![]() |
طالب العلم والكتب
طالب العلم عند شراء الكتاب واقتنائه من المعلوم أن شغف طالب العلم باقتناء الكتب أمر مسلّم، وطلبة العلم في هذا الشغف وحب الاقتناء للكتب والمراجع ما بين مستقل ومستكثر، خاصة في هذا الزمن، الذي تيسرت وكثرت فيه وسائل الطبع والنشر، وأصبحت دور النشر والتوزيع تتنافس في المسابقة على محاولة التصدر في باب التحقيق وإخراج الجديد، وهذا -ولله الحمد والمنة- من فضل الله على العلم وأهله وطلابه، ولابد من الإشارة إلى أن بعض ما ينشر لا يخلو من خلل فيه بحسب الكاتب أو المحقق، ويكون الخلل معروفا عند مشايخ العلم وطلابه المتمكنين في الطلب. وعوداً على بدء يقال: إن هناك بعض الأمور التي تعين طالب العلم عند عزيمته على شراء الكتاب أو الكتب، رأيت بيانها، لعلها تكون معينة له في اختياره ااكتب التي يريد اقتناءها، فمن ذلك: 1- استشارة بعض المشايخ أو طلبة العلم المشهود لهم قبل اقتناء الكتاب المراد شراؤه. 2- إذا كان الكتاب المراد شراؤه شرحا لكتاب معبن، فينبغي التأكد: هل هناك شروح أخرى للكتاب؟ فإن كان هناك شروح أخرى فعليه أن يتأكد أيضا: أي تلك الشروح أجمعها وأكثرها علما (1). 3- إذا وقع الاختيار على شرح معين لكتاب معين، فالأولى التأكد من طبعات الشرح المقصود، فإن كان له أكثر من طبعة حرص على السؤال عن أجود الطبعات (2). 4- إذا كان الكتاب المراد شراؤه محققا، فليحرص على أجود النسخ تحقيقا.(3) 5- إذا كان الكتاب يتكون من عدد من الأجزاء، فليطابق رقم الجزء المكتوب على الغلاف الخارجي على الرقم الداخلي، للتأكد من مطابقة الترقيم. 6- محاولة التصفح السريع لصفحات الكتاب أو الكتب، خشية وجود بياض في بعض الصفحات. 7- الحرص على النسخة المجلدة وذات الخط الواضح، قال الذهبي : "من الأمور التي يشغف بها المحدث: تحصيل النسخ المليحة" [تذكرة الحفاظ 205/1]. 8- إذا كان الكتاب كبيرا فإن استطاع أن يتفحص فهارسه ففي ذلك خير كثير، لأنه بذلك يعرف محتوى الكتاب إجمالا. 9- عدم إهمال الكتاب، برمي أو اتكاءٍ عليه أو ما شاكل ذلك، قال نعيم بن ناعم: "لما سئل الإمام أحمد: أيضع الرجل الكتب تحت رأسه؟ قال: أي كتب؟، قال: كتب الحديث، قال إذا خاف أن تسرق فلا بأس، وأما أن يتخذها وسادة فلا" [طبقات الحنابلة 391/1]. 10- الاتصال الهاتفي بالمكتبات ودور النشر، للسؤال عن وجود الكتاب، ومعرفة تفاوت الثمن، ليتوفر بذلك لك أمران: حفظ بعض وقتك، وحفظ بعض مالك. 11- ومما ينبغي أن يحذر منه طالب العلم: أن يكون همّه ومقصده الوحيد في شراء الكتب هو التكثر بها وملء الأدراج في منزله ليراها الناظرون ليس إلا، فهذا مزلق خطير ومرتع وخيم. "ومن منكرات المكتبات: أن بعضها تصبح غاية لا وسيلة للعم، فيكثر بعض الجهلاء من جمع الكتب وتجليدها وزخرفتها بماء الذهب، دون أن يتدارسوا ما فيها، وهم يقصدون من جمعها التفاخر والرياء، حتى يقال عنهم: غنهم علماء أو طلبة علم، وقد زار أحد العلماء مكتبة من هذا النوع فأعجب بها، ولما اختبر صاحبها وجده جاهلا لم يقرأ ولم يطالع شيئا من كتبه، فقال له ساخرا: كتبك كثيرة وماؤك قليل. فلم يفهم هذا الأمي معنى ما ذهب إليه العالم" [منكرات الأفراح، تقديم وتعليق محمد مهدي الاستانبولي ص114]. ----------------------------------------------------------- (1): مثال ذلك: رياض الصالحين له شروح منها: "دليل الفالحين" و"نزهة المتقين" ومما صدر أخيرا "شرح للشيخ ابن عثيمين"، وكتاب "صحيح البخاري" له شروح كثيرة منها "فتح الباري" لابن حجر، و"عمدة القارئ" للعيني، و"شرح القسطلاني"، وغيرها. ومثال آخر "سنن الترمذي" له شروح منها "تحفة الأحوذي" للمباركفوري، و"عارضة الأحوذي" لابن العربي، و"النفح الشذي" لابن سيد الناس ولم يتم. (2): مثال ذلك: "فتح الباري" له أكثر من طبعة: السلفية التي عليها تعليق سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز -رحمه الله- وهناك طبعة أخرى تعرف بطبعة بُولاق. (3): مثال ذلك: "تقريب التهذيب" له عدة طبعات، منها الطبعة الباكستانية، وطبعة بتحقيق عبد الوهاب عبد اللطيف، وطبعة بتحقيق عوّامة، وأخيرا طبعة بتحقيق صغير أحمد شاغف الباكستاني، قدم لها الشيخ بكر أبو زيد. مثال آخر: كتاب "الكلم الطيب" لشيخ الاسلام، حققه الشيخ الألباني رحمه الله وحققه الشيخ الأرناؤوط. [معالم في طريق الطلب (ص207)] |
رد: طالب العلم والكتب
بعد هذا أسوق هنا شيئا من نوادر وطرائف بعض أهل العلم فيما يتعلق بشراء الكتب: ** عبد الله بن أحمد الخشاب: ذكر عنه أنه اشترى يوما كتباً بخمسمائة دينار ولم يكن عنده شيء، فاستمهلهم ثلاثة أيام، ثم مضى ونادى على داره فبلغت خمسامئة دينار، فنقد صاحبها وباعه خمسمائة دينار ووفى ثمن الكتب، وبقيت له الدار [الذيل على طبقات الحنابلة 319/1]. ** الحسن بن احمد الهمداني: قال ابن الجوزي: "وبلغني أنه رئي في المنان في مدينة جميع جدرانها من الكتب، وحوله كتب لا تحد وهو مشتغل بمطالعتها، فقيل له: ما هذه الكتب؟ قال: سألت الله تعالى أن يشغلني بما كنت أشتغل به في الدنيا فأعطاني" [الذيل على طبقات الحنابلة 328/1]. ** ابن قمير الموصلي، مجلّد الكتب بالموصل: قال: أعطاني أبو عبد الله بن أبي العلاء بن حمدان دفترا أجلّده، وأكّد عليّ الوصية في حفظه، فأخذته منه ومضيت إلى دكاني، وكان في طريقي على دجلة، فنزلت إلى مشرعة أتوضأ فسقط الدفتر من كمّي في الماء، فتناولته عجلاً قبل أن يغرق وقد ابتل، فقامت قيامتي، ولم أشك أنه سيجري عليّ مكروه شديد من أبي عبد الله من ضرب وحبس وأخذ مال، فعملت على الهرب من الموصل، ثم قلت: أجففه وأجلده وأجتهد في أن أسلمه إلى غلام له وهو لا يعلم وأستتر، فإن ظهر الحديث هربت، وإن كفى الله تعالى ذلك وتمت عليه الحيلة ظهرت، فحللته وجففته وثقلته حتى رجع واستوى أكثر ما يمكن من مثله، وجلّدته وتأنقت في التجليد، فلما فرغت منه، جئت إلى الحاجب لأسلمه إليه من باب الدار وأمضي، فصادفت الحاجب جالساً في الدهليز فسلمت إليه الدفتر، فقال: ادخل وادفعه من يدك إلى يده، فلعله يتوقعك، ولعله يأمر لك بشيء، فقلت: لا أريد فإني مستعجل، فقال: لا يجوز، ولم يدعني حتى دخلت إليه، فلم أشك أن ذلك من سوء الاتفاق عليّ المؤدي إلى المكروه، ومشيت في الصحن وأنا في صورة عظيمة من الهمّ، فوجدت أبا عبد الله جالسا على بركة ماء في صحن داره والغلمان على رأسه، فأخرجت الدفتر من كميّ، فقال لأحد غلمانه: خذه من يده وهاته، فجاء الغلام من جانب البركة وأنا من الجانب الآخر، ومد يده ليأخذه فأعطيته إياه فلم يتمكن في يده حتى سقط الدفتر في البركة وغاص إلى قعرها، فجن أبو عبد الله وشتم الغلام وقال: مقارع مقارع [جمع مقرعة وهي خشبة يضرب بها (المعجم الوسيط 729/2)].، فحمدت الله عز وجل على استتار أمري من حيث لا أحتسب، وكفايتي ما كنت أخافه وخرجت والغلام يُضرب" [الفرج بعد الشدة 67-68 /3] [نفس المصدر (ص210)] |
