منتديات الشروق أونلاين

منتديات الشروق أونلاين (http://montada.echoroukonline.com/index.php)
-   منتدى تحريم دم المسلم (http://montada.echoroukonline.com/forumdisplay.php?f=75)
-   -   الجهود السلفية لعصمة دماء الجزائر الطاهرة الزكية 17 (http://montada.echoroukonline.com/showthread.php?t=11327)

الليث 24-09-2007 03:25 PM

الجهود السلفية لعصمة دماء الجزائر الطاهرة الزكية 17
 
النتائج التي توصل إليها الشيخ الفاضل عبد المالك رمضاني الجزائري في كتابه المجموع " فتاوى العلماء الأكابر فيما أهدر من دماء بالجزائر "
".................. النتيجة الأولى: وجوب الحذر من الخروج على السلاطين
بعد هذا العرض الطيِّب من هؤلاء الأعلام المُجتهدين، يتبيَّن القارئُ أنَّ مسألةَ الدِّماء التي تحياها كثيرٌ من بلاد الإسلام مع الأسف، ويستعدُّ آخرون لِلِقَاءِ مصرعِهم على عتبة هذا الفكر، دون التفاتٍ إلى نصوص الشارع الحكيم، ولا استفادةٍ من الواقع الأليم! يتبيَّن القارئُ أنَّ هذه المسألةَ ليست قضية واقعٍ، يختلف الجوابُ فيها من بيئةٍ إلى أخرى؛ لأنَّ أسوأ أحوال هؤلاء الحُكَّام الذين يُراد الخروجُ عليهم، أنَّهم كفَّار كما يُصوِّرُ منازعوهم، مع هذا لَم يُجَوِّز أحدٌ من هؤلاء المفتين الخروجَ عليهم؛ لأنَّ الدِّماءَ ستُراق بساحة الفتن بلا جدوى، فلا الحقُّ يُنصر، ولا الكفر يُكسَر؛ إذ الشوكةُ ـ كعادتها ـ تنوء بعصبة السلطان.
وإلاَّ فلماذا لَم يُقاتِل إبراهيم ـ عليه السلام ـ النمرودَ؟!
ولماذا لم يُقاتِل موسى ـ عليه السلام ـ فرعونَ، بل كان فارًّا منه؟! ولماذا لَم يُقاتِل موسى والخضر ـ عليهما الصلاة والسلام ـ المَلِك الذي كان يأخذ كلَّ سفينةٍ غصباً؟!
ولماذا نهى الله رسولَه محمداً r عن قتال الكفار وهو في مكة مستضعَفٌ... ؟!
قال القرطبي ـ رحمه الله ـ عند قصة الخضر مع الملك الذي يأخذ كل سفينة غصباً: (( وتحصَّل من هذا: الحضُّ على الصبر في الشدائد، فكم في ضمن ذلك المكروه من الفوائد، وهذا معنى قوله: {وَعَسَى أَن تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ} [البقرة 216] ))([1]).
ولئن كانت الحال ـ كما هي الحال ـ على أنَّ الحُكام مسلمون، فقد سبق بيانُ أنَّ الشارع الحكيم ـ الذي أوْجب الأمرَ بالمعروف والنهيَ عن المنكر كما أوْجَب الجهاد ـ هو الذي نهى عن قتالِهم، وهذا هو الذي استظهر أدلَّتَه هؤلاء الأكابرُ العلماءُ، إذن فـ:
{النتيجة الآن: لا خروج.

