![]() |
بعض الآثار الواردة في مجانبة أهل الأهواء والبدع
الحمدُ لله حمدًا طيّبًا مباركًا فيه.. و أصلي و أسلم على نبيّي محمد و آله و صحبه وسلم.. وبعد.
فهذه بعض الآثار الواردة في مجانبة أهل الأهواء والبدع :مما ورد في ذلك من الآثار : - عن أبي قلابة -رحمه الله- أنه قال:لا تجالسوا أهل الأهواء ولا تجادلوهم فإني لا آمن أن يغمسوكم في ضلالتهم أو يُلبِّسوا عليكم ما تعرفون . - وعن مُفَضَّل بن مُهَلْهَل - رحمه الله - قال : لو كان صاحب البدعة إذا جلست إليه يحدثك ببدعته حَذِرْتَهُ وفررت منه . أي: لو كان يحدثك في بدء مجلسه بذلك لأمكن الحذر ولأمكن الفرار منه ، لكنه يَدْخُلُ عليك بأحاديث السنة ثم يُدْخِلُ عليك بدعته ، فمتى تخرج البدعة من القلب ؟ . - وعن ثابت بن عَجلان - رحمه الله - قال : أدركت أنس بن مالك وابن المسيب والحسن البصري وسعيد بن جبير والشعبي وإبراهيم النخعي وعطاء بن أبي رباح وطاووس ومجاهدا وعبد الله بن أبي مليكة والزهري ومكحولًا والقاسم وعطاء الخراساني وثابتًا البناني والحكم بن عتيبة وأيوب السختياني وحماد ومحمد ابن سيرين وذكر أقوامًا قال : كلهم يأمروني بالجماعة وينهونني عن أهل الأهواء والبدع . إنه إجماع قد انعقد . موقف أهل السنة والجماعة من أهل الأهواء والبدع موقف واضح وأصل أصيل لا يمكن أن يختلف فيه سُنِّيان ينتسبان إلى أهل السنة والجماعة بحق . - وهذا الإمام أحمد يضرب لنا مثلا ألا نغتر بصلاح صالح ، أو باجتهاد مجتهد في العبادة إذا خالف السنة وإن كان من كان ، فعن علي بن أبي خالد قال : قلت لأحمد بن حنبل رحمه الله : إن هذا الشيخ - وأشار إلى شيخ حضر معه - هو جاري وقد نهيته عن رجل وهو يحب أن يسمع قولك فيه ألا وهو حارث القصير - وهو الحارث المحاسبي هذا الرجل الصوفي - قال : وقد سمعتك من سنين لما رأيتني معه حذرتني من مجالسته وأتيت بجاري هذا ليسمع قولك فيه ، قال: فرأيت أحمد قد احمرَّ لونه، وانتفخت أوداجه، وعيناه، وما رأيته هكذا قط، ثم جعل ينتفض ويقول : ذاك ؟ فعل الله به وفعل ، ليس يعرف ذاك إلا من خبره وعرفه ، أَوَّيْه ، أَوَّيْه ، أَوَّيْه ، ذلك جالسه المغازني ويعقوب وفلان فأخرجهم إلى رأي جهم بن صفوان هلكوا بسببه . فقال له الشيخ : يا أبا عبد الله إنه يروي الحديث - أي : هذا الرجل المبتدع يروي الحديث - ساكن ، خاشع ، من قصته ومن قصته - كأنه يثني عليه بعبادته وأنه يذكر الحديث فذكر من شأنه ما ذكر - ، فغضب أبو عبد الله وجعل يقول : لا يغرك خشوعه ، لا يغرك لينه ، لا تغتر بتنكيس رأسه فإنه رجل سوء ، ذاك لا يعرفه إلا من خبره ، لا تكلمه ولا كرامة له ، كل من حدث بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان مبتدعا تجلس إليه ؟! وتأمل هذه العبارة : كل من حدث بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان مبتدعا تجلس إليه ؟ لا ولا كرامة ولا نُعمى عين وجعل يقول : ذاك ، ذاك ، كأنه ينكر هذا الأمر إنكارًا عظيمًا . - وسئل أبو زرعة - رحمه الله - عن الحارث هذا وعن كتبه - وكتبه كتب في الرقائق والخطرات والوساوس ومحاسبة النفس - فلما سئل أبو زرعة رحمه الله قال للسائل : إياك وهذه الكتب ، هذه كتب بدع وضلالات، عليك بالأثر فإنك تجد فيه ما يغنيك عن هذه الكتب . فقيل له : هذه الكتب فيها عبرة - أي : فيها عظة وترقق القلب - فقال رحمه الله : من لم يكن له في كتاب الله عبرة فليس له في هذه الكتب عبرة . ثم قال : ما أسرع الناس إلى البدع ! . ما أسرع الناس إلى البدع ! ، وهذا أمر نلمسه لمس اليد ، الناس يتسارعون إلى البدع وينخدعون بصلاح بعض أهل البدع ، بل وبما أصابوا فيه الحق في أبواب أخرى ، إذ ليس من شرط المبتدع أن يكون مخالفًا للسنة في جميع الأبواب ، بل قد يبتدع في باب واحد فيجب التحذير منه ومن بدعته جملة وتفصيلًا ، لأن العامي من العمى ، لا يفرق ، فإذا أحلته عليه ابتلعه كلَّه ، بخيره وشره ، بسنته وبدعته، فكان من أصول أهل السنة هجران أهل الأهواء والبدع ، انعقد الإجماع على ذلك ، وراجع إن شئت كتاب ( إجماع العلماء على الهجر والتحذير من أهل الأهواء ) فقد جمع إجماعات كثيرة من كتب السلف -رضي الله عنهم- أن هذا الأمر قد انعقد عليه الإجماع ، وقد ذكرنا ذلك من قبل لكن عند الفتن يحتاج الناس للتذكير خاصة في هذا الزمان الذي تلبس فيه كثير من الناس بلبوس سنية ، وبأردية سلفية ، ثم خبئوا البدع تحت آباطهم ، فلم يُفْطَنْ إليهم فصاروا شيوخ الإسلام وصاروا من الأئمة الأعلام ( عند العوام ) فإذا نُبِشَتْ بِدَعُهُمْ وَحُذِّرَ منهم اغتر الناس بصالح أحوالهم ، وبسمتهم وبخشوعهم وبتنسكهم وسكونهم ولينهم ، فعندئذ يجب على من عنده علم أن يظهر هذا العلم وأن يظهر هذا الأصل وأن يُذَكِّرَ الناس بذلك حتى لا ينحرفوا مع من انحرف ، ولا ينجرفوا مع من انجرف . وكان سفيان الثوري يقول: البدعة أحب إلى إبليس من المعصية، والمعصية يتاب منها والبدعة لا يتاب منها. قال الإمام أحمد بن حنبل: قبور أهل السنة من أهل الكبائر روضة، وقبور أهل البدعة من الزهاد حفرة، فساق أهل السنة أولياء، وزهاد أهل البدعة أعداء الله. [طبقات الحنابلة (1/184)] وقال الإمام الشافعي: لأن يلقى الله العبد بكل ذنب ما خلا الشرك خير من أن يلقاه بشيء من الهوى. [أخرجه البيهقي في الاعتقاد ص 158] وقال أبو علي الحسين بن أحمد البجلي: ( دخلت على أحمد بن حنبل ، فجاءه رسول الخليفة يسأله عن الاستعانة بأهل الأهواء ، فقال أحمد : لا يستعان بهم ، قال: فيستعان باليهود والنصارى ولا يستعان بهم ؟ قال : إن النصارى واليهود لا يدعون إلى أديانهم ، وأصحاب الأهواء داعية ) . [الآداب الشرعية لابن مفلح الحنبلي ( 1/275)]. قال أرطأة بن المنذر: لأن يكون ابني فاسقاً من الفسّاق أحب إليّ من أن يكون صاحب هوى. [الإبانة (2/446)] وقال سعيد بن جبير: لأن يصحب ابني فاسقاً شاطراً ( أي: لصاً) سنياً أحب إلي من أن يصحب عابداً مبتدعاً. [ الإبانة رقم : ( 89) ] قال الفضيل بن عياض: لإن آكل عند اليهودي والنصراني أحب إليَّ من أن آكل عند صاحب بدعة ؛ فإني إذا أكلت عندهما لا يُقتدى بي وإذا أكلت عند صاحب بدعة أقتدى بي الناس ، أحب أن يكون بيني وبين صاحب البدعة حصن من حديد ، وعمل قليل في سنة خير من عمل صاحب بدعة ، ومن جلس مع صاحب بدعة لم يعط الحكمة ، ومن جلس إلى صاحب بدعة فاحذره، وصاحب بدعة لا تأمنه على دينك ولا تشاوره في أمرك ولا تجلس إليه فمن جلس إليه ورثه الله عز وجل العمى ، وإذا علم من رجل أنه مبغض لصاحب بدعة رجوت أن يغفر الله له وإن قل عمله فإني أرجو له لأن صاحب السنة يعرض كل خير وصاحب البدعة لا يرتفع له إلى الله عمل وإن كثر عمله. وقال: إن لله عز وجل وملائكة يطلبون حلق الذكر فانظر مع من يكون مجلسك لا يكون مع صاحب بدعة فإن الله تعالى لا ينظر إليهم، وعلامة النفاق أن يقوم الرجل ويقعد مع صاحب بدعة وأدركت خيار الناس كلهم أصحاب سنة وهم ينهون عن أصحاب البدعة. [الحلية (8/103)] قال أبي الجوزاء رحمه الله (83هـ) : لأن يجاورني قردة وخنازير أحب إلي من أن يجاورني أحد منهم – يعني أصحاب الأهواء . [ شرح أصول اعتقاد أهل السنة 1/131] قال إمام أهل السنة والجماعة في عصره الإمام البربهاري – رحمه الله – في كتابه "شرح السنة" : (( وإذا رأيت الرجل: رديء الطريق والمذهب، فاسقا فاجرا، صاحب معاص، ظالماً، وهو من أهل السنة؛ فاصحبه واجلس معه فإنه ليس تضرك معصيته، وإذا رأيت الرجل عابداً، مجتهداً، متقشفاً، محترفاً بالعبادة، صاحب هوى؛ فلا تجلس معه ولا تسمع كلامه ولا تمشي معه في طريق، فإني لا آمن أن تستحلي طريقه فتهلك معه. رأى يونس بن عبيد ابنه وقد خرج من عند صاحب هوى فقال: يا بني من أين خرجت. قال: من عند فلان. قال: يا بني لأن أراك خرجت من بيت خنثى أحب إلي من أن أراك خرجت من بيت فلان وفلان، ولأن تلقى الله زانيا سارقا خائنا أحب إلي من أن تلقاه بقول أهل الأهواء. أفلا تعلم أن يونس قد علم أن الخنثى لا يضل ابنه عن دينه وأن صاحب البدعة يضله حتى يكفره.)).اهـ. قال الشيخ عبد العزيز الراجحي في كتابه "قمع الدجاجلة" (ص 402) في توضيح كلام الإمام البربهاري: (( أن هذا ليس تهويناً للكبائر والموبقات! وإنما هو تعظيم للبدع والمحدثات، وأنه مع عظم الزنا، والسرقة، وغيرها من المعاصي والفجور، إلا أن البدع أعظم جرماً، وصحبة أربابها أشد ضرراً، من وجهين: أحدها: اغترار الناس بالمبتدع، إذا كان مُظهراً للصلاح والعبادة، مما يَغُرُّ بعض العامة، ومن لا بصيرة له. الثاني: أن المبتدع يتخذ بدعته ديناً يتدين به، ويدعو إليه، ويذب عنه، ويجادل فيه: فخطر التأثر به كبير. أما العصاة: فإنهم إن لم يستروا معاصيهم ويخجلوا منها، لم يدعو إليها. وإن دعوا إليها، لم يستجب لهم، لظهور قبحها للعامة والخاصة. وإن تأثر بها أحد، فهو أخف من تأثرّه ببدعة مبتدع ربما أخرجته من الإسلام جملة )). _______________ قال الإمام السجزي في رسالته إلى أهل زبيد (ص:177-181): ((والمعتزلة مع سوء مذهبهم أقل ضرراً على عوام أهل السنة من هؤلاء، لأن المعتزلة قد أظهرت مذهبها ولم تستقف (أي تأتي من الخلف) ولم تموه…فعرف أكثر المسلمين مذهبهم وتجنبوهم وعدوهم أعداء، والكلابية والأشعرية قد أظهروا الرد على المعتزلة، والذب عن السنة وأهلها، (ثم ذكر بعض عقائد الأشعري، ثم قال:) وكذلك كثير