رد: طالب العلم والكتب
طالب العلم واستعارة الكتب إعارة الكتب لمحتاجه والمستفيد منه تعد نوعاً من سبل نشر العلم، بل إن الكتاب المعار أشبه بالسهم، فكما أن السهم يجري أجره على صانعه المحتسب في صنعته والرامي به والممد به، فكذلك الكتاب يجري أجره على كاتبه ومعيره ومستعيره، وطابعه وناشره كذلك، إذا أرادو بذلك مرضاة الله تعالى قال محمد بن مزاحم: "أول بركة العلم: إعارة الكتب" [أدب الإملاء والاستملاء ص175]. لكن إعارة الكتاب ليست مطلقة على عواهنها بل لها ضوابط منها: 1- أن يكون الكتاب المعار نافعا غير ضار، إلا إذا كان المستعير ممن يعرف ضرر الكتاب، وإنما استعاره لتبيين ضرره أو للرد عليه. 2- ان يكون مالك الكتاب غير محتاج له وقت الإعارة. 3- أن يكون المستعير أهلا للإعارة، كمعرفته بقيمة الكتاب، وشعوره بأداء الأمنة إلى مالكها، أما إن كان مريد الاستعارة جاهلا بقيمة الكتب، وإما أراده لقطع الوقت، أو لبعض أصحابه ممن كان على شاكلته، أو لأهل بيته ممن لا يعرف قدر الكتاب كصغير أو جاهل، فالأولى عدم الإعارة، وإن بليت بمثل هذا النوع -ولا مفر لك- فأوصه وبالغ في وصيته بحفظ الكتاب وإرجاعه في أقرب وقت. 4- إذا كان للكتاب نسختان، وكان المستعير ممن يجهل قيمة الكتاب فأعطه النسخة الرديئة. 5- إذا كان لك بعض الكتابات على غلاف الكتاب الداخلي وخشيت تأخر الكتاب، فحاول كتابة رؤوس أقلام تلك التعليقات في أوراق تحفظها عندك، ليكون سهلا العثور عليها عند الحاجة لها. 6- إن رأيت من المستعير إهمالا للكتاب أو تأخيراً في إرجاعه، فالحذر من إعارته مرة أخرى، ولا تُلدغ من جحر مرتين. 7- مما يعين على معرفة الكتب المستعارة من مكتبتك: ان تجعل لك دفترا خاصا بالاستعارة، يكتب فيه اسم المستعير، والكتاب المستعار، وتاريخ الاستعارة، ولزيادة التوثسق: لو يُكتب هاتف المستعير للاتصال به في حالة تأخر إرجاع الكتاب. 8- على المستعير أن يحرص على حفظ الكتاب مدة بقائه عنده، وأن يبادر برده إذا قضى حاجته منه، وعليه أن يحذر من الكتابة على صفحاته إلا بإذن صاحبه. إذا استعرتَ كتابي وانتفعتَ به * * * * فاحذر وقيت شراً أن تغيرهُ واردده لي سالماً إني شُغِفتُ به * * * * لولا مخافة كتم العلم لم تَرَهُ لطيفة: كان بعض أهل العلم لا يعير كتابا إلا برهن على الكتاب المعار، قال السّكن: طلبت من إبراهيم بن ميمون الصائغ كتابا، فقال: هات رهنا، فدفعت إليه مصحفا رهنا" [ادب الإملاء والاستملاء ص178]. وأنشد علي بن أبي بكر الطّرازي: يا مستعير كتابي * * * * لا تكثرنّ عتابي إلا برهن وثيقٍ * * * * من فضة أو ثياب وأنشد أبو حفص عمر بن عثمان الجنزي: إذا ما أعرتَ كتاباً فخذ * * * على ذاك رهناً وخلّ الحياء فإنك لم تهتم مستعيراً * * * * ولكن لتًذكُرَ منه الأداء وبعد هذا أنقل كلاما عن الاستعارة ذكره شيخي الكريم عبد الله ابن جار الله -أسكنه الله الفردوس الأعلى-: ذكر رحمه الله تعالى في كتابه "الثمار اليانعة" مقالا جاء فيه: "قرأت في إحدى المجلات عن أشخاص كوّنوا لهم مكتبات من كتب الناس! فكانوا يستعيرونها ثم لا يرجعونها، وانتشرت سرقة الكتب هذه تحت ستار الاستعارة، حتى اشتهر بها أناس من المعروفين