![]() |
سفينة النجاة
سفينةالنجاة الخطبة الأولى : الأمر بالمعروف والنهي عنالمنكر عباد الله : فريضة عظيمة فرضها الله على امة محمد صلى الله عليه وسلم ، هي حصن الإسلام الحصين، ووثاقه المتين ، فما ظهرت أعلام الشريعة في أمة وارتفعت ، ولا فشت أحكام الإسلاموانتشرت ، ولا خابت مساعي الإفساد واندحرت إلا بقيامها وتحقيقها ، تلكم الفريضة عباد الله : هي فريضةالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أيها المسلمون: بهذه الفريضة حمى الله أهل الإسلام من نزوات الشياطينودعوات المبطلين ، وأذل الله بها أهل المعاصي والمبتدعين ، وما تحققت تلك الفريضةفي أمة ووجدت في مجتمع إلا عم الخير والصلاح ، وانتشرت أسباب النجاح والفلاح، وماعطلت في مجتمع وهمش دورها، إلا فشت فيه الضلالة ، وشاعت الجهالة ، واضمحلت الديانة، فبضعفها يستشري الفساد ، وتخرب البلاد ، ويهلك العباد ، وإذا لم يقم بها عقلاء كلبلد فعلى معالم الإسلام السلام. عباد الله : إن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مناط خيرية هذه الأمة :" كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله ". ومن اتصف بهذه الصفات دخل معهم في هذا المدح ، قال قتادة : بلغنا أن عمر بن الخطابرضي الله عنه في حجه حجها ، رأى من الناس رعة ( أي سوء خلق ) فقرأ هذه الآية " كنتمخير أمة " . ثم قال: من سره أن يكون من هذه الأمة فليؤد شرط الله فيها أيها المسلمون : الأمر بالمعروفوالنهي عن المنكر من اخص صفات صفي الله من خلقه محمد صلى الله عليه وسلم : " يأمرهمبالمعروف وينهاهم عن المنكر ". وهي من الفوارق بين أهل النفاق وأهل الإيمانقالسبحانه :" المنافقون والمنافقات بعضهم من بعض يأمرون بالمنكر وينهون عن المعروف "،وأما أهل الإيمان فقال عنهم سبحانه : " والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعضيأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر" ، يقول الإمام احمد رحمه الله : " يأتي علىالناس زمان يكون المؤمن فيه بينهم مثل الجيفة ، ويكون المنافق يشار إليه بالأصابع،قال الراوي : يا أبا عبد الله وكيف يشار إلى المنافق بالأصابع ؟ قال : المؤمن إذارأى أمراً بالمعروف أو نهياً عن المنكر لم يصبر حتى يأمر أو ينهى ، فيقولون هذافضول ، والمنافق كل شيء يراه قال بيده على فمه ، فقالوا : نعم الرجل ، ليس بينهوبين الفضول عمل" فيصفونه بالكياسة لأنه يصمت عن المنكر وأهله . عباد الله : قص الله علينا أخبارالأمم السابقة ، والعواقب الوخيمة التي انتهوا إليها حين تكاسلوا عن الأمر بالمعروفوالنهي عن المنكر ، وهؤلاء الأقوام الذين أخبرنا الله عنهم لم يتركوا النهي عنالمنكر بالكلية بل أنكروا المنكر في أول ظهوره ، ثم ألفوه فيما بعد ، فما عاد بعضهمينكر على بعض ، روى ابن مسعود رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " إنأول ما دخل النقص على بني إسرائيل كان الرجل يلقى الرجل فيقول : يا هذا اتق اللهودع ما تصنع ، فإنه لا يحل لك ، ثم يلقاه من الغد لا يمنعه ذلك أن يكون أكيلهوشريبه وقعيده ، فلما فعلوا ذلك ضرب الله قلوب بعضهم ببعض ثم قرأ : " لعن الذينكفروا من بني إسرائيل على لسان داوود وعيسى بن مريم ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون * كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه لبئس ما كانوا يفعلون " ثم قال : كلا والله لتأمرنبالمعروف ولتنهون عن المنكر ولتأخذن على يدي الظالم ، ولتأطرونه على الحق أطرا ،ولتقصرنه على الحق قصرا، أو ليضربن الله قلوب بعضكم على بعض ثم ليلعنكم كما لعنهم " أخرجه أبو داوود والترمذي. أيها المسلمون : لقد كان المنكر في السابق يتم في الخفاء ، ثم صار معمرور الزمان وترك الإنكار يبدو على استحياء ، حتى تواضع عليه الرعاع ، ودعا إليهالمبطلون ، وسعى إلى نشره وثباته المنافقون والفاسقون ، والسبب عباد الله أنناساكتون ، وهذا والله مؤشر خطر عظيم ، ونذير بلاء مستطير ، لأن المنكر إذا ظهر وكثربلا إنكار عم العقاب العامة والخاصةقال صلى الله عليه وسلم : " ما من قوم يعملفيهم بالمعاصي هم أعز وأكثر ممن يعمله ، ثم لم يغيروه إلا عمهم الله تعالى منهبعقاب" قال بعض الشراح : لأن من لم يعمل إذا كانوا قادرين على تغيير المنكر ،فتركهم له رضاً بالمحرمات وعمومها ، وإذا كثر الخبث عم العقاب الصالح والطالح، قالعمر بن عبد العزيز رحمه الله : كان يقال :" إن الله تبارك وتعالى لا يعذب العامةبذنب الخاصة ، ولكن إذا عمل المنكر جهاراً استحقوا العقوبة كلهم " . عباد الله : يتعلل بعض الناسويعذرون أنفسهم في عدم إنكار المنكر بالاحتجاج بقوله تعالى : " يا أيها الذين آمنواعليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم ". والآية بمعناها الصحيح تتضمن الأمربالمعروف والنهي عن المنكر ، وفي حال عدم قبول الدعوة لا ضير على المرء حينئذ منالإعراض عنهم، عن قيس بن أبي حازم قال : صعد أبو بكر رضي الله عنه منبر رسول اللهصلى الله عليه وسلم فحمد الله وأثنى عليه ثم قال : أيها الناس إنكم تقرؤون هذهالآية : " يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم " وإنكمتضعونها على غير موضعها ، و إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " إنالناس إذا رأوا المنكر لا يغيروه أوشك أن يعمهم الله بعقاب ". أخرجه أبو داوودوالترمذي. عباد الله : لقد كان السلف الصالح يرون من لا يأمر بالمعروف ولا ينهىعن المنكر في عداد أموات الأحياء ، سئل حذيفة رضي الله عنه عن ميت الأحياء قال : "من لا ينكر المنكر بيده ولا بلسانه ولا بقلبه " ، وقيل لابن مسعود رضي الله عنه منميت الأحياء ؟ فقال : " الذي لا يعرف معروفاً ، ولا ينكر منكراً " ، فيا أخاالإيمان : إن إنكار المنكرليس وقفاً على أهل الحسبة فحسب بل يتعداهم إلى كل مسلمقادر على ذلك بيده ولسانه ، وبحسب المصلحة الشرعية ، وأما الإنكار بالقلب فلا يعذرأحد بتركه ، قال صلى الله عليه وسلم : " من رأى منكم منكراً فليغيره بيده ، فإن لميستطع فبلسانه ، فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان "قال شيخ الإسلام بن تيميةرحمه الله : " فأما الإنكار بالقلب فيجب بكل حال ، إذا لا ضرر في فعله ، ومن لميفعله فليس بمؤمن كما قال النبي صلى الله عله وسلم: وذلك أضعف الإيمان، قال : وليسوراء ذلك من الإيمان حبة خردل " رواه مسلم ، ودرجة الإنكار بالقلب تستلزم المفارقةبمعنى أن يفارق المنكر بقلبه ، ويفارق أهل المنكر ومنكرهم كما قال تعالى:" أن إذاسمعتم آيات الله يكفر بها ويستهزأ بها فلا تقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديث غيرهإنكم إذاً مثلهم ". أيها المسلمون : إن الملامة لتزداد حين يترك الأمر والنهي من هو أهلللأمر والنهي وقادر عليه، يقول ابن القيم رحمه الله واصفاً حال الناس مع الأمربالمعروف والنهي عن المنكر : " ومن له خبرة بما بعث الله به رسوله صلى الله عليهوسلم ، وبما كان عليه هو وأصحابه رأى قلة ديانة الناس في جانب الأمر والنهي ، وأيدين وأي خير فيمن يرى محارم الله تنتهك ، وحدوده تضاع ، ودينه يترك ، وسنة رسولهصلى الله عليه وسلم يرغب عنها ، وهو بارد القلب وساكت اللسان شيطان أخرس ، كما أنالمتكلم بالباطل شيطان ناطق ، وهل بلية الدين إلا من هؤلاء الذين إذا سلمت لهممآكلهم ورياستهم فلا مبالاة فيما جرى على الدين، وخيرهم المتلمظ المتحزن ، ولو انهنوزع في بعض ما فيه غضاضة عليه في جاهه أو ماله لبدل وتبدل ، وجد واجتهد ، واستعملمراتب الإنكار الثلاثة بحسب وسعه ، وهؤلاء مع سقوطهم من عين الله ومقت الله لهم قدبلوا في الدنيا بأعظم بلية تكون وهم لا يشعرون وهو موت القلب ، فإن القلب كلما كانتحياته أتم ، كان غضبه لله ورسوله أقوى وانتصاره للدين أكمل " ، ومثل هؤلاء يصدقعليهم قول ابن المبارك : ذهب الرجال المقتدى بفعالهم * والمنكرون لكل أمرمنكر وبقيت في خلف يزكي بعضهم * بعضاليدفع معور عن معور عباد الله : لقد ابتلي كثير من الناس في هذا الزمان بالتلاوم والتواكل،فتركوا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولم يؤد كل واحد منهم ما يجب عليه نحوه،حتى وصل الأمر ببعضهم أن يبصر المنكرات في بيته وعلى من تحت يده ولا يحرك ساكناً،يرى أولاده يتركون الصلوات ويتهاونون بالجمع والجماعات ولا ينكر عليهم مع أن السلطةله في بيته، وبيده القدرة على من هو فيه، وينسى هذا وأمثاله أنه مسؤول أمام الله عنرعيته وأهل بيته " كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته. فيا أمة محمد ، يا خير أمة أخرجت للناس: ما هذا التساهلأمام السيل الجارف من المنكرات؟ أين الحمية التي تتأجج في صدوركم لدين الله ؟ وأينالغضب وتمعر الوجوه من انتهاك محارم الله؟ إننا والله نخشى إن تهاونا وتقاعسنا عن الإنكار أن يصدق في زماننا قولالقائل: تفانى الخير والصلحاء ذلوا * وعز بذلهم أهل السفاه وقل الآمرون بكل عرف * فما عن منكرفي الناس ناه تقول عائشة رضي الله عنهما: ما ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلمشيئاً قط بيده ولا امرأة ولا خادماً، إلا أن يجاهد في سبيل الله، وما نيل منه شيءقط فينتقم من صاحبه إلا أن ينتهك شيء من محارم الله، فينتقم لله عز وجل ". رواهمسلم . بارك الله ولكم .... الخطبة الثانية : الله : إن الآمرون بالمعروف والناهين عن المنكر ، لهم فضل عظيم على المجتمع ، عباد لقيامهم بهذه الفريضة ، ورفعهم لراية الفضيلة ، وإن من هؤلاء فئة عزيزة كريمة ، نهضت بهذا الواجب العظيم ، ألا وهي الفئة التي يمثلها رجال هيئات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الذين كانوا ولا يزالون صمام أمان المجتمع ، فهم خير الناس للناس ، حيث سعوا للصلاح والإصلاح ، ووقفوا في وجه تيار الفساد ليصدوه عن العباد والبلاد ، فكم من جريمة ضبطوها ، وكم من مصانع للخمر أزالوها ، وكم من شقق للدعارة والخنا أغلقوها ، كم يا ترى من عرض حفظوه ؟ وكم من شباب عن الضلال حجبوه ؟ وكم من مفسد فضحوه ؟ ومع هذه الأعمال الجليلة التي يقومون بها مع ضعف إمكاناتهم ، وكثرة مسؤولياتهم ، وقلة مرتباتهم ، مع هذا كله فهم لا يرجون من الناس جزاء ولا شكورا ، وإنما يرجون من ربهم عفواً ورحمة وأجراً عظيما، فما أحسن أثرهم على الناس ، وما أسوا أثر الناس عليهم أيها المؤمنون : إياكم أن تكونوا أعواناً لأهل الفساد والنفاق على أهل الحسبة، فهم أخوانكم وان بغي بعضهم عليكم ، إنهم بشر مثلكم يعتريهم ما يعتري سائر الناس ، يصيبون ويخطئون، ويزيدون وينقصون ، وينشطون ويكسلون ، وهدفهم من ذلك كله إصلاح العباد والبلاد، ثم اعلموا عباد الله أن معونة رجال الهيئة الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر يعتبر من الجهاد في سبيل الله، يقول العلامة بن باز رحمه الله تعالى : " التعاون مع رجال الهيئة الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر يعتبر من الجهاد في سبيل الله في حق من صلحت نيته لقوله تعالى :" والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وإن الله لمع المحسنين " ، ولقول النبي صلى الله عليه وسلم : " ما بعث الله من نبي في أمة قبلي إلا كان له من أمته حواريون وأصحاب يأخذون بسنته ويقتدون بأمره ، ثم إنها تخلف من بعدهم خلوف ، يقولون ما لا يفعلون ، ويفعلون ما لا يؤمرون ، فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن ، ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن ، ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن ، وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل, رواه مسلم.أ.هـ. يا رجال الحسبة إن القيام بشعيرة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مهمة جسيمة ذات أعباء ومتاعب، ولا يقدر عليها ويصبر على لأوائها إلا الكمل من الرجال، فاصبروا على ما يعتري طريقكم من الأذى، وتذكروا أن سبيلكم هو سبيل الرسل والأنبياء، يقول الغزالي رحمه الله :" لو تركت الحسبة بلوم لائم ، أو باغتياب فاسق أو شتمه أو تعنيفه ، أو سقوط المنزلة عن قلب أمثاله، لم يكن للحسبة وجوب أصلاً إذا لا تنفك الحسبة عنه ". أ.هـ . وأخير إلى معاشر النقاد لأولئك النجباء : اقلوا عليهم لا أبا لأبيكم من اللوم * أو سدوا المكان الذي سـدوا أولئك هم خير وأهدى لأنهم * عن الحق ما ضلوا وعن ضده صدوا ثم صلوا وسلموا على الرحمة المهداة |
| الساعة الآن 09:53 PM. |
Powered by vBulletin
قوانين المنتدى