ـ الحُكام إذا كانوا كفَّاراً
ـ أو كانوا مسلمين بغضِّ النظر عن برِّهم وفجورهم
ومناط الحكم الأوَّل هو: المصلحة والمفسدة، وهو من مدارك أهل الاجتهاد من العلماء.
ومناط الحكم الثاني: هو النصُّ الصريحُ الدَّالُ على ذلك.
فرحم الله امرءاً نظر بعين الحقِّ: الكتاب والسنة، وفهمهما كما فهمهما السلفُ الصالِح، وجرَّد عقلَه عن الهوى، وجاهد نفسَه من سَوْرَة الغضب، قال الله تعالى: {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللهَ لَمَعَ المُحْسِنِينَ} [العنكبوت 69].
وقال رسول الله r: (( ليس الشديدُ بالصُّرَعة، إنَّما الشَّديد الَّذي يَملك نفسَه عند الغضب ))([2]).
واعلم أنَّ صلاح الخارجين لا يُغيِّر من الحكم شيئاً؛ لأنَّه لَم يُنَط به الحكمُ كما سبق، وعلى هذا يكون من اللَّغْوِ أن يسأل بعضُ الإخوة عن أحوال الخارجين، فيقولون: هل هم من أهل السنة أو سلفيُّون؟
وذلك لأنَّ الخروجَ على إمامٍ مسلمٍ لا يشفعُ له صلاحُ صالِحٍ ولا عِلمُ عالمٍ، ولو كان الخارجون سلفيِّين حقيقةً لَما خرجوا بعد أن استقرَّ الأمرُ على ما نقلتُه عن السلف في مقدِّمة الكتاب!
قال ابن تيمية ـ رحمه الله ـ فيمَن خرج على بعض خلفاء بني أميَّة كابن الأشعث، وابن المهلب: (( فهُزموا وهُزم أصحابُهم، فلا أقاموا دِيناً، ولا أبْقوا دُنيا، والله تعالى لا يأمر بأمرٍ لا يحصل به صلاحُ الدِّين ولا صلاحُ الدنيا، وإن كان فاعلُ ذلك من أولياء الله المتَّقين ومن أهل الجنَّة ... ))([3]).



* * *



النتيجة الثانية: عِظَم شأن الدِّماء
على كلِّ حالٍ، فإنَّه بعد هذا الإجماع التام من قِبل هؤلاء الأكابر الفضلاء، لم تَبْقَ لمخالفٍ حجَّةٌ يتعلَّق بها، ولا سيما للتَّقيِّ العاقل الذي يتخايل بين عينيه القيام بين يدي الله، وقد قال الله تعالى في صفات عباد الرحمن: {والَّذينَ لاَ يَدْعُونَ مَعَ اللهِ إلـهًا آخَرَ ولاَ يَقتُلُونَ النَّفسَ الَّتي حرَّم الله إلاَّ بالحَقِّ وَلاَ يَزْنُونَ ومَن يَفْعَلْ ذلِكَ يَلْقَ أَثامًا يُضَاعَفْ لَهُ العَذابُ يَوْمَ القِيَامَةِ ويَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا} [الفرقان 68 ـ 69].
وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله r قال: (( لو أنَّ أهلَ السماء والأرض اشتركوا في دم مؤمن لأَكَبَّهم الله في النار ))([4]).
وعن عبد الله بن عمرو أنَّ النبي r قال: (( لَزَوالُ الدنيا أَهْوَن على الله من قَتل رجل مسلم ))([5]).
واعلم أنَّ للمقتول كلمة يقولها تحت عرش الرحمن، فعن ابن عباس أنَّه سُئل عمَّن قَتَل مؤمناً متعمِّداً، ثم تاب وآمن وعمل صالحاً ثم اهتدى؟ فقال ابن عباس: وأنَّى له التوبة؟‍‍‍! سمعتُ نبيَّكم r يقول: (( يا ربِّ! سَلْ هذا فيم قتلني؟ حتى يُدنيه من العرش، فتلا هذه الآية: {ومَن يقتل مؤمنًا متعمِّداً فجزاؤُه جَهنَّم خَالِداً فيهَا وغَضبَ الله عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وأَعَدَّ لَهُ عَذَاباً عَظِيمًا} [النساء 93] ))([6]).
وعن أبي الدرداء عن رسول الله r قال: (( يَجْثو المقتولُ يوم القيامة على الجادَّة([7])، وإذا مرَّ به قاتِلُه قال: يا ربِّ! قتَلني هذا، فيقول له: لِمَ قَتَلتَه؟ فيقول: أمَرَنِي فلانٌ! فَيُعذَّبُ القاتلُ والآمِرُ ))([8]).
ثمَّ اعلم أنَّ لكلمة التوحيد (لا إله إلاَّ الله) حُرمةً عظيمةً؛ فقد كان رسول الله r يتوقَّف عن قتل قوم من المنافقين ـ استحقوا القتل ـ من أجل هذه الكلمة.
فعن النعمان بن بشير قال: كنَّا مع النبي r، فجاء رجلٌ فسارَّه، فقال: (( اقتلوه ))، ثم قال: (( أيَشهد أن لا إله إلاَّ الله؟ )) قال: نعم! ولكنَّما يقولها تعوُّذًا، فقال رسول الله r: (( لا تقتلوه، فإنَّما أُمرتُ أن أُقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلاَّ الله، فإذا قالوها عصموا منِّي دِماءَهم وأموالَهم إلاَّ بحقِّها، وحسابهم على الله ))([9]).
وينبغي للمسلمِ أن يكون على وَجَلٍ من ربِّه من أن يَموتَ المسلمون من أجله، فقد قال مروان لابن عمر بن الخطاب رضي الله عنهما: (( هَلُمَّ أُبايعك؛ لأنَّك سيِّدُ العربِ وابنُ سيِّدها، فقال له ابن عمر: كيف أصنَع بأهل المشرق (يريد أنَّ الشوكةَ لهم)، والله ما أحبُّ أنَّها دانت لِيَ سبعين سنة وأنَّه قُتل في سببِي رجلٌ واحد! فخرج مروان وهو يقول:
إنِّي أرى فتنةً تغلي مراجِلُها والمُلك بعد أبي ليلى لِمَن غلبا([10])



