![]() |
منهج أهل السنة في التحذير من أهل البدع وكتبهم
بسم الله الرحمان الرحيم
منهج أهل السنة والجماعة قاطبة في التحذير من أهل البدع ومن كتبهم وحكمهم في الداعية إلى البدع منهج أهل السنة والجماعة قاطبة في التحذير من أهل البدع ومن كتبهم وحكمهم في الداعية إلى البدع 1- قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في "السياسة الشرعية" (ص 123): "وجوز طائفة من أصحاب الشافعي وأحمد وغيرهما قتل الداعية إلى البدع المخالفة للكتاب والسنة، وكذلك كثير من أصحاب مالك، وقالوا: إنما جوز مالك وغيره قتل القدرية لأجل الفساد في الأرض، لا لأجل الردة" اهـ. 2- وقال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: "من قامت عليه الحجة من أهل البدع ، استحق العقوبة، وإلا، كانت أعماله البدعية المنهي عنها باطلة لا ثواب فيها، وكانت منقصة له، خافضة له، مسقطة لحرمته ودرجته، فإن هذا حكم أهل الضلال وجزاؤهم، والله حكم عدل، لا يظلم مثقال ذرة، وهو عليم حكيم "(1). 3- رأي الحافظ تقي الدين أبي محمد عبدالغني بن عبدالواحد المقدسي رحمه الله في الطوائف (2). قال رحمه الله: "واعلم رحمك الله أن الإسلام وأهله أتوا من طوائف ثلاثة: ا) فطائفة ردت أحاديث الصفات، وكذبوا رواتها، فهؤلاء أشد ضررا على الإسلام وأهله من الكفار. 2) وطائفة قالوا بصحتها وقبولها، ثم تأولوها؟ فهؤلاء أعظم ضررا من الطائفة الأولى. 3) والثالثة: جانبوا القولين الأولين، وأخذوا- بزعمهم - ينزهون وهم يكذبون، فأداهم ذلك إلى القولين الأولين، وكانوا أعظم ضررا من الطائفتين الأوليين " ا هـ. 4- وقال ابن الجوزي (3): "قال أبو الوفاء علي بن عقيل الفقيه: قال شيخنا أبو الفضل الهمذاني: مبتدعة الإسلام والواضعين للأحاديث أشد من الملحدين، لأن الملحدين قصدوا (فساد الدين من خارج، وهؤلاء قصدوا إفساده من داخل، فهم كأهل بلد سعوا في إفساد أحواله، والملحدون كالمحاصرين من خارج، فالدخلاء يفتحون الحصن، فهو(4) شر على الإسلام من غير الملابسين له ". قلت: فهذا كلام في طوائف تنتمي إلى الإسلام، ولا شك أن لهم محاسن، فلم يذكرها هؤلاء العلماء العظماء، لأن ذكرها غير واجب. ثم منهج السلف الصالح هو التحذير من الكتب التي فيها بدع، صيانة لمنهج المسلمين من ضررها وخطرها، وليس من الظلم أن يذكر المسلم الناصح من كتاب مثالب موجودة فيه، تحذيرا للمسلمين من ضرره، ولو لم يذكر محاسنه، بل من الظلم أن يُثْلَبَ بما ليس فيه، ولو كان كاتبه كافرا. 5- وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "فالكذب على الشخص حرام كله ، سواء كان الرجل مسلما أو كافرا أو فاجرا، لكن الافتراء على المؤمن أشد، بل الكذب كله حرام، ولكن يباح عند الحاجة الشرعية المعاريض (5) اهـ. ولقد حذر رسول الله صلى الله عليه وسلم من قراءة كتب أهل الكتاب، فعن جابر بن عبدالله رضي الله عنه: أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أتى النبي صلى الله عليه وسلم بكتاب أصابه من بعض أهل الكتاب، فغضب، فقال: "أمتهوكون يا ابن الخطاب؟! والذي نفسي بيده، لقد جئتكم بها نقية، لا تسألوهم عن شيء فيخبروكم بحق فتكذبوا به أو بباطل فتصدقوا به، والذي نفسي بيده، لو أن موسى عليه السلام كان حيا ، ما وسعه إلا أن يتبعني " (6). 6- وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "وهذه حقيقة قول من قال من السلف والأئمة: إن الدعاة إلى البدع لا تقبل شهادتهم، ولا يصلى خلفهم، ولا يؤخذ عنهم العلم، ولا يناكحون. فهذه عقوبة لهم حتى ينتهوا، ولهذا يفرقون بين الداعية وغير الداعية، لأن الداعية أظهر المنكرات، فاستحق العقوبة، بخلاف الكاتم، فإنه ليس شرا من المنافقين، الذين كان النبي صلى الله عليه وسلم يقبل علانيتهم ويكل سرائرهم إلى الله، مع علمه بحال كثير منهم "(7) اهـ. 7- وقال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى عند تفسير قوله تعالى: {الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة}(8). "فأمر بعقوبتهما وعذابهما بحضور طائفة من المؤمنين، وذلك بشهادته على نفسه، أو بشهادة المؤمنين عليه، لأن المعصية إذا كانت ظاهرة، كانت عقوبتها ظاهرة، كما جاء في الأثر: "من أذنب سرا، ليتب سرا، ومن أذنب علانية، فليتب علانية"، وليس من الستر الذي يحبه الله تعالى، كما في الحديث: "من ستر مسلما، ستره الله "، بل ذلك إذا ستر، كان ذلك إقرارا لمنكر ظاهر، وفي الحديث: "إن الخطيئة إذا خفيت، لم تضر إلا صاحبها، وإذا أعلنت فلم تنكر، ضرت العامة"، فإذا أعلنت، أعلنت عقوبتها، بحسب العدل الممكن. ولهذا لم يكن للمعلن بالبدع والفجور غيبة، كما روي ذلك عن الحسن البصري وغيره، لأنه لما أعلن ذلك، استحق عقوبة المسلمين له، وأدنى ذلك أن يذم عليه، لينزجر ويكف الناس عنه وعن مخالطته، ولو لم يذم ويذكر بما فيه من الفجور والمعصية أو البدعة، لاغتر به الناس، وربما حمل بعضهم على أن يرتكب ما هو عليه، ويزداد أيضا هو جرأة وفجورا ومعاصي، فإذا ذكر بما فيه، انكف وانكف غيره عن ذلك وعن صحبته ومخالطته. قال الحسن البصري: أترغبون عن ذكر الفاجر؟! اذكروه بما فيه كي يحذره الناس، وقد روي مرفوعا. والفجور اسم جامع لكل متجاهر بمعصية أو كلام قبيح يدل السامع له على فجور قلب قائله، ولهذا كان مستحقا للهجر إذا أعلن بدعة أو معصية أو فجورا أوتهتكا أومخالطة لمن هذا حاله، بحيث لا يبالي بطعن الناس عليه، فإن هجره نوع تعزير له. فإذا أعلن السيئات، أعلن هجره، وإذا أسر، اسر هجره، إذ الهجرة هي الهجرة على السيئات، وهجرة السيئات هجرة ما نهى الله عنه، كما قال تعالى: {والرجز فاهجر}(9)، وقال تعالى: {واهجرهم هجرا جميلا}(10) وقال تعالى: {وقد نزل عليكم في الكتاب أن إذا سمعتم آيات الله يكفر بها ويستهزأ بها فلا تقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديث غيره إنكم إذا مثلهم }(11)... "الخ " (12) اهـ. 8- وقال ابن عبد البر في كتابه "جامع بيان العلم "(13): "أخبرنا إسماعيل بن عبدالرحمن، قال: حدثنا إبراهيم بن بكر، قال: سمعت أبا عبدالله محمد بن أحمد بن إسحاق بن خويز منداد المصري المالكي، قال في (كتاب الإجارات) من كتابه في الخلاف: قال مالك: لا تجوز الإجارات في شيء من كتب الأهواء والبدع والتنجيم، وذكر كتبا، ثم قال: وكتب أهل الأهواء والبدع عند أصحابنا هي كتب أصحاب الكلام من المعتزلة وغيرهم، وتفسخ الإجارة في ذلك. قال: وكذلك كتاب القضاء بالنجوم وعزائم الجن وما أشبه ذلك. وقال في (كتاب الشهادات) في تأويل قول مالك: "لا تجوز شهادة أهل البدع والأهواء"، قال: أهل الأهواء عند مالك وسائر أصحابنا هم أهل الكلام، فكل متكلم، فهو من أهل الأهواء والبدع، أشعريا كان أو غير أشعري، ولا تقبل له شهادة في الإسلام أبداً، ويهجر، ويؤدب على بدعته، فإن تمادى عليها، استتيب منها" اهـ. 9- وقال ابن عبدالبر في كتابه "التمهيد" عقب حديث كعب بن مالك في قصة الثلاثة الذين خلفوا: "وفي حديث كعب هذا دليل على أنه جائز أن يهجر المرء أخاه إذا بدت منه بدعة أو فاحشة يرجو أن يكون