منتديات الشروق أونلاين

منتديات الشروق أونلاين (http://montada.echoroukonline.com/index.php)
-   منتدى الدعوة والدعاة (http://montada.echoroukonline.com/forumdisplay.php?f=159)
-   -   مسؤولية الراعي و الرعية و الحاكم و المحكوم في الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر (http://montada.echoroukonline.com/showthread.php?t=142961)

nadir35 11-03-2010 11:35 AM

مسؤولية الراعي و الرعية و الحاكم و المحكوم في الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر
 
مسؤولية الراعي و الرعية و الحاكم و المحكوم في الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر


اعداد عبد الفتاح حمداش بن عمر شعبان بن أحمد بن محمد زراوي الأمازيغي الجزائري السني

موقع ميراث السنة


خطبة الحاجة : إن الحمد لله، نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونتوب إليه ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا :{ من يهد الله فهو المهتد}،{ ومن يضلل فلا هادى له }وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله :{ يا أيها الذين ءامنوا اتقوا الله حق تقاته، ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون }،{ يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة، وخلق منها زوجها، وبث منهما رجالا كثيرا ونساء واتقوا الله الذي تسآءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيبا}،{ يا أيها الذين ء امنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا،يصلح لكم أعمالكم،ويغفر لكم ذنوبكم، ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزا عظيما}أما بعد فإن أصدق الحديث كتاب الله وخيرالهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم وشرالأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.










مدخل الرسالة : إن الله تبارك وتعالى استأمن من ولاه أمر أمة النبي صلى الله عليه وسلم أمانة جد ثقيلة مملوءة بالتكاليف الشرعية والأحكام الربانية، والشعائر التعبدية والشرائع الحكمية، فالمسئولون مسئولون بالدرجة الأولى عن هذه الأمة الخيرة لأنهم ولاة الناس على أمر دينهم ودينياهم، ولأنهم مسئولون عن كل صغيرة وكبيرة مما يتعلق بمسائل الحكم والسلطنة والقضاء والفصل بين الناس وإقامة دين الخلق ونصره بينهم بقوة السلطان والحجة والبيان، وهم مستأمنون على دماء الناس وأعراضهم وأموالهم وعقولهم، وعما يشاع من منكرات ومعاصي في هذه الأمة، فيجب عليهم أن يقيموا حدود الله تعالى بالحق، ويحكموا بين الناس بقسط، ويزيلوا الفساد العقدي والتعبدي والتشريعي والخلقي، ويصلحوا في الأرض ويعمروها بالطاعة، ويعملوا أعمالا صالحة بين الرعية ويحضونهم على فعل الخير ويلزمونهم بالعلم النافع والعمل الصالح، ولأن هذه الأعمال من أولى أولوياتهم العملية على رأس هذه المسؤوليات الجسيمة وغير ذلك من الأمانات كالحفاظ على دين التوحيد وشريعة الله التي هي منبع الحياة الكريمةبين الشعوب والأمم، ومصدر عزتهم التي بها يسعدون في الدارين، ولأنها من صميم الوحي الشريف الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه من خلقه، قال شيخ الإسلام ابن تيمية في : [ كتاب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ص 150 ] : " وأولو الأمر أصحاب الأمر وذووه وهم الذين يأمرون الناس وينهونهم، وذلك يشترك فيه أهل اليد والقدرة، وأهل العلم والكلام، فلهذا كان أولوا الأمر صنفين : العلماء والأمراء فإذا صلحوا صلح الناس، وإذا فسدوا فسد الناس، [كما قال أبو بكر الصديق رضي الله عنه للأحمسية لما سألته ما بقاؤنا على هذا الأمر الصالح ؟ قال : ما استقامت لكم أئمتكم ]، أي استقامة الأمر باستقامة الأئمة وصلاح الناس بصلاح حكامهم والعكس صحيح، ويدخل في ولاة الأمور الملوك والمشايخ وأهل الديوان والحسبة والقضاء والأمر والنهي، وفي حقيقة الأمر : كل من كان متبوعا فإنه من أولي الأمر كما نص الأئمة سواء كان من أهل السلطنة أو اهل العلم والفقه،وعلى كل واحد من هؤلاءجميعا أن يأمر بما أمر الله به ورسوله صلى الله عليه وسلم، وينهى عن ما نهى الله عنه الله ورسوله، وعلى كل واحدممن عليه طاعته أن يطعهم في طاعة الله ولا يعصهم في معصية الله كما جاء في مسند أحمد وصحيح مسلم :[ لا طاعة لأحد في معصية الله ]، وكما قال أبو بكر الصديق رضي الله عنه حين تولى أمر المسلمين وخطبهم فقال في خطبته : [ أيها الناس القوي فيكم الضعيف عندي حتى آخذ منه الحق، والضعيف فيكم القوي عندي حتى آخذ له الحق، أطيعوني ما أطعت الله ورسوله، فإذا عصيت فلا طاعة لي عليكم]"، فهكذا صلحت الأمة لما كان شعارهم طاعة الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، وما ضاعت الأمة إلا بسبب تضييع رسالتها التي شرفها الله بها على سائر الأمم، ولقد ضاعت معالم الدين في آخر الزمان واختفت رسوم الإسلام الظاهرة، وأطفأ الناس العمل بذروة سنامه العظيمة وفرائض عزته، وقل من يعمل بأحكامه وأوامره، وأما من ينهى عن المنكر والفساد في الأرض فأقل من القليل الذي يعمل بأحكام الدين في زمن الغربة، وفي هذه الحال يجب على من ولاه الله تعالى أمانة المسئولية في الأمة أن يقوم بواجبه الشرعي اتجاه دينه وقومه، فولاة أمور الناس هم العلماء والأمراء الذين بهم تصلح الأمة إذا صلحوا وبهم تفسد الدنيا إذا فسدوا، ولقد صلحت أحوال الناس لما ولي عليهم صالحون مصلحون، وفسدت شئون الخلق لما تولى أمرهم الأشرار الفجار أصحاب الشهوات والشبهات، فهذه المعادلة العادلة هي في الحقيقة حلقة مرتبطة ببعضها البعض، فإذا صلحت الرعية ولى الله عليها الأخيار منهم، وإذا فسدت الأمة ولى الله عليها الأشرار منهم ومن غيرهم، وهذه هي سنن الله تعالى في خلقه < كما تكونوا يولى عليكم > ، كما قال تعالى :{ إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم}، فيجب على المسئولين في هذه الأمة أن يتقوا الله في أمة نبيهم صلى الله عليه وسلم، ويأخذوا بأيديهم إلى الخير، وأن يكفوا عنهم الشر، وهذه هي طريقة السلف رضي الله عنهم ومن سلك سبيلهم من أتباع الرسل وأنصار الأنبياء عليهم الرضوان والغفران، كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية في الاستقامة [ج2/ص167] : "أما الماشون على طريقة الخلفاء الراشدين فليسوا أكثر الأمة، ولكن على هؤلاء الماشين على طريقة الخلفاء أن يعاملوا الناس بما أمر الله به ورسوله صلى الله عليه وسلم من العدل بينهم، وإعطاء كل ذي حق حقه، وإقامة الحدود بحسب الإمكان، إذ الواجب هو الأمر بالمعروف وفعله، والنهي عن المنكر وتركه بحسب الإمكان فإذا عجز أتباع الخلفاء الراشدين عن ذلك قّدموا خير الخيرين حصولا، و شر الشرين دفعا والحمد لله رب العالمين"، فعلى من ولاه الله تعالى مسئولية الأمر والنهي أن يكون حازما في صرف الشر عن الأمة مما يتعلق بعقائدهم وعبادتهم وتشريعاتهم وأمرهم ونهينهم، وأما إذا عجز عن تحصيل الخير وصرف الشر التام فعليه أن يدفع المفاسد بصرف شر الشرين، وتحقيق خير الخيرين ، وليعلم من يتصدر للقيام بأمر الأمة أنه سيعالج أمرا تعب في تحقيقه الأنبياء الذين عملوا جادين حازمين جازمين حتى لقوا ربهم تبارك وتعالى، وفي حقيقة الأمر إن الآمر والناهي لابد أن يلقى من الأذى ما لقي الرسل والأنبياء عليهم الصلاة والسلام في مشوار دعوتهم، فمنذ الزمن الأول قامت زمرة من الأخيار تواجه الباطل وتتصدى له فلقيت في الله ما لقيت من الأذى والبلاء والمحن في ذات الله تعالى، قال الشيخ عبد الله بن إبراهيم القرعاوي [نصيحة إلى كافة المسلمين والمسلمات ص 6]: " فما أحسن أثر الناس الآمرين بالمعروف و الناهين عن المنكر على الناس، وأسوأ أثر الناس عليهم، وقد أهمله كثير من الناس فليحذروا أن يكونوا من المجرمين وهم لا يشعرون، قال تعالى : { فلو لا كان من القرون من قبلكم أولوا بقية ينهون عن الفساد في الأرض إلا قليلا ممن أنجينا منهم واتبع الذين ظلموا ما أترفوا فيه وكانوا مجرمين}، بل وإن بعض الناس يثبط عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ويحض على الإغضاء والسكوت والمداهنة وإصلاح الدنيا ولو بفساد الدين وأن هذا هو العقل الراجح المحمود؟ بل إن البعض من الناس يعادي أهله بالقول بالهمز واللمز والسب والاستهزاء والكذب والافتراء عليهم أو بالفعل، وهؤلاء على خطر عظيم من دخولهم في قوله تعالى :{ ولئن سألتهم ليقولن إنما كنا نخوض ونلعب} لما روى البخاري و مسلم : عن أبي هريرة رضي الله عنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: [ إن العبد ليتكلم بالكلمة ما يتبين فيها، ينزل بها في النار أبعد مما بين المشرق والمغرب]، ولفظ الترمذي [لا يرى بها بأسا يهوي بها في النار سبعين خريفا ]"، فهذا هو طريق الحق عباد الله الذي من سلكه لقي في سبيله ما لقي الأنبياء، ومن سنن الله تعالى في الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر أن يجعل الله لهم القبول في أقوالهم وأعمالهم ولو بعد حين فلا ينبغي عليهم أن ينزعجوا من إدبار الناس عنهم، لأن الكلام الذي يخرج من القلب الغيور على محارم الله يدخل مباشرة إلى قلب صاحب المنكر حتى وإن لم يقبله ابتداءا فسيبقى الكلام يدوي في عقل وخاطر وقلب العاصي وسيتذكره كلما حصل له موقف مشابه لفساده الأول الذي انكره عليه الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر، فعلى الدعاة الصالحين والآمرين والناهين الصادقين أن يتوكلوا على الله ويغتنموا هذا الخير الفطري الجبلي في العاصين من أهل القبلة ويوظفوه في الخير والدعوة إلى الله ونشر دينه سبحانه بين الناس بتبليغ الرسالة ونشر العلم بين الناس، فقول وفعل الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر وقع خاص في الخلق والخليقة، وكل هذا القبول من الله تعالى لنهم قاموا بما يجب عليهم من الحق اتجاه الحق فرفع الله بفضله منزلتهم وأعز شأنهم ورفع قدرهم، قال العلامة الشيخ ابن باز: [ في الفتاوى والرسائل] : " فالواجب على جميع المسلمين أن يتفقهوا في دينهم، وأن يسألوا أهل العلم عما أشكل عليهم، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: [ من يرد الله به خيرا يفقه في الدين] متفق على صحته، وعلى أهل العلم أن يفقهوا الناس ويعلموهم، ويبلغوهم ما أعطاهم الله من العلم، وأن يسابقوا إلى هذا الخير، وأن يسارعوا إليه، وأن يتحملوا هذا الواجب بأمانة وإخلاص وصبر حتى يبلغوا دين الله لعباد الله وحتى يعلموا الناس ما أوجب الله عليهم، وما حرم عليهم من طريق المساجد، وحلقات العلم في المساجد وغيرها، وخطب الجمع والأعياد، وغير ذلك من المناسبات لأنه ليس كل أحد يستطيع أن يتعلم في المدارس والمعاهد والجامعات، وليس كل أحد يجد مدرسة تعلمه دين الله وشرعه المطهر، وتعلمه القرآن الكريم كما أنزل، والسنة المطهرة كما جاءت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فوجب على أهل العلم والإيمان أن يبلغوا الناس من منابر الإذاعة، ومنابر التلفاز، ومنابر الصحافة، ومنابر الجمعة، ومنابر العيد، وفي كل مكان وبالدروسوالحلقات العلمية في المساجد، وفي غير المساجد، فكل طالب علم من الله عليه بالفقه في الدين، وكل عالم فتح الله بصيرته عليه أن يستغل ما أعطاه الله من العلم، وأن يستغل كل فرصة تمكنه من الدعوة حتى يبلغ أمر الله وحتى يعلم الناس شريعة الله وحتى يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويشرح لهم ما قد يخفى عليهم مما أوجبه الله عليهم أو حرمه عليهم هذا هو الواجب على جميع أهل العلم فهم خلفاء الرسل وهم ورثة الأنبياء فعليهم أن يبلغوا رسالات الله، وعليهم أن يعلموا عباد الله شريعة الله وعليهم أن ينصحوا لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم وأن يصبروا على ذلك وعلى جميع ولاة الأمور أن يعينوهم ويشجعوهم ويقوموا بكل ما يسهل عليهم أداء هذا الواجب"، فهكذا نتعاون فيما بيننا ونظهر دين الله تعالى في العمل به والدعوة إليه بالعلم النافع والعمل الصالح، فإذا تعاون بعضنا مع بعض على طاعة الله ورسوله صلى الله عليه وسلم عم الخير والنفع بين الخلق، وإذا تخلى بعضنا عن بعض ظهر الفساد وانتشر بين الناس وظهر أمر الفجار على الصالحين وغلب الشر الخير وأهله، وصدق شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه في كلامه النفيس النافع المتعلق بحقيقة وجود الإنسان في هذه المعمورة وإنه ما وجد إلا ليعبد الله وليأمر بالخير وينهى عن الشر، فللأمر بالمعروف والنهي عن المنكر دور بارز في هذه الحياة الدنيا، ويجب على المسلم أن يؤدي واجبه في باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حتى مع نفسه إذا كان وحده، فكيف إذا خالط غيره من الناس وكانوا بحاجة إلى علمه و الأمر أشد وأعظم في باب المسئولية إذا كان المرء متبوعا مطاعا في قومه فيجب عليه أن يأمرهم بما أمر الله ورسوله وينهاهم عما نهاهم الله ورسوله صلى الله عليه وسلم ففي [ كتاب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ص 149] قال شيخ الإسلام ابن تيمية : " وإذا كان الأمر والنهي من لوازم وجود بني آدم فمن لم يأمر بالمعروف الذي أمر الله به ورسوله صلى الله عليه وسلم، وينه عن المنكر الذي نهى الله عنه و رسوله صلى الله عليه وسلم، ويُؤمر بالمعروف الذي أمر الله به ورسوله صلى الله عليه وسلم، وينهى عن المنكر الذي نهى عنه الله ورسوله صلى الله عليه وسلم وإلا فلا بد من أن يأمر وينهى ويؤمر ويُنهى، إما بما يضاد ذلك وإما بما يشترك فيه الحق الذي أنزله الله بالباطل الذي لم ينزله الله، وإذا اتخذ ذلك دينا كان دينا مبتدعا ضالا باطلا "، واما أن يتلاعب الناس بمسئولياتهم، وكل واحد يرمي غيره بالتقصير واللعب فهذا في الحقيقة عبث في حق الشريعة والمسلمين، فإننا نسمع في زماننا الحكام والسلاطين يقولون : إن الشعوب ليست في المستوى المطلوب، والشعوب تقول : العلماء ليسوا في المستوى الشرعي ولم يقوموا بدورهم في قول الحق وتبليغ الرسالة، والعلماء والفقهاء يقولون : الشعوب ليست في المستوى العلمي ولا الديني ولا يسمعون لنا ونحن تحت مطرقة إكراه الحكام المستبدين، والحقيقة كل واحد من هذه الأقسام الثلاثة يجب عليه أن يؤدي ما عليه مما كلف به ولا ينتظر غيره أن يعمل عمله ويقوم بدوره...
1: التغيير و الإصلاح مسؤولية الحاكم والعالم والرعية