النتيجة الثالثة: تصحيح التوبة
إنَّني أتقدَّم بالنُّصح للتائبين من العمل المسلَّح بأن يُخلِصوا لله في رجوعهم، وذلك هو وصف التوبة النَّصوح، ومنه رجوعهم إلى الاستقامة على مذهب أهل السنة، وعدم الرَّتع في المذاهب المنحرفة عنهم، وترك الروغان، كما قال الله تعالى: {وَإِنّيِ لَغَفَّارٌ لِمَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى} [طه 82]، قال سعيد بن جُبير: (( ثمَّ استقام، قال: لزوم السنة والجماعة ))([11]).
ولئن زادوا على هذا بيانَ فساد ما كانوا عليه لكان ذلك أدلَّ على صدق التوبة.
وتفصيلُه يكون بأن يعرفوا خطأَهم حقَّ المعرفة، ثمَّ يُصلحوه ثانياً ما استطاعوا، ثمَّ يُبيِّنوا لغيرهم ثالثاً، حتى يعلمَ الناسُ حقيقةَ هذه الدعواتِ الدموية، ويتجنَّبوا سبيلَها؛ لأنَّها شؤمٌ على الأمَّة الإسلامية، قال الله تعالى: {إِلاَّ الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَوَّابُ الرَّحِيمُ} [البقرة 160].
أمَّا معرفتهم خطأَهم فهذا أصلُ توبتِهم الصادقة؛ إذ لو لَم يعرفوا خطأَهم معرفةً شرعيةً، لَما تَمكَّنوا من أن يتوبوا توبةً شرعيةً، وإنَّما قد يتوبون توبة سياسةً! فليتوبوا على بيِّنات من الكتاب والسنة، لا تحت إرهاب السجون ودقِّ الأسنَّة.
وهذا يكون بالاتِّصال بأهل العلم؛ لِيُطْلِعوهم على الحقِّ في هذه المسائل، حتى لو هاجت فتنةُ ـ لا قدَّر الله ـ لَم يكونوا إحدى أدواتها، بل ثبتوا فيها ثبات الجبال الرواسي، وإن تمالأ عليها الجنُّ والأناسي.
وليَحذروا من توبةِ مَن ردَّه الجدار وهو حريصٌ على خَرْقه؛ فإنَّ (( من العصمة ألاَّ تجد! ))، ولكن ليتوبوا توبة قادرٍ على الرجوع إلى القديم الفاسد، ولكن يتركه لوجهِ الله.
وليكونوا مغاليقَ للشرِّ، وليحذروا أسبابَ الفتن؛ فإنَّ منها نشرَ مساوئ السلاطين، والتحزُّب ضدَّهم، وانتهاز فُرَص ضعفهم، لإثارة العامَّة عليهم وغيرها من أسباب الشرور؛ فإنَّ التنزُّهَ عن هذا كلِّه دليلٌ على صدق التوبة، وصفاء السريرة.
قال عبد الله بن عُكيم رحمه الله: (( لا أُعينُ على دم خليفة أبداً بعد عثمان، فقيل له: يا أبا معبد! أَوَ أَعَنْتَ عليه؟ قال: كنتُ أَعُدُّ ذِكرَ مساويهِ عَوْناً على دمه ))([12]).
وليَكن همُّهم الأكبر أن يرضى اللهُ عنهم وأن يغفر لهم ما سلف؛ فإنَّه الواحد القهار، والعزيز الجبَّار والكبير المتعال الذي تُخشى سَطوتُه، وغضبُه هو الغضبُ الذي ما بعده غضبٌ يُبالى، وليَكبُر طمعُهم في عفو الله، ولا يَضيرُهم ما يقوله الناسُ، كما قال خليل الرحمن عليه الصلاة والسلام: {وَالَّذِي أَطْمَعُ أَن يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ} [الشعراء 82].
