليّ . فعرضه عليها ، فدخلت في الاسلام .. وصلّت يومها وماتت في ليلتها . وفي الحديث : «برّ الوالدين من أكرم الطِّباع» ، وفيه أيضاً : «برّوا آباءكم يبرّكم أبناؤكم» . 2 ـ (الحزم) و (القسوة) : يتشدّد بعض الآباء والاُمّهات في التعامل مع أبنائهما لدرجة التضييق وشدّ الخناق وأحياناً الحرمان . وإذا سألت أحدهم : لماذا ذلك ؟ يقول : لا بدّ أن يكون الأب حازماً .. أو لا بدّ أن تكون الاُم صارمة ، وإلاّ أفلت الزِّمام . ومع اتفاقنا على أنّ الزِّمام لا ينبغي أن يفلت ، وأنّ الاُمور البيتية والشؤون الاُسرية لا بدّ وأن تُدار بحكمة عالية ، إلاّ أنّ هناك فرقاً واضحاً بين (القسوة) وبين (الحزم) ، نُحدِّدها على ضوء ما يرى علم النفس في النقاط التالية : أ ـ يُقال إنّ الحزم (متبصِّر) أي يُقدِّر حالة الأبناء والبنات والظروف المحيطة بهما ، والوضع النفسي لهما ، ولذلك فهو يتحرّك ضمن حدود معلومة . أمّا (القسوة) فهي (عمياء) لا تأخذ شيئاً من ذلك في الاعتبار ، ولذلك فليس لها حدود بل هي منفلتة . ب ـ الحزم هو صدى الحكمة والعقل والاهتمام بمصلحة الشاب أو الشابّة ، أمّا القسوة فهي صدى الانفعال الذي تفوح منه رائحة الغضب المستشيط والسيطرة والخروج عن حدِّ المعقول . د ـ ( الحزم ) يساعد على الاسـتقلال التدريجي وتحقـيق قدر أكبر من التكيّف ، بينما القسـوة لا تُحقِّق إلاّ العبودية وفقدان الاحساس بالمسؤولية ، وتحول دون تبلور الشخصية السوية . فإذا ما فرّقنا في التعامل بين (القسوة) كأداة سلبية وبين (الحزم) كأداة إيجابية ، فإنّنا لا نحتاج إلى التأكيد على ضرورة الحزم ، وعدم ترك الاُمور كالحبل على الغارِب . 3 ـ (التجسّس) و (المراقبة) : ما أن يبلغ الفتى مبلغ الشـباب ، وما أن تصل الفتاة إلى مرحلة البلوغ ، حتى يضعها الوالدان في دائرة المراقبـة ، فالشـك هنا يغلب اليقين ، والظنّ يغلب الثقة . لماذا يحصل ذلك ؟ في مرحلـة البـلوغ ، يبدأ الشـاب أو الشـابّة يعيشـان نوعاً من الاستقلالية عن الوالدين وهو أمر طبيعي ، لأنّ الاعتماد على الذات أمر يجب أن يُشجِّع عليه الوالدان ، فهذه علامة عافية في شخصية الأبناء ، بل يجب أن يتسرّب الخوف إلى الوالدين إذا بقيَ أبناؤهما مشدودين إليهما على نحو التبعيّة التي كانت في عهد الطفولة ، وعليهما أن يسعيا لإخراجهم منها . ومن الطبيعي فإنّ الاستقلال يستدعي أن يُمارس الشاب أو الشابّة بعض الأعمال التي يعتبرانها من خصوصياتهما . ولايحبّان لأحد الاطِّلاع عليها . فإذا ما وجدا أباً أو اُمّاً يُفتِّشان في دفاترهما أو حقائبهما أو في أدراجهما ، فإنّهما يمتعضان أشدّ الامتعاض ، لأ نّهما يعتبران ذلك اختراقاً لحُرمة وانتهاكاً لحق . وماذا إذا واجه أحد الأبناء أباه أو أمّه بالقول : (يا أيُّها الّذينَ آمَنـوا اجتنبوا كثيراً منَ الظّنِّ إنّ بعضَ الظنِّ إثمٌ ولا تجسّسوا )([7]) ؟ هل يردّان عليـه بأنّ ذلك ليـس تجسّساً ؟ وإذاً فما معنى التجسّس إذا لم يكن هذا منه ؟ هل يقولان له إنّهما أبواه ولهما الحقّ في أن يُفتِّشا وينبشا في أشيائه الخصوصية ولا يحقّ له الاعتراض ؟ ألا يدفع ذلك الشاب أو الشابّة إلى مزيد من التكتّم والسرِّية وارتكاب بعض المـخالفات بعيداً عن أعين الآباء والاُمّهات ، ممّا لا تجدي معه حتى الرقابة ؟! وقد يثـير بعض الآباء احتـجاجاً : وهل نتركهم يتصرّفون كما يشاؤون وهم ما زالوا صغاراً لا يفقهون من الحياة شيئاً ؟ أليسَ تركهم وشأنهم تشـجيعاً لهم على ارتكاب المزيد من التجاوزات ، وإقامة العلاقات السيِّئة وربّما المشبوهة ؟ والجواب : إنّنا مع ( الرقابة ) ولسنا مع ( التجسّس ) ، فما هو يا ترى الفرق بين الاثنين ؟ فقد يقول بعض المربِّين أنّ ما نقوم به هو ( الرقابة ) من غير تمييز لهذه الحالة الايجابية عن ( التجسّس ) كحالة سلبية . فإذا ما عرّفـنا ( الرقابة ) وعرفنـاها ، فإنّ الشكل المرفوض لها سيتضح تلقائياً ودون عناء . فالرقابة هي حالة التحسّس والاستشعار عن بُعد ، والمتابعة غير المباشرة لحركة الشاب أو الشابّة بما يفيد الاطمئنان من أ نّهما يتحرّكان بشكل صحيح ، وتشمل الأماكن التي يرتادها والأصدقاء الذين يُعاشرهم ، وخلواته مع نفسه .. وهي إذا انعدمت أو غابت ، فإنّها تؤدِّي إلى الانحراف والجنوح لا سمح الله ، وعلى ضوئها يمكن رسم خطّة التعامل مع الواقع والمستجدّات ، وإنقاذ الشاب أو الشابّة من المطبّات والمزالق في اللحظة المناسبة . وهنا لا بدّ من التنبيه إلى أنّ الحرية الزائدة أو غير المسؤولة قد تتحـوّل إلى فوضى ، فلا تجـدي معها المراقبـة ، مثلُها مثل الكبـت الشديد .. كلاهما يؤثِّر تأثيراً سلبياً على الشاب أو الشابّة لا فرق . وكلّما أحسنَ الأبوان المراقبة ، كانت النتائج أطيب ، وهي ليست كما يتصوّر البعض سرِّية ، فأنتَ حينما تتحدّث مع ابنك عن أصدقائه ، أو حينما تفتح الاُم الحديث مع ابنتها حول صديقاتها ، فلا بدّ من أن تكون العلاقة مكشوفة ومنظورة من قِبَل الأبوين ، لكنّ الأسئلة التفصيلية من قبيل : أين ذهبتم ؟ وماذا فعلتم ؟ ومَن كان معكم ؟ وماذا تحدّثتم ؟ يمكن أن تُطلب برواية قصّة يتشوّق الأبوان لسماعها بشكل طبيعي ، لا على طريقة التحقيق وتقديم الإفادات . وثمّة أسلوب عملي مؤثِّر ينطبع في وعي الشاب أو الشابّة ، فالأب أو الاُم اللّذان يتحـدّثان بصراحة عن أماكن ذهابهما وساعات عودتهما وبعض ما جرى مع أصدقائهما ، قد يُشجِّع ذلك أبناءهما وبناتهما على أن يكونوا مثلهما . وبالتالي ، فإنّنا ومهما دعت الأسباب إلى المراقبة، يجب أن لا نحاصر الشاب أو الشابّة إلاّ في حالات الخطورة القصوى التي نشعر فيها أنّ حياتهما أو أخلاقهما مُهدّدة ، علماً أنّ المراقبة والمتابعة الحكيمة سوف لن توصلهما إلى هذا الحد . كما أنّ تربية الأبناء والبنات على الضّبط والمراقبة الذاتية ، تجعلهما يُراقبان سلوكهما وعلاقاتهما جيِّداً ، وهذه هي أهمية الضـمير أو التقوى في نفوس الشباب ، فإذا ما شعرا أ نّهما مسؤولان عن أفعالهما وسلوكهما وأخطائهما ، فإنّهما سيكونان أكثر حرصاً على الانضباط والالتزام . فتربية الأولاد منذ وقت مبكِّر ـ أي في سني الصِّبا ـ على أنّ الله سبحانه وتعالى أوكلَ بنا ملكين كاتبين : أحدهما يكتب الحسنات والآخر يكتب السيِّئات ، وهما يُراقباننا دائماً ويرصدان كلّ أقوالنا وأفعالنا ، وأنّ الله بعد ذلك هو الشاهد المطّلع على ذلك كلّه ، وعلى ما خفيَ على الشاهدين ، وأنّ المجتمع مسؤول عن رقابة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، تجعل الشباب يستشعرون برقابتين : داخلية وأخرى خارجية ، ممّا يُساعد في ضبط تصرّفاتهم بقدر استشعارهم أنّ ذلك لمصلحة الانسان المسلم وليس في الضدِّ منها . 4 ـ (الولاية) و (الرعاية) : الأبوان مسؤولان بشكل مباشر وأساس عن رعاية وتربية الأبناء والبنات لحين بلوغهما سنّ الرُّشد ، فإذا ما بلغا هذه السنّ ، فليسَ للأبوين أن يفرضا ولايتهما ووصايتهما عليهما ، لأ نّهما أصبحا شخصيّتين قانونيّتين يتحمّلان مسؤولية أفعالهما المدنية أمام السلطات الحاكمة ، وشخصيّتين مكلّفتين تكليفاً شرعياً يتحمّلان مسؤوليتهما الشرعية أمام الله سبحانه وتعالى . فليس هناك أيّة ولاية على الفتاة العاقلة الرشيدة التي تستطيع إدارة أمرها ، تماماً كما أ نّه ليس هناك أيّة ولاية على الفتى العاقل البالغ الرّشيد ، لأنّ الانسان إذا بلغ الحُلُم وكان رشيداً ، فإنّه يملك أمره ، وذلك قوله تعالى : (وابتلُوا اليتامى حتّى إذا بَلَغُوا النِّكاح فإن آنستُم منهُم رُشْـداً فادْفَعُوا إليهِم أموالهم )([8]) . وكما هو معلوم ، فإنّ حرِّية التصرّف بالمال تمنح للانسان العاقل الرّشيد حتى لا يُبذِّر أمواله أو يتلفها أو يسيء استخدامها كما يفعل السّفيه . وأمّا الاحتياطات أو الاحترازات التي يضعها الفقهاء في سبيل تقليص فرص انخداع الفتاة في قرار الزواج ، بحيث تعطي وليّ الأمر ـ أباً أو جدّاً ـ حقّ الاستشارة ، فلأنّ تجربة الفتاة قد لا تكون كافية في تقييم الشاب المتقدِّم لزواجها ، ممّا يتسبّب أحياناً بتحوّلها إلى ضحيّة في المجتمع الذي يكـثر فيه التلاعب والغشّ والتدليس . فهذا ـ كما يُعـبِّر الفقهاء ـ ليس نقصاً في ( الأهلية ) وإنّما هو ( احتياط ) للمستقبل . ومن هنا ، فلا ينبغي أن تسقط الرعاية والعناية والمشورة الأبوية حتى في مراحل العمر المتقدِّمة ، لأ نّهما أخلص وأحبّ الناس إلينا ، ولأنّ تجربتهما أغنى من تجاربنا ، فالأب أو الاُم اللّذان يحترمان أبناءهما وبناتهما ، لا يُمارسان سلطة الولاية عليهما ، بل يتعاملان معهما كمُرشدين في شؤونهما ، وكمعاونين في حلِّ مشكلاتهما ، أي أن يكونا المرجع الأوّل في ذلك . ولا شكّ أنّ هناك فرقاً كبيراً بين ( المستشار ) وبين ( الوليّ ) ، فولاية الأمر مطلوبة قبل البلوغ ، أمّا بعد البلوغ فالمشورة هي المطلوبة . وباختصار ، فإنّ (الولاية) التي يتشبّث بها بعض الآباء والاُمّهات مع الشبّان والشابّات ، تفرض دسّ الأنف والتدخّل في الصغيرة والكبيرة ، في حين أنّ (المشورة) تجعلهما في موضع النصيحة وتسديد الخطى والقرارات في الأساسيات وليس في الفرعيات . 