يا معشر المسلمين : لا يظن أحدنا أنه لا يسأل عما يراه حوله من منكر وفساد فالمسلم مسئول عما يدور حوله سواء كان ذلك الشر والضرر في بيته وعائلته أو ذوي قرابته وجيرانه أو في قبيلته أو بلده، بل يجب على كل مسلم أن ينكر ويغير ويعلم وينهى ويأمر بالخير ما يراه ويسمعه من شر وفساد، وكل واحد من المجتمع المسلم له نصيب من الإثم حاكما كان أو محكوما، فإن ترك الناس المفسدين يعربدون بلا ردع ولا إنكار مع القدرة على إبطال فسادهم وتنصيب مكان شرهم معروفا أثموا جميعا، ومن لم يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر فقد شارك الناس في منكرهم بسكوته عنهم وعم الإثم كل المسلمين القادرين، فإصلاح الفساد والإنكار على المفسدين مسئولية الجميع كل واحد على قدر مسئوليته، فالحاكم والسلاطين والملوك والولاة هم رؤوس الناس وهم المسئولون بالدرجة الأولى عما تحت أيدهم من الأمانة المتعلقة بالملك والتمكين وإقامة دين المسلمين من تحكيم الشريعة وإقامة الحدود الربانية والتكاليف الإلهية وإحياء السنن الحميدة وإماتة البدع الذميمة، وهم مؤتمنون كذلك بطريقة مباشرة على أمانة الإسلام والقيام بالعدل بين الرعية، وهم بالدرجة الأولى مسئولون أمام الله عن كل ما يحدث من فساد وظلم واعتداء في بلاد الإسلام مما تجري عليها أحكام سلطانهم ومما علموه واطلعوا عليه من فساد الرعية ، أو علمته بطانتهم التي خولوها الإطلاع على الأمور، فكلهم مكلفون من باب أولى بالعمل لهذا الدين وحماية الرعية حماية سليمة في دينهم ودنياهم وحفظ مقاصده كحفظ الدماء والأعراض والأموال والعقول، وكذلك هم مسئولون بدفع ما يقع في بلدان المسلمين من زيغ ديني سواء مما تعلق بأمر العقيدة أو العبادة أو تغيير معالم الحلال والحرام أو المعاملات والأخلاق والآداب، أو فساد دنيوي تعلق بأمر دنيا الناس ومعاشهم، فمهما كان حجم الشر والفساد ونوعه وشكله وجنسه فينبغي على المسئولين أن ينكروه بكل قوة، سواء كان المنكر كبيرا أو صغيرا، فهذا هو الواجب الذي كلف الله تعالى به من كان إماما في الناس، وينبغي على العبد المسلم أن لا يلبس على نفسه وغيره يقول : الناس مسئولون عن أنفسهم وكل واحد حجيج نفسه عند الله، كلا والله إن الراعي والرعية مسئول كل واحد منهم عن نفسه ودينه وأمته وكل واحد على قدر مسئوليته وحجم أمانته، وكلما كان العبد في الدرجة أرقى وفي المنزلة أسمى إلا وكانت مسئوليته أكبر وأمانته أضخم، وكلما كان القرار بيده أمكن وكان على أمر تطبيق المعروف وإنكار المنكر أقدر إلا وكانت مهمته عند الله أصعب وحسابه أتعب، فيجب على كل واحد أن يراجع أمانته فلا يترك الشيطان وهواه ونفسه المريضة تزين له المنكر، فينفي عنه مسئولة التغيير والإنكار و يزعم أن الفساد يقع بغير رضاه أو أنه مسئول عن نفسه فقط لا عن غيره، وأن قرار منع المنكر ليس بيده وغير ذلك من التلبيس الشيطاني؟ فليسأل كل واحد نفسه بصدق هل أنا حقيقة عاجز عجزا معتبرا عند الله في مسألة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أو أنه يلتمس لنفسه الآثمة المقصرة الأعذار الواهية والأسباب الضعيفة ؟ لقد بين رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما ثبت في صحاح السنة مسئوليات الناس ودرجاتهم في الإنكار والتغيير، فيجب الأخذ عنه صلى الله عليه وسلم، كما روى البخاري [ح893] ومسلم [ح1829] عن ابن عمر رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : [ ألا كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته، الإمام راع ومسئول عن رعيته، والأمير راع ومسئول عن رعيته، والرجل راع في أهل بيته ومسئول عن رعيته، والمرأة راعية في بيت زوجها ومسئولية عن رعيتها، والخادم راع في مال سيده ومسئول عن رعيته، والأمير راع ومسئول عن رعيته ألا فكلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته]، فهذا الحديث العظيم يدل على أن صاحب الأمانة مسئول عن أمانته وما كلف به من الواجبات، ويجب عليه القيام بها بإتقان، وولاة أمر البيوت والأسر والعائلات مسئولون كذلك عن أهليهم وما كان تحت يدهم من ذوي القرابة، فإن كانوا شيوخا لقبائل أو أمناء طوائف أو ولاة أمر على أقوام أو حكام على شعوب فهم أمناء على أمر الناس ودينهم ودنياهم، فكل ما تتصرف به القبيلة أو الأمة أو تعمل به الرعية من أهل وعشيرة وشعب مما يخالف الشرع سواء رأوه أو سمعوه به أو رفع إليهم وكانوا قادرين على إزالته وإقامة المعروف مكانه إلا وكانوا مسئولين بالدرجة الأولى عنه الدنيا والآخرة، وكل عمل باطل سكتوا عنه أو عمل فاسد أعانوا عليه إلا كانوا شركاء في الإثم مع الفاعلين حتى ينكروه، بدليل قول الله تعالى :{ وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان}، فالرجل يجب عليه أن يراقب أهله في بيته، ويراقب زوجه وأولاده وذويه، ويحافظ على سلامة دينهم وعقيدتهم وعبادتهم وشرفهم وحرمتهم وأموالهم وعقولهم، ويحوطهم حتى يدفع عنهم كل خطر وفساد وضلال وفتنة، والولد الصالح العاقل الراشد يجب عليه أن يخلف أباه عند غيابه أو حين تكليفه بأمر معقول ينوبه بالحق ويقوم بالواجب الشرعي كما ينبغي على الوجه الصحيح بلا إخلال لواجب ولا إهمال لفريضة، وكذلك الخادم أو العامل أو الأجير مسئول عن عمله وما ائتمن عليه من الأمانة، وكذلك الحكام من باب أولى عليهم أن يقوموا بالحق لا تأخذهم في الله لومة لائم، فكثير من الناس يظنون أن الأمانة هي فقط المسائل المتعلقة بالمال وعلى شرط أن يؤتمنوا عليها لفظا ! كلا والله إن العبد مؤتمن على كل ما ائتمن عليه وعن كل شيء كان مسئولا عنه دينيا أو دنيويا، وسيسأل عن النقير والقطمير في دنياه وأخراه، فليق الله العبد المسلم حق التقوى وليلزم العمل بالعروة الوثقى، فحاصل القول في باب الأمانات : كلنا راع وكلنا مسئول عن رعيته، كل واحد في مكانه وعلى ثغره فالحاكم بحكمه والعالم بعلمه والناس بأمانتهم، فلا نكذب على أنفسنا وكل واحد منا يرمي المسئولية على الآخر، المرء على نفسه بصيرة ولو ألقى معاذيره، فلا نلبس على عقولنا بالأماني والغرور والرجاء الكاذب، فقد روى مسلم [1827] عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : [ إن المقسطين عند الله على منابر من نور الذين يعدلون في حكمهم وأهليهم و ما وُلوا]، فالمسؤولية مسؤولية الجميع فليغير كل مسلم المنكر في بيته وقبيلته وأمته، ولا ينتظر أن يأتي آخر يدخل داره وعشيرته وأمته حتى يغيره فساد أهله، وعلى صاحبً البيت والأمانة والحكم أن لا يهون فيهون على أهله ويصغر في عين قبيلته وأمته، وليغير العبد الفساد في بيته وأمته طوعا وعن رضا خير له من أن يغيره حياء أو عن إكراه، وبما أنه مسئول فليغيره طاعة لله خير من أن يغيره إجبارا من طرف الخلق فهو سيغيره لا محال طوعا أو كرها أو حياء، فليبادر إذا إلى تغييره لوجه الله تعالى، وفي سبيل الله، وقياما بحق الله تعالى، وإقامة شرعه لدفع سخطه سبحانه ونقمته وعذابه الأليم، وكذا الحكام فهم أولى بهذا التغيير في شعوبهم، وخير لهم أن يغيروا الفساد طاعة لله وعملا بأمر الله خير لهم من أن يحملوا عليه من طرف الرعية بالاحتجاج، وليكونوا سباقين لطاعة الله فهم أولى بها من غيرهم وليكونوا قوامين بالقسط والعدل والحق، فيا إخوة الدين والعقيدة : إذا شاع المنكر في الأحياء والمساكن الجماعية والعمارات السكانية والمجتمع المسلم يعم الإثم الجميع الفاعلين والساكتين والمداهنين والراضين فعلى الناس الأول فالأول وجوب الإنكار بقواعد الشرع وضوابط العلم، فعلى الصالحين وغيرهم من الناس أن ينكروا المعاصي في محل سكناتهم وعمائرهم وبيوتهم وعلى الجيران والأقربين الأقرب فالأقرب، وكلما قرب الرجل من هذه المساكن الفاسدة التي ينتشر فيها المنكر كان واجبه أعظم ومسئوليته أكبر، ومن كان أقرب إلى مكان الفساد والمخالفات يتأكد عليه واجب الإنكار ويتضاعف عليه الإثم بسبب خذلانه وقعوده عن القيام بفريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فليتق الله وليسدد من يلي سكنه مساكن أهل الفساد، وليتعاون الكل على قيام هذه الركيزة المتينة التي لا تصلح الدنيا إلا بها، فعلى الجميع حكاما وعلماء ومحكومين أن ينكروا المنكر حتى يعذروا أمام الله تعالى جميعا يوم القيامة، فعلى المكلفين أن ينكروا ما يجب عليهم وما يمكن إنكاره على المفسدين بالحق والشرع ولا يداهنوا فيه أحدا من الخلق، وكذلك الأمر فيما يتعلق بالمتاجر والأسواق والمدارس والثانويات والجامعات والقاعات الرياضية والمنتزهات العائلية وحدائق التسلية والمقاهي وأماكن الترفيه وغير ذلك من الأماكن التي يغلب عليها الترف والتقصير وفي كل مكان يجتمع فيه الناس بحق وبغير حق، في الحقيقة لا يحفظ الدين ولا تصان الشريعة المحمدية على صاحبها أفضل الصلاة وأزكى التسليم ولا يرفع لواء الإسلام بين الأديان إلا بالفريضة الربانية المر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولا تحفظ الأعراض ولا الدماء ولا العقول ولا الأموال إلا بشعيرة وشريعة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولولا هذه الفريضة الربانية التي أصلح الله بها الأمة المحمدية لما أقيمت الشعائر ولا الشرائع ولا طبقت الحدود ولا نصر الحق وأهله ولا أبطل الباطل وأنصاره ولا انتشر الصلاح ولا الاستقامة، ولا قمع الفساد والشر ودعاته فاتقوا الله عباد الله أنتم المسئولون في أمة محمد صلى الله عليه وسلم في الدنيا والآخرة، واعلموا رحمكم الله أن الدنيا كلها لا تصلح إلا بالحق وأهله، فإن غاب أهله المصلحين طغى الباطل على الحق وظهر الفساد واستعلى على الصلاح، وانتشر الكفر والشرك والردة والفساد والشر والبدع المنكرة والخرافات والضلالات، فمسئولية الناس متفاوتة في فريضة الأمر والنهي، فمن كان قادرا كالحكام والعلماء فمسئوليتهم أكبر ومن كان عاجزا فليتق الله ما استطاع، وقد سئل الشيخ العلامة صالح الفوزان : [ المنتقى من فتاوى الشيخ الفوزان روح الإسلام 203] : من المسئول عن تغيير المنكر‏؟‏ وكيف يمكن ضبط هذه المسئولية ‏؟‏ فقال الشيخ : إنكار المنكر بالقلب مسئول عنه كل مسلم، ومن لم ينكر المنكر بقلبه فليس بمسلم لقوله صلى الله عليه وسلم‏ :‏ ‏[‏فَمَن لم يستطع فبقلبه وليس وراء ذلك من الإيمان حبّة خردل‏]‏ ‏‏رواه الإمام مسلم في ‏"‏صحيحه‏"‏ ‏(‏1/69، 70‏)‏ من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه‏‏، أما إنكاره باليد أو باللسان، فإنما يجب على من يقدر على ذلك من الولاة والعلماء وغيرهم من المسلمين إذا لم يترتب على ذلك حصول منكر أشد، أمّا الإنكار بالقلب، فلا يعجز عنه أحد ولا يُعذرُ فيه أحد‏، ويمكن ضبط هذه المسئولية العظيمة بأن يوكل القيام بها لمن فيه الكفاءة من أهل العلم والدين والغيرة بأن يُكوَّن في الدولة جهاز خاص من العلماء وأهل القوة والغيرة، ويعطون الصلاحيات الكافية والإمكانيات المناسبة كما هو موجود في هذه المملكة من هيئات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، التي نرجو من الله أن يعينها على القيام بواجبها، وأن يوفق ولاة الأمور لمساعدتها ومساندتها، وإنها لميزة عظيمة لحكومتنا الرشيدة وفقها الله، حيث كوَّنت هذا الجهاز الهام، ومنحته الإمكانيات اللازمة حتى يقوم بواجبه، فإن هذا من أعظم أسباب النصر والتمكين في الأرض وحصول الأمن والاستقرار‏،‏ قال الله تعالى ‏:‏ ‏{ ‏ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز، الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وأتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ولله عاقبة الأمور} ‏كما حصر الله الفلاح على القيام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فقال‏ :‏{ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون} فإذا قامت جهة بهذا الأمر كما ينبغي انضبط خير انضباط وحصل المقصود‏"، فعلى الحكام وشباب الأمة الإسلامية أن يتحملوا كل هذه الأعباء الثقيلة التي كلفوا بها أزيد من غيرهم بسبب نشاطهم وقوتهم وطاقاتهم وجهدهم، فيعين بعضهم بعضا على نصرالدين والتمكين لشريعة الله والذب عن أحكامه وأوامره، وأن يجتهدوا بكل ما في وسعهم لإصلاح ما فسد أو لتبديل ما طرأ على دينهم من البدع والفساد، وقد ظهرت بعض الذهنيات الخاطئة الجديدة بين مثقفي الأمة وهي في الحقيقة دعوى جاهلية تدعو إلى الانسلاخ من الدين باسم الحرية، وأصبح صاحب المنكر يقول بكل تبجح : إن حريته لا تسمح للآخرين بالتدخل في شأنه الخاص، فلا يأمره أحد بمعروف ولا ينهاه عن منكر، ولا يحق لأي أحد أن أن يتدخل في حياته! فهذا شأنه الخاص ولا يملك أحد التصرف في حياته التي يسأل عنها وحده !؟! ولا يحق لغيره أن يتصرف في نمط معيشته ووسيلة قضاء وقته !؟ فهذا هو الجيل الجديد الذي تربى وترعرع في أحضان اليهود والنصارى وأهل الردة المفسدين عبر وسائل الإعلام الفاسدة والأفلام الكافرة من خلال قنوات الكفار التي خرّجت لنا عقلا عربيا جديدا يفكر بتفكير الكفار، فهذا الفكر هو في الحقيقة نتاج مكر أشد من غزو الدبابات والطائرات والقاذفات والبوارج وراجمات الصواريخ، أنه غسل الأدمغة ومحو الشخصية الإسلامية، وإن مثل هذه الصياغة للعقول العربية الإسلامية عبر الغزو الفكري يتم التخطيط لها في الكواليس والخفاء من طرف أعداء افسلام والأمة الإسلامية والعربية، ثم سرعان ما يخرج هذا التخطيط عبر التنفيذ لهذه الجرائم الفكرية التي تطمس الهوية وتمسخ الشخصية المسلمة حتى يسهل عليهم افتراسها بلا مقاومة! وأي مقاومة عباد الله لهذا الجيل ؟ فهل نستسلم لمن غزا دارنا وحرف منهج حياتنا وحارب ديننا، ونشر الفساد والرذيلة بين أمتنا وبدل عقلية شعبنا، وأنشأ جيلا من الصعاليك والفجار الأنذال؟
فنحن علينا جميعا أن نتعاون حتى نزيل هذا الفساد فإن لم نستطع نحصن أمتنا كما قال تعالى :{ يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذ اهتديتم }، ومن تمام الهدي : الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية : [مجموع الفتاوى ج14/ص480] : "إنما يتم الاهتداء إذا أطيع الله وأدي الواجب من الأمر والنهي وغيرهما ولكن في الآية فوائد عظيمة، أحدها: ألا يخاف المؤمن من الكفار والمنافقين فإنهم لن يضروه إذا كان مهتديا، الثاني: ألا يحزن عليهم ولا يجزع عليهم فإن معاصيهم لا تضره إذا اهتدى والحزن على ما لا يضر عبث وهذان المعنيان مذكوران في قوله: {واصبر وما صبرك إلا بالله ولا تحزن عليهم ولا تك في ضيق مما يمكرون}، الثالث : ألا يركن إليهم ولا يمد عينه إلى ما أوتوه من السلطان والمال والشهوات كقوله :{ لا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجا منهم ولا تحزن عليهم } فنهاه عن الحزن عليهم والرغبة فيما عندهم في آية ونهاه عن الحزن عليهم والرهبة منهم في آية فإن الإنسان قد يتألم عليهم ومنهم إما راغبا وإما راهبا، الرابع : ألا يعتدي على أهل المعاصي بزيادة على المشروع في بغضهم أو ذمهم أو نهيهم أو هجرهم أو عقوبتهم، بل يقال لمن اعتدى عليهم عليك نفسك لا يضرك من ضل إذا اهتديت كما قال :{ ولا يجرمنكم شنآن قوم } الآية وقال : { وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين}، وقال :{ فإن انتهوا فلا عدوان إلا على الظالمين}، فإن كثيرا من الآمرين الناهين قد يعتدي حدود الله إما بجهل وإما بظلم وهذا باب يجب التثبت فيه وسواء في ذلك الإنكار على الكفار والمنافقين والفاسقين والعاصين، الخامس : أن يقوم بالأمر والنهي على الوجه المشروع من العلم والرفق والصبر وحسن القصد و سلوك"، إنهم يريدون من كل مسلم أن يبدل دينه، أو على الأقل أن يتخلى عن الاستقامة على نهجه والالتزام بتعاليمه، وهذا التخلي عن الدين ليس من باب تبديل الجنسية أو الهوية أو الانتماء القومي أو بطاقة التعريف والإثبات فهذا لا يريدونه من الشباب المسلم، لأن المنسلخ عن دينه سيزاحمهم في حياتهم الدنيوية وحقوقهم المدنية ومتطلبات معيشتهم الفانية ولوازم حضارتهم المادية، وإنما يتم عن طريق ترك الدين الحنيف كما قال الله تعالى في كتابه الكريم { ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم إن استطاعوا }، وإن مما يهدفون إليه عبر حملاتهم الجائرة المتتالية المتتابعة بلا انقطاع وبلا يأس هو الانسلاخ المحض عن الإسلام وترك تحكيم شريعته والتحاكم إليها والتزام تعاليمها، وترك عبادة الله وحده والاستقامة على صراطه المستقيم كما قال تعالى :{ ودوا لو تكفرون كما كفروا فتكونون سواء}، فيجب على كل مسلم أن يكون عنصر خير في الأمة المحمدية يأمر بالخير وتنهى عن الشر، قال العلامة الشيخ المبارك الميلي الجزائري عضو جمعية علماء المسلمين [ كتاب الشرك ومظاهره ص195] : " الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ملاك أمر الدين، وصيانة حرمته بين المسلمين والقيام بهما يحفظ عليهم علم الشريعة المنير للعقول، ويبث فيهم المواعظ المحببة للقلوب، ومن خسر عقله بالجهل وقلبه بالغفلة فقد خسر نفسه وخسر الدنيا والآخرة :{ ذلك هو الخسران المبين }"، فهذا هو الواجب المتحتم على المسلمين صيانة الدين والقيام بتكاليفه والحفاظ على حرمته، وأما إن لم يحقق الكفار الغاية القصوى ألا وهي : إخراج المسلم من الإسلام، فإنهم يرضوا بالقليل من الكفر كترك التدين أو بمعنى آخر إن لم تتهود أو تتنصر فكن إباحيا لا دينّا ! أو بمعنى آخر أقرب إلى فهمهم : كن يا مسلم متحضرا بارتكاب الفواحش والعصيان والتمرد على الله ورسوله صلى الله عليه وسلم فسوف نرضى عنك ونقربك وسترتقي أيها المنسلخ المتفسخ المتمسخ من مرتبة العبد الحقير إلى الخادم الذليل المطيع المنفذ لكل أمرهم بلا نقاش ولا جدال، وهذه المنزلة المتردية الحقيرة لا يتحصل عليها إلا من باع دينه للشيطان ولأعوانه الأشرار ومن كان على شكلهم ودربهم، فهم يريدون من المسلمين ترك الإسلام ولو امتثالا لأوامره وترك الإنقياد له، فيا معشر المسلمين فكيف يرضى من فيه بقية إنسانية، ومسكة رجولة، وذرة إيمان في قلبه أن يكون عبدا منفذا أو مشاركا أو معينا لهم في هذا الانحطاط المخزي والمذلة المهينة ألا وهو تنصير المسلمين أو تهويدهم أو إخراجهم من ملتهم وغير ذلك من صيغ الانسلاخ، أيجوز لهؤلاء الشباب تدمير أمتنا بأيدي شبابنا ونساءنا ؟ فالدعوات الفاسدة كثيرة وشعاراتها مختلفة! ولكن مضمونها واحد ودعوتها سواء : هي دعوة الكفر بعد الإيمان و الردة بعد الإسلام، فنسأل الله الثبات على الدين اعتقادا وقولا وعملا والتمكين للإسلام وأهله الموحدين آمين، إنهم يقولون اليوم بأفواههم : لا أحد يجبرك على اعتناق الديانات الأخرى كما أنه لا ينبغي لك أن تكره الآخرين على اعتناق دينك! ولكن في حقيقة الأمر بأفعالهم هم يقولون : يا ويحك لو تدعو غيرك إلى دينك، ثم يا ويحك مرتين أن تمنع أبناء دينك من اعتناق دينهم الكفر والشرك وتقول جاء في الحديث الصحيح في البخاري عن ابن عباس رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : [ من بدل دينه فاقتلوه]، وإياك تجبر الناس أن يلتزموا بالإسلام أو أن يستقيموا على تعاليمه وأحكامه و الويل لك ثم الويل : إن أرادت أن تبدل قوانين اليهود والنصارى والفرنجة وتحل مكانها شريعة نبيك محمد صلى الله عليه وسلم أو تتبع منهج الخلفاء الراشدين المهديين رضي الله عنهم، فالمؤمنون من بعدهم قاموا بأمر الدعوة وفريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وصبروا في الله على ذلك حتى نصرهم الله تعالى وهذا هو نهج الأنبياء كلهم، كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية : [مجموع الفتاوى ج15/ص169] : " والمؤمنون كانوا يدعون إلى الإيمان بالله وما أمر به من المعروف وينهون عما نهى الله عنه من المنكر فيؤذيهم المشركون وأهل الكتاب وقد أخبرهم بذلك قبل وقوعه وقال لهم : { وإن تصبروا وتتقوا فإن ذلك من عزم الأمور}، وقد قال يوسف عليه السلام :{ أنا يوسف وهذا أخي قد من الله علينا إنه من يتق ويصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين}، فالتقوى تتضمن طاعة الله ومنها الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والصبر يتناول الصبر على المصائب التي منها أذى المأمور المنهي للآمر الناهي، لكن للآمر الناهي أن يدفع عن نفسه ما يضره كما يدفع الإنسان عن نفسه الصائل فإذا أراد المأمور المنهي ضربه أو أخذ ماله ونحو ذلك وهو قادر على دفعه فله دفعه عنه بخلافما إذا وقع الأذى وتاب منه، فإن هذا مقام الصبر والحلم والكمال في هذا الباب حال نبينا صلى الله عليه وسلم كما في الصحيحين عن عائشة أنها قالت : [ ما ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده خادما له ولا امرأة و لا دابة ولا شيئا قط إلا أن يجاهد في سبيل الله ولا نيل منه فانتقم لنفسه إلا أن تنتهك محارم الله، فإذا انتهكت محارم الله لم يقم لغضبه شيء حتى ينتقم لله]، فقد تضمن خلقه العظيم أنه لا ينتقم لنفسه إذا نيل منه، وإذا انتهكت محارم الله لم يقم لغضبه شيء حتى ينتقم لله، ومعلوم أن أذى الرسول من أعظم المحرمات، فإن من آذاه فقد آذى الله وقتل سابه واجب باتفاق الأمة، سواء قيل : إنه قتل لكونه ردة أو لكونه ردة مغلظة أوجبت أن صار قتل الساب حدا من الحدود والمنقول عن النبي صلى الله عليه وسلم في احتماله وعفوه عمن كان يؤذيه كثيرا"،وفي حقيقة الأمر وبوضوح إن أهل العلو والرفعة في الدارين هم الصالحون المصلحون الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر لأنهم يعيشون لغاية نبيلة إقامة الدين والملة المحمدية بين الخلق، وأما أهل الذل فهم الفاسدون المفسدون الخارجون عن الفضيلة الناصرون للرذيلة فمهما علت بهم مراتب الدنيا من مال وشهوة وجاه فإن العاقبة للمتقين، وهذه هي سنة الله تعالى في هذه الدنيا، فتارة تكون الغلبة لأهل الصلاح على أهل الفساد، وتارة تكون لأهل الفساد على أهل التقى، والأيام دول والحرب سجال بين الكفر والإيمان والحق والباطل والمعروف والمنكر، فهذا الصراع السرمدي والتناطح الأبدي والتصادم الحتمي، والتعارك الفطري، والتدافع القدري القائم بين الخير والشر من صميم حقيقة الوجود البشري على وجه الأرض فكل واحد من الخلق يدافع عن معتقده ودينه ومنهجه وطريقة تعبده، فالمسلم يدافع عن إسلامه وتوحيده، والمشرك يدافع عن شركه، والكافر ينصر كفره، والملحد يدافع عن إلحاده، والنصراني ينصر نصرانيته، واليهودي يدافع عن يهوديته، والمجوسي ينصر مجوسيته، الفاسد يدافع عن فساده والزاني عن زناه، والسكير العربيد عن خمره والمغني عن أغانيه وهكذا الدنيا وحال أهلها، أهل الطاعة مع أهل الطاعة وأهل المعصية مع أهل المعصية، وكما قال العلامة الشاطبي رحمه الله : " من اعتقد شيئا دعا الناس إلى معتقده"، فالدنيا حلبة صراع بين الأديان والعقائد والأفكار والقناعات، فيجب على المسلمين أن يدعو إلى الله تعالى بالقول والعمل والأخلاق والآداب، كما قال الشيخ العلامة ابن باز [ فتاوى ورسائل الشيخ] : " فعلينا أن نحذر من أن يصيبنا ما أصاب أولئك، وقد جاء في بعض الأحاديث أن إهمال هذا الواجب وعدم العناية به - أعني واجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر - من أسباب رد الدعاء وعدم النصر كما تقدم، ولا شك أن هذه مصيبة عظيمة، من عقوبات ترك هذا الواجب أن يخذل المسلمون وأن يتفرقوا وأن يسلط عليهم أعداؤهم، وأن لا يستجاب دعاؤهم، ولا حول ولا قوة إلا بالله، وقد يكون هذا الواجب فرض عين على بعض الناس، إذا رأى المنكر وليس عنده من يزيله غيره، فإنه يجب عليه أن يزيله مع القدرة...