وإليكم هذه العبرة:
كان مسلم بنُ يَسَار ـ رحمه الله ـ مِمَّن خرج مع ابن الأشعث زمن الحَجَّاج بن يوسف، ثمَّ تاب من ذلك وندم ندامةً شديدةً، مع أنَّ الحجَّاجَ ليس بالوالي الذي تُحمَدُ سيرتُه، فقد قال مكحول: (( رأيتُ سيِّداً من ساداتكم دخل الكعبةَ، فقلت: مَن هو يا أبا عبد الله؟ قال: مسلم بن يسار، فقلتُ: لأنظُرنَّ ما يصنعُ مسلمٌ اليوم.
فلمَّا دخل قام في الزاوية التي فيها الحَجَر الأسود يدعو قدر أربعين آية، ثمَّ تحوَّل إلى الزاوية التي فيها الركن فقام يدعو قدر أربعين آية، ثمَّ تحوَّل إلى الزاوية التي فيها الدرجة فقام يدعو قدر أربعين آية، ثمَّ جاء حتى قام بين العمودين عند الرُّخامة الحمراء، فصلَّى ركعتين، فلمَّا سجد قال: اللَّهمَّ اغفِر لي ذنوبي وما قدَّمتْ يداي، اللَّهمَّ اغفِر لي ذنوبي وما قدَّمتْ يداي، ثمَّ بكى حتى بلَّ الـمرمر ))([13]).
ولأبي نعيم زيادة قال فيها الراوي: (( فيَرَون أنَّه ذَكر ذلك المشهدَ الذي شهدَه يوم دير الجماجم! )).
يريد خروجَه، فتأمَّل هذه التوبة، ما أصدقها!
مع أنَّه يجب التنبُّه إلى أنَّ مسلمَ بنَ يسار أُخرجَ مع ابن الأشعث مُكرَهاً، فقد قال أيوب السختياني: (( قيل لابن الأشعث: إن سرَّك أن يُقتَلوا حولك كما قُتلوا حول جمل عائشة فأخرِج مسلمَ بنَ يسار معك، قال: فأخرجه مُكرَهاً! ))([14]).
قلت: فإذا كانت هذه هي توبةُ مَن شارك في الخروج على مثل الحَجَّاج وهو مُكرَهٌ، مع أنَّه لَم يُعمِل فيه سيفاً ولم يُرِق دماً، فأنْعِم بها توبة!
والذي يظهر أنَّ مسلماً ـ رحمه الله ـ فزع هذا الفزع العظيم؛ لأنَّه قد قيل له: ربما رآك بعضُ الناس في صفِّ الخوارج فانخدع بك، وخرج تأسِّياً بك حتى قُتل، فقد روى أبو قِلابة: (( أنَّ مسلم بنَ يسار صَحِبَه إلى مكة، قال: فقال لي ـ وذكر الفتنة ـ: إنِّي أحمدُ الله إليك أنِّي لَم أرْمِ فيها بسهمٍ، ولم أطعن فيها برُمحٍ، ولَم أضرب فيها بسيفٍ، قال: قلت له: يا أبا عبد الله! فكيف بِمَن رآك واقفاً في الصفِّ، فقال: (هذا مسلمُ بنُ يسار، والله! ما وقف هذا الموقفَ إلاَّ وهو على الحقِّ)، فتقدَّم فقاتَل حتى قُتل؟!
قال: فبكى وبكى حتى تَمنَّيتُ أنّي لم أكن قلتُ له شيئاً!! ))([15]).
وفي رواية: (( فبكى ـ والله! ـ حتى وَدِدتُ أنَّ الأرضَ انشقَّت فدخلتُ فيها!! )).
هذه هي سيرةُ السلف، وتلك هي توبتُهم، فخذها سمحةً طيِّبة بها نفسُك، واحذر من التأويلات الفاسدة، والاعتذارات الباردة!
{إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ} [ق 37].



