منتديات الشروق أونلاين

منتديات الشروق أونلاين (http://montada.echoroukonline.com/index.php)
-   منتدى الدعوة والدعاة (http://montada.echoroukonline.com/forumdisplay.php?f=159)
-   -   هكذا تاب التائبون (http://montada.echoroukonline.com/showthread.php?t=146191)

nadir35 12-04-2010 01:17 PM

هكذا تاب التائبون
 
بسم الله الرحمن الرحيم ، إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أعمالنا ومن سيئات أعمالنا ، من يهده الله تعالى فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبد الله ورسوله ، اللهم صلِ على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد، اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد.
هكذا تاب التائبون
(قصص التوابين)
1-الفصل الاول
2-الفصل الثاني
3-الفصل الثالث
4- الفصل الرابع
5-الفصل الخامس
5-الفصل السادس

(1/1)
1- فضيلة التوبة
أحب الخلق الى الله من تاب من ذنبه .. جاء في القرآن الكريم:
?ان الله يحب التوابين? . سورة البقرة:222
قال خاتم الأنبياء صلى الله عليه وآله:
‹‹ليس شىء أحب الى الله من مؤمن تائب أو مؤمنة تائبة››. عيون أخبار الرضا: ج2 ص21
وقال أيضا:
«التائب حبيب الله» . جامع السعادات: ج3 ص51
و قال الإمام الباقر‹ع›:
ان الله تعالى اشد فرحا بتوبة عبده من رجل اضل راحلته وزاده في ليلة ظلماء فوجدها .. فالله أشد فرحا بتوبة عبده من ذلك الرجل براحلته حين وجدها. أصول الكافي: ج2 ص435
و قال في موضع آخر :
الله افرح بتوبة عبده من العقيم الوالد ، ومن الضال الواجد ، ومن الظمآن الوارد. ميزان الحكمة: ج1 ص541
ذكر الشهيد آية الله دستغيب (رضوان الله عليه ) في كتابه«الاستعاذة» بعد أن دعا نوح (على نبينا وآله السلام) على الكفار من قومه وأخذهم الطوفان ، ظهر له ملك - وكان النبي نوح يعمل في صناعة الجرار؛ فكان يصنع الجرّة من الطين ، وبعد أن تجف يبيعها - فكان الملك يشتري منه الجرار واحدة فواحدة ويكسرها أمامه .. فغضب نوح وسأله عن سبب فعله هذا.. فقال له: الأمرلا يعنيك فانا قد اشتريتها وأمرها إليّ.
فقال له نوح عليه السلام: صحيح ، ولكن أنا الذي صنعتها، وهي من صنعي .
قال له الملك : أنت صنعتها ولم تخلقها ومع هذا فقد غضبت على كسرها، فكيف دعوت على كلّ عباد الله فهلكوا ، مع أن الله خلقهم ويحبهم فبقي من بعد هذه القضية يبكي وينوح حتّى سمي ّنوحا لكثرة نياحه .
والغرض من هذه القصة هو الأشارة الى شفقة الخالق ، فهو تعالى يحب مخلوقه .. وهنا يعاتب نبيّه : لم دعوت على كل هؤلاء الناس فهلكوا ؟.. ويستفاد من هذا أن الله تعالى يحب عبده ، وهو في القرآن يحذر عباده من الشيطان ويوصيهم بعدم الاغترار بالدنيا لأنها دار خداع الشيطان .
(2/1)
يستفاد من هذه الآيات والروايات ان من يقترف الذنوب والمعاصي ثم يندم على عمله ويعود إلى ربّه تائبا، يفرح الله بتوبته لانه يحب عباده ولا يريد لهم العذاب بالنار.
قال أبو العتاهية :
ألا أن اليقين عليه نور وأن الشك ليس عليه نور
وأن الله لا يبقى سواه وأن تك مذنبا فهو الغفور
وكم عانيت من ملك عزيزا تخلى الأهل عنه وهم حضور
وكم عانيت مستلبا عزيزا تكشف عن حلائله الخدور
ودمّيت الخدود عليه لطما وعصبت المعاصم والنحور
الم تر أن الدنيا حطام وأن جميع ما فيها غرور
ديوان أبي العتاهية: ص185
_________________________________________
2- إبدال السيئة بالحسنة
إن الانسان إذا تاب لا يزيل كدورة الذنب عن نفسه فحسب، بلو يحل محله نور الطاعة أيضا ، ويبدل بالثواب ، كما قال تعالى في كتابه الكريم:
?إلاّ من تاب وآمن وعمل صالحا فاولئك يبدّل الله سيئاتهم حسنات وكان الله غفورا رحيما ?. سورة الفرقان: 70
وقد اجاد الشاعر في قوله :
اشرب فؤادك بغضة اللذات واذكر حلول منازل الأموات
لا تلهينك عن معادك لذة تفنى وتورث دائم الحسرات
ان السعيد غد? زهيد قانع عبد الاله بأحسن الأخبات
ديوان أبي العتاهية: ص79
_________________________________________
3- التائب تدعو له الملائكة
من يتوب من ذنبه يدعو له الملائكة الحاملين عرش الله ويستغفرون له ، ويطلبون من ربّهم ان يقيه عذاب جهنم ، كما قال تعالى:
?الذين يحملون العرش ومن حوله يسبحون بحمد ربّهم ويؤمنون به ويستغفرون للذين آمنوا ربنا وسعت كلّ شئ رحمة وعلما فاغفر للذين تابوا واتبعوا سبيلك وقهم عذاب الجحيم ربّنا وأدخلهم جنّات عدن التي وعدتهم ومن صلح من آبائهم وازواجهم وذرياتهم انك انت العزيز الحكيم?. سورة المؤمن: 7-8
قال الشاعر:
يا نفس ما الدنيا بأهل نحبها دعيها لأقوام عليها تعادت
الا قلما تبقى نفوس لأهلها إذا راوضهن المنايا وغادت
الا كل نفس طال في الغي عمرها تموت وان كانت عن الموت حادت
(2/2)
الا اين من ولى به اللهو والصبا وأيتنقرون قبل كانت فبادت
ديوان أبي العتاهية: ص89
_________________________________________
4- التائب يدخل الجنّة
ان من يتوبون ويستغفرون الله عمّا سلف من ذنوبهم وعمّا اقترفوه من المعاصي ، يدخلهم الله جنته خالدين فيها ابد?. وهذا ما جاء في قوله تعالى :
? والذين اذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم ومن يغفر الذنوب إلا الله ولم يصروا على على ما فعلوا وهم يعملون اُولئك جزاؤهم مغفرة من ربهم وجنات تجري من تحتها الانهار خالدين فيها ونعم أجر العاملين ? . سورة آل عمران: 135-136
أجاد الشاعر في قوله :
و احسان مولاك يا عبده اليك مدى الدهر غض جديد
تريد من الله احسانه فيعطيك اكثر مما تريد
ومن يشكر الله لم ينسه ولم ينقطع منه يوما مزيد
ديوان أبي العتاهية: ص125
_________________________________________
5- التوبة تطيل العمر وتزيد الرزق
تؤدي توبة المرء من ذنوبه إلى طول عمره ، وسعة رزقه ، وطيب معيشته ، وتدفع عنه الهموم والشدائد مثلما ورد في قوله تعالى:
?وان استغفروا ربّكم ثم توبوا إليه يمتعكم متاعا حسنا ..? . سورة هود:3
قال الامام الصادق عليه السلام :
«من يموت بالذنوب اكثر ممن يموت بالآجال ». سفينة البحار: ج1 ص488
وكما ان الذنب يقصّر الآجال ، فان التوبة تطيل العمر ، كما قال تعالى: ?فقلتُ استغفروا ربّكم انّه كان غفّارا يرسل السماء عليكم مدرار??. سورة نوح: 10-11
قال الشاعر :
هل لمطلوب بذنب توبة منه نصوح
كيف أصلاح قلوب أنما هن قروح
احسن الله بنا أن الخطايا لا تفوح
فاذا المستور منا بين ثوبيه فضوح
ديوان أبي العتاهية: ص116
_________________________________________
6- الله يقبل التوبة
إن العبد متى ما آب إلى ربه وتاب من ذنبه ، فإن المولى جلّ شأنه يقبل توبته ، ويتجاوز عن خطيئته ، كما في قوله تبارك وتعالى:
(2/3)
?وهو الذي يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات?. سورة الشورى: 25
جاء في أصول الكافي حديث منقول عن صادق آل محمد (ص) يقول فيه : " قال الله عز وجل لداود (ع) : يا داود !.. بشّر المذنبين ، وأنذر الصديقين .. قال : كيف أبشّر المذنبين وأنذر الصديقين ؟.. قال : يا داود !.. بشّر المذنبين أني أقبل التوبة ، وأعفو عن الذنب .. وأنذر الصديقين ألا يعجبوا بأعمالهم ، فإنه ليس عبد أنصبه للحساب إلا هلك " . أصول الكافي: ج2 ص314
قال الشاعر
ألا أن لي يوماً أدان كما دنت ليحصي كتابي ما أسأت وأحسنت
أما والذي أرجوه للعفو أنه يعلم ما أسررت فيه وأعلنت
كفى حزناً أني أحس طنى البلا يقبّح ما زينت في وحسنت
وأعجب من هذا هناة تغرني تيقنت منهن الذي تيقنت
ديوان أبي العتاهية: ص90
_________________________________________
7- دعاء التائب مستجاب
من جملة نتائج التوبة انها تجعل دعاء التائب مستجابا ، أي انّه إنه إذا ندم على ما ارتكبه في ما مضى من المعاصي ، وتاب منها ، واستغفر ربّه من تبعاتها ، يصبح دعاؤه مستجابا كما ورد في قوله تعالى :
? و يستجيب الذين آمنوا و عملوا الصالحات و يزيدهم من فضله ?. سورة الشورى:26
و نقرأ أيضا في الكتاب الكريم :
? وإذا سألك عبادي عني فأني قريب اجيب دعوة الداع إذا دعان فليستجيبوا لي وليأمنوا بي لعلهم يرشدون ?. سورة البقرة: 186
قال الشاعر :
الا صاحب الذنب لا تقنطنّ فان الإله رؤؤف رؤؤف
ولا ترحلنّ بلا عدةً فان الطريق مخوف مخوف
ديوان الإمام علي (ع): ص 88
و قال الشاعر:
يا نفس مهلاً لا تعودي بأي ذنب لا تعودي
يا نفس لا تعصي الإله وحاذري يوم الوعيد
يا نفس ما دام الهنا فلم التجاوز للحدود
هلاّبكيت خطيئة بجهنم حذر الخلود
هلاّاعتبرت بمن قضى قبل الممات و الصعود
افلا نظرت الى الثرى وذكرت انك للصديد
يا نفس اياك الهوى اياك من شرك الحقود
اياك من فعل القبيح الا احذري من نكث العهود
(2/4)
لاتأمني سخط الرؤوف الا احذري سخط الودود
واذكري الحشر المخيف وعن رقيب لا تحيدي
يا نفس مهلاً لا تعودي
اغفلت عن خطر به يأتي الممات من جديد؟..
اغفلت عن موت يفاجئ كلّ افاك عتيد؟..
سنابل الحكمة: ص278
_________________________________________
8- التوبة تمحو الذنوب
ان للتوبة فعل كفعل مساحيق التنظيف وآلة غسل الثياب التي تزيل كلّ قذارة أو اوساخ عالقة بالثياب .. فكذا تفعل التوبة والتضرع والإستغفار والدموع ، كما نقرأ في قوله تعالى :
? قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعاً انّه هو الغفور الرحيم ?. سورة الزمر: 53
جاءت في الآية هذه تعابير من قبيل : يا عبادي!.. لا تيأسوا ، رحمة الله ، غفران الذنوب جميعا ، ان الله غفور رحيم .. وفيّ كل واحدة منها دلالة على شمول الإستغفار وقبول التوبة واتساع رحمة الله ، وخاصة التعبير بكلمة «عبادي» التي تبين ان الناس بأجمعهم - الصالح والطالح منهم - عباد الله .
وان الله رؤوف بهم إلى درجة انّه سماهم عباده .. و هذا يعني ان فسحة الأمل بالمغفرة واسعة .
سمع الإمام الرضا عليه السلام بعض اصحابه يقول : لعن الله من حارب علياً عليه السلام .. فقال له :« قل إلا من تاب واصلح » ثم قال: « ذنب من تخلّف عنه ولم يتب اعظم من ذنب من قاتله ثم تاب ». ميزان الحكمة: ج1 ص551
يفهم هذا الحديث ان أعظم الذنوب وهو محاربة وصي رسول الله صلى الله عليه وآله يغفر بالتوبة ، اي ان احدهم إذا تاب ، تاب الله عنه .
ينسب إلى أمير المؤمنين إنّه قال :
ذنوبي إن فكرت بها كثيرة ورحمة ربي من ذنوبي أوسع
فما طمعي في صالح قد عملته ولكني في رحمة الله أطمع
فان يك غفران فذاك برحمة وان لم يكن اُخزى بما كنت أصنع
ديوان الإمام علي (ع): ص82
_________________________________________
9- العودة إلى الذنب بعد التوبة
(2/5)
إذا تاب الشخص ، ولكن غره الشيطان ، وغلبه هوى نفسه ، وارتكب الذنب مرّة اخرى ، ونقض العهد الذي قطعه مع ربّه ، لا تبطل توبته السابقة بل يجب عليه الاستغفار من الذنب الذي ارتكبه بعد التوبة ، ويجب أن لا ييأس من رحمة الله ، ولا يتصور ان الله لا يغفر الذنب الذي ارتكبه ثانية .. لأن اليأس بحد ذاته من الكبائر ، وانّه تعالى قد وصف نفسه بالمغفرة والتجاوز عن المسيء .
روى محمد بن مسلم عن الإمام الباقر عليه السلام انّه قال :
« يا محمد بن مسلم!.. ذنوب المؤمن إذا تاب منها مغفورة له .. فليعمل المؤمن لما يستأنف بعد التوبة والمغفرة ، أما والله انها ليست إلاّ لأهل الإيمان.
قلت : فان عاد بعد الإستغفار والتوبة من الذنوب وعاد في التوبة؟..
فقال : يا محمد بن مسلم!.. اترى العبد المؤمن يندم على ذنبه ويستغفر منه ويتوب ثم لا يقبل الله توبته ؟..
قلت : فان فعل ذلك مرارً؟.. يذنب ثم يتوب ويستغفر الله.
فقال : كلّما عاد المؤمن بالإستغفار والتوبة عاد الله عليه بالمغفرة ، وان الله غفور رحيم ، يقبل التوبة ويعفو عن السيئات ، فاياك ان تقنط المؤمنين من رحمة الله» . أصول الكافي: ج2 ص434
كان في بني اسرائيل شاب عَبَدَ الله عشرين سنة ، ثم عصاه عشرين سنة ، ثم نظر في المرآة فرآى الشيب في لحيته فساءه ذلك فقال :
إلهي!.. اطعتك عشرين سنة ، ثم عصيتك عشرين سنة ، فان رجعت اليك اتقبلني ؟.. فسمع قائلاً يقول :
احببتنا فأحببناك ، وتركتنا فتركناك ، وعصيتنا فأمهلناك ، وان رجعت قبلناك.
هذه الرحمة الإلهية كانت لجميع الاُمم ، ولهذه الاُمة اكثر من تلك الف مرّة .
و على كل حال يجب ان يكون للمرء امل بالله اوصى لقمان الحكيم ابنه:
«يا بني خف الله خوفا لو اتيت يوم القيامة ببر الثقلين خفت ان يعذبك ، وارج الله رجاءً لو وافيت القيامة باثم الثقلين رجوت ان يغفر الله لك». بحار الأنوار: ج13 ص412
(2/6)
يقول ابو بصير : سألت الصادق عليه السلام : ما معنى التوبة النصوح التي امرنا ؟.. قال : «يتوب العبد من ذنب ثم لا يعود فيه»
قلت : وأينا لا يعود ؟..
فقال : «يا ابا محمد!.. ان الله يحب من عباده المفتن التواب». بحار الأنوار: ج6 ص39
جاء في «حقائق الأسرار» ان رسول الله صلّى الله عليه و آله قال:
«... يا بن آدم !.. انك ان تذنب حتى يبلغ ذنبك عنان السماء ثم تستغفرني اغفر لك ولا ابالي». حقائق الأسرار ، مسند أحمد بن حنبل: 5 ص167، 172
قال الشاعر :
الا من لنفسي بالهوى قد تمادت إذا قلت قد مالت عن الجهل عادت
و حسب امرىءٍشراً بأهمال نفسه وإمكانها من كلّ شيء أرادت
تزاهدت في الدنيا و اني لراغب أرى رغبتي مزوجةً بزهادتي
ديوان أبي العتاهية: ص89
و أجاد بعض الصلحاء بقوله :
قرأت كتابه وعصيت أمره وقد عرضت نفسي للمضرة
أتوب اليه ثم اعود اليه فمن لي بالنجاة من المعرّة
وما أبغي سوى مال و جاه وأهل الله قد قنعوا بكسرة
و قد ولى الشباب بغير نفع وما استكملت اسباب المسرّة
فلا الدنيا بلغت بها الأماني وآخرتي تركت لها مبرّة
ولي عمل علي به شهود وما يسوي على التقديم ذرّة
فحالي لا يسر بها صديق ونفسي في هواها مستمرة
ولو فكرت في عقبى اموري قطعت العمر بين اسى و حسرة
حدائق الأنس: ج1 ص182
_________________________________________
10 – باب التوبة مفتوح حتّى النفس الأخير
ان باب التوبة مفتوح أمام الإنسان حتّى النفس الأخير من حياته ، كما قال الإمام الباقر عليه السلام : ان آدم صلّى الله عليه وآله قال : يا رب !.. سلطت عليّ الشيطان ، واجريته مني مجرى الدم ، فاجعل لي شيئاً .. فقال: يا اَدم !.. جعلت لك ان من همّ من ذريتك بسيّئة لم تكتب عليه سيئة ، ومن هم ّمنهم بحسنة فان لم يعملها كتبت له حسنة ، فان هو عملها كتبت له عشراً.
قال : يا رب زدني !..
قال : جعلت لك من عمل منهم سيئة ثم استغفر غفرت له.
قال : يا رب زدني !..
(2/7)
قال : جعلت لهم التوبة ، وبسطت لهم التوبة حتّى تبلغ النفس الحنجرة .
قال : يا رب حسبي !.. جامع السعادات: ج3 ص67
وجاء في اصول الكافي حديث عن رسول الله صلى الله عليه و آله انّه قال: « من تاب قبل موته بسنة قبل الله توبته ، ثم قال : ان السنة لكثيرة ، من تاب قبل موته بشهر قبل الله توبته ، ثم قال : ان الشهر لكثير ، من تاب قبل موته بجمعة قبل موته بجمعة قبل الله توبته ، ثم قال : ان الجمعة لكثير ، من تاب قبل موته بيوم قبل الله توبته ، ثم قال : ان يوماً لكثير ، من مات قبل ان يعاين قبل الله توبته». أصول الكافي: ج2 ص440
(2/8)
احتمل العلامة المجلسي رضوان الله تعالى عليه ان يكون المراد من هذا الحديث بيان مراتب التوبة ، من حيث القبول والكمال ؛ لان التوبة الكاملة تجلو القلب من كدورة الذنوب والمعاصي .. ويجب بعد التوبة وبعد زوال الرين عن القلب المبادرة إلى اصلاح النفس.. فبعد غسل القلب بالمساحيق والمنظفات يلجأ حينها إلى التضرع والحسنات ، ليزيده بياضاً ونقاءً، وهذا غالباً لا يتحقق في أقل من سنة ، والا لا يكون في اقل من الشهر ، والاّ فلا يكون دون الاُسبوع .. الإنسان كالغزال الذي لم يرمه الصياد بعد ، ولا أمل له في اصطياده ، ولكنه ما إن يصوب اليه سهمه ويجرحه حتّى يزّداد امله في امساكه ، ويبقى يتابعه حتى يمسكه .. والإنسان ما دام لم يذنب ، فلا أمل للشيطان في اغوائه ، ولكنه إذا ارتكب ذنباً واحداً ولم يتب ، يعظم أمل الشيطان ويبقى يسايره حتى يغويه ويوقعه في المعصية ، ويشحن قلبه يأساً من رحمة الله ، ويجرأه على المعصية .. إلا ان الانسان مهما ارتكب من الذنوب والمعاصي لا ينبغي له اليأس من رحمة الله حتى لحظة الموت .. لكن هذا لا يعني انّه يعصي ثم يقول : لا زال أمامي متسع من الوقت ، لأننا لا نعلم متى نموت ؛ في عمر الشباب ام عند الشيخوخة ، صغاراً أم كباراً ، وفي أية ساعة نموت ، وعلى اية حالة .. اذن تجب علينا المبادرة إلى التوبة قبل حلول الموت.
قال الشاعر:
خير اكتساب الفتى ما كان من عمل ذاك مصبر على عسر و ميسرة
و أفضل الزهد زهد كان عن جدة وأفضل العفو عفو عن مقدرة
استغفر الله من ذنبي وأسأله عيشاً هنياً باخلاق مطهرة
ديوان أبي العتاهية: ص98
_________________________________________
11- حقيقة التوبة
حقيقة التوبة الندم على الذنب لقبحه عند الله تعالى ، ولأن الإتيان به يكون خلافاً لرضاه تعالى .. قال عليَّ عليه السلام :
« لا تنظر إلى صغر المعصية ، ولكن انظر إلى من عصيت ».
(2/9)
اي لا تكن كغلام يعصي مولاه وهو غافل عن انّه يراه . وإذا فهم انّه يراه يندم قطعاً على سوء فعله .. أو كتاجر يخسر رأس ماله في تجارة ، ويصبح بذمته قرض عظيم ، فكم يا ترى يندم على تلك التجارة ؟.. ولاسيما ان كان صديقا عاقلا قد نهاه مسبقاًعن هذه التجارة .. او كرجل حذّره الطبيب من تناول طعام معين ، ولكن اكل منه فوقع في المرض ، فكم يندم على فعله؟..
و من البديهي انّه كلّما ازداد ايمان المرء بالله واليوم الاَخر ، وبالاخبار الواردة في القراَن وعن الرسول والأئمة المعصومين ، كان ندمه على الذنب اشد.
اذن حقيقة التوبة هي ان الإنسان إذا ارتكب معصية وندم عليها وتاب منها ، كفاه ذلك .. قال رسول الله صلّى الله عليه و اَله :
« الندامة توبة ». وسائل الشيعة: كتاب الجهاد، الباب 83
و جاء في كتاب اصول الكافي عن الإمام الباقر عليه السلام انّه قال :
« كفى بالندم توبة ». وسائل الشيعة: كتاب الجهاد، الباب 83
و قال الإمام الصادق عليه السلام :
« ما من عبد اذنب ذنباً فندم عليه ، إلاّغفر الله قبل ان يستغفر ». وسائل الشيعة: كتاب الجهاد، الباب 83
أجل ان حقيقة التوبة هو الندم القلبي واستشعار الالم من وقوع الذنب ، وكلما كانت الحسرة في القلب عليها أشد كانت التوبة اقرب إلى القبول ؛ لأنه كلما استعظم الذنب كَثر ندمه عليه ، وهو في ذلك كمن يفقد ماله وثروته في حادث حريق ، فكلما كانت ثروته التي احترقت عظيمة ازداد ألمه وحسرته على تهاونه في الحفاظ عليها ، وخاصة إذا كانت النار مما يصعب اطفأوه ، ثم يجد نفسه هو الاَخر عرضة للاحتراق ، بحيث لا يجد أمامه سبيلاً للهرب منها ولا يأتيه مغيث ولا يسعفه مسعف .
و على المذنب أن يعلم أن نار الذنب الذي اقترفه لا مفر منها ولا احد قادر على إطفائها ، لانها نار يؤججّها غضب الله وسخطه ، كما وصفها امير المؤمنين عليه السلام في دعاء كميل بقوله :
(2/10)
« فكيف احتمالي لبلاء الاَخرة وهو بلاء لا يكون إلا عن غضبك و انتقامك ».
روي عن رسول الله صلّى الله عليه و اَله انّه قال :
« فالويل من النار التي تكون نار الدنيا بالمقارنة معها راحة ».