، وأما إن كانوا جماعة فإنه يكون في حقهم فرض كفاية في البلد أو القرية أو القبيلة، فمن أزاله منهم حصل به المقصود وفاز بالأجر.. وإن تركوه جميعا أثموا كسائر فروض الكفايات، وإذا لم يكن في البلد أو القبيلة إلا عالم واحد وجب عليه عينا أن يعلم الناس ويدعوهم إلى الله، ويأمرهم بالمعروف، وينهاهم عن المنكر حسب طاقته، لما تقدم من الأحاديث ولقوله سبحانه وتعالى { فاتقوا الله ما استطعتم}ومن وفقه الله للصبر والاحتساب من العلماء والدعاة، والآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر، والإخلاص لله، نجح ووفق وهدى ونفع الله به فالرابحون الناجون في الدنيا والآخرة هم أهل الإيمان والعمل الصالح والتواصي بالحق والتواصي بالصبر ومعلوم أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والتواصي بالحق والتواصي بالصبر من جملة التقوى، ولكن الله سبحانه خصها بالذكر لمزيد من الإيضاح والترغيب، والمقصود أن من أمر بالمعروف ونهى عن المنكر ودعا إلى الله وصبر على ذلك فهو من أهل هذه الصفات العظيمة، الفائزين بالربح الكامل والسعادة الأبدية، إذا مات على ذلك ومما يؤكد الالتزام بهذه الصفات العظيمة قوله تعالى:{وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان}"، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يشمل جميع المنكرات والكبار والذنوب بلا تفريق بيها، سواء كان ذلك مما يتعلق بتثبيت المسائل العقائدية الإسلامية السنية الصحيحة بين الناس، أو ما يتعلق بالرد على البدع وأهلها، أو ما يتعلق بالعبادة أو الأحكام أو المعاملات، أو في الرد على أهل الإباحة والفساد، ومهما كان أهل مرتكبي هذه المعاصي سواء كانوا من أهل المعاصي العدوانية كالظلم والبغي، أو المعاصي الشهوانية أو الفواحش الآثمة أو البدع الفجورية أو المحدثات العقائدية يجب الإنكار عليها جميعا بلا تفريق بينها لأنها ليس من عند الله كما قال تعالى : { ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا}، فكل هذه البدع ليست من الدين ولا من السنة في شيء، فكيف بالمعاصي والذنوب والآثام والعدوان الذي يجهر به المسلمون فإنها ليست من العرف والعادة ناهيك أن تكون من ملامح الحضارة ومميزات التقدم وعلاماته؟ قال الشيخ عبد الله بن إبراهيم القرعاوي : [ رسالة نصيحة كافة إلى كل مسلم ومسلمة ص8] : " عباد الله إنه يجب علينا أن نقوم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كل بحسبه فعلى ولاة الأمر من ذلك ما ليس على غيرهم، كما جاء في الأثر : [ إن الله ليزع بالسلطان مالا يزع بالقرآن]، وعلى العلماء خاص وعام، فالخاص الدعوة إلى الحق، والتحذير من ضده والقيام على المشتبهين المشككين المسلمين في دينهم والناكبين عن الحق الصادين عن الصراط المستقيم بكشف شبههم، و رد أباطيلهم ودحض حججهم لعلهم أن يكونوا ممن جاء الأثر بوصفهم وهو : [يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله، ينفون عنه تحريف الغالين و انتحال المبطلين و تأويل الجاهلين ]، قال ابن القيم روي هذا الحديث من وجوه متعددة " ، فعلى العبد المسلم أن يعلم أولا أنه على الحق المبين، وأنه صاحب الدين الصحيح الذي أنزله الله تعالى بالحق والصدق على خاتم النبيين صلى الله عليه وسلم، وأن غيره من أهل الأديان الكفرية إما ملعون أو مغضوب أو جاهل ضال، فلا يحزن لما يراه من الغلبة حينا للكفار والمجرمين على أهل الإسلام والسنة، فهذه سنة الله في هذا الكون، وليعلم أن دوام الحال من المحال ومن عجائب هذا الدين أنه ينتصر في أحلك الظروف وأصعب الحالات وأضيق الأزمات، والتاريخ خير شاهد بعدل على هذه السنن، فالواجب على المسلم أن يهتدي هو أولا ويقول الحق ويمضي في طريقه ويعمل به ويدعو إليه ويصبر على نصره والدفاع عنه، وقد يثقل هذا التكليف على المكلفين بسبب ضيق الحال وغربة الدين وتغيير الناس على المتدينين، فقبول النصيحة صعب في زمن الفساد ولو كان العبد صالحا، لأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مر على النفوس الضعيفة ناهيك عن النفوس المريضة أو الخبيثة، ولهذا لا يستطع أو لا يريد كثير من الناس أن يأمروا بالمعروف وينهوا عن المنكر خشية الإصطدام مع الناس، وتبقى في زعمهم سمعتهم حسنة بدعوى ثناء الناس الكاذب عليهم : كقول الغافلين فلان رجل طيب وصاحب دين صالح لا يتدخل في شؤون غيره، ولا فيما لا يعنيه وكأن تغيير المنكر والفساد الظاهر الواضح المنتشر بين الناس علانية تدخل في شؤون الناس ؟ ومن هؤلاء الجاهلين من يصنف عدم الإنكار على المفسدين في باب : [ من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه] ؟ وفي الحقيقة هذا هو فقه المنحرفين عن الدين والشريعة المحمدية وفهم القاعدين المرجفين المثبطين الخاذلين الذين رضوا بالدنية في دينهم، فالواجب كل الواجب أن لا يترك المسلمون فريضة الله الأمر بالمعروف والخير والصلاح والنهي عن المنكر والشر والفساد، وينبغي قول الحق والدعوة إلى الإسلام بكل مفاهيمه وتعاليمه عقيدة وعبادة وحكما التي بها صلاح الدين واستقامة أهله، وصلاح دنياهم وأخراهم، والتي لا فلاح للمسلمين بغيرها، فهيا يا أمة الإسلام هلموا إلى إحياء هذه الفريضة الغائبة في زمن الغربة، واعلمي أنه من أحيا شعيرة من شعائر الدين المندرسة أو شريعة من شرائع الإسلام الغائبة له أجرها وأجر من عمل بها وبلغها حتى يرث الله الأرض ومن عليها وهو خير الوارثين، وقد سئل الشيخ العلامة صالح الفوزان : [المنتقى من فتاوى الشيخ الفوزان روح الإسلام] : هل الأمر بالمعروف و النَّهيُ عن المنكر واجبٌ على كل مسلم‏؟‏ و كيف يكون ذك‏؟‏ فقال : " الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يجبان على كل مسلم بحسب استطاعته، قال صلى الله عليه وسلم ‏: ‏[‏مَن رأى منكم منكرًا، فليُغيِّرهُ بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان‏] ‏ ‏رواه الإمام مسلم في ‏‏صحيحه‏ ‏(‏1/69‏)‏ من حديث أبي سعيد رضي الله عنه‏ ‏، فلا يجوز لمسلم أن يقرَّ المنكر ويرضى به، ومن أنكر بحسب استطاعته فقد برئ‏ "، فيا إخوة الإسلام : إننا نقرأ آيات بينات من سورة البقرة، ولكن قليل من الأمة من يتدبر معانيها كما ينبغي ويعمل بها إلا من رحم الله، وهذه الآيات هي في شأن أمة بني إسرائيل لما تركوا فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حينما عبدوا العجل فسلط الله عليهم القتل، فحري بهذه الأمة أن تسلك مسلك الاستقامة والدعوة والأمر والنهي وإلا جاءت العقوبات متتالية متتابعة من الله تعالى، فنسأل الله أن نكون في المستوى المطلوب للقيام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حتى لا يعاقبنا سبحانه وتعالى على تقصيرنا فيعفو عنا بكرمه لتفريطنا في أداء هذه الفريضة كما أمر وأحب سبحانه وتعالى وبينها رسول الله صلى الله عليه وسلم وعمل بها أصحابه الكرام رضي الله عنهم أجمعين، فقد قال القرطبي في [ تفسيره : ج1/ ص 401] : " وإنما عوقب الذين لم يعبدوا العجل بقتل أنفسهم على القول الأول لأنهم لم يغيروا المنكر حين عبدوه وإنما اعتزلوا، وكان الواجب عليهم أن يقاتلوا من عبده، وهذه سنة الله في عباده إذا فشا المنكر ولم يغير عوقب الجميع، روى جرير قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : [ما من قوم يعمل فيهم بالمعاصي هم أعزمنهم و أمنع لا يغيرون إلا عمهم الله بعقاب ] أخرجه بن ماجه في سننه"، وقد يقع تارة من بعض الناس أنهم لا يسمعون أصلا لمن ينصحهم ويعلمهم ويأمرهم بالخير وينهاهم عن الشر ولو كان كلمه نافعا واقعيا، ففي هذه الحال عليك بالاستمرار بالنصح إن قويت نفسك، وإن نصحت مرة واحدة وتركت بعد ذلك فقد أديت الذي عليك وانتفى الحرج عنك وعن غيرك من إخوانك المسلمين، فطبيعة الناس أنهم يحبون من يخالطهم ولا ينكر عليهم، بل يرضون عمن يسكت عنهم ولو مداراة أو يماشيهم فيما هم فيه من اللهو والمعاصي ولو مداهنة، وهؤلاء يحق فيهم ما نقل أبو بكر الخلال : [كتاب الخلال (69/2) ص36 ] حينما قال : قال يحي بن أبي كثير قال : موعظة الجاهل كالمغني عند رأس الميت "، لكن لا يسأم المسلم ولا ييأس من واقع الناس وحالهم المزري، فالخير في أمة النبي صلى الله عليه وسلم إلى يوم القيامة كما ورد في الحديث الحسن الذي رواه أحمد والترمذي عن ابن عمر رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :[ مثل أمتي مثل المطر لا يدرى أوله خير أم آخره]
قال الشيخ عبد الله بن إبراهيم القرعاوي : [ رسالة نصيحة إلى كافة المسلمين والمسلمات ص5] : " فإن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أصل من أصول الدين وسهم من سهام الإسلام ونوع من الجهاد في سبيل الله تعالى وفرض من فروض الكفاية التي القيام بها أفضل من القيام في فرض العين فالقائم بها يسقط الوجوب والحرج عن إخوانه المسلمين وبعدمه تجب الهجرة إلى بلد يؤمر فيها بالمعروف وينهى فيها عن المنكر وبه يدفع عن البلد وأهله "
فانظر رحمك الله كيف أفتى علماء التوحيد والسنة بوجوب الهجرة من البلاد التي ترك أهلها الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، نعم وبلا شك أن قوما مثل هؤلاء قوم شرار لا يأمرون ولا يأتمرون بينهم بالخير ولا ينهون ولا يتناهون فيما بينهم عن المنكر لقوم خبث وناس سوء، وفي الحقيقة لا يمكن للمسلم الأبي أن يعيش معهم وبين ظهرانيهم لأنهم لا يعرفون لله تعالى حقا، ولا يتعاملون مع أولياءه المؤمنين صدقا لأنهم حتما سيخذلونه في دينه وأمره ونهيه، ومن لم يستطع التغيير بين ظهراني قوم مثل هؤلاء فيتق الله ما استطاع إلى ذلك سبيلا، ولينكر عليهم فسادهم ما أمكن، وليخالطهم في الخير والمعروف وإلا فليعتزلهم ولا يخالطهم في أمور شرهم، كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية في الاستقامة ج2/ص 312]: " إن الله سبحانه أمرنا بالمعروف : وهو طاعته وطاعة و رسوله صلى الله عليه وسلم وهو الصلاح والحسنات والخير والبر، ونهى عن المنكر وهو : معصيته ومعصية رسوله صلى الله عليه وسلم وهو الفساد والسيئات والشر والفجور، وقيد الإيجاب بالاستطاعة والوسع[ أي عند تغييره ] ، وأباح مما حرّم ما يُضطر المرء إليه غير باغ ولا عاد، فقال تعالى :{اتقوا الله حق تقاته}، وقال : {فاتقوا الله ما استطعتم }"، فالمسلم يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر أينما كان والنهي عن المنكر يكون باليد واللسان والقلب والإكفهار وعدم المشاركة في المعصية والرضا بها، وكل ترك لفريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر سبب تمزق المجتمع وانقسامه إلى طوائف وفئات وجماعات وأطياف، كل جماعة ترى نفسها أنها على الحق وهي أحق بعلم وفقه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهذا من كيد الشيطان وجنده ومكره وحيله وحباله التي يلقيها على عباد الله تعالى حتى يفرق جمعهم ويضعف همتهم، ويذهب ريحهم، فتتلاشى عند ذلك قوتهم، وتتمزق شرائحهم وتتحزب قبائلهم، وتختلف شعوبهم، ثم تتناحر في الأخير بلا فائدة، قال الشيخ العلامة ابن باز : [فتاوى المرأة ص100] : " ولا شك أن صلاح المجتمع واستقامته إنما يكون بالله سبحانه، ثم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وأن فساده وتمزقه وتعرضه للعقوبة العامة من أعظم أسبابه ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كما ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : [إن الناس إذا رأوا المنكر فلم يغيروه أوشك أن يعمهم الله بعقابه] رواه أحمد [1/2] وأبو داود [4338] والترمذي [3057].