النتيجة الرابعة: الضرورة إلى العلم وأهله
كما أتقدَّم بالنصح للجميع بأن يتعلَّموا دينَ الله عزَّ وجلَّ، وأن يجتهدوا لتكوين علماء لبلدهم؛ فإنَّ جميع بلاد المسلمين بحاجة إلى علماء ربَّانيِّين.
والجزائر أحوجُ بلاد الله إليهم، فقد أقفرت أرضُها منهم، والشعبُ متديِّنٌ، لكنَّه أضحى ـ بعد جمعية العلماء المسلمين الجزائريِّين ـ كغنَم بلا راعٍ، فلذلك استخفَّه كلُّ داعٍ، كما قيل:
أتاني هواها قبل أن أعرفَ الهوى فصادف قلباً خالياً فتمكَّنا
فأدرِكوا أُمَّتَكم بصناعةِ علماء يحميكم بهم الله، قبل أن يُداهمكم ما هو شرٌّ من هذه الدواهي، وتغشاكم حيرةٌ ليس لها من دون الله كاشفة!!
وانتخبوا لَها من أبنائكم أوقدَهم قريحة، وأبرَّهم نصيحة، وأسدَّهم نظراً، وأوفرَهم ذكاءً، وأغزرهم حفظاً، وأزكاهم زكاءً.
وما وُجد العلماء إلاَّ كانوا لقومهم أمنةً من كلِّ مبتدِعٍ معاندٍ، وحفظاً من كلِّ شيطان مارِد!
وأرجو أن تتأمَّلوا هذه القصَّةَ الآتية: فعن يزيد الفقير قال: (( كنتُ قد شَغَفَنِي رأيٌ من رأي الخوارج([16])، فخرجنا في عِصابةٍ ذوي عدد نريد
أن نَحجَّ، ثمَّ نخرجَ على الناس(
[17])، قال: فمررنا على المدينة فإذا جابر بن عبد الله يُحدِّث القومَ ـ جالسٌ إلى ساريةٍ ـ عن رسول الله r، قال: فإذا هو قد ذكر الجهنَّميِّين([18])، قال: فقلتُ له: يا صاحبَ رسول الله! ما هذا الذي تُحدِّثون؟ والله يقول: {إِنَّكَ مَن تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ} [آل عمران 192]، و{كُلَّمَا أَرَادُوا أَن يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ أُعِيدُوا فِيهَا} [السجدة 30]، فما هذا الذي تقولون؟
قال: فقال: أتقرأُ القرآنَ؟ قلتُ: نعم!
قال: فهل سمعتَ بِمقام محمد r، يعني الذي يبعثه فيه؟ قلتُ: نعم!
قال: فإنَّه مقام محمد r المحمود الذي يُخرج اللهُ به مَن يُخرج([19]).
قال: ثمَّ نَعتَ وضعَ الصِّراط ومرَّ الناس عليه، قال: وأخاف أن لا أكون أحفظ ذاك.
قال: غير أنَّه قد زعم أنَّ قوماً يَخرجون من النار بعد أن يكونوا فيها، قال: يعني فيخرجون كأنَّهم عيدان السماسم، قال: فيدخلون نهراً من أنهار الجنَّة فيغتسلون فيه، فيخرجون كأنَّهم القراطيس.
فرجعنا، قلنا: وَيْحَكم! أَتَروْنَ الشيخَ يَكذِبُ على رسول الله r؟!
فرجعنا، فلا ـ والله! ـ ما خرج منَّا غيرُ رَجل واحد ))، أو كما قال أبو نعيم([20]).
والشاهدُ من القصَّة ظاهرٌ من فقرته الأخيرة؛ إذ عَصَم الله المسلمينَ من شرِّ الخوارج يومئذٍ بِما بثَّه جابرٌ من علمٍ وَرِثه من رسول الله r.
وينبغي التنبُّه هنا إلى أثر العقيدة الصحيحة في تثبيت الحقِّ وردِّ الباطل، مع ذلك فقد طاب لقومٍ دعوةٌ مع الإعراض عنها استهانة بأثرها، والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم.
وواقعُ الجزائر مَخوفٌ، ولو زالت عنه الفتنة الآن؛ فإنَّ بلاداً بلا عُلماء ثغرٌ لا يُسَدُّ، ما حلَّ به عدوٌ فكريٌّ إلاَّ توطَّن، وفي مثل هذه المجتمعات البريئة تعيش الأوبِئةُ.
وهذا البلد قد أغناه الله عزَّ وجلَّ بعلماء في الطبِّ والهندسة والرياضيات وما إليها، والحمد لله.
كما أغناه الله بـ (فقهاء الواقع!)، أعني الذين يَستَهويهم مُطاردة الإذاعات والجرائد، والأمر لله.
لكن العلماء الذين أعني هم طِرازٌ نَدَرَ فأَنذَرَ!
لذلك أقول: علماء لا مُفكِّرين! وفقهاء لا متفقِّهة مزَوِّرين! ومجتهدين لا (دعاة)([21])!
على موائد الكتاب والسنة تربَّوا، ومِن معتقَد السَّلف نَهَلوا حتَّى ارتوَوْا.