ثمة اَيات كثيرة في القراَن تتحدث عن غضب الله وسخطه ، وخلاصة مفادها ان المذنب عليه ان يخشى ربه ، ويكون في فرق شديد من عذابه ، ويداوم على البكاء والعويل ، ولا يقر له قرار ما دام غير متيقّن من طهارته من الذنب.. ومثل هذا اليقين لا يمكن بلوغه إلا عند الموت وحين تبشره ملائكة الرحمة.
والعجيب هنا انّما قيل في انها - اي التوبة - ذوبان الحشا لما سبق من الخطأ ، والدموع والأنين والاَهات هي التي تطفئ نار جهنم ولهيبها ، حتى يصبح كما كان قبل اقتراف ، كما قال رسول الله صلى الله عليه واَله:
« التائب من الذنب كمن لا ذنب له ». الصحيفة السجادية
بل وقد يغدو حاله افضل مما سبق ؛ اي نتيجة لاستمرارالبكاء والأسف على ما صدر منه ، وسعيه الى ترويض نفسه ، يقرّبه من خالقه حتىّيصبح حبيباً له.. ? ان الله يحب ّالتوابين?
ولهذا قال الامام السجاد عليه السلام : « واوجب لي توبة توجب لي محبّتك ». بحار الأنوار: ج6 ص21 ح16
او كما جاء في دعاء ابي حمزة الثمالي : ``````````« وانقلني إلىدرجة التوبة اليك ».
أما تأثير التوبة في تطهير الذنوب ، فيتوقف مداه على مدى الندم .. وهذا ما يوجب عليه الندم على اشد ما يكون ، وافضل وسيلة في هذا الصدد هي التدبّر في الاَيات والاحاديث و قصص التوابين.
قال الشاعر:
تتوبَ من الذنوب إذا مرضتا وترجع للذنوب إذا بريتا
إذا ما الضرُّ مسك أنت باكٍ وأخبث ما يكون إذا قويتا
فكم من كربة نجاك منها وكم كشف البلاء إذابليتا
ديوان أبي العتاهية: ص96
و قال الشاعر:
ان المكارم أخلاق مطهرة فالدين اولها و العقل ثانيها
والعلم ثالثها والحلم رابعها والجود خامسها والعرف سادسها
والبر سابعها والصبر ثامنها والشكر تاسعها واللين عاشيها
(2/11)
والعين تعرف من عيني محدثها إن كان من حزبها أو من أعاديها
والنفس تعلم اني لا أصدقها ولست أَرشد إلاّ حين اعصيها
سنابل الحكمة: ص195 ، ديوان الإمام علي (ع): ص132 ، باختلاف يسير بالألفاظ
_________________________________________
(2/12)
12- ذم تأخير التوبة
أمر الباري تعالى عباده بالتوبة في كل لحظة ، وفرض عليهم التعجيل بها ، اي ان تأخيرها تأخيرعن اداء الأمر الإلهي .. والذي يؤخر التوبة يعد في كل لحظة عاصياً لأمر الله ، وتاركاً لطاعته .
قال الإمام الجواد عليه السلام: « تأخير التوبة اغترار ، وطول التسويف حسرة ». بحار الأنوار: ج6 ص30
و قال أمير المؤمنين عليه السلام : « لا تكن ممن يرجو الاَخرة بغير عمل ، ويرجئ التوبة بطول الامل ». بحار الأنوار: ج6 ص37
وقال أيضاً: « لا دين لمسوف بتوبته ». نهج البلاغة: الحكمة 150
وقال الإمام الباقر عليه السلام: « اياك والتسويف !.. فانه بحر يغرق فيه الهلكى ». بحار الأنوار: ج78 ص164
و اعلم ان التوبة عند رؤية اَيات العذاب ، وعند دنو الأجل غير مقبولة ، وهي كتوبة فرعون عند غرقه اذ لم يقبل توبته ، كما جاء في الاَية الشريفة :
? وليست التوبة للذين يعملون السيئات حتّى إذا حضر احدهم الموت قال تبت الاَن ?. سورة النساء: 18
كما و يستفاد أيضاً من قوله تعالى: ? قل أرايتم إن أتاكم عذابه بياتاً أو نهاراً ماذا يستعجل منه المجرمون * أثُمّ إذا ما وقع اَمنتم به ءاَلان و قد كنتم به تستعجلون ?. سورة يونس: 50-51
ان ابواب التوبة تغلق عند نزول العذاب ، ومثل هذه التوبة توبة اضطراية ولا تقبل.. قال محمد الهمداني : سألت الإمام الرضا عليه السلام : لأي علة اغرق الله فرعون ، وقد اَمن به واقر بتوحيده ؟.. قال: « لأنّه اَمن عند رؤية البأس ، والإيمان عند رؤية البأس غير مقبول ». بحار الأنوار: ج6 ص23
اذن يجب على المرء ان يبادر للتوبة عمّا سلف من ذنوبه قبل ان يرى اَيات العذاب ، وقبل ان ينزل به الموت.
قال الشاعر:
سبحان ربك ما أراك تتوب و الرأس منك بشيبه مخضوب
سبحان ربّك ذي الجلال أما ترى نوب الزمان عليك تنوب
سبحان ربّك كيف يغلبك الهوى سبحانه ان الهوى لغلوب
سبحان ربّك ما تزال ومنك عن اصلاح نفسك فترة ونكوب
(3/1)
سبحان ربّك كيف يلتذ امرؤ بالعيش وهو في نفسه مطلوب
ديوان أبي العتاهية: ص44
_________________________________________
13- وجوب الإسراع بالتوبة
ان التوبة من الذنوب صغيرها وكبيرها واجب فوري باجماع كلّ العلماء ، وبحكم العقل .. فقد ذكر المحقق الطبرسي في تجريد الكلام ، والعلامة الحلي في شرحه ان التوبة الفورية فيها دفع الضرر ، ودفع الضرر واجب عقلاً.. فالتوبة فالتوبة اذن واجبة بحكم العقل.. قال تعالى في كتابه الكريم:
? ... وتوبوا إلى الله جميعاً أيها المؤمنون لعلكم تفلحون ? . سورة النور: 31.. وقال أيضاً:
? يا أيها الذين اَمنوا توبوا إلى الله توبة نصوحاً عسى ربّكم ان يكفّر عنكم سيئاتكم ?. سورة التحريم: 8
ذكر المرحوم الشيخ البهائي رضوان الله عليه في شرح الأربعين:
لا شك في وجوب الإسراع في التوبة.. فالمعاصي كالسموم للابدان ، وكما ان من يتناول السم عليه الاسراع إلى المعالجة لكي لا يموت ، فكذا الخائف من موت الأبد يجب عليه التعجيل في ترك الذنب والمبادرة إلى التوبة.
و المذنب المتهاون في التوبة ويرجئها إلى وقت اَخر ، يجعل نفسه بين خطرين إذا نجا من احدهما وقع في الاَخر:
اولهما : حلول الأجل بغتة ، بحيث لا تتسنى له اليقظة من سبات الغفلة ، إلا ان يرى اجله قد حان ، كما جاء في القراَن الكريم:
? أفأمن اهل القرى ان يأتيهم بأسنا بياتاً وهم نائمون ?. سورة الأعراف: 97
وقال تعالى أيضاًفي كتابه الكريم :
? وانفقوا مما رزقناكم من قبل أن ياتي احدكم الموت فيقول رب لولا أخرتني إلى أجل قريب فأصدق واكن الصالحين * ولن يؤخر الله نفسا إذا جاء اجلها و الله خبير بما تعملون ?. سورة المنافقون: 10-11
(3/2)
قيل في تفسير هذه الاَية ان المحتضر يقول لملك الموت : امهلني يوماً لأتوب من ذنوبي ، واعد نفسي للاَخرة ، فيقول له : قضي اجلك ، أي أن باب التوبة يغلق بوجهه ، وتخرج روحه من بدنه ، فتأخذه الحسرة والندم على ما فرط فيه من عمره ، وحتّى ان اصل الإيمان قد يتعرض في مثل هذه المواقف للخطر.
وثانيهما : انّه إذا لم يطهر قلبه من الذنوب - عن طريق التوبة - فان الاَثام تتراكم على قلبه حتى لا يعود من الممكن تطهيره ، لأن كل معصية يقترفها الإنسان تجعل حجاباً من الظلمة على قلبه ، كالنفس على المراَة يعتم على صفوها.
وإذا تراكمت الذنوب على القلب زادته كدورة ، وتتصلب الكدورة تدريجياً حتى تصبح طبقة صلبة ، وتغدو في عداد طباع الإنسان ، بحيث يطبع عليه ولا تعد له قدرة على استيعاب الحق أو القبول به.. اي انّه يفقد على اثر تراكم الذنوب صفاءه ونقاءه.
اجل ، مثل هذا القلب يسمى في الروايات بالقلب المنكوس أو القلب الأسود .. قال الإمام الباقر عليه السلام:
« ما من شيء افسد للقلب من خطيئته ، ان القلب ليواقع الخطيئة فلا تزال به حتى تغلب فتصير اعلاه اسفله ». أصول الكافي: ج2 ص268 ح1 ، بحار الأنوار: ج73 ض312 ح1
و قال في حديث اَخر: « لم يرجع صاحبه إلى خيرابداً ». أصول الكافي: ج2 ص273 ح20
و هذا يدل على ان صاحب مثل هذا القلب لا يكف عن ذنوبه ولا يتوب منها، وإذا قال بلسانه : تبت ، فهو مجرد كلام يجري على لسانه ، ولا يترتب عليه أي اثر ، وهو كمن يدّعي انّه غسل ثيابه ؛ فمثل هذا الادعاء لا يؤدي الى طهارة ثيابه ابداً. وقد يكون شخصاً كهذا على درجة من اللامبالاة في دينه حتّى ان اساس ايمانه يكون عرضة للخطر ، و تنتهي عاقبته إلى الشر.
قال الشاعر:
مضى أمسك الباقي شهيداً معدلا وأصبحت في يومٍ عليك شهيد
فان كنت بالأمس اقترفت اساءةً فثن باحسان و أنت حميد
و لا تُرج فعل الخير يوماً إلى غدٍ لعل ّغداً يأتي و أنت فقيد
ديوان الإمام علي (ع): ص47
(3/3)
وقال الشاعر:
يا ناظراً يرنو بعيني راقد ومشاهداً للامر غير مشاهد
منتك نفسك ضلة فأجبتها طرق السفاهة فعل غير الراشد
تصل الذنوب إلى الذنوب وترتجي فوز الجنان ونيل أجر العابد
ونسيت أنّ الله أرج اَدماً منها إلى الدنيا بذنب واحد
سنابل الحكمة: ص279
_________________________________________
14- التوبة النصوح في القراَن
قال رسول الله صلّى الله عليه و اَله في معنى النصوح : « ان يتوب التائب ثم لا يرجع في ذنب كما لا يعود اللبن إلى الضرع » . مجمع البيان: ج10 ص318
قال الإمام الصادق عليه السلام في بيان معنى التوبة النصوح : « هو الذنب الذي لا يعود ابدا ً». أصول الكافي: ج2 ص232
و قال الامام الهادي عليه السلام في معنى النصوح : « يكون الباطن كالظاهر وافضل من ذلك » . بحار الأنوار: ج6 ص23
نقل المرحوم المجلسي عن شرح الكافي عدّة اوجه عن المفسرين في معنى التوبة النصوح قال فيه:
1- ان النصوح ما كانت خالصة لوجه الله سبحانه ، بأن يندم على الذنوب لقبحها ، وكونها خلاف رضى الله عنه تعالى ، لا لخوف النار مثلاً ، أو طمعاً في الجنّة .
2- المراد من التوبة النصوح هي التي تنصح الناس ، اي تدعوهم إلى الإتيان بمثلها لظهور اَثارها الجميلة في صاحبها ، أو تنصح صاحبها فيقلع عن الذنوب ثم لا يعود ابداً.
3- ومنها ان النصوح من النصاحة ، بمعنى الخياطة ، لأنّها تنصح من الدين ما مزّقته الذنوب ، أو يجمع بين التائب وبين اوليائه واحبائه ، كما تجمع الخياطة بين قطع الثوب.
4- ومنها ان النصوح وصف للتائب ، واسناده إلى التوبة بان تأتوا بها اكمل ما ينبغي ان تكون عليه ، حتى تكون قالعة لاَثار الذنوب من القلوب بالكلّية ، ويروّض نفسه بالتوبة اي يذيب بالرياضة ما نبت على بدنه من اللحم الحرام ، و يزيل عن قلبه كدورات المعاصي.
أجاد الشاعر في قوله:
أصبحت يا دار الأذى أصفاك ممتليء قذى
اين الذين عهدتهم قطعوا الحياة تلذذا
(3/4)
سنصير أيضاً مثلهم عما قليل هكذا
يا هؤلاء تفكروا للموت يغذو من غذا
ديوان أبي العتاهية: ض162
_________________________________________
15- تكفير الذنوب
من الأركان الأساسية للتوبة التكفير عن الذنب ؛ فهو يؤدي إلى غسل اَثاره ، ويفك الإنسان من أغلاله ، وهو ما يسمى في الشريعة بالتكفير أو الكفارات بمعنى التغطية والتطهير .. والتكفير يقابل في معناه الإحباط .
الإحباط يعني ان يرتكب الانسان ذنبا كبيراً يوجب بطلان سائر اعماله.. أما التكفير فمعناه ان يزيل اَثار ذنوبه السابقة ، فيكون هذا سبباً لازالة جميع الذنوب السابقة عن صفحات قلبه.. وبعبارة اخرى ان للتوبة مرحلتان :
1- ترك الذنوب و الاقلاع عنها ( التخلية ).
2- الإكثار من الاعمال الصالحة وفعل الخيرات( التحلية ).
أي كالمصاب بالحمى ، وعلاجه يستدعي خطوتين :
الاولى : اخد الدواء المضاد للحمى.
والثانية : تناول الادوية المقوية.
ليتغلب على الاضرار الناتجة عن المرض قبيل الضعف وقلة المناعة وما شابه ذلك .
ومرتكب الذنوب والمعاصي يتطلب علاجه مرحلتين أيضاً، هما :
1- تناول الدواء المفيد في ترك الذنوب والإقلاع عن المعاصي ؛ فيطهر نفسه من جميع الرذائل (التخلية).
2- يجب ان يتناول الأدوية المقوية والمنشطة ، وان يسارع إلى فعل الخيرات والعمل الصالح ، حتى يبلغ مرحلة تتحول فيها سيئاته السابقة إلى حسنات.
اي لا يغسل الذنوب عن صفحة القلب فقط ، بل ويستبدلها بالمعطيات الحسنة لاعماله الصالحة.. على سبيل المثال ان كان هناك من يؤذي ابويه ثم تاب ، لا يكفي مجرد قطع الأذى عنهما ، بل لا بد له وان يعوض عن ايام الاذى بالاحسان والمحبة..
قال تعالى في كتابه الكريم : ? ويدرؤن بالحسنة السيئة ? . سورة الرعد: 22
وقال أيضاً : ? يبدل الله سيئاتهم حسنات ? . سورة الفرقان: 70
وقال ايضاً : ? ان الحسنات يذهبن السيئات ?. سورة هود: 114
(3/5)
وقال ايضاً : ? ان تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم ?. سورة النساء:31
و جاء في موضع اخر من القرآن الكريم : ? والذين آمنوا وعملوا الصالحات لنكفرنّ عنهم سيئاتهم ?. سورة العنكبوت: 7
والمراد من غفران الذنوب محوها حتّى لا يبقى شيء منها.
قال تعالى في كتابه الكريم : ? ... فالذين هاجروا واخرجوا من ديارهم واوذوا في سبيلي وقاتلوا و قتلوا لاكفرن عن سيئاتهم ?. سورة آل عمران: 195
وقال رسول الله صلى الله عليه وآله : « اتق الله حيثما كنت ، وخالق الناس بخلق حسن ، وإذا عملت سيئة فاعمل حسنة تمحوها ». بحار الأنوار: ج72 ص62
وقال أبو عبد الله الصادق عليه السلام: « من عمل سيئة في السر فليعمل حسنة في السر ، ومن عمل سيئة في العلانية فليعمل حسنة في العلانية ». وسائل الشيعة: ج11 ص383
وقال الامام الباقر عليه السلام : « التائب إذا لم يستبن أثر التوبة فليس بتائب ؛ يرضي الخصماء ، ويعيد الصلوات ، ويتواضع بين الخلق ، ويتقي نفسه عن الشهوات ». بحار الأنوار: ج6 ص35
قال الإمام أمير المؤمنين عليه السلام: « ثمرة التوبة استدراك فوارط الهفوات ». مستدرك الوسائل: ج2 ص348
وقال الإمام الباقر عليه السلام : « ما أحسن الحسنات بعد السيئات ». وسائل الشيعة: ج11 ص384
سأل رجل رسول الله صلّى الله عليه و آله : ما كفارة الغيبة ؟.. قال : « تستغفر لمن اغتبته ». وسائل الشيعة: ج15 ص583
وقال الامام علي عليه السلام : « من كفارات الذنوب العظام اغاثة الملوف والتنفيس عن المكروب ». شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: ج18 ص135
وقال الامام الباقر عليه السلام : « اربع من كن فيه كمل اسلامه ومحصت ذنوبه : من صدق لسانه مع الناس، واستحيا من كل قبيح ، وحسن خلقه ، وشكر الله ». خصال الصدوق: ص222
(3/6)
وقال رسول الله صلى الله عليه وآله : « ان من الذنوب ذنوبا لا يكفرها صلاة ولا صدقة ، قيل : يا رسول الله !.. فما يكفرها ؟.. قال : الهموم في طلب المعيشة ». بحار الأنوار: ج73 ص157
جاء رجل الى رسول الله صلى الله عليه وآله وقال : يا رسول الله !.. كثرت ذنوبي وضعف عملي .. فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله : « اكثر السجود !.. فانه يحط الذنوب كما تحط الريح ورق الشجر » . بحار الأنوار: ج85 ص162
قال الشاعر :
أحب الفتى ينفي الفواحش سمعه كأن به عن كلّ فاحشة وقرا
سليم دواعي النفس لا باسطاً يداً ولا مانعاً خيراً ولا قائلاً هجرا
إذا ما بدت من صاحب لك زلةُ فكن أنت مرتاداً لزلته عذرا
ديوان أبي العتاهية
_________________________________________
16- شروط صحة التوبة
من شروط صحة وكمال التوبة ، هي ان يتوب المذنب ويتدارك ما فاته من الذنب مع العزم على عدم العودة إلى ما فرط به ، وان يجتهد في الطاعة .. وشروط قبول التوبة ستة اشياء ، قال أمير المؤمنين عليه السلام - لرجل سمعه يقول : استغفر الله - : ثكلتك امّك ، اتدري ما الاستغفار ؟.. ان الإستغفار درجة العليين ، وهو اسم واقع على ستة معان :
1- الندم على ما مضى .
2- العزم على ترك العودة اليه ابداً.
3- تؤدي إلى المخلوقين حقوقهم ، حتّى تلقى الله ليس عليك تبعة.
4- تعمد إلى كلّ فريضة عليك ضيعتها فتؤدي حقّها.
5- ان تعمد إلى اللحم الذي نبت على السحت فتذيبه بالاحزان ، حتّى يلصق الجلد بالعظم ، و ينشأ بينهما لحم جديد.
6- ان تذيق الجسم ألم الطاعة كما اذقته حلاوة المعصية .. فعند ذاك تقول : استغفر الله. بحار الأنوار: ج6 ص37
نعم ، من مستلزمات صحة وكمال التوبة الحسرة والندم على الذنب ، والعزم على ترك العودة اليه في المستقبل ، فاذا لم يصمم المرء على الترك فهذا يدل على عدم رغبته الحقيقية في ترك الذنب .
(3/7)
ومن ضرورات الحسرة والندم على الذنب هي اداء ما فرط فيه .. فاذا كان الحق لله كترك الصوم والصلاة والخمس والزكاة والحج، وجب قضاؤه.. وإذا كان الحق للناس ، وجب عليه اعادة الحق إلى صاحبه ، وإن كان صاحب الحق قد توفي يعيده إلى ورثته ، و إذا لم يعرف ورثته يتصدق به نيابة عنه.. وإذا كان الحق حقاً عرضياً ؛ اي انّه آذى احداً باخلاقه وجوارحه ، يطلب العفو والصفح ، ويسترضي من آذاه .. وإذا كان الحق يوجب حداً كالقذف ، وجب عليه الإذعان لصاحب الحق ليقيم الحد أو يعفو عنه.
قال أمير المؤمنين : « التوبة ندم بالقلب ، واستغفار باللسان ، وترك الجوارح ، واضمار ان لا يعود ». ميزان الحكمة: 1/549 عن غرر الحكم، وبحار الأنوار: ج78 ص48 ح66
قال الإمام السجاد عليه السلام : « انما التوبة العمل والرجوع عن الأمر ، وليس التوبة بالكلام ». كشف الغمة: ج2 ص313
قال العظيم في كتابه الكريم : ? إلاّ الّذين تابوا من بعد ذلك وأصلحوا ?. سورة النور: 5
و يستفاد من جملة ? اصلحوا ? ان من شروط التوبة تدارك ما سلف من الذنب.. ويكون التدارك عادة بالاعمال الصالحة بشتى صورها ، كالمساعدة المالية، والجهاد في سبيل الله ، والصوم ، و قيام الليل و ...الخ .. ولكن من الأفضل تدارك كلّ ذنب بما ينافيه ، فتدارك ذنب السفور مثلاً يكون بالعفة ، والمحافظة التّامة على الحجاب .. و ذنب الغيبة يتداركها المذنب بصيانة اللسان وضبطه.. والظلم والجور يتداركهما المرء بالاحسان إلى المظلومين ، والأخذ بيد من يحتاج إلى العون .. ومعصية نظرة السوء ان يعف المرء بصره ، ويغضّه عمّا لا يجوز له النظر اليه ، ويمكن تداركه أيضاً بما يوجب له الثواب كالنظر إلى القرآن وإلى وجه العالم وإلى الأب والأم.
قال الامام السجاد عليه السلام : « كفارة عمل السلطان قضاء حوائج الإخوان ». وسائل الشيعة: ج15 ص584
قال الشاعر:
اصبر لكلّ مصيبة وأتجلد واعلم بأن المرء غير مخلّد
(3/8)
أما ترى أن المصائب جمة وترى المنية للعباد بمرصد
من لم يصب ممن ترى بمصيبة هذا سبيل لست فيه بمفرد
ديوان أبي العتاهية: ص129
_________________________________________
17- اكمال التوبة
يجدر بالمرء بعد التوبة الإتيان بعدد من الاعمال هي :
الأول : صيام ثلاثة أيام ، امتثالاً لقول الصادق عليه السلام : « التوبة النصوح صوم يوم الاربعاء والخميس والجمعة ». وسائل الشيعة: كتاب الجهاد، الباب 88
الثاني : غسل التوبة .. إذ قال الرضا عليه السلام لمن أراد التوبة عن سماع الموسيقى و الغناء : « قم فاغتسل ». مستدرك الوسائل: ج2 ص512 ح2
وقال رسول الله صلى الله عليه واله : « انّه ليس من عبد عمل ذنبا كائنا ما كان ، وبالغاً ما بلغ ، ثم تاب الاّ تاب الله تعالى عليه ». ثم انّه قال لمن جاءه تائباً : « فقم الساعة واغتسل !.. وخرّ لله ساجداً !.. ». مستدرك الوسائل: ج2 ص514 ح3
الثالث : الصلاة ركعتين أو اربع ركعات ، كما قال الصادق عليه السلام : « ما من عبد اذنب ذنباً ، فقام فتطهر وصلّى ركعتين واستغفر الله ، إلا غفر له وكان حقاً على الله ان يقبله ، لانه سبحانه قال : ومن يعمل سوء أو يظلم نفسه ثم يستغفر الله يجد الله غفوراًرحيماً ».
