![]() |
فشلت مصر عندما.....................كلام يبرد القلب
خسارة مباراة أم فشل سياسي؟! صحيح أن المنتخب المصري للكرة ضيع فرصة الفوز والتأهل للمونديال مباشرة من إستاد القاهرة بسوء أداء لاعبيه رغم الفوز بهدفين نظيفين، ثم ضيع الفرصة مرة أخرى في أم درمان عندما عجز عن التهديف في فريق كان هو أفضل منه، لكن الحقيقة أن عوامل أخرى كانت السبب في الهزيمة وحالة الاحتقان التي سادت الشارع المصري بكل طوائفه بعد مباراة 18 نوفمبر، فبالرغم من أن خسارة المباراة لم تكن السبب الظاهري لهذا الاحتقان، لكن الفوز كان يمكن أن يئده، أو يخفف من وطأته على أقل تقدير. وبعيدا عن الأقلام الرادحة والأكاذيب والاتهامات البذيئة التي نعت بها إعلام كل بلد مشجعي البلد الآخر، فإن مصر- من وجهة نظري- لم تخسر المباراة فحسب، وإنما فشلت سياسيا في التعامل مع الحدث ككل، ولم تكن على قدر المسؤولية في إدارة الحدث قبل وأثناء وبعد المباراة، وعلى ذلك فإن لي بعض الملاحظات حول هذه الأحداث.. * فشلت مصر في التأهل للمونديال عندما احتفلت وسائل إعلامها في أكتوبر من العام الماضي بوقوع منتخبها بجانب منتخبات الجزائر وزامبيا ورواندا في التصفيات المؤهلة، وبدأت القيادات الرياضية والجماهير تبارك التأهل بسبب سهولة المجموعة، على أساس أن منتخب الجزائر المنافس الأقوى في المجموعة لم يتأهل أساسا لنهائيات أمم إفريقيا، باركنا التأهل قبل خوض أي مباراة، ولم نحترم منافسينا، وبالتالي فشلنا. * وفشلت مصر مرة أخرى عندما لم تتعلم الدرس الأول، واحتفلت بفوزها في الوقت المحتسب بدلا من الضائع في مباراة 14 نوفمبر، لمجرد وصولنا لمباراة فاصلة، وكأننا تأهلنا بالفعل، فلم نحترم منافسنا أيضا، ولم نستعد له. * فشلت الحكومة والحزب في مصر عندما بدأوا في دغدغة مشاعر جمهور الكرة، لشغله عن أمور حياته اليومية، والمشكلات العديدة التي يواجهها، وللحصول على تأييد جماهيري أكبر لسياساتهما، وجعلت الفوز هو خيار الجماهير الأوحد، وعندما انهزم المنتخب لم يتقبل الشباب النتيجة، وأصيب بصدمة عنيفة، وقد رأيت بنفسي بعض الشباب المنهار بعد المباراة، غير مستوعب الهزيمة، كانوا يصرخون في هستيريا ويسبون كل شيء، لكن أغرب ما أدهشني ذلك الشاب المغشي عليه، والذي كلما أفاق يقول: يارب كنت خدني قبل ما كنت أشوف اليوم ده!! * والدليل على ذلك الفشل أن الإدارة المصرية أرسلت وفودا رسمية ورموزا من كافة أطياف المجتمع البرلمانية والحزبية والثقافية والفنية للاحتفال بالتأهل من بلدهم الثاني السودان، جمهور كرة مسافر من بلد إلى آخر، لا يعرفون عن الكرة شيئا، وربما لم يشاهدوا مباراة في حياتهم ولا حتى في التليفزيون، أرسلوهم ليحتفلوا بالتأهل من هناك!! بينما أرسل منتخب الجزائر جماهير منتقاة بعناية، مدربة على القيام بكافة المهمات والعمليات والتعامل مع الخصم في كل المواقف، وبالمرة تشجع منتخبها! * وتجلى الفشل المصري في إبراز الوفود المشاركة لشعارات الجهة التي يريدون الدعاية لها، فأعضاء الحزب الوطني ارتدوا فانلة مرسوما عليها شعار الحزب بدلا من اسم مصر، وهو نفس الشيء الذي فعله الوفد البرلماني ورجال الأعمال أيضا، وكأن هذه الوفود ذهب لحلبة انتخابات، أو مؤتمر دعاية وتسويق، وليس لتشجيع منتخبهم الوطني. * كما تجسد الفشل المصري في إرسال هذه الوفود العٌزل، دون أي خطة حماية أمنية من أي نوع، في مواجهة جماهير عنيفة ومتعصبة دائما ما تسفر مباريات دوريها المحلي عن قتلى وجرحى، فلم نسمع عن أي اجتماعات وزارية أمنية أو تنسيقية للتعامل مع هذه المباراة الاستثنائية، بينما كان رجل الشارع يعرف أن مشكلات ستحدث بكل تأكيد بعد المباراة، سيما لو فاز منتخبنا الوطني. * وإذا كان الرئيس مبارك قال إن إرسال قوات أمن لحماية الجماهير يعتبر مساسا بسيادة دولة السودان، فما بال آلاف الجزائريين الذين وصلوا أرض السودان، على متن طائرات حربية بزي موحد أبيض في أبيض مصدر رسمي سوداني. * فشلت مصر عندما تركت بعض الفضائيات توقظ الفتن، وتؤجج مشاعر الكراهية، دون أي ردع، علما بأن عدد غير قليل من الأخبار والصور والمقاطع التي بثتها هذه الفضائيات كانت غير صحيحة أو ملفقة، وهذه أخطاء مهنية جسيمة وساذجة وقع فيها إعلامنا صاحب الريادة، فعلى سبيل المثال لا الحصر، ظل برنامج دائرة