النتيجة الخامسة: المُعرِضون عن الهدي النبوي
لا يَجنون إلاَّ الخيبة

إنَّ المتضَلِّعَ من العلوم الشرعية يستفيد أولَّ ما يستفيد من سيرة الرسول r في مجاهدة الباطل؛ حتى يرسخَ في القلب أنَّ ما من جماعةٍ تُخالفُ هديَ النبيِّ r إلاَّ نتجَ عن ذلك الذِّلَّة والهَوَان، كما قال رسول الله r: (( جُعل الذِّلَّةُ والصَّغارُ عن من خالف أمري ))([22]).
وما يَعيشُه كثيرٌ من الجماعات الإسلامية ليس ابتلاءً بقَدْر ما هو عقوبة من الله؛ لأنَّ الابتلاءَ يعقبُه النَّصر كما هو معلوم، فأين انتصارُ الحقِّ عند هؤلاء، وقد شُوِّهت صورتُه بسببهم؟!
وهذه نتيجةٌ حتميَّةٌ للمخالفة، وعلى هذا فليست العبرة في تكثيف النشاط والتظاهر بالغيرة على الدين في ليلٍ من ظلمات المخالفات، ولكن العبرة في إصابة طريق النبيِّ r الذي قال: (( مَن رغِبَ عن سُنَّتِي فليس منِّي ))([23])، والله المستعان.
هذا، وقد جمعت هذه النخبة الطيِّبة من أقاويل أهل العلم المعتَبَرين؛ حفظاً لدِين المسلمين وصيانةً لأعراضهم، وحفاظاً على أموالهم، وحقناً لدمائهم، والله من وراء القصد وهو يهدي السَّبيل.