و جاء في كتاب الإقبال ، في باب أعمال شهر ذي القعدة ، ان رسول الله صلى الله عليه واله قال لاصحابه في يوم الاحد من شهر ذي القعدة :
« يا أيها الناس !.. من منكم يريد التوبة ؟.. قلنا : كلنا نريد التوبة يا رسول الله ، فقال عليه السلام : اغتسلوا !.. وتوضأوا !.. وصلوا اربع ركعات ، واقرأوا في كل ركعة فاتحة الكتاب مرة ، وقل هو الله أحد ثلاث مرات ، والمعوذتين مرة .. ثم استغفروا سبعين مرة ، ثم اختموا بلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم ثم قولوا :
(3/9)
« يا عزيز !.. يا غفار !.. اغفر لي ذنوبي ، وذنوب جميع المؤمنين والمؤمنات ، فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت .. ثم قال عليه السلام : ما من عبد من أمتي فعل هذا إلا نودي من السماء :
يا عبد الله !.. استأنف عملك فانك مقبول التوبة ، مغفور الذنب .. وينادي ملك من تحت العرش :
أيها العبد !.. بورك عليك وعلى أهلك وذريتك .. وينادي مناد آخر :
ايها العبد !.. ترضى خصماؤك يوم القيامة .. وينادي ملك آخر :
ايها العبد !.. تموت على الإيمان ولا اسلب منك الدين ، ويفسح في قبرك ، وينور فيه .. وينادي مناد آخر:
ايّها العبد !.. يرضى ابواك وان كانا ساخطين ، وغفر لابويك ذلك ولذريتك ، وانت في سعة من الرزق في الدنيا والاخرة .. وينادي جبرئيل عليه السلام : انا الذي آتيك مع ملك الموت عليه السلام ، وآمره ان يرفق بك ولا يخدشك أثر الموت، انما تخرج الروح من جسدك سلاً .. قلنا :
يا رسول الله !.. لو أن عبداً يقول في غير الشهر ، فقال عليه السلام : مثل ما وصفت ، وانما علمني جبرائيل عليه السلام هذه الكلمات ايام اُسري بي ». إقبال الأعمال: 614، طبعة مؤسسة الأعلمي
الرابع : الإستغفار وقيام الليل ، اي ان يكثر المذنب من الإستغفار وقراءة ادعية التوبة الواردة عن الأئمة الطاهرين عليهم السلام ، وخاصة ادعية الصحيفة السجادية ، وعلى الأخص منها الدعاء الحادي والثلاثين وهو بشأن التوبة .. وكذلك المناجاة الخمسة عشر ، وعلى الأخص منها المناجاة الاُولى وهي مناجاة التائبين ، ويجب حين القراءة التدبّر في معانيها، وان يطابق فعله قوله.
الخامس : تكرار التوبة والإستغفار ، كما قال الصادق عليه السلام : « كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يستغفر الله عز وجل في كلّ يوم سبعين مرّة ، ويتوب إلى الله عز وجل سبعين مرّة من غير ذنب .. وكان لا يقوم من مجلس حّتى يستغفر الله عز وجل خمساً وعشرين مرّة ».
(3/10)
وقال أيضاً : « إذا اكثر العبد من الاستغفار ، رفعت صحيفته وهي تتلألأ ». أصول الكافي: ج2 ص504
قال الامام الرضا عليه السلام : « مثل الإستغفار مثل ورق على شجرة تحرّك فيتناثر ، والمستغفر من ذنب ويفعله كالمستهزئ بربّه ». أصول الكافي: ج2 ص504
السادس : اختيار وقت السحر للاستغفار.. ومع ان الدعاء والتوبة مستحبان في كلّ وقت ، إلاّ ان لوقت السحر وهو الثلث الأخير من الليل حتّى طلوع الفجر تأثير خاص في تطهير النفس من المعاصي.. وهذا ما أكد عليه القرآن الكريم في عدّة مواضع ، واثنى على المستغفرين بالاسحار، وعدّ هذه الخصلة من صفات المتقين وأهل الجنّة.
جاء في وصايا لقمان لابنه انّه قال له: « يا بني !.. لايكون الديك اكيس منك ، يقوم في وقت السحر ويستغفر وانت نائم». ميزان الحكمة: ج7 ص249
نعم، ايها الإنسان العزيز استبق الآخرين في النهوض وقت السحر !.. وافتح عينيك قبل النرجس والياسمين !.. وارفع صوتك قبل ديك السحر بنداء :
« اذكر الله ولاتكن من الغافلين ».
ليس انساناً من ينهض عند السحر على صوت الديك ، بل الانسان من يسبق الديك في النهوض والتسبيح باسم السبوح القدوس.
نعم، يا ولدي ويا عزيزي ، لايكون الديك اعقل منك في النهوض المبكر عند الأسحار وفي اوقات الصلاة.. الاّ تراه يعلن دخول وقت الصلاة عند حلول وقتها ، ويرفع صوته في الأسحار وانت نائم؟!..
أجاد الشاعر في قوله:
فيا نفس خاف الله واجتهدي له فقد فاتت الأيام واقترب الوعد
فخير ممات قتلة في سبيله وخير المعاش الخوف منه أو الزهد
تشاغلت عما ليس لي منه حيلة ولابد مما ليس منه لنا بد
ديوان أبي العتاهية: ص129
(3/11)
1- توبة شاب فاسق
جاء في كتاب ( كيفر كردار أو قانون مجازات ) ان رابعة العدوية قالت : كان هنالك شاب في غاية الجمال ، وقد استدرجه اصدقاء السوء الى مهاوي الفحشاء والرذيلة حتىّ صار في عداد الفسقة والأشقياء ، واصبح همّه مطاردة النساء واغواء الفتيات ، حتّّى بلغ أذاه جميع الناس.
ذهبت لزيارته يوماً فوجدته قد افترش سجادته وانشغل بالصلاة ، وهو في غاية الخشوع والخضوع ، ويكثر من البكاء ، تعجبت من وضعه وقلت في نفسي : ما لهذا الفاسق العاصي وهذه العبادة والخشوع والتقوى ، وكيف صار عتبة بن علام إلى هذا الحال ؟!..
انتظرت حتّى انتهى من صلاته ثم قلت له : هذا انت يا بن علام ؟!.. انت الذي كنت غارقاً في الشهوة والشراب والمعاصي ، كيف اعرضت عن كلّ ذلك وتوجهت إلى الله ، وكيف تبت مما كنت فيه من المعاصي ؟..
قال : انت تعلمين انني كنت في شبابي كثير المعاصي ومولعاً بالنساء ، وكما تعملين ان اكثر من الف امرأة في البصرة كن واقعات في شباك غرامي، وانني كنت مسرفاً في غروري ذاك وطيش الشباب.
وفي أحد الايام وقع بصري عندما خرجت من داري على امراة لا يظهر منها الا عيناها ، إذ كانت مستورة بثيابها.. فوسوس لي الشيطان واغراني بها وصار قلبي وكأن ناراً اضطمرت فيه ؛ فسرت وراءها لأكلمها فاعرضت عني ، وكّلما دنوت منها تجاهلتني .
فاقتربت منها وقلت : ويحك ألا تعرفيني ؟.. انا عتبة الذي تهواني اكثر نساء البصرة ، فما لي اكلّمك فتعرضين ؟..
قالت : ماذا تريد مني ؟.. قلت : ضيّفيني .
قالت : ويحك يا رجل !.. كيف عشقتني وتدّعي محبتي ، وانا ارتدي ثياباً تستر كلّ اعضاء بدني؟ ..
قلت : عشقت منك هاتين العينين الجميلتين .
قالت : صدقت لقد كنت غافلة عنهما حقاً ، إذاً لاتكف عني وتعال أقضي حاجتك .. ثم انّها سارت فتبعتها إلى ان دخلت دارها فدخلت وراءها ، ولكن لم اجد في دارها اثاثاً ولامتاعاً.. قلت : اليس لك في الدار متاع ؟..
(4/1)
قالت : نقلنا متاعنا من هذا الدار.. قلت : إلى اين ؟.. قالت : ألم تقرأ في القرآن قوله تعالى :
{ تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لايريدون علوّاً في الارض ولا فساداً والعاقبة للمتقين } ؟.. سورة القصص: 83
لقد نقلنا كلّ ما لدينا إلى الدار الآخرة وهي دار الخلود ، أما هذه الدنيا فزائلة.. فاخش ربك ايها الرجل وتب من عملك هذا ، واياك ان تبيع الجنّة الباقية بالدنيا الفانية ، والحور بالنساء.
قلت: دعكِ من هذا الكلام واقضي حاجتي.
نصحتني المرأة كثيراً ولكن لم تجد عندي اذناً صاغية.. فقالت لي : هل عليٌّ ان اقضي حاجتك إذا لم تدع عنك هذا ؟.. قلت : نعم .. رأيتها دخلت غرفة اخرى وتركتني لحالي ، وشاهدت عجوزاً جالسة في تلك الغرفة.. نادت تلك البنت : ان ائتوني بماء لأتوضّأ ، فجاؤها بالماء وتوضأت ووقفت تصلّي حتّى منتصف الليل .. وبقيت افكر مع نفسي اين انا ؟.. ومن هؤلاء النسوة ؟.. ولماذا اطالت عليُّ هكذا ؟..
إلى ان سمعت صوتها فجأة تنادي: احضروا لي قطناً ووطبقاً.. فأخذت لها العجوز ما ارادت.. بعد دقائق سمعت العجوز صرخت وقالت : انا لله وانا اليه راجعون ، ولاحول ولا قوّة إلاّ بالله العلي العظيم.. وثبت مذعوراً فوجدت ان الفتاة قد قلعت عينيها بالسكّين ووضعتها على قطن في طبق ، ولما جاءتني العجوز بالطبق وجدت العينين لا زالتا تتحركان في الشحمة على القطن.
قالت لي العجوز وهي في غاية الارتياع : هذه ما كنت تعشقها خذها لا بارك الله لك فيها ، لقد حيرّتنا حيرك الله ، ووضعت الطبق أمامي فذعرت وجف فمي ، ولم اعد قادراً على الكلام ، فما هذا الذي فعلته هذه الفتاة ؟..
قالت العجوز وهي باكية : كنا عشرة نساء اعتكفنا في هذه الدار لا نبرحها ، وكانت هذه الفتاة هي التي تشتري لنا ما نحتاج اليه.. الاّ انّك جلبت علينا الحيرة والألم .. أهذا هو مرادك ؟.. خذ هاتين العينين اللتين عشقتهما .
(4/2)
وما ان سمعت كلام العجوز حتّى اغمي علي ُّ ولما استعدت الوعي بقيت تلك الليلة غارقاً في التفكير ، وندمت على ما سلف من اعمالي ، وقلت: الويل لي لقد كنت اعصي الله طوال عمري ولم اندم على شيء من ذلك ، الاّ ان هذه الفتاة ادبتني بعملها هذا.. فذهبت إلى داري ووقعت في فراش المرض اربعين يوماً.. فكان ذلك سبباً لندمي وتوبتي.
قال الشاعر :
أيها المغرور ما هذا الصبا لو نهيت النفس لانتهت
أنسيت الموت جهلاً والبلا وسلَت نفسك عنه ولَهَت
نحن في دار بلاءِِ واذىً وشقاء وعناءٍ وعنت
ديوان أبي العتاهية: ص73
_________________________________________
2- توبة نصوح
كان " نصوح " رجلاً امراداً ، لا ينبت الشعر في وجهه وله كالنساء ثديان .. وكان يعمل حينذاك في احد حمامات النساء ويغسل اجسامهن .. وكان على درجة من المهارة في عمله ، بحيث ان جميع النساء كن يرغبن في ان يتولى نصوح تنظيفهن في الحمام .. وشاع صيته في الافاق حتّى بلغ مسامع بنت الملك في ذلك الزمن ، فمالت نفسها إلى رؤيته ؛ فارسلت اليه واحضر بين يديها ، ولما رأته أعجبها وأبقته عندها تلك الليلة ، وفي الصباح أمرت بإخلاء الحمام ومنعت الناس من دخوله ، ثم اخذت نصوح معها وامرته بتنظيف بدنها .
شاءت الأقدار ان تفقد بنت الملك جوهرة ثمينة ، فغضبت وأمرت اثنين من حاشيتها بتفتيش جميع العاملين هناك للعثور على الجوهرة .
راح الموكّلون يفتشون العاملين الواحد تلو الاخر إلى ان وصل الدور إلى نصوح ، فخاف إذا فتّشوه ان يفتضح حاله ؛ ولهذا ابى ان يخضع للتفتيش ، واخذ يهرب منهم هنا وهناك ويتظاهر بأنَّ الجوهرة عنده ، مما جعل الموكّلين يجدون اكثر في طلبه .
(4/3)
لم يجد نصوح أمامه من طريق للخلاص سوى الدخول في خزان الماء ، ولما رآهم دخلوا الخزان للقبض عليه وانّه شارف على الفضيحة اتّجه إلى ربه من اعماق قلبه وتاب من سيئاته بكل اخلاص ، ومدََّ يد الحاجة إلى ربّه داعياً اياه لانقاذه من هذه الفضيحة.
وما ان تاب نصوح واستغفر ربه على معاصيه ، حتى جاء صوت من خارج الحمام ينادي: كفّوا عن هذه المسكينة فقد وجدت الجوهرة . فكفوا عنه ، وشكر نصوح ربّه ، واستأذن من الاميرة وذهب إلى داره ، وقسم على الفقراء كلّ مال حصل عليه من الحرام .. ولما كان اهالي ذلك البلد يرغبون في عمله ولا يكفون عنه ، لم يكن قادراً على البقاء فيه .. وهو من جانب آخر لم يكن قادراً على البوح بسره لأحد ، فاضطر لمغادرة المدينة والعيش في جبل يبعد عنها عدّة فراسخ ، واستغرق هناك بالعبادة .
وفي احدى الليالي رأى في المنام شخصاً يقول له : يا نصوح !.. كيف تبت وهذا لحم بدنك قد نبت من الحرام ؟!.. يجب ان تذيب هذا اللحم .. وما ان افاق حتى قرر حمل الصخور الثقيلة ليذيب لحم بدنه.. داوم نصوح على عمله ذاك حتى وقع بصره يوماً على نعجة كانت ترعى في ذلك الجبل ، ففكر في امرها من اين جاءت ، ومن عسى ان يكون صاحبها ؟.. واستقر رأيه في اخر المطاف على انها لا بد وان تكون قد هربت من راعيها ، ولا بد من الإحتفاظ بها إلى ان يإتي ويأخذها .. فامسكها واحتفظ بها عنده ، وكان يطعمها من النباتات التي يأكل هو منها .
(4/4)
مضت على هذا الحال عدّة ايام فانطق الله النعجة وقالت : يا نصوح !.. اشكر ربّك الذي خلقني لك ، فصار نصوح من ذلك الوقت يشرب من حليبها . وهو إلى جانب هذا يكثر من عبادة ربّه.. إلى ان صادف وان مرّت من هناك قافلة ضلّت طريقها ، والناس فيها قد شارفوا على الهلاك من شدّة العطش. فرأوا نصوح وطلبوا منه الماء ، فقال لهم :أعطوني اوانيكم لاعطيكم بدل الماء حليباً ، فجاؤوه بالاواني وقدم لهم حليباً فشربوا منها جميعا .. وهكذا انقذ نصوح القافلة من الهلاك ، ودلهم بعدها على الطريق إلى المدينة.
وقبل السير الى المدينة قدّم كلّ واحد من افراد القافلة مبلغا من المال لنصوح ازاء ما قدمه لهم من خدمة .. وبما ان الطريق الذي عليه كان اقرب إلى المدينة ، لذلك جعلوا طريقهم الدائمي من هناك ، ثم علمت سائر القوافل بذلك الطريق فتركت الطريق القديم واخذت تسلك هذا الطريق .. وكان مرور القوافل من هناك سبباً في حصول نصوح على مال وفير ، صار يبني به الابنية ، ويحفر الآبار ، ويصلح الاراضي ويعدّها للزراعة ، وسكن فيها قوم واستطاع ان يبسط بينهم العدالة ، وتولى هو زمام امورهم .. وكان الجميع ينظرون اليه هناك نظرة اجلال واكبار .
اشتهر اسم نصوح تدريجياً وشاع بين الناس حسن تدبيره ، حتى بلغ اسماع الملك وهو والد تلك الاميرة .. فصار الملك يتشوق الى رؤيته فأمر بدعوته إلى البلاط ، ولكن نصوح رفض تلبية دعوة الملك وقال : لا شأن لي بالدنيا واهل الدنيا ، واعتذر عن الذهاب إلى بلاط الملك .. ولما بلغ الملك مقالة نصوح تعجب وقال : ان كان قد اعتذر عن المجيء الينا فما أولانا بالمسير اليه ومشاهدة قلعته الجديدة عن قرب ، وسار مع خاصّته إلى الموضع الذي يعيش فيه نصوح .
(4/5)
وما ان وصلوا إلى هناك حتّى جاء أمر الله بقبض روح الملك .. ولما بلغ نصوح الخبر ، وعلم ان الملك كان قد خرج من مدينته للقائه وتوفي في الطريق ، حضر للمشاركة في تشييعه ودفنه.. وهذا الملك لم يكن له ابن يرث حكمه وهذا ما دفع اركان الدولة الى التفكير في انتخاب نصوح ملكاً ، وهذا ما حصل فعلا ، واصبح نصوح ملكاً بسط العدل في جميع ارجاء بلاده ، وتزوج بنت الملك وهي الاميرة التي سبق الحديث عنها .. وفي ليلة الزفاف دخل عليه رجل وقال : كنت قبل سنوات راعياً وفي احد الأيام فقدت نعجة ، ووجدتها الان عندك .. هيا رد اليَّ مالي .
قال نصوح : كما تحب سآمرهم الآن ان يعطوك نعجة.. فقال الرجل : بما انك حفظت لي النعجة ، فان ما شربته من حليبها حلال لك ، لكن القسم الذي جنيت من ورائه منافع يكون مناصفة بيني وبينك .. امر نصوح باعطائه نصف امواله وممتلكاته ، وامر الكتاب بتقسيم البلد بينهما مناصفة ، فقال له الراعي : يا نصوح !.. بقي شيء لم نقسمه .. فقال نصوح: وما هو ؟!..
قال : هذه الفتاة التي تريد الزواج بها، لأنها جاءتك من نفع نعجتي .. قال نصوح: ان تقسيم الفتاة يعني موتها ، فهب نصفها لي .. فرفض الراعي.. قال له نصوح : اهب لك نصف ملكي ، وهب لي الفتاة .. فرفض الراعي أيضاً .. فقال له نصوح : أهب لك كلّ ملكي ، وانصرف عن هذا الرأي .. فلم يوافق الراعي .. فاضطر نصوح إلى استدعاء السياف ، وامره بتقسيم الفتاة إلى نصفين ، فاستل السياف سيفه واراد ان يضربها على رأسها ، فجزعت وخرّت مغشياً عليها .. عندها امسك الراعي يد السياف وقال لنصوح : اعلم انني لست راع ، ولا تلك نعجة .. بل كلانا ملكين ارسلنا الله لاختبارك .. وبغتة غابا كلاهما عن الانظار .
شكر نصوح ربّه ، واستمر من بعد زواجه يعبد الله ويحكم البلد بالعدل .. وقال البعض : ان الآية الشريفة { وتوبوا الى الله توبة نصوحاً } . سورة التحريم: 8 انما تشير غلى مثل هذا الشخص .
(4/6)
نستنتج من هذه القصة ان من يتوب، يصلح الله امر دنياه وآخرته ، ويستجيب دعاءه ، ويكتب له العزّة والكرامة عند الناس وعند الملائكة ، ويجزيه افضل جزاء الدنيا والآخرة .
قال الشاعر:
تبارك ربي لا يزال ولم يزل عظيم العطايا رازقاً دائم السبب
لهجت بدار الموت مستحسناً لها وحسبي له دار المنية من عيب
لعمرك ما عين من الموت في عمىً وما عقل ذي عقل من البعث في ريب
ديوان أبي العتاهية: ص54
_________________________________________
3- التطاول على اعراض الناس
كان من المتعارف في زمن الرسول صلّى الله عليه وآله ، انهم حينما يريدون الخروج إلى الجهاد ، يعقدون بين كلّ رجلين عقد اخوّة ، لكي يهتم احدهما بعد ذهاب الاخر إلى الجهاد بشؤون عائلته وداره.
وفي غزوة تبوك عقد رسول الله صلّى الله عليه وآله عقد اخوّة بين سعيد بن عبد الرحمن وثعلبة الأنصاري ؛ وسار سعيد إلى الجهاد بصحبة الرسول ، وبقي ثعلبة في المدينة لقضاء حاجات عائلته ؛ فكان يأتي كلّ يوم ويجلب لهم الماء والحطب وما شابه ذلك .
وفي أحد الايام كلمته زوجة سعيد من وراء حجاب عن بعض متطلبات البيت ، فوسوست له نفسه بالنظر اليها ورؤيتها ، فأزاح الحجاب ونظر اليها فرآها جميلة ، وقد علت محياها أمارات الخجل والحياء .. فغلبه هواه وسولت له نفسه بالدنو منها ليضمّها اليه ، ولكنها صرخت به: ويحك يا ثعلبة !.. زوجي يجاهد مع رسول الله ، وانت هنا تتطاول على عرضه؟!..
فنزل هذا الكلام كالصاعقة على راس ثعلبة ، فهرب صوب الصحاري والجبال ، وصار يبكي وينوح ويولول هناك ليلاً ونهاراً ، ويقول: الهي !.. انت معروف بالمغفرة ، وانا موصوف بالذنب .
وبقي على هذا الحال مدة طويلة وهو يستغفر ربّه إلى ان عاد الرسول من الجهاد . ولما وصل سعيد إلى داره سأل أول ما سأل عن ثعلبة ، فقصت عليه زوجته القصة ، وقالت: انّه لازال في البراري يبكي وينوح .
(4/7)
خرج سعيد من داره ليبحث عن ثعلبة ، إلى ان وجده اخيراً جالساً خلف صخرة ويده على رأسه وينادي : واندمتاه !.. واخجلتاه !.. وافضيحتاه يوم القيامة !.. فدنا منه سعيد وقال : انهض يا اخي!.. لنذهب إلى رسول الله ، لعله يجد لك من هذا الموقف مخرجاً.
فقال ثعلبة : ان كان لا بد من الذهاب إلى الرسول فاربط يديًّ ورقبتي وخذني اليه كالعبد الآبق .. فاضطر سعيد إلى ربط يديه ورقبته بالحبل وسار به إلى المدينة. وكانت لثعلبة بنت تدعى حمصانة لما سمعت بقدوم ابيها ركضت اليه ، ولما رأته على هذا الحال ترقرقت الدموع في عينيها وقالت : ما هذا الذي اراك فيه يا ابة ؟!.. قال لها: يا بنيّتي !.. هذا حال المذنبين في الدنيا ، فما بالك بهم في الآخرة .. ومرّوا على باب احد الصحابة فخرج من داره ، ولما علم بالخبر طرد ثعلبة وقال: اذهب فاني اخشى ان أحترق بنار معصيتك .
وكان كّل من يلقاه يطرده خشية ان يٌصاب بعذاب معصيته ، إلى ان جاء إلى امير المؤمنين عليه السلام ، فقال له : ويحك يا ثعلبة !.. الا تعلم ان رأفة الله بمن جاهد في سبيله اكثر من غيره ؟.. وهذا العمل ليس له الاّ رسول الله صلّى الله عليه وآله.
جاء ثعلبة على هذا الحال ووقف على باب دار الرسول صلّى الله عليه وآله وصاح : " المذنب المذنب "، فاذن الرسول بدخوله ، وسأله: ما هذا يا ثعلبة؟.. فقصَّ عليه ثعلبة القصة ، فقال له الرسول : لقد أتيت امراً عظيما ، فاذهب واستغفر ربك وادعوه لنرى بماذا يأمر.
خرج ثعلبة من دار الرسول واتجه الى الصحراء ، فجاءته ابنته وقالت : يا أبتي لقد رق لك قلبي ، وكنت ارغب في المسير معك اينما ذهبت ، ولكن بما ان الرسول قد طردك فاني لا ارغب في اللحاق بك .
هام ثعلبة في الصحراء يبكي ويتمرغ على الرمضاء وينادي : الهي !.. لقد طردني الجميع ، يا مؤنس من لا أنيس له !.. ان لم تأخذ بيدي ، فمن ذا الذي يأخذ بيدي ؟.. وان لم تقبل عذري ، فمن ذا الذي يقبل عذري ؟..
(4/8)
ومرت به أيام وهو على هذا الحال من البكاء والنياح ، وقضى الليالي وهو يتضرع إلى ربه .. وفي ختام المطاف نزل الوحي على رسول الله عند صلاة العصر وقرأ عليه الآية الشريفة :
{ والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم ومن يغفر الذنوب الاّ الله ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون } . سورة آل عمران: 135
وقال الأمين جبرائيل لرسول الله صلّى الله عليه وآله : ان الله يأمرك ان تستغفر لثعلبة.