هجرانه تأديبا له وزجرا عنه)) (14) اهـ. 10 - وروى الخطيب البغدادي(15) بإسناده إلى الفضل بن زياد، قال: "وسألت أبا عبدالله عن الكرابيسي وما أظهر، فكلح وجهه، ثم أطرق، ثم قال: هذا قد أظهر رأي جهم، قال الله تعالى: {وإن أحد من المشركين استجارك فاجره حتى يسمع كلام الله }(16)فممن يسمع، وقال النبي صلى الله عليه وسلم "فله الأمان حتى يسمع كلام الله "، إنما جاء بلاؤهم من هذه الكتب التي وضعوها، تركوا آثار رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وأقبلوا على هذه الكتب " اهـ. 11- قال الشيخ شمس الدين أبوعبدالله محمد بن مفلح في كتابه "الآداب الشرعية" (17): "وذكر الشيخ موفق الدين رحمه الله في المنع من النظر في كتب المبتدعة، قال: وكان السلف ينهون عن مجالسة أهل البدع، والنظر في كتبهم، والاستماع لكلامهم " اهـ. 2 1- انظر كلام الإمام البغوي المتقدم في (ص 26- 27). 13- قال الشاطبي رحمه الله: "فإن فرقة النجاة - وهم أهل السنة - مأمورون بعداوة أهل البدع، والتشريد بهم، والتنكيل بمن انحاش إلى جهتهم، بالقتل فما دونه، وقد حذر العلماء من مصاحبتهم ومجالستهم، وذلك مظنة إلقاء العداوة والبغضاء، لكن الدرك فيها على من تسبب في الخروج عن الجماعة بما أحدثه من اتباع غير سبيل المؤمنين، لا على التعادي مطلقا، كيف ونحن مأمورون بمعاداتهم وهم مأمورون بموالاتنا والرجوع إلى الجماعة ؟) (18) اهـ 14- وقال الشاطبي أيضا رحمه الله (19): "حين تكون الفرقة تدعو إلى ضلالتها وتزينها في قلوب العوام ومن لا علم عنده، فإن ضرر هؤلاء على المسلمين كضرر إبليس، وهم من شياطين الإنس، فلا بد من التصريح بأنهم من أهل البدع والضلالة، ونسبتهم إلى الفرق إذا قامت له الشهود على أنهم منهم. فمثل هؤلاء لا بد من ذكرهم والتشريد بهم، لأن ما يعود على المسلمين من ضررهم إذا تركوا أعظم من الضرر الحاصل بذكرهم والتنفير عنهم إذا كان سبب ترك التعيين الخوف من التفرق والعداوة، ولا شك أن التفرق بين المسلمين وبين الداعين للبدعة وحدهم إذا أقيم عليهم أسهل من التفرق بين المسلمين وبين الداعين ومن شايعهم واتبعهم، وإذا تعارض الضرران، فالمرتكب أخفهما وأسهلهما، وبعض الشر أهون من جميعه كقطع اليد المتأكله، إتلافها أسهل من إتلاف النفس، وهذا شأن الشرع أبدا، يطرح حكم الأخف وقاية من الأثقل ". قلت: فهذا هو مذهب السلف، وهذه هي أحكامهم، وهذا هو تعاملهم مع الكتب ومع أهلها أهل البدع، كما ترى في كلام ابن تيمية والبغوي والشاطبي، وفي كلام ابن عبدالبر عن مالك وأصحابه، وكما في كلام الخطيب والموفق ابن قدامة عن الإمام أحمد والسلف قاطبة. ________________ ([1]) في الرد على الأخنائي. ([2]) ((عقيدة الحافظ عبد الغني )) (ص 121). ([3]) الموضوعات (1/51). ([4]) كذا في الأصل ولعله (فهم) ([5]) مجموع الرسائل والمسائل (5/105). (6) أخرجه: الإمام أحمد (3/ 387)، والدارمي (1/ 5 1 1)، وابن عبدالبر في "جامع بيان العلم (2/ 42)، وابن أبي عاصم في "السنة" (5/ 2). وهو حديث حسن. وانظر: الإرواء " (6/ 338- 0 34). ([7]) مجموع الفتاوى (28/520). ([8]) النور : 2. ([9]) المدثر : 5. ([10]) المزمل : 10. ([11]) النساء : 140. ([12]) تفسير سورة النور" لابن تيمية، تحقيق علي العلي عبدالحميد حامد. (ص31-33). (13) انظر (2-117). (14) انظر (6/118). (15) انظر (1/232). ([16]) التوبة : 6. (17) انظر (1/232). ([18]) الاعتصام (1/120). ([ |
| الساعة الآن 08:15 PM. |
Powered by vBulletin
قوانين المنتدى