من مذهبه، يقول في الظاهر بقول أهل السنة مجملاً، ثم عند التفسير والتفصيل يرجع إلى قول المعتزلة، فالجاهل يقبله بما يظهره، والعالم يجهره لما منه يخبره، والضرر بهم أكثر منه بالمعتزلة لإظهار أولئك ومجانبتهم أهل السنة، وإخفاء هؤلاء ومخالطتهم أهل الحق)). وما أحسن ما ذكره شيخ الإسلام إبن تيمية إذ قال: (( وقد أمر الشيخ أبو عمرو بن الصلاح بانتزاع مدرسة معروفة من أبي الحسن الآمدي، وقال: "أخذها منه أفضل من أخذ عكا"(1) ، مع ان الآمدي لم يكن أحد فى وقته أكثر تبحراً فى العلوم الكلامية والفلسفية منه )). [مجموع الفتاوى (18/52-53)] (1) قال الشيخ حامد الفقي: في (حاشيته نقص المنطق) ص156: أي: من الإفرنج أيام احتلالهم لبعض بلاد الشام ومصر في المائة السادسة. _______________ قال الشوكاني – رحمه الله – في فتح القدير ( 1/169) : ((وقد تكون مفسدة إتباع أهوية المبتدعة أشد على هذه الملة من مفسدة إتباع أهوية أهل الملل، فإن المبتدعة ينتمون إلى الإسلام ، ويظهرون للناس أنهم ينصرون الدين ويتبعون أحسنه، وهم على العكس من ذلك والضد لما هنالك فلا يزالون ينقلون من يميل إلى أهويتهم من بدعة إلى بدعة ويدفعونه من شنعة إلى شنعة، حتى يسلخوه من الدين ويخرجونه منه، وهو يظن أنه منه في الصميم ، وأن الصراط الذي هو عليه هو الصراط المستقيم )). يقول الشاطبي – رحمه الله - : (( والسر في خطورتهم يلبسون لباس الإسلام ؛ فيسهل عليهم اصطياد المسلمين، ومخادعتهم، وإيقاعهم في هوة البدع ، وتقليب الأمور والحقائق عليهم ؛ بجعل الحق باطلا ، والباطل حقا، والبدع سنة ، والسنة بدعة. وقد يتسببون في إدخال أناس في الكفر والنفاق والزندقة ، كما هو واقع كثير من أصناف المبتدعة، لا سيما الروافض وغلاة الصوفية. بخلاف الكفار ؛ فإن نفوس المسلمين تنفر منهم ، ولا تنخدع بحيلهم ودعاياتهم )). وهذا يفسر لك سر إنشغال علماء السنة بالرد على أهل البدع، وعدم أنشغالهم بالرد على أهل الملل الكافرة. _______________ قال شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب – رحمه الله – في كتابه "فضل الإسلام": ((باب ما جاء أن البدعة أشد من الكبائر)) قال الإمام عبد العزيز بن باز-رحمه الله- معلّقاً: والمعنى: أن البدعة أكبر من الكبائر لأنها تَنَقُصٌ للإسلام وإحداث في الإسلام واتهام للإسلام بالنقص، فلهذا يبتدع ويزيد. وأما المعاصي فهي اتباع للهوى وطاعة للشيطان فهي أسهل من البدعة وصاحبها قد يتوب ويسارع ويتعض، أما صاحب البدعة فيرى أنه مصيب وأنه مجتهد فيستمر بالبدعة نعوذ بالله، ويرى الدين ناقص فهو بحاجة إلى بدعته. ولهذا صار أمر البدعة أشد وأخطر من المعصية قال تعالى في أهل المعاصي: (وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ). فأهل المعاصي تحت المشيئة، وأما أهل البدع فذنبهم عظيم، وخطرهم شديد؛ لأن بدعتهم معناها التنقص للإسلام، وأنه محتاج لهذه البدعة ويرى صاحبها أنه محق ويستمر عليها ويبقى عليها ويجادل عنها نسأل الله العافية.اهـ. |
| الساعة الآن 07:59 PM. |
Powered by vBulletin
قوانين المنتدى