2: الترجيح والموازنة بين المصالح والمفاسد عند التغيير
إن جميع الشرائع نزلت لجلب المصالح وتكميلها وتحقيقها وإعمالها، وتعطيل المفاسد ودفعها وتقليلها سواء كان في المصالح الدينية أو الدنيوية، وكذلك كل فعل أمر الله به فيه : خير للعباد والبلاد في العاجل والآجل وفيه كل مصلحة ورحمة وبركة، وكل ما نهى الله عنه وزجر فيه : كل مفسدة وشر ومضرة وأذية في العاجل أو الآجل من حيث علمنا أو جهلنا، وكل عبادة لم تظهر حكمتها التعبدية فعلى المسلمين التسليم والإذعان والقبول، لان الله لا يأمر إلا بالخير ولا ينهى إلا عن شر وهذا المعتقد السليم من محض حسن الظن بالله تعالى، قال العلامة ابن تيمية: [الاستقامة ج1/ص330] : "فإن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو الذي بعثت به الرسل والمقصود تحصيل المصالح وتكميلها وتعطيل المفاسد وتقليلها بحسب الإمكان، فإذا كان الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مستلزما من الفساد أكثرها مما فيه من الصلاح لم يكن مشروعا، وقد كره أئمة السنة القتال في الفتنة التي يسميها كثير من أهل الأهواء : الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فإن ذلك إذا كان يوجب فتنة هي أعظم فسادا مما في ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لم يدفع أدنى المفسدتين بأعلاهما، بل يدفع أعلاهما باحتمال أدناهما كما قال النبي صلى الله عليه وسلم : [ ألا أنبئكم بأفضل من درجة الصيام والصلاة والصدقة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؟ قالوا : بلى يا رسول الله ! قال : إصلاح ذات البين، فإن فساد ذات البين هي الحالقة لا أقول تحلق الشعر ولكن تحلق الدين ] "، وإن تغيير المنكر إذا أدى إلى إحداث ما هو أكبر منه حرم على المؤمن تغييره، لأنه سوف يؤدى إلى مفسدة أكبر من بقاء المنكر الأول، كما لو أدى إلى استطالة أهل الشر على أهل الصلاح بعد التغيير، وكذلك إذا أدى إلى ما لا تحمد عقباه من اختلاف الكلمة وانقسام الناس إلى فرق وأحزاب وجماعات وطوائف فتقوم حروب بلا راية واضحة ولا شرعية ببينة، وكذا إذا أدى إلى الاقتتال بغير برهان من الله و شرعية ثابتة فإنه شر لا يعلم مبدأه ومفاسده ونتائجه ومنتهاه إلا علام الغيوب، كما قال الشيخ العلامة محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى: ( الدرر السنية ج1/ص 50]: " ذكر العلماء أن إنكار المنكر إذا صار يحصل بسبب افتراق، لم يجز إنكاره، فالله الله العمل بما ذكرت لكم والتفقه فيه فإنكم إن فعلتم صار إنكاركم مضرة على الدين والمسلم ما يسعى إلا في صلاح دينه ودنياه"، وإنه قد علم من الدين بالضرورة أن الحاكم الظالم القوي المستبد الذي لا يحترم العلماء ولا يسمع كلامهم ولا يعرف مكانتهم لا يتعرض له بالاستفزاز، فإن مثل هذا يسكت عنه مصلحة لجمع شمل المسلمين وعدم إراقة دماءهم بغير نتيجة تحمد عقباها وتؤتي ثمارها إلا فيما كان لا بد منه كإظهار الدين إذا طمست معالمه وحوربت شعائره وشرائعه، وهذا المنهج هو طريق أهل الحكمة والتعقل، كما قال أحمد وهو ينصح العلماء : < لا تتعرضوا للسلطان فإن سيفه مسلول على العلماء >، وقد سئل الشيخ صالح الفوزان : [منتقى الفوزان روح الإسلام 199] : " إنكار المنكر‏.‏‏.‏‏. ‏كيف نحققه بما يخدم المصلحة العامة‏؟‏ فقال : يمكن تحقيق إنكار المنكر للمصلحة إذا كان متمشيًا على ما توجبه الشريعة الإسلامية بأن يكون الإنكار عن علم ويكون بحكمة ورفق وصبر على الأذى، وأن يكون على المنهج الذي وصفه الرسول صلى الله عليه وسلم بقوله ‏: [ ‏مَن رأى منكم مُنكرًا فليُغيِّرهُ بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه‏]، فمن بيده سلطة يزيل بيده، ومن عنده علم وليس عنده سلطة ينكره بلسانه، ومن ليس عنده علم ولا سلطة ينكره بقلبه، ومن لم ينكر على هذا الترتيب الوارد في الحديث، فليس في قلبه إيمان كما قال صلى الله عليه وسلم ‏:‏ ‏[ وليسَ وراءَ ذلك من الإيمان حبَّة خردلٍ‏]‏ ‏‏رواه الإمام مسلم في ‏"‏صحيحه‏"‏ ‏(‏1/69، 70‏‏ ) من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه‏"، والسلف رضي الله عنهم كان أعلم الناس بخبايا النفوس المريضة التي ربما تحصد أرواحا كثيرة بسبب حب السلطان وشهوة الرياسة والسمعة وكانوا علماء عقلاء يحسنون التصرف مع أصحاب التمكين والقوة إذا كانوا جبابرة أو ظلمة أو فجرة أو معتدين، فقد قيل لسفيان الثوري كما نقل أبو بكر الخلال في كتابه القيم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر للخلال [20/9ص22] : " ألا تأتي السلطان فتأمره ؟ قال : إذا انبثق البحر فمن يسكره ؟ "، فهكذا تعالج الفتن على ضوء الكتاب والسنة ووفق ما أمر الله ورسوله صلى الله عليه وسلم وبهذا تنضبط الأمور بين الراعي والرعية بلا فوضا ولا إخلال بالدولة المسلمة المحكمة للإسلام والسنة، وقد قيل : معرفة الداء نصف الدواء، فالأمور كلها تنضبط بالشريعة بلا هوى، فلا حمية ولا عصبية، بل بالدعوة الصالحة والحجة البالغة والحكمة الباهرة، ثم نفصل في الأمور بالموقف الحاسم والوقفة العاقلة الحازمة، فالقوة لا تعطل الحكمة والحكمة لا تؤخر القوة، كلاهما حق وحقيقة الحكمة هي وضع الشيء في موضعه، قال شيخ الإسلام ابن تيمية في كتابه الاستقامة : قال سبحانه : { فقاتلوا التي تبغي حتى تفىء إلى أمر الله } فهو بعد اقتتالهم إذا أُصلح بينهم بالقسط فلم تقبل إحداهما القسط، بل بغت فإنها تُقاتل لأن قتالها هنا يدفع به القتال الذي هو أعظم منه فإنها إذا لم تُقاتل حتى تفيء إلى أمر الله، بل تركت حتى تقتتل هي والأخرى كان الفساد في ذلك أعظم والشريعة مبناها على دفع الفسادين بالتزام أدناهما، وفي مثل هذا يقاتلون حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله، لأنه إذا أُمروا بالصلاح والكف عن الفتنة، فبغت إحداهما قُتلت حتى لا تكون فتنة، والمأمور بالقتال هو غير المبغى عليه، أمر بأن يقاتل الباغية حتى ترجع إلى الدين فقتالها من باب الجهاد وإعانة المظلوم المَبغِيِّ عليه، أما إذا وقع بغي ابتداء بغير قتال مثل أخذ مال أو مثل رئاسة بظلم ، فلم يأذن الله في اقتتال طائفتين من المؤمنين على مجرد ذلك، لأن الفساد في الاقتتال في رئاسة أو أخذ مال فيه نوع من ظلم فلهذا نهى النبي صلى الله عليه وسلم قتال الأئمة إذا كان فيهم ظلم لأن قتالهم فيه فساد أعظم من فساد ظلمهم"، ولقد بذل العلماء أرواحهم في سبيل إظهار الحق ونصره على الباطل، ومن أمثال هؤلاء الرجال كثير عبر التاريخ الإسلامي الحافل بالمواقف القوية والبطولات الربانية، فهذا تصرف الإمام البويطي في أيام محنة خلق القرآن يدل على صدق العلماء الأساطين في إقبالهم على فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر : فبعد أن وضعوا في عنقه القيد قال رحمه الله : < لئن دخلت عليه لأصدقنه " أي الخليفة"، ولأموتن في حديدي هذا حتى يأتي قوم يعلمون أنه قد مات في هذا الشأن قوم في حديدهم >، أراد رحمه أن يبن أن الحق أحق أن يضحى من أجله وأن يبذل في نصره كل غال ونفيس، فضحى بنفسه رحمه حتى يبين للمسلمين أن الحق في غير ما ذهب إليه المخطئون، فأنقذ الله تعالى بموقفه الرباني وتضحيته الفذة وبأمثاله الأساطين الأبطال أجيالا من أمة محمد صلى الله عليه وسلم من ضلال المعتزلة فتوفي في قيده بالعراق كما تمنى، وقد صدق فيه قول النبي صلى الله عليه وسلم : [ إن تصدق الله يصدقك ] فصدق مع الله فصدقه الله، ولا نشك في صدقه رحمه الله وأسكنه فردوسه الأعلى مع النبيين والعلماء والمجاهدين والشهداء والصالحين آمين يا رب، وقال شيخ الإسلام ابن تيمية في الاستقامة [ج1/ص462] : "وهنا أصل عظيم نافع يجب اعتباره وهو أن الأمور المذمومة في الشريعة كما ذكرناه هو ما ترجّح فساده على صلاحه، كما أن الأمور المحمودة ما ترجح صلاحه على فساده، فالحسنات تغلب فيها المصالح، والسيئات تغلب فيها المفاسد، والحسنات درجات بعضها فوق بعض، والسيئات بعضها أكبر من بعض، فكما أن أهل الحسنات ينقسمون إلى الأبرار المقتصدين والسابقين المقربين، فأهل السيئات ينقسمون إلى الفجار الظالمين والكفار المكذبين وكل من هؤلاء هم درجات عند الله، ومن المعلوم أن الحسنات كلما كانت أعظم كان صاحبها أفضل، فإذا انتقل الرجل من حسنة إلى أحسن منها كان في مزيد التقريب،وإن انتقل إلى ما هو دونها كان في التأخر والرجوع، وكذلك السيئات كلما كانت أعظم كان صاحبها أولى بالغضب واللعنة والعقاب"، فيا عباد الله : ينبغي علينا أن نحذر المعاصي ونُحذر المسلمين من خطر الذنوب و آثار المعاصي، وكذلك الأخطاء العملية التي تعود على أمتنا بالدمار والخراب حتى لا يحل بنا ما حل بغيرنا من الأمم الفاسدة التي سكتت عن المنكر والفساد، ويجب علينا أن نعتبر بغيرنا قبل أن يُعتبر بنا، ويلزمنا أن نستفيد من أخطاءنا وأخطاء غيرنا خير وأولى لنا من أن يُستفاد من أخطاءنا ومخالفاتنا ! والعاقل السعيد من اتعظ بغيره واجتنب المحن المذمومة، والشقي من عرض نفسه وغيره للشماتة والمهانة والمذلة بغير حق وبين يديه مصباح الهدى وسراج النور الذي أضاء طريق الصالحين المصلحين لقرونوأحقاب من الزمن، قال أحمد [28/4] : " التغيير باليد ليس بالسيف والسلاح "، وتغيير المنكر بالدعوة قد يكون في بعض الحالات أو أكثرها أنكى وأنفع من التغيير بالسيف وقد جرب هذا في كثير من الأقطار والدول في زمن السلف الصالح، فجاءت الفائدة أن اجتمعت الأمة على السنة وتوحدت الكلمة وحكمت الشريعة وعمل في دولهم بالتوحيد والسنة ومنهج سلف الأمة ، وقد يتساءل العبد من أين تقع الفتنة ؟ وما هو مصدرها ؟ ولماذا تقع في المجتمع المسلم بالذات؟ الجواب: قال العلامة شيخ الإسلام ابن تيمية [ في الاستقامة ص 39] : " ولا تقع فتنة إلا من ترك ما أمر الله به، فإنه سبحانه أمر بالحق وأمر بالصبر، فالفتنة إما من ترك الحق، وإما من ترك الصبر"، وقال أبو بكر الخلال في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر 24/13ص23] : " كتب عمرو بن عبيد الله إلى عبد الله بن شبرمة يعذله في تخلفه عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وكتب إليه عبد الله بن شبرمة :