بالمكانة الاجتماعية، وإن كان هذا طريقا غير شرعي ولصوصية، فقد ذمّه السلف ووضعوا آدابا لاستعارة الكتب، ومن خالفها يمتنعون عن إعارته مرة أخرى". فمن آداب الاستعارة: توقير الكتاب والاهتمام بنظافته، وحدث هذا مع أبي حامد أحمد ابن طاهر الإسفرائيني الفقيه، حين استعار منه رجل كتابا، فرآه يوما وقد أخذ عليه عنبا، ثم إن الرجل سأله بعد ذلك أن يعيره كتابا، فقال: تأتيني إلى المنزل، فأتاه، فأخرج الكتاب إليه في طبق وناوله إياه! فاستنكر الرجل ذلك، وقال: ما هذا؟ فقال أبو حامد: هذا الكتاب الذي طلبته، وهذا طبق تضع عليه ما تأكله! فعلم بذلك ما كان من ذنبه" ومن آداب الاستعارة: ألا يُرجع الكتاب متغيرا متكسرا مهملا، فإن فعلت ذلك عوقبت بمنعك من الاستعارة، كما قعل بعض أهل العلم حين استعار منه رجل كتابا، فردّه إليه بعد حين متكسرا متغيرا، عليه آثار البزور [جمع بِزْر، وهو حبٌّ يلقى في الأرض للإنبات (المعجم الوسيط 54/1)] وغيره، فسأله أن يعيره غيره، فقال: ما أحسنت ضيافة الأول فنضيفك الثاني؟ أما فقدُ الكتاب المستعار، فهذه كبيرة من كبائر الاستعارة، لا يحق لمن فعلها أن يُعار بعد ذلك، حتى إن أحدهم بيّن ندمه على تضييع كتاب قد استعاره، فقال: إنه أعراه لرجل من وجوه بني هاشم بالبصرة دفترا، فضاع، فتفجّع لذلك فاعتذرت إليه وقلت: يا مالكا ما تزال راحته * * * *تعطي المعالي وتبسط النّعما هبْ لمقرٍّ بالذنب معترفٍ * * * * بواسع العفو منك ما اجترما أعرتَهُ دفتراً تضنّ به * * * * فخانه* الدهر فيك فاصطلما إعظامك العلمَ إذا فجعتَ به * * * * يزيد عندي خطيئتي عِظما *: هذه العبارة فيها نظر، ولعلها تدخل في سب الدهر والله تعالى أعلم. وجعل الشاعر الآخر رد الكتاب المستعار شرطا في الإعارة فقال: أيها المتسعير مني كتابا * * * * إن رددت الكتاب كان صوابا أنت والله إن رددت كتابا * * * * كنتَ أُعطيته أخذت كتابا [الثمار اليانعة ص372-373] أما الامتناع التام عن الغعارة فغير محمود، قال أبو عبد الله محمد بن عثمان العكبري: أنشدني شيخي ابن الباقلاني المقرئ الواسطي: كتبي لاهل العلم مبذولة * * * * أيديهم مثل يدي فيها متى أرادوها لا مِنّة * * * * عاريةً فليستعيروها حاشاي أن أكتمها عنهموا * * * * بخلا كما غيريَ يُخفيها اعارنا أشياخُنا كُتْبَهُم * * * * وسنة الأشياخ نحييها وقد روى هذه الأبيات ابن السمعاني عن ابن الباقلاني وقال: أنشدني خميس الجوزي لنفسه [الذيل على طبقات الجنابلة 1/436]. وقال محمد بن أحمد بن يعقوب: "رأيت رجلا قدم رجلا إلى اسماعيل بن اسحاق القاضي، فادعى عليه أن له سماعا في الحديث فصدقه، فقال: في كتابي سماعٌ ولست أُعيره، فأطرق إسماعيل مليّا ثم رفع رأسه للمدّعَى عليه، فقال له: عافاك الله، إن كان سماعه في كتابك بخطك فيلزم ان تعيره، وإن كان سماعه في كتابك بخط غيرك فأنت أعلم، قال: سماعه في كتابي بخطي ولكنه يبطئ بردّه عليّ، فقال: أخوك في الدين، أُحِبُّ أن تعيره، وأقبل على الرجل فقال: إذا أعارك شيئا فلا تبطئ به" [الجامع للخطيب البغدادي 174/1]. [نفس المرجع ص215] |
رد: طالب العلم والكتب
|
رد: طالب العلم والكتب
شكرا جزيلا على الإفادة
|
رد: طالب العلم والكتب
|
رد: طالب العلم والكتب
شكرا جزيلا لك على الموضوع المميز
|
| الساعة الآن 05:56 PM. |
Powered by vBulletin
قوانين المنتدى