5 ـ (الاستقلال) و (الانفصال) : في بلاد الغرب ، ما أن يبلغ الطفل سنّ المراهقة ، حتى تتيح له السلطات المحلِّية أن ينفصل عن والديه باعتباره شخصية مستقلّة ، ويُشبِّهون ذلك بالثمرة الناضجة التي لا بدّ أن تسقط من الشجرة . والتشبيه هنا ليس تامّاً أو متطابقاً ، فالشاب غير الثمرة ، إنّ علاقة الثمرة بالشجرة تنتهي بمجرّد سقوطها منها ، أمّا علاقة الشاب بعائلته ـ كما هو منهج التربية في الاسلام ـ فباقية متّصلة حتى مع استقلال شخصيّته من الناحيتين العملية والشرعية ، أي أ نّه يتواصل ويتفاعل اجتماعياً مع الوالديـن ، ليس في حياتهما فقط ، بل بعد وفاتهما أيضاً ، ففي الدّعـاء : «اللّهمّ اغفِر للمؤمنين والمؤمنات والمسلمين والمسلمات الأحياء منهم والأموات وتابع اللّهمّ بيننا وبينهم بالخيرات» . فنحنُ دُعاة استقلال ، ولسنا دُعاة انفصال بالمعنى الغربي الذي يصبح فيه الإبن غريباً على عائلته كما تصبح هي غريبة عليه . والأب العاقل الحصيف وكذلك الاُم العاقلة الرشيدة ، هما اللّذان يُساعدان أبناءهما وبناتهما على الاستقلال عنهما بما يصطلح عليه بعض علماء النفس بـ (الفِطام) النفسي والاجتماعي الذي يبني عندهما حالة الاعتماد على الذات ويُشعرهما أ نّهما باتا يتعاملان معهما كإخوة وأخوات . فالاستقلال المالي ـ مثلاً ـ مطمح يطمح إليه الشاب ، لأ نّه يُشكِّل جزءاً من شخصيته واعتماده على نفسه ، وهنا يأتي دور الوالدين في الإشارة إلى العمل المناسب ، وفي ذلك يقول النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) : «حقّ الولد على والدهِ أن يُحسن إسمه وأدبه ويضعه موضعاً صالحاً» . فالارشاد إلى العمل الصالح والكسب الحلال هو مسؤولية الأبوين اللّذين يساعدان أولادهما على التحرّر من تبعيّتهما المالية ، وليس لهما أن يفرضا نمطاً معيّناً من المهن والأعمال . ويميِّز بعض علماء النفس بين الولاية كتدخّل مباشر وبين الرعاية كتدخّل غير مباشر ، بنقاط منها : 1 ـ تستلزم (الرعاية) الاستعانة بعمليّتي (الاقناع) و (الاقتناع) ، أمّا (الولاية) والوصاية فتستلزِم الفرض أو الإلزام . 2 ـ تعتمد (الرعاية) الوسائل المستخدمة بحسب المقام والظروف ، أمّا الولاية كتدخّل مباشر فلا تؤمن إلاّ بوسيلة واحدة وهي الفرض . 3 ـ تأخذ (الرعاية) بالفهم التطوّري للانسان ، وتتطلّب التفاعل المشترَك بين الآباء والأبناء ، بينما تنفي الوصاية ذلك . 4 ـ الرعاية توفِّر الطمأنينة ، أمّا الولاية فتُصادِر الشخصية وتورِث القلَق ، ذلك أنّ الرعاية تُشجِّع على إبداء الرّأي ، أمّا الوصاية فتلغي هذه الحرِّية أو تقلعها . وفي المحصِّلة ، فإنّ من مزايا الرعاية أ نّها تحقِّق أصالة الشخصية ، فيكون التصرّف والسلوك نابعين من الداخل ، أي أنّ شخصية الشاب أو الشابّة تسلكان في أجواء الرعاية سلوكاً ذاتياً حرّاً وليس مفروضاً عليهما من الخارج ، الأمر الذي يوفِّر فرصة التقدّم والنموّ والانفتاح على الحياة والشعور بالمسؤولية . |
رد: فوارق جوهرية
|
| الساعة الآن 07:03 AM. |
Powered by vBulletin
قوانين المنتدى