الأمر يا عمرو بالمعروف نافلة .... والعــــــــــاملون به لله أنصار
والتاركون له ضعفا لهم عذر........ واللاّئمون لهم في ذاك أشرار
الأمر يا عمرو لا بالسيف نشهره....على الأئــــمة إن القتل إضرار
فتغيير المنكر بالدعوة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بالمقاصد الحسنة على وفق ضوابط الكتاب والسنة وقواعد التغيير الشرعية أمره محمود، وأما إذا دخل الهوى وبرز حب الظهور وتدخلت النفوس والعصبيات فسوف يؤول الأمر إلى الفساد والفتن قال الشيخ العلامة صالح الفوزان: [المنتقى روح الإسلام] : " إنّ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إذا كان في بلد مسلم فإن الأمور منضبطة ولله الحمد بأن يقوم الإنسان بالمناصحة والتّذكير والموعظة الحسنة وإذا احتاج الأمر إلى تبليغ السُّلطة من أجل الأخذ على يد العاصي، فإنه يرجع إلى السُّلطة ويبلِّغُها، وإذا لم يحتج إلى الرَّفع إلى السُّلطة، فإن المطلوب السَّترُ على أصحاب المعاصي إذا رأى منهم تجاوُبًا نحو الإنكار وقبولاً للدعوة وتركًا لما هم عليه من الخطأ، فهؤلاء يستُرُ عليهم ويكتفي بأن يغيِّروا هم من أنفسهم من الفساد إلى الصّلاح ما أمكن، وإذا وجد أن هذا العاصي لا يستجيب ولا يقبل النصيحة، يرفع الأمر لوليّ الأمر، فإذا بلغ هذا إلى ولي أمر المسلمين، برئت ذمَّةُ النَّاصح، لأنه أنهى الأمر إلى مُنتهاهُ، أما إذا كانوا في غير مجتمع مسلم، فعليهم الدَّعوة إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة، ودرءُ الفتنة الكبيرة التي قد تعود على المسلمين بالضّرر، فلا يكون هناك عنفٌ، ولا يكون هناك مجابهةٌ تؤدِّي لأن تُقابل بأشدَّ منها، وإنما هو نشر للإسلام بالحكمة والموعظة الحسنة والمناصحة لمن يقبل ذلك، ومن لا يقبل، فإن أمره إلى الله سبحانه وتعالى‏"، وكذلك إذا علمنا أن الحاكم يظلم ويجور في حكمه، ويعاقب عقوبة بالغة جائرة أكثر من الحد الشرعي، ويتجاوز المعقول في الردع فلا نرفع إليه قضايا العقاب والحدود، لأنه سيتعدى حدود الله، وقد أفتى علماء السلف رضي الله عنهم : بعدم رفع القضايا إليه حفاظا على شرع الله وحدوده أولا، ثم على دين الجاني وإيمانه وعقله وحياته وماله، وحتى لا يفتن الناس في دينهم فيصيروا عرضة للردة أو التخلي عن التدين والاستقامة، قال الخلال [ في كتاب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر54/5] : "سئل أبو عبد الله : عن القوم يؤذونه بالغناء، فقال : تقدم إليهم وانههم واجمع عليهم ! قلت : السلطان ؟ قال : لا...، وسئل أبو عبد الله [55/6] [ كتاب الخلال ص 31]: " إذا أمرت بالمعروف ونهيت عن المنكر فلم ينته ما أصنع، قال : فدعه قد أمرته، وقد أنكرت عليه بلسانك وجوارحك إلى غيره ولا ترفعه إلى السلطان يتعدى عليه"، وكان أصحاب عبد الله إذا تلاحى قوم < أي تخاصموا وتضاربوا وتشاجروا> ، قالوا : مهلا بارك الله فيكم مهلا بارك الله فيكم"، ونحن نعلم أننا في زمن يشتم الناس المتخاصمون الدين ويسبون الله تعالى وينطقون بالكلام الفاحش القبيح، فلو قلت لهم بارك الله فيكم لضحكوا عليك ولربما ضربوك وشتموك، فمثل هؤلاء يتعامل معهم بالحكمة وهي الموقف الشرعي الحكيم اللائق في مثل ذلك الموقف، فلكل مقام مقال، وقد وضع العلماء قواعد لرفع الشكوى لدى من يقيم الحدود فقالوا: لا يرفع أمر الجاني إلى السلطان المسلم المحكم لشريعة الله إلا بشرطين : أحدهما إذا تيقنت أنه يقيم في المتخاصمين حكم الله، وثانيا: يقيم فيهم القسط العدل و الإنصاف ولا يتجاوز حد الله فيهم، وسئل أبو عبد الله [ كتاب الخلال الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر 50/1ص30] عن الرجل يرى منه الفسوق والفساد، ينهى فلا ينتهي هل نرفعه إلى السلطان ؟ قال : إن علمت أنه يقيم عليه الحد فارفعه"، وقد كان العلماء الأوائل رضي الله عنهم يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر في دائرة المعقول، وفي إطار المقدور، فكانوا يتكلمون وينكرون ما يجب إنكاره مما هو حق واضح بكل حزم وعزم وجزم، وكانوا يسكتون عما يرون أنه يلحق الضرر بالدين أو بالأمة أو بالدعوة إلى الله تعالى، وكانوا يتعاملون مع القضايا الطارئة والمسائل النازلة بكل تعقل، وأما إذا حدثت في الأمة طارئة مصيرية تتعلق بالإسلام والمسلمين فقد كانوا يجمعون لها الكبار ويتدارسونها فيما بينهم كما كان يفعل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله عنهم، وقد سئل كبار العلماء عن حال وعزيمة الآمرين والناهين قياما بواجب النصح والبلاغ والأمر والنهي فقالوا كما نقل أبو بكر الخلال في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر 9/9 ص18] : " قال شعيب بن حرب : لو لا النبذ والسوط وأشباه هذا لأمرنا ونهينا، فإن قويت فأمر وانه "، وكان آخرون منهم رضي الله عنهم أجمعين ينهون بكل قوة ويأخذون بالعزيمة الصلبة ويصبرون على الأذى في سبيل الله وإظهار الحق كما قال أحمد بن حنبل إمام السنة < إذا سكت الجاهل تقية وتكلم الجاهل فمتى يتبين الحق> ، قال الإمام أحمد رحمه الله تعالى [ كما جاء في كتاب القول البين الأظهر ص16 للشيخ الراجحي] : " وإنما الحق الواجب على العلماء أن يعلموا الجاهل وينصحوه، ويأخذوا على يده، فهم فيما تركوا آثمون عصاة خائفون لجريانهم معهم في ذلك وفي كثير من مساويهم من الغش والنميمة ومحقرة الفقراء والمستضعفين وغير ذلك من المعاصي مما يكثر تعداده وجاء الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم : [ويل للعالم من الجاهل حيث لا يعلمه ]، فتعليم الجاهل واجب على العالم لازم له، لأنه لا يكون الويل للعالم من الجاهل حيث لا يعلمه من تطوع لأن الله لا يؤاخذ على ترك التطوع، وإنما يؤاخذ على ترك الفرائض " ، ولقد ظهرت كثير من الممارسات الخاطئة بين الناس فهذا بفعله وذاك بإنكاره، ولا بد على الآمر الناهي أن يضبط غضبه وإنكاره بالطرق الشرعية والسبل السنية، لأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في حقيقة الأمر هو دعوة وإيصال الرسالة إلى المخطئين والغافلين فلا بد أن يراعى في هذه الفريضة جوانب كثيرة، وقد سئل الشيخ العلامة صالح الفوزان [ في المنتقى روح الإسلام] : "ما الممارسات الخاطئة في تغيير المنكر‏؟‏ وكيف يمكن علاجها‏؟‏ فقال الممارسات الخاطئة في تغيير المنكر تتلخص فيما يلي ‏:
1- أن يقوم بتغيير المنكر من لا علم عنده بما يحل ويحرم وما هو منكر وما ليس بمنكر؛ فإن هذا يفسد أكثر مما يصلح وقد يُحرِّم حلا لاً ويُحِلُّ حرامًا‏، ولا يستطيع دفع الشبهات التي توجه إليه، فلا بد أن يكون القائم بذلك عالمًا بما يأمر عالمًا بما ينهى عنه، يستطيع المجادلة بالتي هي أحسن ودفع الشبهات التي توجه إليه من أصحاب الشهوات والمغالطات‏.
2- أو يقوم بتغيير المنكر من ليس عنده حكمة ووضع للأمور في مواضعها وترتيب للأولويات فقد يقوم بإنكار منكر صغير وهناك ما هو أكبر منه وأولى بالبداءة بتغييره أو يقوم بإنكار منكر يخلفه منكر أعظم منه فلا بد من الحكمة في ذلك‏.
3- أو يقوم بتغيير المنكر بطريق العنف والشدة، ثم تقابل بمثل ذلك أو أشد، فلا يحصل المقصود، فلا بد أن يكون الآمر الناهي رفيقًا فيما يأمر به رفيقًا فيما ينهى عنه.
4 : أو يقوم بإنكار المنكر وتغييره من ليس عنده صبر وتحمل فينقطع في أول الطريق ويترك التغيير لأنه أُصيبَ باليأس،
ولابد في الآمر الناهي من الصبر والتحمل، قال تعالى‏:‏ {وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر}، وقال تعالى عن لقمان‏ :‏‏{يا بني أقم الصلاة و ِامر بالمعروف وانه عن المنكر واصبر على ما أصابك إن ذلك من عزم الأمور }.