الضوء الذي يقدمه التليفزيون الرسمي من خلال قناة النيل الرياضية، في إذاعة كليب حصل عليه من الإنترنت، ويظهر فيه مجموعة من المشجعين داخل مدرج يلوحون فيها بسكاكين ومطاوى، وظل الصحفي المخضرم مقدم البرنامج وضيوفه يشجبون ويدينون ويسبون أحيانا هؤلاء المشجعين الجزائريين الذين حملوا هذه السكاكين والمطاوي داخل إستاد أم درمان، وأنهم روعوا اللاعبين المصريين، والجماهير المصرية التي سافرت خلف فريقها، وكيف سمح الأمن السوداني الضعيف بدخول هذه الأسلحة البيضاء داخل الملعب، وللأسف الشديد تم التغرير بالقائمين على هذا البرنامج وأوهموهم بأن هذا الكليب من داخل إستاد أم درمان خلال مباراة مصر والجزائر، والموضوع لا يحتاج لجهد كبير لمعرفة أن هذه المادة الفيلمية ليس لها علاقة بالمباراة موضوع الحديث لا من قريب ولا من بعيد، كما أنني أشك أصلا في أنها لجماهير مباراة كرة قدم، فلا يوجد دليل على ذلك. * فشلت مصر عندما اختارت السودان، وصورت للجماهير أنهم سيشجعوننا ضد الجزائر، والمنطق يقول غير ذلك، فإذا كانت السودان تربطها علاقات تاريخية مع مصر، فإن ذلك لا يدعوها أبدا لمعاداة دولة الجزائر الشقيقة أيضا، ولذلك جاء الموقف الرسمي السوداني ليقف موقف المحايد، وهو موقف منطقي، أما الموقف الشعبي فكلنا نعرف كيف استقطب الجمهور الجزائري الرجل السوداني البسيط الفقير، الذي لا يعرف في السياسة ولا يفكر إلا في قوت يومه، بالهدايا والفلوس، وهي شطارة من الجزائريين على أية حال، كان يجب أن تكون منا نحن المصريين. * فشلت مصر عندما حددت قيمة الرحلة لتشجيع الفريق بـ 2500 ج م، فلم يذهب المشجع الحقيقي للكرة، وفتحت الرحلة مجانية للطبقة القادرة من الإعلاميين والمثقفين والفنانين، وهم كما ذكرنا ليسوا جمهور الكرة، بينما أقامت الجزائر أسطولا من الطائرات الحربية مجانا أمام جماهيره للسفر، في حين تكفلت القيادة بقيمة التذكرة، والمضحك هنا أن مصر اعترضت بعد المباراة في ملفها للفيفا على استخدام الجزائر لطائرات حربية لنقل المشجعين، في حين أن الدولة متمثلة في اللواء أحمد شفيق وزير الطيران المدني وافقت على السماح لطائرة حربية جزائرية باستخدام مطارها للهبوط والإقلاع للخرطوم، حتى بدون الحصول على إذن مسبق. * ونتيجة هذا الفشل ظهر فشل آخر عندما لم تستطع مصر إلا إيفاد أقل من ثلاثة آلاف مشجع فقط إلى الدولة المجاورة، وصل عدد غير قليل منهم بعد إغلاق الإستاد ولم يستطيعوا مشاهدة المباراة من الملعب، بينما استطاعت الجزائر إيفاد أكثر من 12 ألف مشجع منذ انتهاء مباراة القاهرة، ملأوا المدرجات المخصصة لهم، واشتروا تذاكر السودانيين، ووزعوا أعلامهم ووضعوها في كل مكان، حتى إننا عندما شاهدنا المدرجات قبل بداية المباراة ظننا أننا في عنابة. * فشلت مصر عندما عولت على التقارير الأمنية السودانية لتقديمها كدليل على همجية الجماهير الجزائرية، وتصورت أن السودان يمكن أن تدين نفسها أمام الرأي العالمي، وتعترف بفشلها في تنظيم المباراة، علما بأن الخارجية السودانية كانت قد استدعت السفير المصري في الخرطوم لإبلاغه استياءها من التهويل الإعلامي المصري في أحداث الاعتداءات على الجماهير المصرية عقب المباراة، وهو الخبر الذي تكتمت عليه الصحافة الرسمية، ولم تنشره الصحافة الخاصة إلا على استحياء وبعد عدة أيام. * أما الفشل الذريع والأكبر، والذي يقوم به عدد غير قليل من المؤسسات والهيئات والمنظمات في مصر فهو الانجراف وراء رأي الشارع المتشنج صاحب الرأس الكروية، في المطالبة بقطع العلاقات مع دولة عربية شقيقة من أجل مباراة كرة، أحمد الله أن الرئيس مبارك قالها على الملأ بالفم المليان، لا لن أفعل ذلك. إن ما حدث قبل وخلال وبعد مباراتي مصر والجزائر من أحداث مشينة ومؤسفة بين بلدين شقيقين ليس وليد الساعة أو نتيجة مباراة بكل تأكيد، ما حدث هو تراكمات في ضمير ونفوس بعض الأشخاص من الشعبين على مدى أعوام طويلة، يتظاهرون بالحب والاحترام، ويكنون داخلهم الغيرة والحقد، فإذا وقعت الواقعة نضح كلً بما بداخله، إلا أن الأسوأ من ذلك هو نفس هذه المشاعر الكامنة في صدور عدد كبير من مواطني شعوبنا العربية ضد بعضها البعض، فقط تنتظر حدث مثل هذا، وتنفجر. ** صحفي مصري |
| الساعة الآن 12:40 PM. |
Powered by vBulletin
قوانين المنتدى