ارسل رسول الله علياً عليه السلام، وسلمان رضوان الله عليه للبحث عن ثعلبة .. وفي الطريق لقيا راعياً فسألاه عنه فقال: في الليل يأتي رجل ويبكي تحت هذه الشجرة. فانتظراه إلى الليل ، فجاء ثعلبة وبدأ بالدعاء والإستغفار قائلاَ : إلهي !.. لا ملاذ لي غيرك ، فان طردتني فبمن اعوذ ولمن التجئ ؟..
فبكى امير المؤمنين ودنا منه وقال : ابشر يا ثعلبة ان الله قد غفر لك ، وان رسول الله يدعوك ، وقرأ عليه الآية الشريفة التي نزلت في توبته ، فنهض ثعلبة وسار برفقته إلى رسول الله ، ودخلوا عليه المسجد فوجدوه يصلي وصلّوا خلفه ، وقرأ الرسول في الصلاة بعد سورة الحمد سورة التكاثر.
وما إن قرأ الآية الاولى { الهاكم التكاثر } حتى صرخ ثعلبة ، ولما قرأ الآية الثانية { حتى زرتم المقابر } صرخ مرة اخرى . ولما قرا الآية الثالثة {كلا سوف تعلمون} صرخ وخر على الارض .. وبعد ان فرغوا من الصلاة ، امر الرسول فنضحوا الماء على وجهه ، لكنه لم يفق وظل مطروحاً على الارض كالخشبة اليابسة ، وادركوا ان ثعلبة قد اسلم روحه لله .
تألم الرسول والصحابة لهذه الحادثة وبكوا .. وسمعت حمصانة بنته بالخبر فجاءت إلى المسجد باكية مولولة وقالت : يا رسول الله !.. انك لما طردت ابي أعرضتُ عنه وجعلت لقاءه رهناً برضاك عنه .. واني الآن مسرورة لما غفر من ذنوبه ، وانّه مات وانت عنه راضٍ .
عزّاها الرسول بوفاة والدها وشارك في تكفينه وتشييعه ودفنه .
(4/9)
قال الشاعر:
يا ذا الذي اتّخذ الزمان مطيةً وخطى الزمان كثيرة العثرات
ماذا تقول وليس عندك حجة لو قد أتاك مهدّم اللذات
او ما تقول إذا سئلت فلم تجب وإذا دعيت وأنت في الغمرات
ديوان أبي العتاهية: ص76
وقال الشاعر :
ما ان دعاني الهوى لفاحشة الا نهاني الحياء والكرم
ولا إلى محرم مددت يدي ولا مشت بي لريبة قدم .
سنابل الحكمة ص200
_________________________________________
4- عشرون سنة من المعصية
كان في بني اسرائيل شاب عَبد الله عشرين سنة ، ثم عصاه عشرين سنة ، ثم نظر في المرآة فرآى الشيب في لحيته فساءه ذلك فقال :
إلهي !.. اطعتك عشرين سنة ، ثم عصيتك عشرين سنة ، فان رجعت اليك اتقبلني ؟.. فسمع قائلاً يقول :
" أحببتنا فأحببناك ، وتركتنا فتركناك ، وعصيتنا فأمهلناك ، وان رجعت قبلناك ".
ثم انّه تاب وصار في جملة العباد . وهذه الرحمة الالهية تسع جميع العاصين .
قال الشاعر :
الاّ لله انت فتىً وكهلا ً تلوح على مفارقك الذنوب
هو الموت الذي لابد منه فلا يلعب بك الأمل الكذوب
وكيف تريد ان تدعى حكيما وأنت لكل ما تهوى ركوب
وتصبح ضاحكاً ظهراً لبطنٍ وتذكر ما اجترحت فلا تذوب
ديوان أبي العتاهية: ص35
_________________________________________
5- توبة رجل من بني اسرائيل
انقطع الغيث عن بني اسرائيل في زمن موسى ( على نبينا وآله وعليه السلام ) ، فجاءوا إلى موسى يتشاكون الفاقة والحاجة، وقالوا له: ادعُ لنا ربّك لينقذنا من هذه التهلكة .. فخرج موسى فيهم الى الصحراء وصلى بهم صلاة الإستسقاء ، ودعوا ربّهم لينزل عليهم المطر .. الاّ ان المطر لم ينزل مع كثرتهم اذ كان عددهم سبعين الفاً ، ومع الحاحهم بالدعاء .
فرفع موسى رأسه إلى السماء وقال : اللهم !.. اني ادعوك ومعي سبعون الفاً فلا تستجيب لنا، فهل نقصت منزلتي عندك ؟!.. فاوحى الله تعالى اليه : ان بينكم رجلاً عصى الله اربعين سنة، فقل له ان يخرج من بينكم حتّى انزل عليكم المطر .
(4/10)
فقال موسى : يا ربي !.. ان صوتي ضعيف فكيف اسمعه سبعين الف رجل؟ ..
فأوحى الله اليه انك إن قلت نحن نوصل صوتك اليهم .. فصاح موسى بصوت جهوري: من عصا الله اربعين سنة فليقم وليخرج من بيننا؛ لأن الله قطع عنا الغيث بسببه.
نهض ذلك العاصي وتلفت يميناً وشمالاَ فلم يجد احد قد خرج ، فادرك انّه هو المقصود .. فقال في نفسه : ماذا اصنع ؛ إذا قمت ورآني الناس عرفوني وفضحت بينهم ، وإذا انا بقيت لا ينزل عليهم الغيث .. فجلس مكانه وندم من اعماق قلبه على قبائحه ومعاصيه، وتاب إلى ربّه .
ظهرت الغيوم على الفور وتراكمت ونزل عليهم الغيث ، وسقوا بأجمعهم .. فقال موسى: يا رب !.. لم يخرج من بيننا احد ، فكيف سقيتنا؟.. فنودي :
" سقيتكم بالذي منعتكم به " .. فقال موسى : يا رب !.. هل تريني هذا العاصي ؟.. فقال له ربّه : لم أفضحه عندما كان عاصياً ، هل افضحه الآن بعد ما تاب ؟.. يا موسى اني عدو النمامين ، أفهل أنم ، وانا ستار العيوب ، فهل اهتك ستر عبادي ؟..
قال الشاعر:
ان تجد لي بالعفو لم أخش ذنباً أو تهب لي زاداً أمنت العناء
او تبيض بالعفو وجهي فانني لست أخشى صحيفة سوداء
رباعيات الخيام: ص7
_________________________________________
6- عهد مع الله
عاهد شاب ربّه ان لايتعلق قلبه بشئ من حطام الدنيا ، وان لاينظر إلى زخرفها لأنها تنسيه ذكر الله .. وفي احد الأيام مر في السوق على دكان لبيع المجوهرات ، فرأى فيه حزاماً مرصعاً بابهى الدرر واغلى الأحجار الكريمة ، فنسي عهده مع ربّه ، وظل يتأمله مليّاً وقلبه لايمل النظر اليه.. وما ان جاوز هذا الشاب دكان الجواهري حتى افتقد الجواهري الحزام ، فخرج من دكانه على الفور وتعلق بالفتى وقال : يا سارق انت سرقت الحزام ، واني غير تاركك الاّ ان تعيده اليًّ .. واقتاده إلى الحاكم ، قائلاً: ايها الحاكم !.. هذا الفتى سارق؛ سرق مني حزاماً مرصعاً بالجواهر.
(4/11)
تأمل الحاكم الشاب ملياً وقال : لا يبدو لي انّه سارق ، فسيماه غير دالة على انه من اصحاب هذه الفعال .. الاّ ان صاحب الحزام اصر على قوله وشرح له القصة .. فأمر الحاكم بتفتيشه ، ووجدوا الحزام تحت ثيابه .. تعجب الحكم، وقال غاضباً: يا فتى!.. أما تستحي تلبس لباس الأخيار وتعمل عمل الفجار؟.. ذعر الفتى وقال: اصبر علي يا مولاي حتّى اقص عليك حقيقة امري.. ثم رفع طرفه إلى السماء وقال : يا إلهي !.. لا اعود لمثلها، لقد نسيت ذكرك ووقعت في المعصية ، واني في غاية الندم فاقبل توبتي ولا تفضحني .
ظن القاضي ان الفتى انما اعترف بالسرقة ، فغضب وامر به ليجرده من ثيابه ويضربونه بالسوط .. وفجأة سمعوا صوتاً ولم يروا قائله: ( دعوه لاتضربوه انما اردنا تأديبه) .. تغير القاضي وندم على فعله ، واعتذر من الفتى ، وطلب منه ان يقص عليه امره.. فاخبره الفتى بعهده مع ربّه ، وكيف انّه نقض العهد، فوقع على أثر ذلك في تلك الورطة.
ولما سمع صاحب الحزام بالقصّة ، ندم على فعله أيضاً ، واقسم عليه ان يأخذ الحزام ويقيله خطأه .. فقال له الفتى : هذا لا يكون ابداً ، فاني قد اوقعت نفسي في هذه الورطة ونلت جزائي عليها .
قال الشاعر :
لا تنظرون إلىالفتى وفنونه وأنظر لحفظ عهوده ووفائه
فاذا رأيت المرء قام بعهده فِأحبسه فاق الكلّ في عليائه
رباعيات الخيام: ص12
_________________________________________
7- بهلول النبّاش
(4/12)
دخل معاذ بن جبل على الرسول صلّى الله عليه وآله باكياً ، فسلّم فرد عليه السلام ثم قال: ما يبكيك يا معاذ؟!.. فقال : يا رسول الله، ان بالباب شاباً طري الجسد، نقي اللون ، حسن الصورة ، يبكي على شبابه بكاء الثكلى على ولدها يريد الدخول عليك.. فقال النبي صلّى الله عليه وآله: ادخل عليًّ الشاب يا معاذ ؟!.. فادخله عليه فسلم فرد عليه السلام ، ثم قال : ما يبكيك يا شاب ؟.. قال : وكيف لا ابكي ، وقد ركبت ذنوباً ان اخذني الله عز وجل ببعضها ادخلني نار جهنم ؟.. ولا أراني الاّ سيأخذني بها ولا يغفر لي ابداً.
فقال رسول الله صلّى الله عليه وآله : هل اشركت بالله شيئاً ؟..
قال : أعوذ بالله ان اشرك بربّي شيئاً.
قال : اقتلت النفس التي حرم الله ؟.. قال : لا.
فقال النبي (ص) : يغفر الله ذنوبك ، وان كانت مثل الجبال الرواسي .
فقال الشاب : فانها أعظم من الجبال الرواسي .
فقال النبي صلّى الله وعليه آله : يغفر الله لك ذنوبك ، وان كانت مثل الأرضين السبع وبحارها ورمالها واشجارها وما فيها من الخلق.
قال : فانها اعظم من الأرضين السبع وبحارها ورمالها واشجارها وما فيها من الخلق.
فقال النبي صلّى الله عليه وآله : يغفر الله ذنوبك ، وان كانت مثل السماوات ونجومها ، ومثل العرش والكرسي .
قال : فانّها اعظم من ذلك .
قال : فنظر اليه النبي صلّى الله عليه وآله كهيئة الغضبان ثم قال : ويحك يا شاب !.. ذنوبك اعظم أم ربك ؟..
فخر الشاب لوجهه وهو يقول : سبحان ربي !.. ما شيء اعظم من ربّي، ربي اعظم يا نبي الله من كلّ عظيم.
فقال النبي صلّى الله عليه وآله : فهل يغفر الذنب العظيم الاّ الرب العظيم ؟ ..
قال الشاب : لا والله يا رسول الله .
ثم سكت الشاب .. فقال له النبي : ويحك يا شاب!.. الاّ تخبرني بذنب واحد من ذنوبك؟..
(4/13)
قال : بلى اخبرك؛ اني كنت أنبش القبور سبع سنين ، اخرج الأموات ، انزع الأكفان ، فماتت جارية من بعض بنات الانصار، فلما حملت إلى قبرها ودفنت ، وانصرف عنه اهلها ، وجنًّ عليهم الليل ، أتيت قبرها فنبشتها ثم استخرجتها ونزعت ما كان عليها من اكفانها ، وتركتها متجردة على شفير قبرها ، ومضيت منصرفاً ، فأتاني الشيطان فأقبل يُزينها لي ، ويقول : أما ترى بطنها وبياضها ، أما ترى وركيها؟.. فلم يزل يقول لي هذا حتى رجعت اليها ، ولم املك نفسي حتى جامعتها وتركتها مكانها.. فاذا بصوت من ورائي يقول : يا شاب ويلك من ديان يوم الدين !.. يوم يقفني واياك كما تركتني عريانة في عسكر الموتى ، ونزعتني من حفرتي وسلبتني اكفاني ، وتركتني اقوم جنبة إلى حسابي ، فويل لشبابك من النار !.. فما أظن اني اشم ريح الجنّة ابداً فما ترى يا رسول الله ؟.. فقال النبي صلّى الله عليه وآله : تنح عني يا فاسق ، اني اخاف ان احترق بنارك ، فما اقربك من النار ! ..
ثم لم يزل عليه السلام يشير اليه ويقول حتّى امعن من بين يديه.. فذهب فأتى المدينة فتزود منها، ثم أتى بعض جبالها فتعبد فيها ، ولبس مسحاً ، وغلًّ يديه جميعاً إلى عنقه، ونادى :
يا رب !.. هذا عبدك بهلول بين يديك مغلول .
يا رب !.. أنت الذي تعرفني ، وزل مني ما تعلم يا سيدي !..
يا رب !.. اصبحت من النادمين .
ولم يزل على هذا الحال يدعو ورفع يديه إلى السماء وقال : اللهم ان كنت استجبت دعائي وغفرت خطيئتي ، فأوح إلى نبيّك ، وان لم تستجب دعائي ولم تغفر لي خطيئتي ، وازددت عقوبتي ، فعجّل بنار تحرقني عقوبة في الدنيا تهلكني ، وخلصني من فضيحة يوم القيامة .. فانزل الله تبارك وتعالى على نبيّه : { والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا انفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم ومن يغفر الذنوب الاّ الله .... } . سورة آل عمران: 135
(4/14)
خرج رسول الله صلّى الله عليه وآله وقال لاصحابه : من يدلني على ذلك الشاب ؟.. فقال معاذ : بلغنا يا رسول الله انّه في موضع كذا وكذا .. فمضى رسول الله باصحابه حتى انتهوا اليه ، فاذا به يبكي وقد اسود وجهه وتساقطت اشفار عينيه .. فدنا رسول الله صلّى الله عليه وآله فاطلق يديه من عنقه ، وقال : يا بهلول!.. ابشر فانك عتيق الله من النار ، ثم قال لأصحابه : هكذا تداركوا الذنوب كما تداركها بهلول .
ينسب الى الامام علي عليه السلام انه قال :
قريح القلب من وجع الذنوب نحيل الجسم يشهق بالنحيب
أحز بجسمه سهر الليالي فصار الجسم منه كالقضيب
وغير لونه خوف شديد لما يلقاه من طول الكروب
ينادي بالتضرع يا الهي اقلني عثرتي واستر عيوبي
ديوان الإمام علي (ع): ص29
_________________________________________
8- توبة الحداد
نقل الحسن البصري انّه قال : مررت في سوق الحدادين ببغداد ، فوقع بصري على حداد يمد يده في الكورة ، ويمسك الحديد الأحمر الذائب بدون ان يشعر بحرارته ، ويضعه على السندان ويطرقه بالمطرقة ، ويخرجه بأي شكل يشاء .. وعند مشاهدتي لهذا الأمر العجيب ، وجدت في نفسي رغبة لسؤاله ، فتقدمت اليه وسلمت عليه فرد عليًّ السلام ، فسألته : ايها السيّد !.. الاّ تؤذيك نار الكورة ، حر الحديد المذاب ؟ .. قال : لا . قلت : وكيف ؟..
قال : مرت علينا هنا ايام من القحط والجوع .. أما انا فكنت قد خزنت كلّ شيء .. وجائتني ذات يوم امراة وجيهة الطلعة حسنة الصورة وقالت : يا رجل!.. ان لي ايتاماً صغاراًَ يتضورون جوعاً ، وهم بحاجة إلى قليل من الطعام ، واطلب منك ان تهبني شيئاً من الحنطة في سبيل الله ، ولانقاذ حياة هؤلاء الصبية .. وبما انني فتنت بجمالها من خلال نظرة واحدة ، قلت لها : إذا كنت تريدين الحنطة فيجب ان اقضي منك حاجتي .. غضبت المرأة لهذا الكلام واعرضت عني وذهبت .
(4/15)
وفي اليوم التالي عادت اليًّ باكية وكررت ما طلبته في اليوم الاول ، فأعدت عليها ما كنت قد طلبته منها .. فعادت ادراجها صفر اليدين .. وجاءتني في اليوم الثالث وهي غاية الأسى وقالت : ان أطفالي على وشك الموت ، فارجوا ان تنقذهم من الجوع والموت .. فكررت عليها طلبي . ويبدو ان الجوع انهكها فلم تعد لها قدرة على المقاومة .
وعلى كلّ فانّها حين اقتربت مني كانت تقول : ارحمني ايها الرجل انا واطفالي !.. فنحن جياع وبحاجة إلى قليل من الطعام . فقلت لها : أيتها المرأة لا تضيّعي وقتي سدىً ، تعالي اقضي منك حاجتي واعطيك الحنطة .
وعندها اكثرت من البكاء وقالت : انني لم ارتكب قط هذا العمل الحرام، ولكني مضطرة الآن لتلبية طلبك لانني وأطفالي ما ذقنا الطعام منذ ثلاثة ايام ، ولكن لي عليك شرط . فقلت : ماهو شرطك ؟.. قالت : ان تأخذني إلى مكان لا يرانا فيه احد .
يقول الحداد : فوافقت على طلبها واخليت لها الدار .. وما ان دنوت لاقضي حاجتي منها رأيتها تضطرب ، وقالت : لم كذبت عليًّ ولم تفي لي بالشرط؟.. قلت : واي شرط هذا ؟.. قالت : ألم تعاهدني على أن تأخذني إلى مكان لا يرانا فيه أحد ؟.. قلت : نعم ، أليس هذا المكان خالٍ ؟.. قالت : وكيف هو خالٍ وفيه خمسة يشهدوننا وهم : الله الذي يعلم خائنة الاعين وما تخفي الصدور ، والملكان الموكّلان بك ، والملكان الموكّلان بي ، هؤلاء كلّهم حاضرون ويشاهدون عملنا ، ومع هذا أراك واهم ان لا يرانا هنا . خف ربّك يا رجل ، واصرف شهوتك عنّي ، يصرف عنك حرّ النّار .
تنّبهت من كلامها هذا ، وفكرت مع نفسي وقلت : ان هذه المراة مع ما بها من جوع وضيق تخاف ربّها إلى هذه الدرجة ، وانا لا اخشى مع كلّ هذه النعم التي منًّ بها عليًّ ؟ ..
(4/16)
تبت إلى ربي من ساعتي تلك ، وتركت المرأة واعطيتها ما ارادت واذنت لها بالانصراف .. ولما رأت هذا الموقف منّي رفعت طرفها إلى السماء وقالت : اللهم !.. كما صرف هذا الرجل شهوته عني ، اصرف عنه حر النار في الدنيا والآخرة .. ومنذ تلك اللحظة التي دعت لي المرأة فيها بهذا الدعاء صرت لا اشعر بحر النار .
قال الشاعر :
يا ايّها المرء المضيع دينه احراز دينك خير شيء تصنع
والله ارحم بالفتى من نفسه فاعمل فما كلفت ما لم تستطع
والحق أفضل ما قصدت سبيله والله أكرم من تزور
فامد لنفسك صالحاً تجزى به وانظر لنفسك أي أمر تتبع
ديوان أبي العتاهية: ص253
_________________________________________
(4/17)
9- الشاب العاصي
نقل نجيب الدين ، وكان من اكابر علماء عصره ، يقول : كنت ذات ليلة في مقبرة ، فرايت اربعة اشخاص قادمين يحملون جنازة .. فتقدمت اليهم وانكرت عليهم جلب الجنازة في هذا الوقت من الليل ، وقلت : يبدو لي من فعلكم انكم قتلتم انساناً وتريدون دفنه في منتصف الليل ، لكي لايطلع أحد على اسراركم .
قالوا : لاتسئ الظن يا رجل ، لأن ام الفتى معنا . فتقدمت اليًّ عجوز كانت معهم ، سألتها: لماذا جئت بابنك إلى المقبرة في منتصف الليل ؟..
قالت : كان ابني فاعلاً للمعاصي ، وقبل ان يموت اوصى بعدّة وصايا ، منها : اذا مت ضعي في رقبتي حبلاً ، واسحبيني إلى الدار وقولي : هذا عبدك العاصي الهارب وقع في قبضة الموت ، وقد احكمت وثاقه وجئتك به ، فارحمه .. واوصى اذا مات ان ادفنه ليلاً ، لكي لايرى جنازته أحد ويتذكر معاصيه فيتعذّب .. وثالثاً ان تدفنيني بنفسك وتضعيني في لحدي ، لعل الله اذا رأى شيبك يرأف بي ويغفر لي .. صحيح اني تبت وندمت على افعالي ولكن عليك تنفيذ هذه الوصايا.
ولما مات وضعت حبلاً في رقبته وسحبته ، وبغتة سمعت هاتفاً يقول: { ألا ان أولياء الله هم الفائزون }. لا تفعلي هذا بعبدي العاصي ، فانا نعلم ما نصنع به .
فرحت لقبول توبته وجئت به إلى المقبرة . وطلبت منها ان تسمح لي بدفنه، فوافقت ، وما ان وضعته في قبره ولحدته حتى سمعت منادياً يقول :
{ ألا انّ اولياء الله هم الفائزون } . ففهمت ان توبة العاصي تقبل ، وان الله لا يرضى اهانة العاصي التائب .
قال الشاعر :
افنيت عمرك باغترارك ومناك فيه وانتضارك
ونسيت ماا لا بد منه وكان اولى بأذكّارك
وان اعتبرت بما ترى فكفاك علماً باعتبارك
لك ساعة تأتيك من ساعات ليلك أو نهارك
بادر بحدك قبل أن تقضى وتنزعج من قرارك
ديوان أبي العتاهية
_________________________________________
10- توبة العابد
(5/1)
روي انه كان في جبل لبنان رجل من العبّاد منزوياً عن الناس في غار في ذلك الجبل، وكان يصوم النهار ، ويأتيه كل ليلة رغيف يفطر على نصفه ويتسحّر بالنصف الآخر .. وكان على ذلك الحال مدّة طويلة لا ينزل من ذلك الجبل أصلاً ، فاتفق ان انقطع عنه الرغيف ليلة من الليالي ، فاشتد جوعه وقل هجوعه، فصلى العشائين وبات في تلك الليلة في انتظار شيء يدفع به الجوع فلم يتيسّر له شيء .
وكان في اسفل ذلك الجبل قرية سكّانها نصارى. فعندما اصبح العبد نزل اليهم واستطعم شيخاً منهم ، فاعطاه رغيفين من خبز الشعير ، فأخذهما وتوجّه إلى الجبل ، وكان في دار ذلك الشيخ كلب أجرب مهزول ، فلحق العابد ونبح عليه وتعلق باذياله ، فألقى عليه العابد رغيفاً من ذينك الرغيفين ليشغل به عنه .. فأكل الكلب ذلك الرغيف ولحق العابد مرّة اخرى ، واخذ في النباح والهرير ، فألقى اليه العابد الرغيف الآخر ، فاكله ولحقه تارة ثالثة ، واشتد هريره وتشبّث بذيل العابد ومزّقه ، فقال العابد : سبحان الله !.. اني لم أر كلباً اقل حياءً منك ، ان صاحبك لم يعطيني إلاّ رغيفين وقد اخذتهما منّي .. ماذا تطلب بهريرك وتمزق ثيابي ؟..