5ـ أو يقوم بذلك من لا يتقيد بدرجات الإنكار التي بينها الرسول صلى الله عليه وسلم فربما ينزل إلى درجة وهو يستطيع التي قبلها، أو يصعد إلى درجة وهو ليس من أهلها‏.‏
6ـ قد يكون من بعض الآمرين بالمعروف تسرُّع في بعض الأمور المهمة، بأن تكون له مبادرات لا يرجع فيها إلى أهل العلم والرأي والمشهورة الذين يقومون بدراسة الأمور ويعلمون تجاه كل شيء ما يناسبه، إن ارتكاب هذه الأخطاء أو بعضها تعوق مسيرة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وقد تُحدِث أمورًا عكسية، وقد يحصل منها نتائج غير كافية، فمثلاً الذي يقوم بإنكار المنكر الخفيف ويترك المنكر الذي هو أعظم منه لا يُنتِج عملُهُ كبير فائدة، فالذي يترك إنكار الشرك والبدع وينكر أكل الربا والسفور وغير ذلك من الأمور التي يوجد ما هو أعظم منها يكون قد بدأ من آخر الطريق وعالج جسمًا مقطوع الرأس و خالف منهج الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، فقد كانوا يبدؤون بإنكار الأهم فالمهم، كانوا يبدؤون بإنكار الشرك وعبادة غير الله، فإذا صححوا العقيدة أولاً التفتوا إلى إنكار المعاصي الأخرى‏، خذ هذا مثلاً في منهج نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، فقد بقي في مكة ينكر الشرك ويدعو إلى التوحيد ثلاث عشرة سنة قبل أن ينكر الربا والزنا وشرب الخمر ويأمر بالصلاة والزكاة‏، قد يقول قائل ‏:‏ هذا كان في مجتمع المشركين، أما نحن ففي مجتمع مسلم عنده بعض المخالفات‏، ‏فنقول ‏:‏ إن ما كان موجودًا عند المشركين في الجاهلية يوجد اليوم في غالب بلاد المسلمين ما هو مثله أو أعظم منه من الشرك بالله المتمثل في عبادة الأضرحة والطرق الصوفية والبدع في الدين، فالواجب على الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر في تلك البلاد أن يهتموا بذلك، وأن يبدؤوا بإنكاره بجد وعزيمة حتى تطهر البلاد منه ثم يواصلوا مسيرتهم في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في بقية المخالفات ".
عباد الله : على المتحمس للدين أن ينتبه جيدا لأفعاله وأقواله حتى يضبط حماسه وغيرته التي ربما تتعدى إلى غيره ظلما وعدوانا وبنية إصلاح الفساد، ألا فليتق الله ولا يطع هواه، وليعصي نفسه المتهورة، وليطع العلماء الربانيين المجاهدين العاملين الذين لهم علم صحيح وبصيرة وهم أكبر منه سنا، وأقدم منه إسلاما واستقامة وغيرة على دين الله، والله الهادي إلى سواء السبيل، ولهذا ترى كثيرا من العلماء العاملين يلحون في خطبهم ودروسهم ومواعظهم عن أهمية معرفة قواعد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ووجوب قيام الأئمة بالمهام التي كلفوا بها من خلال مناصبهم وجاههم ومنزلتهم وسلطانهم، ومن هؤلاء الأئمة الذين عملوا طوال حياتهم في هذا الزمان وفي هذا المجال الشيخ ابن باز رحمه الله فلك أخي الكريم نص الكلمة في لقائه مع الأئمة والدعاة ورجال الحسبة بمكة المكرمة [ كما جاء في فتاوى ورسائل الشيخ] : ونشرت في جريدة المدينة في العدد <12306 ليوم الخميس الموافق 9 / 8 / 1417 هـ > : فقال : الواجب على الدعاة الصبر والاحتساب، وتحري الحق، والعناية بالأدلة الشرعية والألفاظ الحسنة في دعوتهم والرفق بالناس مهما أمكن إلا الظالم، فإن الظالم له شأن آخر، كما قال الله جل وعلا :{ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن إلا الذين ظلموا منهم}، فالظالم له شأن آخر يعامل بما يقتضيه ظلمه وردعه عن ظلمه، لكن في الجملة : الداعي إلى الله يتحرى الكلمات الطيبة، ويتحرى الدعوة بالحكمة، والكلام الطيب، والترغيب والترهيب ويتجنب كل شيء يسبب الفرقة والاختلاف، ويسبب أيضا الوحشة بينه وبين الإخوان، الواجب على الداعي وعلى العالم أن يتحرى الألفاظ المناسبة، وأن يرفق في أمره كله، وأن يحرص على الإخلاص لله بأن يكون هدفه إيصال دعوة الله إلى عباد الله يرجو ثواب الله ويخشى عقابه، لا لرياء ولا سمعة، ولا عن فخر وخيلاء، ولكن يريد وجه الله والدار الآخرة، ثم يريد بعد ذلك نفع الناس، وإصلاح أوضاعهم، وتقريبهم الخير وإبعادهم عن الشر، وجمع كلمتهم على الحق، هذا هو المقصود من الداعي والعالم، وهو مقصود الرسل عليهم الصلاة والسلام، فالمقصود : إيضاح الحق للناس وبيان ما أوجب الله وما حرم الله، وترغيبهم في الخير وتحذيرهم من الشر وجمع كلمتهم على تقوى الله ودينه كما قال سبحانه :{ واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا }هكذا جاء القرآن وجاءت السنة قال تعالى :{الر كتاب أنزلناه لتخرج الناس من الظلمات إلى النور}ويقول عز وجل :{ كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبوا آياته وليتذكر أولو الألباب } فالواجب على الدعاة إلى الله جل وعلا أن يعتنوا بالدعوة، وأن يصبروا، وأن يتحروا الرفق والكلمات الواضحة، وأن يحرصوا على جمع الكلمة وعلى تجنب أسباب الفرقة والاختلاف، لا مع الشباب ولا مع الشيب ولا مع الدولة ولا مع غيرها الواجب تحري الحق وتحري العبارات الحسنة التي توضح الحق وترشد إليه وتمنع من الباطل مع الرفق في كل الأمور واجتناب أسباب الفرقة والاختلاف إلا من ظلم، أما من ظلم فله شأن آخر الهيئة ومع القضاة ومع ولاة الأمور، الظالم له شأنه وله حكمه، لكن في الجملة : الواجب هو تحري الحق والدعوة إليه، كما قال الله جل وعلا: {ادع إلى سبيل ربك بالحكمة } يعني : بما قال الله عز وجل، أو قال الرسول صلى الله عليه وسلم، مع تحري الوقت المناسب والكلمات المناسبة ، ثم قال جل وعلا:{ والموعظة الحسنة }يعني : الترغيب والترهيب بالعبارات الحسنة:{وجادلهم بالتي هي أحسن} عند الشبهة وعند الخلاف، يكون الجدال بالتي هي أحسن هكذا أمر جل وعلا ونهى بقوله :{ ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن } فالواجب على الدعاة وعلى العلماء وعلى كل ناصح أن يتحرى الحكمة والحق والرفق مع أهله ومع أولاده ومع جيرانه ومع المسلمين عموما في دعوته إلى الله وإرشاده أينما كان، ولاسيما فيما يتعلق بالشرك، فإن الأمر عظيم، التوحيد والشرك هما أهم الأمور وأعظمها، والتوحيد هو أصل الدين، فالواجب في هذا الأمر العناية بإيضاح الحق للناس في توحيد الله وإرشادهم إلى الالتزام به، وتحذيرهم من الشرك كله، دقيقه وكثيره، بالعبارات الحسنة الواضحة ، لأن الإنسان الذي ليس عنده علم يتأثر بكل شيء، فالواجب الرفق به، حتى يتبصر ويتعلم ويعرف دين الله، وهكذا من أسلم جديدا يراعى ويلاحظ الرفق به حتى يتفقه في الدين، وهكذا عامة الناس يرفق بهم لكي يتبصروا ويتعلموا ويعرفوا دين الله، ويعرفوا توحيد الله والإخلاص له، ويعلموا أن الواجب هو تخصيص الله بالعبادة : من الدعاء والخوف والرجاء والتوكل والرغبة والرهبة والذبح والنذر . . وغير ذلك من أنواع العبادة، وكثير من الناس يصرف هذه العبادات لأصحاب القبور، أو للجن، أو للشجر والحجر في بلدان كثيرة، فالواجب على الدعاة إلى الله – ولاسيما في المواضع التي يكثر فيها الجهلة، ويكون فيها من قد يدعو غير الله - أن يوضحوا الأمر لهم، وأن يصبروا على الأذى في ذلك، وأن يتحروا الرفق والعبارات الواضحة والألفاظ البينة، حتى يفهم المخاطب ما يريده الداعية ، وحتى يرجع عما هو عليه من الباطل، وحتى يسأل عما أشكل عليه، وتجاب مسألته بما يتضح له به الأمر، ثم الدعوة إلى الصلاة بعد ذلك والزكاة والصيام والحج بعدما يوضح له أمر الشهادتين، فالشهادتان هما الأهم، ثم بعد ذلك الصلاة والزكاة، والصلاة أمرها عظيم فهي عمود الإسلام، والواجب أن يعتني بها العناية العظيمة في كل مكان بعد إفهام الناس التوحيد والشرك، وما يتعلق بالصلاة بعد الشهادتين، فالصلاة الآن لا يخفى على كل من لديه علم ما وقع فيها من التساهل من كثير من الناس، فالواجب على الدعاة أن يعتنوا بالصلاة، وأن يحرضوا الناس على المبادرة إليها والمحافظة عليها في الجماعة في مساجد الله، وهكذا مع النساء في البيوت ومع الأولاد، كل إنسان يعتني بأولاده، بذكورهم وإناثهم، ويعتني بزوجته، ويعتني بأخواته وإخوانه، ويعتني بجيرانه في كل شيء، ولكن أهم شيء الصلاة بعد الشهادتين من حفظها حفظ دينه ومن ضيعها فهو لما سواها أضيع، يقول النبي صلى الله عليه وسلم :[ بين الرجال وبين الشرك والكفر ترك الصلاة]، و يقول النبي صلى الله عليه وسلم : [ العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر]، ويقول عليه الصلاة والسلام : [ رأس الأمر الإسلام وعموده الصلاة وذروة سنامه الجهاد في سبيل الله] ويقول عمر رضي الله عنه فيما يكتب لعماله : [ إن أهم أمركم عندي الصلاة، فمن حفظها حفظ دينه، ومن ضيعها فهو لما سواها أضيع]، والله ولي التوفيق وهو المسئول أن يصلح أحوالنا جميعا ويهدينا صراطه المستقيم، وأن يعيذنا جميعا من مضلات الفتن، ونزغات الشيطان، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وآله وصحبه "،