([1]) الجامع لأحكام القرآن (11/25).

([2]) رواه البخاري (6114)، ومسلم (2609) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

([3]) منهاج السنة النبوية (4/528)، والمنتقى من منهاج الاعتدال في نقض كلام أهل الرفض والاعتزال لتلميذه الذهبي (ص:296).

([4]) رواه الترمذي (1398) وهو صحيح.

([5]) رواه الترمذي (1395) وهو صحيح.

([6]) رواه النسائي (4010) وهو صحيح.

([7]) أي على الطريق الذي لا بدَّ من المرور منه.

([8]) رواه ابن أبي شيبة (5/434)، والطبراني كما في مجمع الزوائد (7/300)، وهو حسن، ونحوه من حديث ابن مسعود عند الطبراني (10/10407)، وغيره.

([9]) رواه النسائي (3990)، وهو صحيح، وأصله في الصحيحين.

([10]) رواه ابن سعد (4/169)، وابن أبي الدنيا في الإشراف في منازل الأشراف (7)، وحسَّن إسناده أخونا عمار تمالت في تحقيقه لكتاب: تحريم القتل وتعظيمه، لعبد الغني المقدسي (ص:187).

([11]) رواه ابن أبي حاتم في تفسيره كما في الدر المنثور (4/304)، ومن طريقه رواه ابن بطة في الإبانة ـ الإيمان (78)، واللالكائي في شرح أصول الاعتقاد (72).

([12]) رواه ابن سعد (6/115)، والفسوي في المعرفة والتاريخ (1/231 ـ 232) بسند صحيح.

([13]) رواه ابن عساكر في تاريخه (58/137 ـ 138)، وأبو نعيم في الحلية (2/294).

([14]) رواه الفسوي في المعرفة والتاريخ (2/86)، وابن عساكر أيضاً (58/146) بسند صحيح.

([15]) رواه البخاري في التاريخ الكبير (2/302)، والفسوي في المعرفة والتاريخ (2/86 ـ 87)، وابن سعد في الطبقات (7/188)، وابن عساكر في تاريخه (58/146 ـ 147) بسند صحيح.

([16]) يريد قولَهم بتخليد صاحب الكبيرة في النار.

([17]) وفي هذا دليل على أنَّ استغلال مواسم العبادة لمآرب حزبية سنَّةٌ قديمة بدعيَّة، تحت ستار أنَّ الحجَّ مؤتمرٌ عالميٌّ! أي: أنَّهم لا يهمُّهم أن يعبدوا الله بقدر ما يهمُّهم أن يَبُثُّوا بدَعهم، لا سيما ما كان منها سياسيًّا!! ولذلك أضْحَت ـ عند قوم ـ من أركان الحجِّ التي لا تنفكُّ عنه في كلِّ سَنَة، والله المستعان!

([18]) أي: الذين يخرجون من النار، والخوارجُ يُنكرون ذلك.

([19]) يريد الذين يُخرجهم الله من النار بشفاعة الرسول r.

([20]) رواه مسلم (191).

([21]) أعني بلفظ (الدعاة) هنا الاصطلاحَ (الحركي) لا الشرعي، وما بينهما كما بين العالِم المجتهِد قديماً و(الداعية!) اليوم!

([22]) رواه أحمد (2/50)، وابن أبي شيبة (5/322)، وغيرهما، وهو حسن.

([23]) رواه البخاري (5063)، ومسلم (1401)........................................"


الساعة الآن 10:23 PM.

Powered by vBulletin
قوانين المنتدى