فانطق الله تعالى الكلب فقال : لست انا قليل الحياء ، اعلم اني ربيت في دار ذلك النصراني ، احرس غنمه ، واحفظ داره ، واقنع بما يدفع اليًّ من خبز او عظام ، وربّما نسيني فأبقى أياماً لا آكل شيئاً ، بل ربما تمضي ايام لا يجد هو لنفسه شيئاً ولا لي ، ومع ذلك لم افارق داره منذ عرفت نفسي ولا توجهت إلى باب غيره.. بل كان دأبي انه ان حصل شيء شكرت وإلاّ صبرت .. وأما انت فبانقطاع الرغيف عنك ليلة واحدة ، لم يكن عندك صبر ولا كان لك تحمّل حتى توجهت من باب رازق العباد إلى باب نصراني ، وطويت كشحك عن الحبيب ، وصالحت عدوّه المريب . فقل: اينا اقل حياءً انا أم أنت ؟.. فلما سمع العابد ذلك ضرب بيديه على رأسه وخر مغشياً عليه .
(5/2)
يُنسب الى الامام علي عليه السلام انّه قال :
الهي لاتعذبني فإني مقر بالذي قد كان مني
فما لي حيلة الاّرجائي بعفوك ان عفوت وحسن ظني
فكم من زلة لي في الخطايا عضضت أناملي وقرعت سني
يظن الناس بي خيراً واني لشر الخلق ان لم تعف عني .
ديوان الإمام علي (ع): ص128
11- شعوانة
كانت بالبصرة امرأة تسمّى شعوانة مشهورة بالتهتك والرقص والبغاء ، وما كان مجلس فساد يقام إلاّ وفيه شعوانة .. كانت ذات يوم تسير هي وجواريها في أحد الأزقّة وصادف ان مرّت عند باب أحد الزهاد في ذلك العصر ، وتناهى إلى سمعها هناك صوت بكاء وعويل من داخل الدار .
ارسلت احدى جواريها لتأتيها بخبر ما يجري ، وأمرتها ان تعود اليها سريعاً.. وقالت مع نفسها : ان في البصرة عزاءً ونحن لاندري.. ودخلت الجارية الدار ولم تعد ، فأرسلت وراءها بجارية أخرى ، ولكن الثانية لم تعد هي الأخرى .. وارسلت من بعدهما سائر الجواري ، ولم تعد اليها أية واحدة منهن. غضبت وقالت : ما الخبر ؟.. ارسلت جميع الجواري ، ولم تعد واحدة منهن .. لا بد وان هنالك سر في هذه الدار ، وما هذا العزاء بعزاء اموات ، بل عزاء الاحياء ، هذا عزاء المذنبين ، العاصين ، المجرمين ، واصحاب الصحائف السود .. ثم قررت ان تدخل الدار بنفسها لتطلع على حقيقة الامر .
دخلت الدار فوجدت رجلاً صالحاً على المنبر وناساً كثيرين حول المنبر يبكون ، كان الواعظ يفسّر لهم الآية الكريمة: { واذا رأتهم من مكان بعيد سمعوا لها تغيّظاً وزفيراً }. سورة الفرقان: 12.. وانهم اذا ألقوا فيها تربط اعناقهم بسلاسل من حديد :
{ واذا ألقوا منها مكاناً ضيّقاً مقرّنين دعوا هنالك ثبوراً} . سورة الفرقان: 13.. فيناديهم مالك : ويحكم !.. سرعان ما تعالت اصواتكم ، لازلتم في البداية ، وهل رأيتم حرّها ؟.. ان وراءكم عذاباً وآلاماً اكثر ، فكيف ستفعلون ؟..
(5/3)
ما ان سمعت شعوانة تفسير هذه الآية ، حتّى استشعرتها في اعماق قلبها واخذت تبكي ونادت : وهل اذا تاب العبد تُقبل توبته ، مع كل هذه الذنوب ، ويجعل له مكاناً عنده في الجنّة ؟.. قال لها الشيخ : الله ارحم الراحمين ، توبي يتوب الله عنك ، وان كانت ذنوبك كذنوب شعوانة.
قالت : يا شيخ ، انا شعوانة، تبت إلى الله ، ولن اعاود ارتكاب الذنوب. قال لها : ما دمت قد تبت ، تاب الله عليك ، وغفر لك ذنوبك .
كانت توبة شعوانة صادقة ، فانفقت كل ثروة حصلت عليها من هذا العمل، واعتقت كل غلمانها وجواريها ، واتخذت لنفسها صومعة في الصحراء وانهمكت بالعبادة والرياضة إلى ان ذاب لحمها .
جاءت ذات يوم إلىالحمام لتغتسل ونظرت إلى بدنها ، فوجدت نفسها قد صارت ضعيفة وقد لصق جلدها بالعظم فتحسرت وقالت :آه يا شعوانة هكذا صار حالك في الدنيا !.. ولا اعلم ماذا سيكون شأنك غداً في الآخرة ؟!..
فجأة سمعت صوتاً ينادي: يا شعوانة !.. لا تبعدي عنا والزمي بابنا لنرى ما سيكون عليه شأنك غداً في الآخرة .. فكبر شأنها شيئاً فشيئاً حتّى غدت من الاولياء ، وصاروا يعقدون مجلساً تتحدث هي فيه وتهطل دموعها.
أجل ، كل من يتصالح مع ربّه ويهجر الذنوب يبلغ هذه المنزلة .
قال الشاعر :
ومن يتّبع شهوة بعد شهوةٍ ملحاً تقسم عقله الشهوات
ومن يأمن الدنيا وليس بحلوها ولا مرها فيما رأيت ثبات
اجابت نفوس داعي الله فاقضت وأخرى لداعي الموت منتظرات
ديوان أبي العتاهية: ص87
_________________________________________
12- التوبة عن الشراب
(5/4)
قرأت في كتاب الذنوب الكبيرة ، المجلد الثاني ، للمرحوم الشهيد آية الله دستغيب رضوان الله تعالى عليه ، انه لما نزلت آية تحريم الخمر، نادى منادي الرسول : انه لايجوز لأحد شرب الخمر ، ويورد في ذلك قصّة لطيفة وهي: ان رسول الله صلّى الله عليه وآله ، كان ماراً في أحد شوارع المدينة، فرأى أحد المسلمين وفي يده قارورة فيها خمر، لما رأى رسول الله قادماًَ خاف وقال : سيفتضح امري - لأنه كان شديد المحبّة للرسول - وقال في نفسه: اللهم !.. اني عصيتك ، واني تائب من ذنبي هذا ، ولن اعاود شرب الخمر، فلا تفضحني عند رسولك .
ولما دنا من الرسول سأله : ما في هذه القارورة ؟.. فقال من شدّة وجله: فيها خل.. فقال له: ان كان فيها خل ، ضع شيئاً منه في يدي!.. ومد يده المباركة ، سكب مقداراً منها في يده ، ورأى ان ما سكب في يد الرسول خل حقّاً .
بكى الرجل وقال : كان في هذه القارورة خمراً، ولكن بما اني تبت إلى الله ، وطلبت منه ان لايفضحني، قبل توبتي واستجاب دعائي .
فقال رسول الله: { فاولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات }. سورة الفرقان: 70
قال الشاعر :
لا عذر لي قد أتى المشيب فليت شعري متى أتوب
ابليس قد غرني ونفسي ومسني منها اللغوب
ولست أدري اذا أتاني رسول ربي بما أجيب
هل أنا عند الجواب مني أخطأ في القول أم اصيب
ام انا يوم الحساب ناج أم لي في ناره نصيب
ديوان أبي العتاهية: ص38
_________________________________________
13- بشر الحافي
جاء في كتاب روضات الجنات : ان توبة بشر الحافي كانت على يدي الإمام موسى بن جعفر الكاظم عليه السلام ، حيث انه اجتاز مرّة على دار ببغداد فسمع الملاهي واصوات الغناء والقصب تخرج من تلك الدار .
فخرجت جارية وبيدها قمامة النقل ؛ فرمت بها في الدرب ، فقال عليه السلام لها : يا جارية !.. صاحب هذا الدار حر ام عبد ؟.. فقالت : بل حر . فقال : صدقت ، لو كان عبداً خاف من مولاه .
(5/5)
فلما دخلت قال مولاها - وهو على مائدة السكر - : ما أبطأئك ؟.. قالت : حدثني رجل بكذا وكذا . فخرج حافياً حتّى لقي مولانا الكاظم عليه السلام ، فتاب على يده واعتذر ، وبكى لديه استحياءً من عمله .. منذ ذلك اليوم اجتنب السيئات ، وصار من جملة الزهاد والعرفاء . ويُقال انه لقب بالحافي لأنّه ركض وراء الإمام موسى بن جعفر عليه السلام حافياً ، وتاب وهو على هذه الصورة .
قال الشاعر :
يا قاطع الدهر بلذاته ليس له ناه ولا آمر
أتاك يا مغرور سهم الردى والموت في سطوته قاهر
يا رب اني لك في كل ما قدرت عبد آمل شاكر
فاغفر ذنوبي انها جمة واستر خطائي انك ساتر
ديوان أبي العتاهية: ص201
_________________________________________
14- توبة فُضَيل
روي ان الفضيل بن عياض كان في بداية امره من قطاع الطريق ، الذين لا يتورعون عن ارتكاب اية كبيرة ، وكان اسمه يثير الرعب في النفوس ، حتى ان خليفة ذلك العصر هارون الرشيد كان يخشاه .
وفي أحد الأيام وقف على ضفة نهر ليسقي فرسه ، اذ وقع بصره على فتاة في غاية الجمال ، تحمل على كتفها قربة ومتجهة صوب الماء ، تريد ملء القربة.. فوقع حبّها في قلبه ، وما ان رفع عنها بصره حتى ملأت قربتها وذهبت .
امر اتباعه باقتفاء اثرها حتى اذا بلغت دارها طرقوا الباب ، وابلغوا اهلها بوجوب اعداد هذه الفتاة الجميلة ، واخلاء الدار تلك الليلة ، لأن فضيل راغب بوصالها. ( ولهذا السبب نادى الاسلام بوجوب الحجاب ، حتى لاتقع عين الأجنبي على المرأة ، وما يتمخض عن ذلك من الآم وكوارث ) .
ما ان بلغ الخبر ابويها حتّى استولى عليهما الذعر .. واضطر إلى استدعاء بعض وجوه البلد للبحث عن مخرج من هذا الموقف.. فقيل لهم : لا بد من التضحية بالفتاة في سبيل المدينة، لأن فضيل اذا لم ينل بغيته سيحرق كل شيء في تلك المدينة .. فاضطر ابواها إلى اعدادها واخلاء الدار .
(5/6)
دخل فضيل المدينة ليلاً وتسلق الجدار ، وعبر سطوح بعض الدور ليصل إلى دار الفتاة ، وهناك تناهى إلى سمعه صوت قراءة قرآن ، فانصت اليه واذا هو رجل يتلوا الآية الشريفة : { ألم يأن للذين آمنوا ان تخشع قلوبهم لذكر الله }.
فأثرت هذه الآية في نفسه وعاد ونزل من الجدار وتغيّر حاله ، وقال بنية خالصة وقلب نقي : يا الهي !.. لقد آن وقت الخشوع .
تاب فضيل الى ربّه توبة خالصة ، وسار تلك الليلة على وجهه إلى ان وصل الى خربة ، فرأى فيها بعض التجار والمسافرين الذين لجأوا إلى هذه الخربة خوفاً من فضيل وعصابته ، وحطّوا رحالهم هنا ، وهم على وشك المسير ويقول بعضهم لبعض: كيف لنا ان نتخلص من شّر فضيل ؛ فمن المؤكد انه سيهجم علينا هذه الليلة ويسلبنا متاعنا .
تأثر فضيل اكثر عند سماع هذا الكلام ، لأنه كان سبباً في ترويع الناس وايجاد الذعر في القلوب ، فتقدم اليهم وعرفهم بنفسه وقال لهم : طيبوا نفساً بعد اليوم ، فضيل تاب وسلك طريق الله .
انتهج فضيل طريق الزهد حتّى غدا واحداً من عرفاء وزهاد عصره.. يروي ان هارون الرشيد رأى عند ذهابه إلى مكة حلقة من الناس حول رجل يعظهم وهم يبكون ، فسأل عنه ، قيل له : هذا فضيل الفاسق قد تاب الان .. كان هارون الرشيد من قبل يخشى غاراته وقطعه للطريق ، وهو اليوم يخشى زهده وتقواه .
(5/7)
كان فضيل يسجل في دفتر لديه اسماء وعناوين الأشخاص في كل قافلة يسلبها ، ولما تاب قصد اصحاب الأموال التي سرقها منهم ، ووجد اغلبهم واسترضاهم ، أما الذين لم يجدهم فقد دفع عنهم الصدقات رداً للمظالم ، إلاّ رجلاً واحداً يهودياً من نواحي الشام ، كان فضيل قد سلبه مالاً كثيراً فأبى ان يصفح عنه ، وقال انني اقسمت ان لا اخذ بدل مالي المسلوب إلاّ ذهباً ، ولكنّك ما دمت جاداً في طلبك ولا مال لديك ، فلا بأس ان تذهب وتأخذ من اموالي وذهبي الموجود تحت فراشي ، وتقدمه لي بقصد أداء ما عليك من دين حتّى أكون قد بررت بقسمي ، وتكون أنت أيضاً قد بلغت حاجتك .
مد فضيل يده تحت الفراش واخرج مقداراً من الذهب واعطاه لليهودي ، فقال من فوره انطقني بالشهادتين ، لقد آمنت باله محمد ، ولا معنى بعد هذا للبقاء على الديانة اليهودية ؛ لاني قرأت في التوراة ، ان احدى صفات أتباع رسول آخر الزمان ، هي ان احدهم اذا اخلص لله التوبة من ذنوبه ، يبدل الله التراب في يده ذهباً ، اعلم انه لم يكن تحت فراشي إلاّ التراب.. وانني انما اردت امتحانك ، ولما ابدل الله التراب بيدك ذهباً تكشفت لي حقيقتان ؛ الاولى : هي انك تائب حقّاً ومن صميم قلبك .. والثانية : هي ان الدين الذي انبأ عنه موسى في التوراة ، والذي اعتبره ناسخاً لدينه وللدين الذي يأتي بعده ( اي المسيحية) هو الدين الذي انت عليه .
وبهذا اسلم ذلك اليهودي على يد فضيل .
قال الشاعر :
إلى كم طول صبتونا بدار رأيت لها اغتصاباً واستلابا
الا ما للكهول وللتصابي اذ ما اغترّ مكتهل تصابى
فزعت إلى خضاب الشيب مني وان نصوله فضح الخضابا
ديوان أبي العتاهية: ص33
________________________________________
15- توبة جار فاسق
(5/8)
جاء في المجلد الحادي عشر من كتاب بحار الانوار ، ان ابا بصير قال : كان لي جار يتبع السلطان ، فاصاب مالاً فاتّخذ قياناً وغلماناً .. وكان يجمع الجموع ، ويشرب المسكر ، ويؤذيني؛ فشكوته إلى نفسه غير مرة فلم ينته .. فلما الححت عليه قال : يا هذا !.. انا رجل مبتلى ، وانت رجل معافي ، فلو عرفتني لصاحبك (يعني الإمام الصادق عليه السلام) رجوت ان يستنقذني الله بك .. فوقع ذلك في قلبي ، فلما صرت إلى ابي عبد الله عليه السلام ذكرت له حاله ، فقال لي : اذا رجعت إلى الكوفة فانّه سيأتيك فقل له : قال لك جعفر بن محمد : دع ما انت عليه وأضمن لك الجنة .
فلما رجعت إلى الكوفة أتاني فيمن أتى ، فاحتسبته حتى خلا منزلي فقلت : يا هذا !.. اني ذكرتك لابي عبدالله عليه السلام ، فقال : أقرئه السلام وقل له: يترك ما هو عليه واضمن له الجنة، فبكى ثم قال : بالله قال جعفر عليه السلام هذا !.. فحلفت انه قال لي ما قلت لك ، فقال لي : حسبك ومضى !..
فلما كان بعد ايام بعث اليًّ ودعاني ، فاذا هو خلف داره عريان فقال : يا ابا بصير !.. ما بقي في منزلي شيء إلاّ وخرجت منه وأنا كما ترى .. فمشيت الى اخواني ، فجمعت له ما كسوته به .. ثم لم يأت عليه إلاّ ايام يسيرة حتى بعث الي اني عليل فأتني .. فجعلت اختلف اليه واعالجه حتى نزل به الموت ، فكنت عنده جالساً وهو يجود بنفسه ثم اغشي ثم افاق ، فقال : يا ابو بصير !.. قد وفي صاحبك لنا ، ثم مات .
فحججت فأتيت ابا عبدالله عليه السلام فاستأذنت عليه ، فلما دخلت قال لي مبتدئاً - من داخل البيت واحدى رجلي في الصحن والاخرى في دهليز داره-: يا ابا بصير !.. قد وفينا لصاحبك .
قال الشاعر :
حتى متى يا نفس تغتر ين بالأمل الكذوب
يا نفس توبي قبل ان لا تستطيعي أن تتوبي
واستغفري لذنبك الر حمان غفّار الذنوب
________________________________________
16- التوبة أفضل من الحد
(5/9)
جاء في المجلد السابع من كتاب الكافي ، رفعه إلى أمير المؤمنين (ع) قال: أتاه رجل بالكوفة فقال: يا أمير المؤمنين !.. إني زنيت فطهّرني قال: ممن أنت ؟.. قال : من مزينة ، قال: أتقرأ من القرآن شيئاً ؟.. قال : بلى ، قال : فاقرأ !.. فقرأ فأجاد ، فقال : أبك جنّة ؟.. قال: لا ، قال: فاذهب حتى نسأل عنك .. فذهب الرجل ، ثم رجع إليه بعد فقال: يا أمير المؤمنين !.. إني زنيت فطهّرني ، فقال: ألك زوجة ؟.. قال : بلى ، قال : فمقيمة معك في البلد؟.. قال : نعم ، قال : فأمره أمير المؤمنين (ع) فذهب ، وقال : حتى نسأل عنك ، فبعث إلى قومه فسأل عن خبره فقالوا : يا أمير المؤمنين (ع) صحيح العقل ، فرجع إليه الثالثة فقال له مثل مقالته ، فقال له : اذهب حتى نسأل عنك ، فرجع إليه الرابعة ، فلما أقرّ قال أمير المؤمنين (ع) لقنبر: احتفظ به ، ثم غضب ثم قال: ما أقبح بالرجل منكم أن يأتي بعض هذه الفواحش ، فيفضح نفسه على رؤوس الملأ !.. أفلا تاب في بيته فو الله لتوبته فيما بينه وبين الله أفضل من إقامتي عليه الحدّ ، ولا يعرفن أحدكم صاحبه .
فأخرجه إلى الجبّان فقال : يا أمير المؤمنين!.. أنظرني أصلي ركعتين ، ثم وضعه في حفرته واستقبل الناس بوجهه ، فقال: يا معاشر المسلمين !.. إن هذا حق من حقوق الله عز وجل ، فمن كان لله في عنقه حق فلينصرف ولا يقيم حدود الله من في عنقه لله حد ، فانصرف الناس وبقي هو والحسن والحسين (ع) ، فأخذ حجراً فكبّر ثلاث تكبيرات ، ثم رماه بثلاثة أحجار في كل حجر ثلاث تكبيرات ، ثم رماه الحسن (ع) مثل ما رماه أمير المؤمين (ع) ثم رماه الحسين (ع) ، فمات الرجل ، فأخرجه أمير المؤمنين (ع) فأمر فحفر له وصلى عليه ودفنه ، فقيل : يا أمير المؤمنين ألا تغسله ؟.. فقال : قد اغتسل بما هو طاهر إلى يوم القيامة ، لقد صبر على أمر عظيم . فروع الكافي: ج7 ص188 ح3
قال الشاعر
فرض على الناس أن يتوبوا لكن ترك الذنوب أوجب
(5/10)
والدهر في صرفه عجيب وغفلة الناس فيه أعجب
والصبر في النائبات صعب لكن فوت الثواب أصعب
وكل ما يرتجى قريب والموت من كل ذاك أقرب
ديوان أبي العتاهية: ص15
________________________________________
17- سارق الاكفان
جاء في كتاب الخوف والرجاء من كتاب الأنوار للمرحوم العلامة المجلسي رضوان الله عليه، انه كان في بني اسرائيل رجل ينبش القبور، فاعتل جار له فخاف الموت .. فبعث إلى النبّاش فقال : كيف كان جواري لك ؟.. قال : احسن جوار .. قال : فانًّ لي اليك حاجة .. قال : قضيت حاجتك .. قال: فاخرج له كفنين ، فقال : احب أن تأخذ احبّهما اليك ، واذا دفنت فلا تنبشني .. فامتنع النباش من ذلك وابى ان يأخذه ، فقال له الرجل: احب ان تأخذه ، فلم يزل به حتى اخذ احبهما ، ومات الرجل .
فلما دفن قال النبّاش : هذا قد دفن، فما علمه بأني تركت كفنه أو اخذته.. لآخذنّه، فأتى قبره فنبشه ، فسمع صائحاً يقول ويصيح به : لا تفعل .. ففزع النباش من ذلك ، فتركه وترك ما كان عليه.. وقال لولده : اي اب كنت لكم ؟.. قالوا : نعم الأب كنت لنا .. قال : فانًّ لي اليكم حاجة .. قالوا : قل ما شئت ، فانّا سنصير اليه ان شاء الله .. قال : فأحب ان انا متُّ ان تأخذوني فتحرقوني بالنار ، فاذا صرت رماداً فدقّوني ، ثم تعمّدوا بي ريحاً عاصفاً فذروا نصفي في البر ونصفي في البحر . قالوا : نفعل .
فلما مات فعل بعض ولده ما اوصاهم به .. فلما ذروه قال الله عز وجل للبر : اجمع ما فيك ، وقال للبحر : اجمع ما فيك .. فاذا الرجل قائم بين يدي الله جل جلاله ، فقال له : ما حملك على ما أوصيت ولدك ان يفعلوه بك؟.. قال : حملني على ذلك وعزّتك خوفك.
فقال الله جل جلاله : فاني سأرضي خصومك ، وقد آمنت خوفك وغفرت لك .
قال الشاعر :
ايها ذا الناس ما حلًّ بكم .. عجباً من سهوكم كل العجب
وسقام ثم موت نازلُ ثم قبر ونزول وجلب
وحساب وكتاب حافظ وموازين ونار تلتهب
(5/11)
وصراط من يقع عن حده فالى خزي طويل ونصب .
ديوان أبي العتاهية: ص73
________________________________________
18- توبة قاتل
قال اسحاق بن ابراهيم الطاهري : رأيت رسول الله صلّى الله عليه وآله في النوم وهو يقول : اطلق القاتل !.. فارتعت لذلك ، ودعوت بالشموع ونظرت في اوراق السجن، واذا ورقة فيها ان رجلاً ادعي عليه بالقتل واقر به.. فأمرت باحضاره .
فلما رأيته وقد ارتاع قلت له : ان صدقتني اطلقتك . فحدثني انه كان هو وجماعة من اصحابه يرتكبون كل عظيمة ، وان عجوزاً جاءت لهم بامراة ، فلما صارت عندهم صاحت : الله!.. الله !.. وغشي عليها .. فلما افاقت قالت : انشدك الله في امري !.. فانًّ العجوزة غرتني وقالت: ان في هذاه الدار نساء صالحات ، وانا شريفة جدي رسول الله صلّى الله عليه وآله ، وامي فاطمة ، وأبي الحسين بن علي فاحفظوهم فيًّ .
فقمت دونها وناضلت عنها ، فاشتد علي واحد من الجماعة وقال : لا بد منها .. وقاتلني فقتلته ، وخلّصت الجارية من يده . فقالت : سترك الله كما سترتني .. وسمع الجيران الصيحة ، فدخوا علينا فوجدوا الرجل مقتولاً والسكين بيدي ، فامسكوني وأتوا بي اليك وهذا امري .. فقال اسحق : قد وهبتك لله ولرسوله .. فقال : وحق الذين وهبتني لهما لا اعود إلى معصيته ابداً .
نلاحظ في هذه القصة ان الرجل قد نجا من القتل ، وشمله لطف الله ورسوله ، لانه ترك الحرام ، واعان مظلوماً في سبيل الله ، ولأجل حرمة رسوله.
قال الشاعر :
إياك والبغي والبهتان والغيبة والشك والكفر والطغيان والريبة
ما زادك السن من مثقال خردلةٍ الاّ تقرب الموت منك تقريبه
فما بقاؤك والأيام مسرعة تصعيدة منك أحياناً وتصويبه .