3: كلمة جامعة للمسئولين والحكام والعلماء والأئمة والدعاة
وفي ختام هذه العجالة وما أدرك ما مسك الختام أقول لكل مسئول في هذه الأمة من حكام وعلماء خاصة ولشباب الإسلام زهرة الأمة وريحانة البلاد وثمرة الفؤاد عامة : أما آن للحق أن ينصره رجاله وأهله بعد غياب طويل جدا دام قرونا ؟ أما آن الوقت أن تدرك الأمة أن سبب تسليط الكفار على المسلمين ذنوبها ومعاصيها وابتعادها عن دينها؟ أما آن الآوان لشمس الرسالة النبوية الشريفة أن تشرق مجددا بعد أمد وأزمنة انخلعت لها أفئدة الصابرين وقلوب المؤمنين الصادقين، فيا أهل البلد : إن وعد الله حق وقوله صدق والله لا يخلف وعده، وسينتصر الإسلام حتما كما أخبر تعالى بنا أو بغيرنا وقبل ذلك الحين سيجني الناس عند فساد الزمن ما عملوه بأيديهم، إن خيرا فخير، وإن شرا فشر، جزاء وفاقا، وسيحصد الخلق ما زرعوه من أفعالهم وسيظهر ذلك من خلال نشأهم وذرياتهم كما قال العلامة البشير الإبراهيمي :< أرني شبابك أقول لك ما هو مستقبلك>، فيا أمة الإسلام كيف يريد الناس قطف الورود وهم لم يغرسوا إلا ما ينبت الشوك، وقد قيل قديما : < ومن يزرع الريح يحصد غباره>، فكثير من الناس يظن أنه عزيز كريم على الله تعالى وغن فعل ما فعل، وأن الله سيحابيه ولن يعذبه أبدا في الدارين مهما فعل وإن ترك فريضة الأمر والنهي؟ وكيف يعذبه وهو يصلى ويشهد أن لا إله إلا الله ؟؟؟ ألا يعلم من يفكر هذا التفكير أنه غافل مغفل، إن الله تعالى ليس بينه وبين أحد من خلقه نسبا ! إن هو إلا التوحيد والعبادة والعلم النافع والعمل الصالح، فأولياء الله هم الأساطين الصالحون الأوتاد الشامخة والأعمدة الراسخة في العلم والعمل الذين نصروا هذا الدين الشريف ولأنهم هم الناصرون لله ورسوله حقا، والمدافعون عن الدين صدقا، وهم الحامون لحياضه والذابون عن سياجه بالتضحية الغالية بكل وسيلة مشروعة من نفس ومال و وقت، فأقول وبالله أستعين : إن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يجب أن يكون بعيدا عن التأثرات الإقليمية والنزاعات العرقية، والحزبيات القومية الجهوية، بل يجب أن يكون لله خالصا لله وحده، لا لفلان، نعم لله وحده لا لغيره، كما لا ينبغي أن يكون جهد الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر تصرفا فرديا، بل الأمة كلها تعمل متكاتفة متجندة متعاونة متعاضدة بكل هيئاتها، ومؤسستها العلمية والعملية، ولا ينبغي أن يعول في العمل على رجل واحد لمفرده إذا مات او قتل او وقع له طارىء اضطرب الناس، وكما لا ينبغي أن يتمحور المسلمون بمشروعهم ومنهجهم حول رجل جماعة واحدة إذا زالت أو غابت سقط العمل وانهار البناء، وذهبت الفريضة سدى، وتفرق الرجال هملا بلا قيادة ونظام يجمعهم وتبعثرت جهودهم وأهدرت طاقاتهم بلا فائدة ! إننا نريد هيئة و أمة لا تزول بزوال الرجال، ولا تسقط بسقوط دعاتها، بل أمة تبقى بعد أن يمضي الرجال، لقد بكى الإسلام رجاله الأبرار من أسد الوغى وأبطال الساحات، ورجال الحكومات الرشيدة التي ساست أمتها بكتاب الله وسنة رسول الله وهدي سلفها الصالح لأننا لم نجد مثلهم إلا نادرا ولكن فيه من يشبههم في كل عصر، فالرجال دائما لا يبدلون ولا يتغيرون ( لا أقصد لا يبدلون نمط الإصلاح ولا يغيرون طريقة التغيير)، إنما لا تغيرهم الدنيا ولا تفتنهم بزخرفتها وحطامها الفاني مهما تغير الناس و لا يتغيرون مهما أغروا بالمال وغير ذلك من المناصب والرتب الدنيوية المحسوسة أو الملموسة!!! لأن معادن هؤلاء الرجال معروف غير مغشوش، وإن النفوس الحقيرة والذليلة تشترى بالهين من التراب، والمعادن الخالصة ثمنها غال لا ترخص مهما تغير الزمان وتبدل أهل المكان ما دامت السماوات والأرض إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها وهو خير الوارثين، وقد يكون الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في بعض الأزمنة ضعيفا بسبب ضعف أهله، ولكن سرعان ما يتغير الوضع ويلتحق بركبه قوافل أهل الصلاح من علماء وفضلاء وطلبة علم وغيرهم من أهل الخير، فأمة محمد صلى الله عليه وسلم لا تعدم من الخير وأهله حتى تقوم الساعة، ولنعلم يقينا بلا ريب ولا شك : أن هذا الدين العظيم منتصر بنا أو بغيرنا وسينصره الله نصرا مباركا مبينا قال الله تعالى :{ و لله جنود السماوات والأرض }، وقال تعالى: { وما يعلم جنود ربك إلا هو}وقال كذلك :{ وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم} فنسأل الله أن يقر أعيننا بنصر الإسلام وأهله و تمكينهم في الأرض بالقوة والعزة والشوكة والمنعة والكلمة والتمكين، وأن يهزم ويذل الشرك وأهله الظالمين .

تمت هذه الرسالة بفضل الله وبمكة المكرمة زادها الله رفعة وشرفا وبهاء، بحرم الله الآمن حرسه من كل سوء وحفظه من كل مكروه وضرر: يوم الخميس المبارك من أيام شعبان الميمونة بتأريخ : 28/08/1426 من الهجرة النبوية المباركة بحجاز التوحيد وربيع السنة ببلاد الحرمين الشريفين في المملكة العربية السعودية، وكما أشكر كل من أعان على طبعها ونشرها وتوزيعها وليعلم أن له دعوة منى بظهر الغيب بأن يدخلنا الله الفردوس الأعلى مع المرسلين

selma.85 11-03-2010 02:28 PM

رد: مسؤولية الراعي و الرعية و الحاكم و المحكوم في الأمر بالمعروف و النهي عن المن
 
بارك الله فيك وجعلة الله في ميزان حسناتك


الساعة الآن 03:04 PM.

Powered by vBulletin
قوانين المنتدى