ديوان أبي العتاهية: ص64
________________________________________
19- توبة قطّة
ذكر المرحوم الحاج النوري رضوان الله عليه في كتاب دار السلام :
(5/12)
نقل أحد علماء النجف قائلاً : كانت لنا في الدار حمامة نحبّها كثيراً ، وكانت ثمة قطة تأتي دارنا بين الحين والاخر .. وفي أحد الايام هجمت القطة على الحمامة وأكلتها .. واقتفى الاولاد اثرها ، ولكن لم يلحقوا بها .. واحضرت انا عصا إلى جانبي ، لكي اعاقبها على سوء فعلها اذا جاءت .. ولكن مرّت عدّة ايام ولم تأتي ، لأنها تفهم وتعي ان الموضع الذي يسرق منه ليس من السهل العودة اليه .
ولاحظت ذات يوم انها قادمة بهدوء ، وتتصرف بمزيد من الحذر والسكينة .. فمكنت لها موضع لكي لا تراني وتهرب ، فدخلت احدى الغرف ، فاضطررت إلى الإختفاء وراء الستائر، إلى ان دخلت إلى المكتبة فدخلت وراءها واغلقت الباب ، فانتبهت إلى ان الباب اُغلق ، وهجمت عليها بعصاي. فرأت ان لا مجال للهرب ولا محيص لها من الخروج ، فقفزت فجأة فوق الكتب ووضعت رأسها ويديها على مصحف شريف كان بين الكتب ، وكأنها استجارت به .
ولما رأيتها استجارت بالقرآن ، رميت العصا من يدي وفتحت لها الباب لكي تخرج ، فوثبت بهدوء وخرجت ، ويبدو انها تابت توبة صادقة ، فلم تتطاول من بعد ذلك على شيء في دارنا ، لا على الحمام ، ولا على السمك ، ولا على اللحم ، ولا أي شيء آخر .
هذا حال الحيوانات !.. فانتبه يا بن ادم ، اذا تبت فحذار ان تعاود المعصية مرّة اخرى.
قال الشاعر :
ما لنا لانتفكر اين كسرى اين قيصر
اين من جمع الما ل مع المال فأكثر
اين من كان يسامي بغنى الدنيا ويفخر .
ديوان أبي العتاهية: ص188
________________________________________
20- توبة شاب فاسق
(5/13)
جاء في كتاب شرح الصحيفة السجادية: انه كان في زمن رسول الله صلّى الله عليه وآله شاباً فاسقاً ، لا يصغي لكثرة النصائح من ابيه .. وكان غرور الشباب يمنعه من الانصياع لنصائح ابيه .. ولما تعب الأب من كثرة مشاكسته طرده .. بعد مدة مرض الإبن ، وتناهى الخبر إلى اسماع الأب ، الا انه لم يعره اي اهتمام ، وقال انني اعتبره ابناً عاقاً .
توفي الإبن ولم يشارك الأب حتى في تشييع جنازته .. وتولى آخرون امر تكفينه وتجهيزه وتشييعه .. وفي الليل رأى الأب في عالم المنام ان ابنه يمرح سعيداً في مكان رفيع ، فسأله : هل انت ابني؟.. قال له الإبن :نعم يا أبة .. قال له: كيف بلغت هذه المنزلة مع ما كنت عليه في الدنيا ؟.. قال : كلامك صحيح يا أبتي ، كنت هكذا حتّى آخر ساعة من حياتي ، ولكني لما رأيت نفسي قد شارفت على الموت ، وان اقرب الناس اليًّ وهو أبي ، قد تخلى عني ولم يرحمني ، ندمت على سوء افعالي وتبت إلى الله ، وعند ذاك قلت بقلب كسير : يا ارحم الراحمين !.. لقد عصيتك فاصفح عني وارحمني ، وتوجهت اليه لحظة واحدة من اعماق قلبي وبتوبة خالصة لوجهه الكريم .
لاحظوا كيف ان المرء حتّى وان كان على شفير جهنم ، وتاب ، وادركته رحمة الله ، تكفيه لحظة واحدة يتكل فيها على ربّه ويقول : اياك نستعين ، ليستقيم امره وتغفر له خطاياه .
قال الشاعر :
كيف اغتررت بصرف دهرك ياأخي كيف اغتررت به وأنت لبيب
ولقد حلبت الدهر أشطر ذره حقباً وأنت مجرب وأريب
والموت يترصد النفوس وكلنا للموت فيه وللتراب نصيب
ان كنت لست تنيب ان وثب البلى بل يا أخي متى أراك تنيب.
ديوان أبي العتاهية: ص40
(5/14)
21- مساعدة كلب
جاء في كتاب لئالي الاخبار: ان امراة كانت تمارس البغاء ، وتحضر مجالس اللهو واللعب ، مرت ذات يوم اثناء سفرها بالصحراء على بئر ، ولكنها لم تعثر على دلو تغترف به الماء ، فنزلت الى قعره وشربت الماء وخرجت منه.
لا حظت عند خروجها ان ثمة كلب عطشان يبحث عن الماء ، فرق له قلبها ، فجعلت حذائها دلواً وظفيرتها حبلا واغترفت له الماء وسقته .. ثم قالت: اللهم اغفر لكلبة بكلب!..
وبما انها رجمت كلبا وسقته ، فقد التفت اليها ربها بالرحمة ، وجعل ذلك الكلب سببا لغفران خطاياها.. ثم ان المراة اكثرت من البكاء ، وتابت من اعمالها .
لقد كان هذا العمل الطيب سببا لتوبتها واوبتها الى الله ، ورحيلها عن هذه الدنيا ، وهي في غاية السعاده .
قال الشاعر :
اذكر معادك افضل الذكر لا تنس يوم صبيحة الحشر
يوم الكرامه للاولى صبروا فالخير عند عواقب الصبر
في كل ما تلتذ انفسهم انهارهم من تحتهم تجري
ديوان أبي العتاهية: ص197
_________________________________________
22- العابد العاصي
جاء في كتاب " الاثني عشرية " ، وكذلك في " الكلمة الطيّبة " للمرحوم الحاج النوري رضوان الله عليه ، ان الشيخ الشوشتري نقل في " مواعظه ":
ان عابداً عبد الله سبعين سنة ، وذات يوم طرقت بابه جميلة ، وطلبت منه ان يأذن لها بالمبيت في داره تلك الليلة .. في بداية الأمر رفض العابد ان يأذن لها ، ولكنها تشبثت به ، ولما تأمّل محاسنها اغراه جمالها ، استحوذ حسن صورتها على تلابيب قلبه ، واضطر في نهاية الأمر لتلبية طلب تلك الزانية ، وانتقل هو إلى دارها ، وقدّم له كل ممتلكاته .
(6/1)
ما كاد يمضي اسبوع حتّى ترك العابد خلال هذه المدّة كل عبادته التي اتضح انها كانت طوال هذه السبعين عاماً خالية من الجوهر .. وبعد ما مرّ عليه اسبوع افاق من غفلته وعاد إلى رشده ، اين كان وإلامَ انتهى؟.. كيف كان يحلق ، وكيف سقط هذا السقوط الفظيع؟.. وما هو مصيره لو انه مات على هذا الحال ؟.. ومع من يُحشر ؟..
وأسعفته الرحمة الالهية ، ومع ان تلك العبادة لمدة سبعين سنة كانت بعيدة عن الروح ، إلاّ أنّ الله لم يكله إلى نفسه .. فأخذته الرجفة بغتة وبكى وندم وخرج تائباً يلطم على راسه .. فسالته المرأة : ما لَكَ ، والى اين انت ذاهب ؟.. قال : تذكرت عبادتي سبعين سنة ، كنت خلالها بين يدي ربّي ووجدت اني قد ابتعدت عنه الآن ، ولما همّ يالمسير ، قالت له : اسالك بحق الرب الذي تعبده ، اذا انت تبت ان تدعو لي بتوفيق التوبة .. خرج من عندها ولا ملجا أمامه الاّ المسجد ليمضي فيه تلك الليلة .
كان يقيم في ذلك المسجد عشرة عميان ، يأتيهم أحد جيران المسجد بعشرة ارغفة كل ليلة .. ولما جاءهم بالارغفة العشرة تلك الليلة ووضعوها أمام العميان ، مدًّ العابد يده وأخذ رغيف أحدهم ، لانه كان جائعاً أيضاً .. ولما مدًّ الاعمى يده ولم يجد رغيفه نادى باكياً : من أخذ رغيفي ؟.. وكيف لي ان اتحمل الجوع هذه الليلة ؟..
وهنا قال العابد لنفسه : انت ايها الآبق !.. اولى بأن تموت ولا يبقى هذا الأعمى جائعاً هذه الليلة.. واعاد الرغيف أمام الأعمى .. كانت تلك آخر ليلة من حياة ذلك العابد .. وبقي الملائكة حيارى عند قبض روحه، ومن منهم يقبض روحه ؟.. ملائكة العذاب أم ملائكة الرحمة ؟ ..
جاءهم النداء : زنوا اعماله !.. فوزنوا سبعين سنة عبادة في مقابل اسبوع من المعصية ، فرجحت كفّة المعصية .. وهنا اسعفته رحمة ربّه ، يا من سبقت رحمته غضبه !.. وجاء النداء ثانية : زنوا سرقة رغيف الخبز مع الخجل الذي اعقبها . وهنا رجحت كفّة الفضيلة .
(6/2)
اجل ، لقد كانت تلك اللحظة من الخجل والندم ، واعادة رغيف الخبز ، سبباً في ان ياخذ ربّه بيده ، وقبضت روحه على حسن عاقبة .
قال الشاعر :
لهونا لعمر الله حتى تتابعت ذنوب على آثارهن ذنوب
فيا ليت أن الله يغفر ما مضى وياذن في توبتنا فنتوب
اذا ما مضى القرن الذي كنت فيهم وخلفت في قرنٍ فأنت غريب
ديوان أبي العتاهية: ص34
_________________________________________
23- اللصّ الشاب
روي ان رجلاً ركب البحر بأهله فكسر بهم ، فلم ينج ممن كان في السفينة إلاّ امرأة الرجل ، فانها نجت على لوحٍ من الواح السفينة ، حتى الجأت إلى الجزيرة من جزائر البحر ، وكان في تلك الجزيرة رجل يقطع الطريق ، ولم يدع لله حرمة إلا انتهكها ، فلم يعلم إلا والمرأة قائمة على راسه ، فرفع رأسه اليها فقال : انسية ام جنية ؟.. فقالت : انسية . فلم يكلمها حتّى جلس منها مجلس الرجل من اهله . فلما اهم بها اضطربت .
فقال لها : مالكِ تضطربين ؟.. فقالت : أفرق من هذا ، وأومات بيدها إلى السماء . قال : فصنعت من هذا شيئاً ؟.. قالت : لا، وعزته .. قال : فانت تفرقين منه هذا الفرق ولم تصنعي من هذا شيئاً ، وانما استكرهتك استكراهاً ؟.. فانا والله اولى بهذا الفرق والخوف واحق منك .
فقام ولم يحدث شيئاً ورجع إلى اهله ، وليست له همة الا التوبة والمراجعة .. فبينما هو يمشي اذ صادفه راهب يمشي في الطريق ، فحميت عليهما الشمس فقال الراهب للشاب : ادع الله يظلنا بغمامة ، فقد حميت علينا الشمس .
فقال الشاب : ما اعلم ان لي عند ربي حسنة ، فأتجاسر على ان أسأله شيئاً .
قال : فادعو انا وتؤمّن انت .. قال : نعم.
(6/3)
فاقبل الراهب يدعو والشاب يؤمن فما كان باسرع من ان اظلتهما غمامة ، فمشيا تحتها ملياً من النهار .. ثم تفرقت الجادة جادتين ؛ فأخذ الشاب في واحدة وأخذ الراهب في واحدة .. فاذا السحابة مع الشاب ، فقال الراهب: انت خير مني ، لك استجيب ولم يستجيب لي ، فاخبرني ما قصتك؟.. فاخبره بخبر المرأة . فقال : غفر الله لك ما مضى حيث دخلك الخوف ، فانظر كيف تكون في ما تستقبل .
قال الشاعر :
يا من يسر بنفسه وشبابه إني سررت وأنت في خلس الردى
يا من اقام وقد مضى اخوانه ما انت الاّ واحد ممن مضى
انسيت أن تدعى وأنت محشرج ما ان تفيق ولا تجاب من دعا
أما خطاك إلى العمى فسريعة وإلى الهدى فأراك منقبض الخطى
ديوان أبي العتاهية: ص29
_________________________________________
24- الشاب السكير
ورد في كتاب " منهج الصادقين " ان ذا النون المصري ، ذلك الرجل الشريف الذي يعد من جملة عرفاء عصره ، كان ماراً ذات يوم إلى جانب نهر النيل في مصر ، اذ وقع بصره بغتة على عقرب رآها تحث السير نحو نهر النيل .. فقال في نفسه : لا شك ان لدى هذه العقرب مهمّة عاجلة ، فاقتفى اثرها إلى ان وصلت إلى حافة الماء ، فجاءت سلحفاة والتصقت إلى جانب العقرب ، فركبت هذه فوق ظهرها وسارت بها السلحفاة صوب الجانب الآخر من النهر .
اخذ ذا النون زورقاً على وجه السرعة وسار نحو الجانب الاخر ايضاً .. ولما وصلت السلحفاة إلى الجانب الآخر التصقت بساحل النهر ونزلت العقرب ، وسارت في طريقها .. وبقي ذا النون يسير وراها إلى ان وصلت إلى شجرة كان إلى جانبها شاب قد وقع من شّدة السكر ، وبقربه افعى رافعاً راسه عند صدر ذلك الشاب الذي كان فاتحاً فاه، والأفعى على وشك ادخال رأسها في فمه .. فجاءت العقرب وصعدت فوق الأفعى ولدغتها في رأسها ، فسقطت وعادت العقرب ادراجها .
(6/4)
ظل ذا النون حائراً في معرفة السبب الذي من اجله حفظ الله هذا الفتى .. فايقظه حتى استعاد وعيه ، وقال له : انهض اريد ان اعرف حقيقة امرك ، وأنى لك ان تكون خصماً لله ؟.. نظر الشاب فرأى إلى جانبه افعى ، وقص عليه ذا النون الحكاية فاخذ بالبكاء .. وقيل أنه تاب وندم على ما سلف منه ، وبقي ملازماً لذي النون لا يفارقه ، وطلب منه أن يرشده إلى طريق الهداية ، وإلى ما فيه العفو والمغفرة .. فاستجاب له واصطحبه إلى مدينة مصر، ودأب هناك على العبادة والتبتل إلى الله ، حتى صار من جملة الأخيار والصالحين .
قال الشاعر :
وأي المحارم لم تنتهك واي الفضائح لم تأتها
كأني بنفسك قد عوجلت على ذاك في بعض غراتها
وقامت نوادبها حسراً تداعي برنة اصواتها
الم تر أن دبيب الليالي يسارق نفسك ساعتها
ديوان أبي العتاهية: ص99
_________________________________________
25- عابد عَبَد ربّه سبعين سنة
جاء في كتاب بحار الأنوار عن أصول الكافي ، نقلاً عن الامام الصادق عليه السلام انه قال : كان عابد في بني اسرائيل لم يقارف من امر الدنيا شيئاً . فنخر ابليس نخرة فاجتمع اليه جنوده ، فقال : من لي بفلان ؟.. فقال بعضهم : أنا .. فقال : من اين تأتيه ؟.. فقال : من ناحية النساء . فقال : لست له ، لم يجرّب النساء .. فقال له آخر : فأنا له .. قال : من اين تأتيه ؟.. قال : من ناحية الشراب واللذات .. قال : لست له ، ليس هذا بهذا .. قال آخر : فأنا له.. قال من اين تأتيه ؟.. قال : من ناحية البِر .. قال : انطلق فانت صاحبه .
(6/5)
فانطلق إلى موضع الرجل فأقام حذاءه يصلّي .. قال : وكان الرجل ينام والشيطان لاينام ، ويستريح والشيطان لايستريح .. فتحول اليه الرجل وقد تقاصرت اليه نفسه واستصغر عمله وقال : يا عبد الله !.. بأي شيء قويت على هذه الصلاة ؟.. فلم يجبه ، ثم اعاد عليه فلم يجبه، ثم اعاد عليه ، فقال : يا عبد الله !.. اني اذنبت ذنباً وانا تائب منه ، فاذا ذكرت الذنوب قويت على الصلاة .. قال : فاخبرني بذنبك حتى اعمله واتوب ؛ فاذا فعلته قويت على الصلاة .. قال : ادخل المدينة فسل عن فلانة البغية ، فاعطها درهمين ونل منها .. قال : ومن اين لي درهمين ؟.. ما ادري ما الدرهمان.
فتناول الشيطان من تحت قدمه درهمين ، فناوله اياهما ، فقام فدخل المدينة بجلابيبه يسأل عن منزل فلانة البغيّة ، فارشده الناس وظنوا انه جاء يعظها فارشدوه .. فجاء اليها فرمى اليها بالدرهمين وقال : قومي !.. فقامت فدخلت منزلها وقالت : ادخل !.. لقد جئتني في هيئة ليس يؤتى مثلي في مثلها ، فأخبرني بخبرك .. فأخبرها فقالت له : يا عبد الله!.. ان ترك الذنوب اهون من طلب التوبة ، وليس كل من طلب التوبة وجدها ، وانّما ينبغي ان يكون هذا شيطاناً مثّل لك ، فانصرف فانّك لا ترى شيئاً .
فانصرف ، وماتت من ليلتها ( اي بعد التوبة ) .. فأصبحت فاذا على بابها مكتوب : احضروا فلانة فانها من اهل الجنة .. فارتاب الناس فمكثوا ثلاثا ً لا يدفنونها ارتياباً في امرها .. فأوحى الله عز وجل الى نبي من الانبياء لا أعلمه الاّ موسى بن عمران عليه السلام ( الشك من الراوي ) أن ائت فصلًّ عليها ومُر الناس ان يصلّوا عليها ؛ فإني قد غفرت لها ، وأوجبت لها الجنة بتثبيطها عبدي فلان عن المعصية .
قال الشاعر :
يا نفس أين أبي وأين ابو ابي وأبوه؟.. عدي لا أبالك واحسبي
عدي فأينما قد نظرت فلم أجد بيني وبين ابيك آدم من أبِ
افانت ترجين السلامة بعدهم هلاّ هديت لمست وجه المطلب
ديوان أبي العتاهية: ص45
(6/6)
_________________________________________
26- توبة جماعة من الأوباش
أقبل جماعة من الاوباش ذات يوم على الحاج مؤمني ، وكان من أصحاب المرحوم الشيخ محمد تقي المجلسي رضوان الله عليه ، وقالوا له: سنأتي هذه الليلة إلى دارك .. تحيّر الرجل في امره ؛ لأنهم ان جاءوا إلى داره يأتون معهم بالات الطرب واللهو ، ويمارسون الفسق والفجور ، واذا هو منعهم فسوف ينصبون له العداء ، ويجلبون له المتاعب على الدوام .. فاضطر للاستجابة لطلبهم ، وتوجه إلى المرحوم الشيخ المجلسي محتاراً ، وذكر له المأزق الذي هو فيه .
فكر المرحوم المجلسي وقال : لاضرر في مجيئهم فلياتوا ، وسوف أأتي انا أيضاً .. أعدَّ الرجل المجلس وجاء الشيخ المجلسي قبل الاوباش .. ولما دخلوا وجدوا الشيخ المجلسي قد حضر ، ولن يتسنى لهم بوجوده ان يمارسوا الطرب واللهو كما يحلوا لهم .
توهّم أحدهم انه يجب ان يقول شيئاً يغيظ به المجلسي حتى يغضب ويغادر المجلس ، وتكون لهم الحرية في اللعب واللهو ؛ فبادر بالقول : ايها السيد!.. ماالعيب الذي يراه الناس في سلوكنا ويؤاخذونا عليه ؟.. قال الشيخ المجلسي : وما السلوك الحسن الذي يستحق المدح فيكم ؟.. قال : حتى وان كان فينا الف عيب ، فنحن معروفون بالوفاء ؛ اذا اكلنا الملح والخبز والطعام عند أحد لا ننسى ذلك طوال حياتنا .
قال الشيخ المجلسي : هذه خصلة حميدة ، ولكنّي لااراها فيكم .. قال الشخص : اسال عنا من شئت ، وانظر هل اكلنا الملح والطعام عند أحد ، ثم أسأنا اليه ؟..
قال المرحوم المجلسي : اشهد انكم وان كنتم تراعون لأحد حرمة ، فانكم لاتراعون لله أية حرمة، تأكلون من نعمته وتعصونه .
(6/7)
أثّرت كلمات الشيخ هذه في نفوسهم جميعاً ، فأخذهم الخجل ، ولم يتحدثوا بكلمة واحدة ، ثم انهم غادروا بعد برهة .. وفي الصباح الباكر طرق الأوباش باب الشيخ المجلسي وقالوا : لقد نبّهتنا البارحة من غفلتنا ، وجعلتنا نندم على اعمالنا ، فاتتم فضلك علينا ، وارشدنا الى ما فيه صلاحنا .
ودأب الشيخ على ارشادهم الى طريق التوبة وعمل الخير .
قال الشاعر :
يا أخوتي آجالنا تقرب ونحن مع الاهلين نلهو ونلعب
اعدد ايامي واحصي حسابها وما غفلتي عما اعد وأحسب
غداً أنا من ذا اليوم ادنى الى الفنا وبعد غدٍ أدنى اليه وأقرب .
ديوان أبي العتاهية: ص38
_________________________________________
27- توبة لصّ
ذكر الاصمعي وكان من علماء وعرفاء عصره ، وقال : كنت ذات يوم ماراً قرب قرية ، فما شعرت الاّ ورجل اسود وثب من وراء الشجر مجرداً سيفه وشهره بوجهي وقال : اخلع ثيابك وناولني كل ما لديك ، والاّ قتلتك وثكلت بك اهلك وعيالك .. قلت : يا رجل ، وهل تعرف من أنا حتى تكلمني بهذه اللهجة ؟!..
قال : نحن معشر اللصوص ، لا معنى عندنا للمعرفة ، لانًّ قلوبنا خالية من الرأفة والشفقة .
قلت : انا ابن سبيل ، ولا شيء عندي ، الاّ هذه الثياب التي تستر بدني .
قال : لا افهم معنىً لكلامك هذا .. انا بحاجة إلى نفقة ومال ورزق .
قلت : يا أخ العرب ، ان النفقة والمال والرزق الذي تطلبه ليس عندي ، ولكني ادلك على كنز فيه أثمن وافضل من ثيابي هذه .
وقال : وما هذا الكنز ، واين هو؟..
قلت : ألم تقرأ في القرآن قوله تعالى : { وفي السماء رزقكم وما توعدون }. سورة الذاريات: 22
لاحظت فجاة ان الاعرابي الامي الاسود الكالح الصعلوك ، قد ارتعدت فرائصه عند سماعه لهذه الاية ، فسقط سيفه ورمحه من يده ونظر إلى السماء وقال : الهي !.. انت جعلت رزقي في السماء ، وتركتني حائراً على الارض ، اجوب الصحاري ، واقطع الطرق ، واسرق مال الناس.. اللهم !.. اعطني رزقي .
(6/8)
وما ان نطق بهذا الكلام عن اخلاص وصفاء نية ، حتى رأيت طبقاً فيه طعام ورغيفين من الخبز ظهرا أمامه في الهواء .. فاخذهما الأعرابي وجلس على الأرض يأكل ، ولما شبع قال : الحمد لك يا ربي .
ثم تحدثنا بعض الوقت ، وارشدته ونصحته، فبكى وابدى ندومه وتوبته .. افترقنا فذهبت انا في طريقي وهو الى شأنه .. وبعد سنتين رأيته اثناء الطواف حول الكعبة فسالته : أنت فلان ؟.. قال نعم ، ولكني والحمد لله تبت منذ تلك الساعة وندمت على ما سلف مني .. جزاك الله خيراً لقاء ارشادي الى الطريق القويم .
سألته : كيف اصبحت الآن ؟ ..
قال : الحمد لله ، مذ تبت وذلك الرزق يأتي من السماء بعد صلاة العشاء ، فآكل الطعام واخفي الأواني في شق جبل .
قلت : لماذا لا تتصرف بها ؟ ..
قال : ليس من المروءة ان تاكل من مائدة الكرام وتأخذ أوانيهم .
قلت : لماذا لا تعطيها للفقراء ؟..
قال : لا أتصرف فيها بلا أذنه .
قال الاصمعي : استحسنت حاله وعلو مقامه ، فاردت تقبيل يديه ورجليه .
لكنه قال : لاتفعل هذا يا شيخ ، ولكن اذا اردت التقرب الى ربّك ، فاقرأ لي شيئاً من ما قرأته علىَّ يومذاك .
قلت : { فورب السماء والأرض انه لحق مثل ما انكم تنطقون } . سورة الذاريات: 23
قال : واي جاهل هذا الذي ينكر كلام الله حتى يحتاج الى القسم . إقرأ!.. اقرا نفسي لهذه الاية الفدى ما اجملها من آية !..
قرأت له تلك الآية فرأيته تأوه وأسلم نفسه الى بارئها .. فحملوه وغسلوه وكفنوه ، ثم صلوا على جنازته ودفنوه .
وبعد اسبوع من وفاته مرَّ علي َّ طيفه في عالم الرؤيا ، وهو مبتهج وعليه ثياب جميلة ، فقلت له : كيف بلغت هذا المقام يا صديقي ؟..
قال : لأني صدقت كلام الله ، وسمعته بصفاء ، وتلقيته باخلاص ويقين .
قال الشاعر :
اتق الله بحمدك قاصداً او بعض جهدك
ايها العبد إلى كم تشتري الغي برشدك
كم وكم عاهدت مولاك فلم توفي بعهدك
اعِط مولاك لما تطا لب من طاعة ربك .
ديوان أبي العتاهية: 148
(6/9)
وقال الشاعر :
شاد الملوك قصورها وتحصنوا من كل طالب حاجة او راغب
غالوا بابواب الحديد تمنعاً قد بالغوا في قبح وجه الحاجب
فاطلب إلى ملك الملوك ولا تكن بادي الضراعة طالباً من طالب .
سنابل الحكمة: ص241
_________________________________________
28- توبة مالك
كان عالماً زاهداً من اكابر عصره ، وكان في مبدأ أمره يشرب الخمور ، ويرتكب في سكره انواع الفجور ، ثم نقل من كلام نفسه انه قال: كنت منهمكاً في شرب الخمر ، ثم ولدت لي بنتٌ فشغفتت بها ؛ ولمكا دبت على الارض ازداد في قلبي حبّها وألفتني والفتها ، وكنت اذا وضعت مسكراً بين يدي جاءت اليَّ وجاذبتني فاهرقته على ثوبي .. فلما تمت لها سنتان ماتت فحزنت عليها .
فلما كان ليلة النصف من شعبان وكانت ليلة الجمعة بت ثملاً من الخمر ، ولم اُصلِّ فيها العشاء الآخرة ، فرأيت في ما يراى النائم كأن القيامة قامت ، ونفخ في الصور ، وبعثرت القبور ، وحشرت الخلائق وانا معهم، فسمعت حنيناً من ورائي فالتفت فاذا انا بتنين كبير اعظم ما يكون، أسود ارزق قد فتح فاه مسرعاً نحوي ؛ فمررت في طريقي بشيخ نقي الثوب طيب الرائحة فسلمت عليه ، فردَّ السلام فقلت : ايها الشيخ !.. اجرني من هذا التنين اجارك الله .. فبكى الشيخ وقال لي : انا ضعيف وهذا اقوى منّي ، وما اقدر عليه ، ولكن مُر واسرع لعلَّ الله يفتح لك ما يُنجيك منه .
(6/10)
فوليت هارباً على وجهي ؛ فصعدت على شرف من شرف القيامة ، فأشرفت على اطباق النيران ؛ فنظرت إلى هولها ، وكدت اهوى فيها من فزع التنين .. فصاح بي صائح : ارجع فلست من اهلها .. فاطمأننت إلى قوله ورجعت ، فرجع التنين في طلبي .. فأتيت الشيخ ، فقلت : يا شيخ !.. سألتك أن تجيرني من هذا التنين فما فعلت .. فبكى الشيخ وقال: انا ضعيف ، ولكن سِر إلى هذا الجبل فان فيه ودائع المسلمين ؛ فان كان لك وديعة فستنصرك. قال : فنظرت إلى جبل مستدير من فضة وفيها كوى وستور معلقة عليها من ذهب شهلاء بالياقوت مكوكبة بالدر ، على كل مصراع ستر من الحرير .
فلما نظرت إلى الجبل وليت هارباً والتنين من ورائي ، حتى اذا قربت منه صاح بعض الملائكة : فارفعوا الستور ، وافتحوا المصاريع ، ففتحت فاشرف عليَّ اطفال بوجوه كالاقمار ، وقرب التنين مني فتحيرت في امري ، فصاح بعض الأطفال : ويحكم اسرعوا كلكم فقد قرب منه عدوه ؛ فاسرعوا فوجاً بعد فوج .. واذا بابنتي التي ماتت قد اشرفت عليَّ معهم ، فلما رأتني بكت وقالت : ابي والله !.. ثم وثبت في كفّة من نور حتى مثلت بين يدي ، ومدت يدها اليسرى إلى يدي اليمنى فتعلقت بها ، ومدت يدها اليمنى الى التنين ؛ فولى هارباً ، ثم اجلستني وقعدت في حجري وقالت يا ابة :
{ ألم يأن للذين آمنوا ان تخشع قلوبهم لذكر الله } .
فبكيت وقلت : يا ابنتي !.. وانتم تعرفون القرآن ؟.. فقالت : نعم ، نحن اعرف به منكم .. قلت : فاخبريني عن التنين الذي اراد ان يهلكني . قالت : ذلك عملك السوء .. قلت : وما تصنعون في هذا الجبل ؟.. قالت : نحن اطفال المسلمين قد اسكّنا فيه إلى ان تقوم الساعة ، ننتظركم تقدمون علينا نتشفع لكم .
قال مالك : فانتبهت من النوم فزعاً واصبحت ففارقت المسكر وتبت إلى الله تعالى .
يُنسب الى الامام علي عليه السلام انه قال :
ذنوبي ثقالٌ فما حيلتي اذا كنت في البعث حمّالها
(6/11)
ترى الناس سكارى بلا خمرة ولكن ترى العين ما هالها
نسيت المعاد فيا ويلها وأعطيت للنفس آمالها
ديوان الإمام علي (ع): ص108
_________________________________________
29- الفتاة المخدوعة
كانت تعيش في احدى مدن غرب ايران اختان ؛ احداهما اغواها الشيطان فانتهجت سبيل البغاء ، وقضت معظم شبابها في هذا الطريق ، أما اختها فقد تزوجت وصار لها اطفال وحياة زوجية هانئة ؛ فكانت تنظر الى اختها المخدوعة بغرور وتكبر وازدراء .
وبعدما انقضت أيام الشباب وعجزت الاُخت المخدوعة ، واغلقت بوجهها اسباب المعيشة ، اضطرت في احدى ليالي الشتاء الباردة ، وبعد ما ارهقها الجوع والاملاق إلى ان تطرق باب اختها وتطلب منها العون .. ولما فتحت الاُخت الباب ورأتها اغلقت الباب بوجهها بانزجار وقالت لها :
اذهبي يا عاهرة .
عادت الاُخت المخدوعة ادراجها بقلب كئيب ، وتوجهت إلى دارها وهي مريضة ولا تملك من النقود ما تشتري به الطعام ، او مستلزمات التدفئة ، وتكرر مع نفسها عبارة : اذهبي يا عاهرة ، واستشعرت الندم ، واخذت تبكي وتلوم ذاتها ..وفي نهاية المطاف قضى عليها البرد والجوع والمرض.
وبعد موتها شوهدت في المنام ، فسُئلت عن حالها ، فقالت : حسن ، فانا في تلك الليلة حين يئست من كل شيء ، وحتى ان اختي طردتني بكل قسوة ، توجهت إلى ربي نادمة وتائبة عن كل ذنوبي ، واستغفرته حق الاستغفار وبقيت ابتهل اليه ، وبعد لحظات جاءوا بي الى هذه الحديقة .
لاينبغي اليأس من رحمة الله .
ينسب إلى الامام علي عليه السلام انه قال:
أيا من ليس لي منه مجير بعفوك من عقابك استجير
أنا العبد المقر بكل ذنب وأنت السيد الصمد الغفور
فان عذبتني فالذنب مني وان تغفر فانت به جدير
ديوان الإمام علي (ع): ص69
_________________________________________
30- فضل الله
(6/12)
جاء في المجلد الأول من كتاب " المستطرف " : ان ملاحاً بنهر النيل المبارك في مصر قال : كنت اجتاز من الجانب الغربي إلى الجانب الشرقي ، ومن الجانب الشرقي إلى الجانب الغربي احمل الناس ، فبينما أنا ذات يوم في الزورق اذا بشيخ مشرق الوجه عليه مهابة ، فقال : السلام عليكم . فرددت عليه السلام ، فقال : اتحملني إلى الجانب الغربي لله تعالى .. فقلت : نعم .. فطلع إلى الزورق وعديت به إلى الجانب الغربي .. وكان على ذلك الفقير مرقّعة ، وبيده ركوة وعصا .. فلما اراد الخروج من الزورق قال : اني اريد ان احملك أمانة .. قلت : وماهي ؟.. قال : اذا كان غداً وقت الظهر تجدني عند تلك الشجرة ميتّاً ، وستنسى ؛ فاذا اُلهمت فأتني وغسلني وكّفني في الكفن الذي تجده عند رأسي ، وصل عليَّ وادفني تحت الشجرة ، وهذه المرقعة والعصا والركوة يأتيك من يطلبها منك ، فادفعها اليه ولا تحتقره .
(6/13)
قال الملاح : ثم ذهب وتركني فتعجبت من قوله وبتُّ تلك الليلة ، فلما اصبحت انتظرت الوقت الذي قال لي .. فلما جاء الوقت نسيت ، فما تذكرت الاّ قريب العصر ، فسرت بسرعة فوجدته تحت الشجرة ميتاً ، ووجدت كفناً جديداً عند رأسه تفوح منه رائحة المسك ، فغسلته وكفنته .. فلما فرغت من غسله حضر عندي جماعة عظيمة ، لم اعرف منهم أحداً ، فصلينا عليه ودفنته تحت الشجرة كما عهد اليَّ ، ثم عدت إلى الجانب الشرقي ، وقد دخل الليل ، فنمت فلما طلع الفجر وبانت الوجوه ، اذ انا بشاب قد اقبل عليَّ فححقت النظر في وجهه ، فاذا هو من صبيان الملاهي كان يخدمهم ، فاقبل وعليه ثياب رقاق ، وهو مخضوب الكفين وطارة تحت ابطه .. فسلم عليَّ فرددت عليه السلام فقال : يا ملاّح !.. انت فلان بن فلان ؟.. قلت : نعم .. قال : هات الوديعة التي عندك .. قلت : ومن اين لك هذا ؟.. قال: لا تسأل .. فقلت : لا بد ان تخبرني . فقال : لا ادري ، الاّ اني البارحة كنت في عرس فلان التاجر ، فسهرنا نرقص ونغني إلى ان ذكر الله الذاكرون على المآذن .. فنمت لأستريح ، واذا برجل قد ايقظني وقال : ان الله تعالى قد قبض فلاناً الولي ، واقامك مقامه ، فسر إلى فلان بن فلان ، صاحب الزورق ، فان الشيخ اودع لك عنده كذا وكذا .
قال : فدفعتها له فخلع اثوابه الرقاق ورمى بها في الزورق وقال : تصدّق بها على من شئت ، واخذ الركوة والعصا ، ولبس المرقعة وسار وتركني اتحرق لما حرمت من ذلك .. واقمت يومي ذلك ابكي إلى الليل .
ثم نمت فتناهى إلى سمعي صوت يقول : يا عبدي !.. اثقل عليك ان مننت على عبد عاص بالرجوع اليَّ ، انما ذلك فضلي أوتيه من أشاء من عبادي ، وانا ذو الفضل العظيم .
قال الشاعر :
رأيت الناس صاحبهم قليل وهم والله محمود ضروب
ولست مسمياً بشراً وهوبا ولكن الاله هو الوهوب
تحاشا ربنا عن كل نقص وحاشا سائليه بأن يخيبوا
ديوان أبي العتاهية: ص36
(6/14)
31- طريق الحقّ
ذكر الاُستاذ آية الله سيد حسن الأبطحي في كتاب " سير إلى الله " بأن أحد الأشخاص ذكر له : إني كنت ليلة الحادي عشر من ذي القعدة عام 1404 وهي ليلة ولادة الامام علي بن موسى الرضا عليه السلام في مدينة مشهد المقدسة .. وكنت في تلك الأيام في غفلة عن الله ، وعن الدين، وعن جميع الجوانب الروحية .. وكان بعض الاصدقاء يذكّرني بين الحين والآخر بيوم القيامة ، وبالمثل والكمالات الروحية ، والآفاق الانسانية .. الا انني كنت كسائر الناس همّي الدنيا، والعيش والطعام ، والحياة الحيوانية .
مررت تلك الليلة على ضريح الإمام الرضا عليه السلام، حيث اقيم حفل بهيج بتلك المناسبة .. ومع ان الساعة كانت حوالي العاشرة ليلاً الاّ اني رأيت الناس مزدحمين في الصحن الشريف ، ويتناقلون بينهم اخباراً بلهفة وشغف وهي: ان 21 شخصاً من ذوي الأمراض المستعصية ممن دخلوا الصحن الشريف وما جاوره قد شفوا من امراضهم .. وكل شخص من الحاضرين يدعى انه رأى بعضهم ، وشهد شفاءهم .. وفي تلك اللحظة رأيت شخصاً يمر إلى جانبنا والناس يشيرون اليه ويقولون هذا واحد منهم .
تقدمت اليه لأطلع على حقيقة امره ، وبدا لي اني اعرفه ، ولهذا بادرته اولاً بالقول : أين رأيتك من قبل؟ .. قال: البارحة في المطعم الفلاني ، كنا نتعشى سوية ، وقد اسفت لحالي وكنت تنظرإليَّ بالم ، وبقيت جالساً امامك حوالي نصف ساعة.. ولما سمعت هذا الكلام تذكرت انني ذهبت البارحة لتناول العشاء في المطعم .. كان في مقابلي شخص مشلول الرجلين، يجلس على عربته ويتعشى ، ويبدو انه يواجه صعوبة شديدة ، فتألمت لحاله حتّى انني اردت دفع ثمن طعامه .
كنت البارحة قد رايت رجليه ولم يكونا سوى قطعتين من العظم يكسوهما جلد .. فقلت له : دعني انظر رجليك لأرى كيف استعدت سلامتك .. رفع بنطاله فوراً فرأيت رجلين طبيعيتين يكسوهما اللحم والعضلات ولااثر للشلل فيهما !.. فصحت في الحال :
(7/1)
الهي!.. عميت عين لا تراك .. اللهم !.. اغفر لي غفلتي واسرافي على نفسي طول عمري .
واعترف انني كنت اتجاهل وجودك ، لكي ابرر لنفسي معصيتك، حتّى انني كنت لا اقر بكل ما يذكر من لطفك وفضلك ورحمتك .
الهي !.. ظلمت نفسي ، ومع لطفك بي كنت اعصيك.
اللهم !.. اسألك رأفتك ورحمتك .. فان لم تغفر لي فبمن الوذ ؟!..
وعندها احتشد الناس حولي يسألونني عمّا جرى ، الاّ انني ما كانت لي قدرة على اجابة احد منهم .. وبقيت اسكب الدموع هناك حتىالصباح ، وتاسفت على ما اسلفته من عمري بالبطالة والغفلة .. وعزمت على التوبة لاارتقي مدارج الكمالات الروحية باسرع ما يمكن ، ولا ادع زخارف الدنيا تلفّني ثانية وتطويني في متاهات الغفلة .
ينسب إلى الامام علي عليه السلام انه قال :
يا طالب الصفو في الدنيا بلا كدر طلبت معدومة فاياس من الظفر
واعلم بانك ما عمّرت ممتحن بالخير والشر والميسور والعسر
انى تنال بها نفع بلا ضرر وانها خلقت للنفع والضرر .
ديوان الإمام علي (ع): ص68
_________________________________________
32- توبة سائق
وجاءت في الكتاب نفسه قصّة شخص آخر لم يذكر اسمه قال : حينما كنا نذهب من قم الى طهران بواسطة الحافلة ، ولم يكن الطريق بين هاتين المدينتين قد بلُط حينها ، توقف سائق الحافلة عند سفوح جبال مدينة حسن آباد الواقعة على هذ الطريق ، واستاذن من الركاب بأن يصلي ركعتين في هذا البر على وجه السرعة، ومع أن الركاب لم يأذنوا له في بداية الامر، الاّ ان موقفه الحازم جعلهم يستجيبون ويأذنون له باداء الصلاة والعودة فوراً .
وحينما صلى وعاد وجلس خلف مقود الحافلة ، ابديت انا واكثر الركاب رغبة في معرفة السبب الذي دفعه للصلاة في هذا المكان ، وما هذه الصلاة التي تؤدى قبل الظهر ، وبهذا اللون من الاصرار على أدائها في هذا الموضع من الطريق بالذات ؟ ..
(7/2)
قال : في هذا المكان ايقظني الله تعالى من نومة الغافلين ، وانا كلما امر من هنا اؤدي ركعتي صلاة الشكر لله تعالى .
قلت : وكيف ايقظك الله في هذا المكان من نومة الغافلين ؟..
لم يشأ في بداية الأمر ان يشرح لي القصة ، ولكنه حينما لاحظ اصراري وسائر الركاب على معرفة اساس الموضوع ، وخاصة حينما قلت له : لعل قضيّتك تكون سبباً في ايقاظ الاخرين من نومة الغافلين ، قال :
كنت قبل عدّة سنوات رجلاً متحللاً ، وغافلاً عن ذكر الله ، وكثير الأذى للناس ، ولاشيء يثير في نفسي ذكر الله ، الى ان مررت ذات يوم من هنا بسيارتي الخاصة وكنت وحدي ، ونزلت لاراقة المائية في هذا المكان بعد ان اوقفت سيارتي الى جانب الطريق ، وكانت هناك مزرعة قد جمع محصولها من الحنطة .
لفت نظري هناك زنبور كبير نزل على حبّة قمح وحملها بين اسنانه وتوّجه الى صُخور تقع عند سفح الجبل تقريباً .. فاندفعت لا ارادياً الى التفكير بصلة الزنبور – وهو من آكلات اللحوم – بحبّة القمح ، وحدست انه انما يريدها لأمر آخر .. ولهذا قررت متابعته ، وسرت وراءه بسرعة ، ولاحظت انه ذهب الى مكان فيه عصفور ميت ، وعصفورين آخرين صغيرين ( خرجا منالبيضة تواً ) ، وما ان سمعاً ازيز الزنبور حتّى فتحاً مناقيريهما ووضع الزنبور حبّة القمح في فم احداهما ، وذهب ، ولم يمض طويلاً حتى عاد ثانية، وكرر نفس العمل .. جلستُ هناك بعض الوقت وانا الاحظ الزنبور ذهب وعاد عدّة مرات وهو يحمل القمح، او اشياء اخرى يطعم بها هذين العصفورين الصغيرين .
كانت كل هذه عبارة عن صيحات في مسامعي تؤكد وجود الباري عزّ شأنه ؛ فأيقظتني من سبات الغفلة ، فبكيت وذرفت دموعاً غزيرة ، واخذت ألطم على رأسي وأصيح: لماذا انا غاط في هذا السبات والغفلة عن الله ، الذي أرسل هذا الزنبور لاحياء هذين العصفورين الصغيرين ؟.. عميت عين لا تراك وتباً لقلب يخلو من محبّتك .
(7/3)
جلست يومها إلى جانب العصفورين ، وبقيت اراقب حركة ذلك الزنبور ، حيث شعرت هناك تماماً بوجود الله ، وبقيت ابكي واسجد منيباً الى الله تائباً اليه ، حتى انار قلبي ، وادركت اني افقت من سبات الغفلة ، ويجب عليَّ العمل في سبيل التقرب الى خالقي ، لا بد لي من اجتياز حجب الظلام والتحليق في آفاق الكمال الروحي .
ولهذا صليت في ذلك اليوم ركعتي صلاة الشكر لله تعالى على هذه النعمة ،وألزمت نفسي بصلاة ركعتي الشكر كلما مررت على هذا المكان .
قال الشاعر :
مسامح أمورك رفقاً واجعل معاشك قصداً
من حزم رأيك الاّ تكون للمال عبداً
ما تأتيه من جميل يكسبك أجراً وحمداً
تموت فرداً وتأتي يوم القيامة فرداً
ديوان أبي العتاهية: ص141
_________________________________________
33- الشاب النادم
جاء في الكتاب المذكور ، ان شخصاً اتصل بي هاتفياً في أحد ايام الصيف الحارة ، وطلب مني الذهاب إلى داره، ولو لمدة نصف ساعة لقضية ضرورية .. ولم تكن لدي فرصة لتلبية طلب كهذا فقلت له : انني لا اعرفك ، ناهيك عن عدم استطاعتي تلبية مثل هذه الدعوات ، لأن اشغالي كثيرة ووقتي قليل .. لكنه اصرَّ على طلبه ، ولما عرّف اليَّ نفسه شعرت بانَّ اسمه قد تناهى إلى سمعي سابقاً ؛ فقلت له : اشرح لي قضيتك بشكل اجمالي لعلي استطيع زيارتك يوماً .
قال : اريد ان احدثك بقضيتي في منزلي ، اضافة الى انها لا تتحمل التأجيل ولو دقيقة واحدة ، وحينما تطلع على القضية ستدرك مغزاها .. وعلى كل حال استجبت لطلبه وذهبت الى داره ، ووجدت أمامه كتاب " الروح المجرّدة " على منضدة المطالعة ، والدموع تنهمل من عينيه وهو يقول :
(7/4)
اللهم !.. اغفر لي ، واصفح عني ، كم انا متخّلف عن القافلة .. وما ان وقع بصره عليَّ، حتّى قام وفتح ذارعيه واحتضنني وقال : جزاك الله خيراً ؛ فهذا الكتاب قد ايقظني من سبات الغفلة .. اريد ان اخبرك أولاً بما كنت عليه من سبات عميق ، تعال معي لترى ماذا كنت افعل، وإلى اي حد كنت غارقاً في المساوئ .
سار أمامي وتبعته ، واراد اولاً ان يريني حافظة الصور التي لديه ، وما ان شاهدت الصورتين الأوليتين منها - وكانت صوراً قبيحة لنساء عاريات ، مشاهد تثير الشهوة ، ومجالس رقص وما شاكلها - حتى امتنعت عن مشاهدة الصور الاُخرى مخافة الشبهة .. واشار الى ان البقية اسوأ من هذه .. ثم قاللي : اشهد بانني سامزقها جميعاً واحرقها ؛ وشاهدته مزقها واحرقها فعلاً.
ثم فتح باب ثلاجة كبيرة واذا هي مليئة بانواع الخمور والمشروبات الروحية الأجنبية، على الرغم من مرور عدّة سنوات على انتصار الثورة الاسلامية في ايران ، ومنع الخمور في هذا البلد، وعدم توفر اي نوع منها ، اخرجها من الثلاجة باجمعها وأراقها في بالوعة داره ، وكسر كل الات الموسيقى التي كانت لديه ، وجمع صور الممثلات العالميات ومزقها ورماها في سلة الاوساخ ، ثم جلس كالمرأة ثكلى واجهش بالبكاء وقال : لماذا كنت غافلاً عن كل شيء حتى الآن ؟.. عندما انظر الى حياتي السالفةأرى نفسي كالحيوان الأصم ، الذي همه العلف والنوم والجماع ، مع فارق انه لايؤاخذ على فعله يوم القيامة ، ولكني احاسب بسبب ما منحنيه الله من عقل .. تفضل الان واخبرني ماذا عليَّ ان افعل حتى اعوّض عما لحق بي من ضرر في ما سبق .
(7/5)
قلت : ان المصيبة الاساسية التي يعاني منها الانسان هي نومة الغافلين التي أفقت منها والحمد لله ، وانت ما شاء الله لازلت في مطلع شبابك ، ويمكنك بكل سهولة طلب المغفرة والصفح من الله تعالى .. والعمل الذي قمت به الان أمامي يعني توبتك .. ولما سمع هذه الجملة مني مع ما تحمله من مؤشرات امل ، بكى وقال : انني كثير الخطايا والمعاصي ، وفي غاية التعاسة والشقاء .. فقلت له: مهما كان ذنبك عظيماً فان عفو الله اعظم واكبر ، وليكن عندك أمل بالله ،ولا تدع الشيطان يلقي هواجس الياس في نفسك، ويسلبك حالة اليقظة هذه .. ومهما كانت ذنوبك كثيرة ، عليك ان تناجي ربك بأكثر ما يمكن في الليالي ، ولاتتترك الغفلة والقسوة تستحوذ عليك ثانية .
وعلى كل حال فقد تمسك والحمد لله بكل توجيهاتي ، وانقذ نفسه من حضيض تلك الحياة الحيوانية ، ويتأمل ان يغدو باذن الله من اولياء الله .
قال الشاعر :
بكت عيني على ذنبي وما لاقيت من كربي
فيا ذلي ويا خجلتي اذا ما قال لي ربي
أما استحيت تعصيني ولاتخشى من العتب
وتخفي الذنب من خلقي وتأبي في الهوى قربي
فتب مما جنيت عسى تعود الى رضى الرب
ديوان أبي العتاهية: ص39
_________________________________________
34- اللص ّ النادم
دخل لص ليلاً الى دار جنيد البغدادي الذي كان من جملة الزهاد في عصره .. فلم يجد فيها شيئاً الاّ ثوباً فاخذه وذهب به.. وفي اليوم التالي مر الشيخ في السوق فرأى ثوبه بيد ذلك اللص وهو يعرضه للبيع .
فجاءه رجل وقال له : اريد شراء هذا الثوب ، ولكن هل من أحد يشهد بان هذا الثوب لك ؟.. تقدم اليه جُنيد وقال: انا اشهد انه ثوبه .. فاشتراه الرجل وذهب .. وحينما علم اللص بحقيقة الحال، ندم كثيراً على فعلته وتاب الى ربّه .. وارشده الشيخ إلى طريق الهداية حتى صار في سلك الصالحين .
قال الشاعر :
فما لك ليس يعمل فيك وعظ ولازجر كأنك جماد
ستندم ان رحلت بغير زادٍ وتشقى اذ يناديك المنادى
(7/6)
فلا تأمن لذي الدنيا صلاحاً فان صلاحها عين الفساد
ولافرح بمال تقتنيه فانك في معكوس المراد
وتب مما جنيت وانت حي وكن متنبهاً قبل الرقاد
ديوان أبي العتاهية: ص138
_________________________________________
35- اله العاصين
جاء في كتاب زبدة القصص : ان موسى عليه السلام نادى ربّه ذات يوم في مناجاته من فوق جبل الطور :
يا اله العالمين !.. فجاءه الجواب : لبيك!..
ثم قال : يا اله المطيعين !.. فجاءه الجواب : لبيك!..
ثم قال : يا اله العاصين !.. فجاءه الجواب : لبيك!.. لبيك !.. لبيك!..
فقال موسى على نبينا وعليه السلام : الهي !.. ما الحكمة انني عندما دعوتك باحسن اسمائك اجبتني مرة واحدة ، ولما قلت: يا اله العاصين !.. اجبتني ثلاث مرّات .. فجاءه الجواب :
يا موسى !.. ان العارفين يعولون على معرفتهم، والمحسنين على احسانهم ، والمطيعين على طاعتهم ، ولكن العاصين ليس لهم سواي ، فان يئسوا مني فبمن يلوذون ؟..
ينسب الى الامام علي عليه السلام انه قال :
الهي انت ذو فضل ومنّ وإني ذو خطايا فأعفُ عني
وظني فيك يا رب جميل فحقق يا الهي حسن ظني
ديوان الإمام علي (ع): ص130
_________________________________________
36- رئيس قطاع الطريق
ورد في الكتاب المذكور: ان عدداً من قطاع الطريق كانوا يجوبون الصحراء بحثاً عن مسافر يسلبونه متاعه .. وفجأة شاهدوا رجلاً قادما، فاسرعوا نحوه على خيلهم .. ولما وصلوا اليه قالوا : اعطنا كل ما عندك من مال .
قال : الحقيقة اني لا املك اكثر من ثمانين ديناراً ، وعليَّ دين قدره اربعون ديناراً ، والاربعون الاخرى اريد انفاقها على شؤون حياتي والعودة الى وطني .. فقال لهم رئيس قطاع الطريق : خلّوا سبيله ، يبدو من ظاهره انه رجل معوز ولا مال لديه .. فتركوه وذهبوا الى موضع آخر بانتظار قافلة ترد ليسلبوها ، وبعد انتظار دام عدّة ساعات لم يجدوا أحداً .
(7/7)
اما الرجل الذي كان عنده ثمانون ديناراً ، فقد وصل الى المقصد الذي يبتغيه ، ووجد الدائن واعطاه دينه البالغ اربعين ديناراً وعاد الى وطنه .
فقبض عليه قطاع الطريق مرّة اخرى وقالوا له : اعطنا كل ما لديك من مال .. فقال لهم : لقد ذكرتم لكم الحقيقة ؛ فلم يكن لدّي اكثر من ثمانين ديناراً دفعت منها اربعون ديناراً لشخص كان يطلبني ، ولم يبق عندي الآن سوى اربعين ديناراً اريد انفاقها في بعض شؤون حياتي .. امر رئيس قطاع الطريق اتباعه بتفتيش كل متاعه ، وبعد ان فتشوه لم يجدوا اكثر من اربعين ديناراً . فقال له رئيسهم : قل لي ما الذي جعلك تصدقني مع انك كنت عرضة للقتل؟.. قال : كنت في صغر سنّي قد وعدت والدتي ان لا اكذب .. ضحك قطاع الطريق عند سماعهم لهذا الكلام .
ولكن انقدحت على الفور ومضة من نور في قلب رئيسهم ، وندت عنه حسرة باردة وقال : يا للعجب !.. انت وعدت امك ان لاتكذب، وبقيت متمسكاً بوعدك الى هذا الحد ؟.. ونحن لا نتمسك بالوعد الذي قطعناه لربنا بان لانعصيه ؟! ..
كان هذا الصدق الذي أبداه هذا المسافر المؤمن سبباً في تغيير سلوكية رئيس قطاع الطريق ، ودفعه الى التوبة والكف عن طريق الناس ، وانتهاج طريق السير الى الله .
قال الشاعر :
طلبتك يا دنيا فأعذرت في الطلب فما نلتُ الاّ الهم والغم والنصب
فلما بدا لي انني لست واصلاً الى لذة الاّ بأضعافها تعب
واسرعت في ديني ولم اقض بغيتي هربت بديني منك أن نفع الهرب
تخليت مما فيك جهدي وطاقتي كما يتخلى القوم من عرة الجرب
ديوان أبي العتاهية: ص49
_________________________________________
37- العاهرة
(7/8)
ذكر المرحوم الشهيد آية الله دستغيب رضوان الله عليه ، انه كانت في بني اسرائيل امرأة عاهرة على قدر كبير من الحسن ، بحيث ان كل من يراها يفتتن بها ، وكانت باب دارها مشرع على الدوام ، وهي تجلس على سرير أمام بابا دارها لاجتذاب طلاب الشهوة .. وعلى كل من يريد الدخول عليها ومجامعتها ان يدفع عشرة دنانير مسبقاً .
ومَرَّ ذات يوم عابد زاهد على باب دارها ، ووقع بصره على جمالها الأخاذ ، فهواها قلبه ودخل دارها من غير شعور منه ، ولم يكن لديه مال ، بل كان لديه قماش فباعه ودفع لها عشرة دنانير ،وجلس الى جانبها على السرير ، وما ان مد يده نحوها حتى قال مع نفسه :
يا مسكين !.. ان الله تعالى يراك على هذا الحال، وانت غارق في المعصية ، ولو جاءك عزرائيل الآن وقبض روحك ، فماذا سيكون موقفك أمام ربك؟.. والتفت حينها انه اذا ارتكب هذا العمل فستحبط عبادته .. وانعكست على وجهه معالم الاستياء والقلق ، وراح يغط في تفكير عميق.. فقالت له الزانية : ماذا دهاك ؟.. ولماذا انتقع لونك ؟! ..
قال لها العابد : انني اخشى ربي ، فأذني لي بالخروج من دارك ؟.. قالت له : ويحك !.. ان الناس يتمنون مجرد الجلوس إلى جانبي على هذا السرير وتحدوهم رغبة لبلوغ ما اتيح لك بلوغه ، ثم تريد الان ان تتركه في منتصف الطريق ؟.. قال: اني اخاف الله ربي .. والمال الذي اعطيته لك حل.. فاذني لي ، فاذنت له .
خرج من عندها وهو في غاية الاضطراب من خوف الله ، واخذ ينادي: الويل لي !.. يا ليت امي لم تلدني !.. وحالة الخوف هذه التي ظهرت على العابد جعلت الرعب يتسلل الى قلب تلك الزانية، فقالت مع نفسها : لقد اراد هذا العابد اقتراف اول معصية له ، ومع هذا صار الى مثل هذه الحالة من الذعر والخوف ، فكيف بي وانا غارقة منذ سنوات طويلة في الرذائل والمعاصي .. فالرب الذي يخشاه العابد هو ربي ايضاً وعليَّ ان اخشاه اكثر منه .
(7/9)
تابت منذ تلك اللحظة توبة خالصة ، واغلقت باب دارها، وارتدت ثياباً رثة وانهمكت بالعبادة ..وبعد مدّة فكرت مع نفسها وقالت : لو اني ذهبت الى ذلك العابد واطلعته حقيقة امري لعله يتزوجني ، ويعلمني ما خفي عني من امور ديني، ويكون لي خير معين على العبادة ،وتطهير نفسي ، لأعوض عما سلف من خطاياي ، فاخذت اموالها وخدمها ومتاعها وسارت الى القرية التي كان يقيم فيها العابد وسألت عن داره .. ولما اخبروه ان المراة تبحث عن داره خرج ليرى من هي ، وما ان وقع بصره عليها حتى عرفها ، وتذكر ذنبه وصاح صيحة سقط على اثرها ميتاً .. ( قيل ان المراة ايضاً تمنت على ربها ان يميتها ، فماتت الى جانب ذلك العابد ) .
قال الشاعر :
عجبت لنفسي حين تدعو الى الصبا فتحملني منه على المركب الوعر
يكون الفتى في نفسه متحرزاً فياتيه امر الله من حيث لايدري
وماهي الاّ رقدة غير انها تطول على من كان فيها الى الحشر
ديوان أبي العتاهية: ص174
_________________________________________
38- حسن العيار
يا لها من ايام تلك التي قضيانها في جبهات الحرب !.. كنا مستغرقين فيها بذكر الله ؛ نقرأ القرآن ونصّلي صلاة الليل ، ولنا حالات عجيبة من التبتل والانقطاع إلى الله .. كنا نجمتع سوية ونقرأ زيارة عاشوراء ودعاء كميل ودعاء الندبة ودعاء التوسل وما شابه ذلك .
كان لي خلالها صديق صالح قضى ايامه بذكر الله والإنقطاع اليه ، وكان اسمه حسن العيار .. جاء الى موضعي وقال : عندي وصية واطلب منك ان تلقي عليها نظرة ، واذا سمحت ان تأتي معي الآن الى موضعي .. قلت : نعم على الرحب والسعة .. ولما دخلت الى موضعه قال: ايها الحاج !.. هذه وصيتي ، ولكن فيها سرّ بيني وبين الله ، واريد ان تعاهدني على عدم افشائه ما دمت حياً ، فعاهدته على ذلك .. ثم انه قال :
(7/10)
لقد كنت قبل الثورة انساناً سيئاً وشقياً ومن العيارين والفتوات في الأحياء ، وما كنت اتورع عن ايذاء الناس وضربهم ، حتى وصلت بي شقوتي احياناً الى مداهمة حمامات النساء ، وارتكاب المعاصي فيها وما شابه ذلك من القبائح .. الى ان انتصرت الثورة وازيلت معالم الرذيلة والفحشاء والخمور وما تلى ذلك من وقوع الحرب ، وفي تلك الاثناء مررت ذات يوم على مسجد ، ورأيت فتياناً صغاراً ينتظمون في صف واحد ، فسألت عن سبب اصطفافهم هنا، وهل هناك ارزاق توزع هنا من قبيل لحم الدجاج ، او الزيت ، او البيض او ما شابه ذلك ؟.. قيل : لا، وانما هذا صف لقاء الله .. تركت هذه الكلمة تأثيراً عميقاً في نفسي حتى انني فقدت صوابي ، وقلت في نفسي : ويلك يا حسن !.. الناس كلهم يذهبون الى لقاء الله ، وانت يا حسن قد فاتك القطار ، والكل يرتقون صروح المحبّة ، وانت لا زلت تغط في سبات عميق ، الى متى تريد ان تبقى غارقاً في حضيض الدنيا .
وعلى كل حال فقد التحقت بالقافلة السائرة الى لقاء الله ، وندمت على سالف اعمالي وتبت الى ربي .. الا ان ما يحزّ في نفسي حالياً هو ان من يذهب الى لقائه يسير اليه بثياب نقية ، أما انا فاسير اليه حاملا اوزار ثقلية من الذنوب والمعاصي .. انظر ايها الحاج الى بدني !.. رفع قميصه فلاحظت عليه صورة امرأة عارية وعورتها ظاهرة رسمت على بدنه بالوشم . اثار ذلك المشهد استيائي . فقال : وهل رأيت شيئاً ؟.. رفع القميص عن ظهره رأيت صورة رجل وعورته ظاهرة رسم على ظهره بالوشم .. ازددت غضباً .. قال : وهناك ما هو اسوء رأيت صوراً على جميع اعضاء بدنه وحتى على يديه ورجليه رسومات لعورات الرجال والنساء .
(7/11)
خرجت من عنده وانا في منتهى الغضب .. فنادى من ورائي : لاابيح لك افشاء سرّي لأحد .. لم التفت اليه وواصلت مسيري نحو مقر القيادة ، ولم اجد الآمر هناك .. فذهبت الى موضعي واجتمع الاصدقاء وتداولنا اطراف احاديث شتّى ، ونسيت أن أمر على حسن العيار .
مرت ثلاث او اربع ساعات على ذلك الموقف ، ونهض الأصدقاء وذهب كل منهم الى شأنه .. خرجت من موضعي لأذهب الى موضع حسن .. فناداني أحد الأصدقاء : يا حاج!.. يا حاج !.. قلت: نعم ، قال : لقد استشهد الآن حسن العيار .. لقد ركب السيارة قبل ساعة وذهب لاداء مهمّة ، وبغتة سقطت على السيارة قذيفة هاون اطلقها الجيش العراقي ، واستشهد حسن .
كان صاحبي يحمل كيساً بلاستيكياً في يده ، فاشار اليه وقال : وهذا جسده . صعقني وقع الخبر ، فقلت : هنيئأً لك الشهادة يا حسن .
ان الله يختار من بين الناس التائب الذي كأنه ولدته امه توّاً .. لقد استشهد هذا الرجل بعد ان تاب من جميع ذنوبه . توجهت الى موضعه باكياً وأخذت الوصية ، ووجدت انه قد كتبها باسلوب جميل وقد لفت نظري فيها ثلاثة امور هي :
اولاً : لا تحزني عليَّ يا امي فانَّ ابنك قد تاب ، عسى الله ان يجعل عاقبتي الى خير .
ثانياً : ذكر ضمن سياق مناجاته لله : الهي!.. ان الموت مكتوب عليَّ ، الاّ انني أحب ان اقتل في سبيلك لكي احظى بلقائك !.. وأعلم انني ارتبكت الكثير من المعاصي والذنوب ، ولكن اسالك اللهم ان لاتخيب ظني بك!.. وانا قادم للقائك فلا تردني ،فانت ارحم الراحمين وانت غفار الذنوب .
ثالثاً : الهي !.. إذا مُتّ ووضع جسدي في المغتسل ستظهر هذه الصور البذيئة منقوشة عليه .. اللهم !.. اسألك ان تحفظ لي ماء وجهي ، ولا تبذله امام الناس على صخرة المغتسل .
نظرت الى بدنه رأيته قد احترق وتفتت ، وادركت ان الباري تعالى حفظ لحسن ماء وجهه، وقبل توبته ، واستجاب دعاءه ، وجعل عاقبة امره خيراً .
قال الشاعر :
(7/12)
لاتودع السر الاّ عند ذي كرم والسر عند كرام الناس مكتوم
والسر عندي في بيت له غلق قد ضاع مفتاحه والبيت مختوم
ديوان الإمام علي (ع): ص120
قال شاعر آخر :
صروف الدهر تكويني فلا تدري بتكويني
وايامي تلونني بتغيير وتلويني
وعمري كله فان بلا دنياً ولا دين
فلا عز ذوي العقل ولاعيش المجانين
ويا قلبي الذي قد مات وماتوا من يعزوني
انا من جملة الأموا ت لكن غير مدفون
ارى عيشي لايحلوا وأيامي تعاديني
وكم انشر أمالي وصرف الدهر يطوني
اقول اليوم واليوم ولكن من يخليني
حدائق الأنس: ج1 ص546
_________________________________________
39- جهانكير خان
ذكر بعض العلماء وبعض الأصدقاء ان آية الله العظمى جهانكير خان القشقائي رضوان الله عليه، الذي كان من اكابر الزهاد في عصره ، ومن جملة تلاميذه آية الله العظمى البروجردي ، والشهيد آية الله السيد حسن المدرس وغيرهم ، وكان في بداية امره مقارفاً للذنوب ومفرطاً في المعاصي ، وكان يتجول بين القبائل ويعزف على الوتر .
" الاحظ احياناً ان قول الحق لايجد له اذان صاغية ، ولا يبدو لكلام الناصحين اي اثر على النفوس ، وكأنه مطر على بذور مغروسة في ارض مالحة.. ولكن اذا اعدت القلوب وطهرت النفوس تجد حتى لقليل الكلام تأثيراً بالغاً في ايجاد تحول كبير في الشخصية ".
كان المرحوم آية الله جهانكير القشقائي من جملة الأشخاص الذين يضمون بين جوانحهم مثل هذا القلب.. ومما ذكر في سيرة حياته انه مضى فترة شبابه حتى سن الاربعين كما هو حال سائر افراد قبائل القشقائيين في تربية الحيوانات، وكان يجمع الناس حوله بواسطة العزف على الآلات الموسيقة، وكان يشارك في كل مجلس فسوق وفجور .
وفي أحد فصول الصيف الذي جاءت فيه قبيلة القشقائيين الى منطقة سيميرم ( من نواحي محافظة اصفهان ) لامضاء فصل الصيف فيها ، ذهب هو وعائلته إلى مدينة اصفهان لبيع بعضالمنتوجات الحيوانية ولشراء بعض مستلزماتهم .
(7/13)
وبعد قضاء اعماله المهمة في هذه المدينة الكبيرة ، سأل شيخاً كبير السن صادفه في السوق عن الاُستاذ يحيى المسيحي ، المتخصص في صناعة الات الموسيقى لإصلاح آلته الموسيقية .. وبعد ان دّله هذا الشيخ ذو الضمير الحي إلى موضع الاُستاذ يحيى الأرمني ، قال له باسلوب الناصح : كان خليق بك ان تنشغل بعمل افضل من هذا ، وتتعلم العلم ، واذا كنت جاداً في اصلاح الوتر ، اذهب اولاً واصلح وتر وجودك ، وكف عن مثل هذه الاعمال ، واستقم في حياتك .
كان لهذا الكلام وقع كبير على نفوس جهانكير خان ، واثار في قلبه اندفاعاً قوياً جعله يفارق قبيلته من هناك ، ويحط رحاله في اصفهان التي كانت حينها داراً للعلم ، واتخذ لنفسه غرفة للسكن في مدرسة الصدر التي كانت من اشهر مدارس الحوزة العلمية في اصفهان ، ومركزاً لاكابر الفقهاء والحكماء .. وكف عن ممارسته السابقة .. واندفع بشوق جارف لكسب العلوم الدينية على اثر تلك النصيحة التي اسداها له شيخ لا يعرفه .. ولم يمض وقت طويل حتى غدا من اكابر الفضلاء والبلغاء ، وقدوة لذوي المجد والفصاحة .. ويكفي للتعرف على عظمة مكانته الخفية ان نعلم ان اشخاصاً كآية الله العظمى البروجردي المرجع الشيعي المعروف ، والشهيد سيد حسن المدرس العالم المجاهد كانوا في عداد تلاميذه .
قال الشاعر :
طالماً حَلاَ معاشي وطابا طالما سحبت خلفي الثيابا
طالما طاوعت جهلي ولعبي طالما نَاهَزْتُ صحبي الشرابا
طالما كنت أحب التصابي فرماني سهمه واصابا
أيها الباني قصوراً طوالاً اين تبغي هل تريد السحابا
انما انت بوادي المنايا ان رماك الموت فيه أصابا
ديوان أبي العتاهية: ص52
_________________________________________
40- توبة عابد الصنم
(7/14)
جاء في كتاب" روضة الورد " للمرحوم الشاعر سعدي - رضوان الله عليه - ان رجلاً قال للصنم الذي يعبده : انقضت عليَّ سنوات وانا اعبدك ، وافنيت عمري العزيز في طاعتك ، ولم اتوجه الى اي معبود غيرك ، وهذه المرّة الاُولى التي اطلب فيها منك شيئاً .
اختلى بصمنه وعرض عليه حاجته وهو يئن ويبكي ، ورمى بنفسه على الأرض ومرّغ وجهه بالتراب لنيل رضا الصنم حتى يقضي له حاجته ، وخاطبه ثانية بالقول : انني في حيرة يا ايها الصنم فخذبيدي .. وقد مرت عليَّ أيام وأنا اتيتك مذعناً وأسالك حاجتي ، فلا ترد لي جواباً ، ولا تحل لي مشكلة .. لكن الصنم ظل كالصخرة الجامدة ، ومهما أطال النظر اليهلا يلتفت إليه ، والعابد يظن أن الصنم ينظر إليه .. وماذا بامكان الصنم ان يفعل وهو لا يقدر دفع الذباب عن نفسه .
ذات يوم نفد صبر العابد ونازعته نفسه للتمرد على الصنم ، فثار عليه واطلق عليه لساناً ذرباً ، فقال : ايها الصنم الضال البائس !.. لقد عبدتك سنوات طويلة ، فان لم تقض لي حاجتي سأتوجه عوضاً عنك الى الله .
تحول عابد الصنم في لحظة واحدة من الصنم إلى الصمد ( اي من عبادة الصنم الى عبادة الله ).. وتاب توبة خالصة ، الى ربه عن صدق نية .
لاتعول على صنم وتوجّه نحو ربّك ، واطلب منه ما تشاء من صميم قلبك .. اذا كنت الى الان ممن يعبد الأصنام ، ويطلب منها قضاء حاجاته فاكسر هذا الصنم واستذله واستحقره ، وتوجه من اعماق قلبك الى ربك .
ان ما حصل لعابد الصنم هذا كان عودة خالصة الى الله .. وفجاة استجيب له وهو لم يزل ماثلاً امام الصنم ، وعلم ان حاجته قد قضيت له .
تناهت قصّة عابد الصنم وتحوله من الباطل الى الحق ، الى اسماع أحد العلماء ، فبقي متحيّراً فيها ولم يكد يصدقها وقال في نفسه : كيف يمكن لرجل قضى معظم سنوات حياته في عبادة الأصنام والضلال ان يدعو الله فيستجيب له في لحظة واحدة .
(7/15)
ما برح العالم يفكر بدهشة في القضية حتى جاءه النداء من الله تعالى : اسمع يا هذا ؛ ان هذا الشيخ عابد الاصنام ، طلب من صنمه حاجة فلم يستجب له، ثم انه توجه اليَّ وطلب حاجته منّي .. فاذا لم استجب له ، فما هو الفرق بين الصنم وبين الله .
قال الشاعر :
سأسل عن أمور كنت فيها فما عذري هناك وما جوابي
باي حجة أحتج يوم الحساب اذا دعيت إلى حسابي
هما امران يوضح عنهما لي كتابي حين انظر في كتابي
فأما ان أخلد في نعيم ٍ وأما أن أُخلد في عذابي
(7/16)


الساعة الآن 02:51 PM.

Powered by vBulletin
قوانين المنتدى