![]() |
الحديث عن الأدب النسائي، نكوص إلى الفطري ،أم تسلط ذكوري ؟
http://aljazeeratalk.net/forum/uploa...1246206905.jpg عندما نتحدث عن الأدب فإننا لا نقصد الأعمال الأدبية من شعر ونثر ورواية فحسب، بل الحياة الأدبية في مجملها "نشاطات، ومواقف ،وافكار" في محيط اجتماعي ما، والمناخ الفكري الذي يسود ذلك المحيط ،ثم اقتفاء اثر الحرف في رحلته وما يتأتى من أثر خطواته حيث درجت، لنتمكن عندها من إدراك قدرته على نقش هذه الآثار وتخليدها والتغييرٍ الذي أحدثه في معالم دربه الذي سلكه بين منطلقه و مستقره ،"انطلاقاً من رؤية كاتبه.. مروراً بقلمه.. ليكملها بثبات عبر أعين اقرائه لتستقر في أفئدتهم وأذهانهم لا تمّحي ولا تزول" أي تتناول العمليات العقلية التي تؤدي إلى الوعي والمعرفة. ..جمالياتٍ بديعةً لا تؤثّر فيها عوامل النحت والتعرية، ومن هذا المنظور واعتبار أن الحرف الخالد هو ذلك الذي يسلك طريقاً ثابتاً لا يحيد عنه فيجعل النطق العاقل يجسد بحق ميزة الانسان عن غيره من الحيوانات الأخرى،
وبالنظر الى واقعنا الثقافي تجدنا أمام سؤال حرج: هل للحرف جنس؟ وبعبارة أوضح هل يوجد أدب نسائي وآخر رجالي، أم أن الأدب واحد ؟. لا نريد أن تقتصر المساحة على النساء.. لأننا سنناقض قولنا :أن الأدب لغة انسانية لا تعترف بنوعية الجنس، وإذا كان للرجال رأي يدلون به فيما يقال عنه أدب نسائي. فماهي مواصفاتهم للأدب النسائي ؟ وهل التصنيف الا من ابتكارنا نحن العرب لنعكس ثقافتنا، أم سبقنا اليه الغرب ؟. أذكر أن الروائية الفرنسية جورج صاند George Sand مثلا: كانت تتشبه بالرجال في اللباس تنكرا لحياتها العاطفية الفاشلة كامرأة ..لكن لم نسمع أن الأدباء الفرنسيين احتاروا في تصنيف أدبها على مظهرها الرجولي، أم على نوعية جنسها . فإذا كان مصطلح الأدب النسائي يفيد معنى الاهتمام وإعادة الاعتبار الى نتاج المرأة العربية الأدبي وليس مفهوم جنسي "ذكري- انثوي" الذي بصنع اختلاف ضدّي – تناقضي. فإنه يحيلنا على تاريخ عريق للأدب العربي ساهمت فيه المرأة منذ عهود قديمة تعود الى ما قبل الفتح الإسلامي {مثل الشاعرة سلمى بنت مالك بن حذيفة} التي أُهملت مساهماتها بسبب معايير قيميّة ربطت الفنون والآداب وثقافاتهما بنظام قبلي أساسه القوّة، الذي يجعل الرجل ينزع الى التسلّط،،نظام القيم الاجتماعي هذا ،أهمل شعر المرأة وسقط ذكر شاعرات كثيرات، من "الخنساء الى ولادة بنت المستكفي" كما أُهملت فنون النساء.كالتهويدات، ولم تبرز الخنساء دون نظيراتها كـ: ليلى الاخيلية ، ورابعة العدوية ،والفارعة بنت طريف ، وعائشة بنت المهدي...الخ إلا بسبب رثاء أخيها بعيدا عن العواطف. ولاشك أن عملية الإنتاج وسوق الكتابة على الخصوص في الوطن العربي تعرف اليوم معاناة، أمام رقابة التسلط، ‘المفتونة’ بالحظر والمنع تارة والمصادرة والتعصبات الدينية وأعراف بائدة في منظومة مثقفي السوق وعوام المجتمع تارة أخرى، مازلنا ونحن على مشارف نهاية العقد الأول من القرن الواحد والعشرين نحمل صفات مبهمة الاصول، و نحكم العاطفة والعرف بدل العقل. إذا كان البعض يخاف كلمة الصواب ويخشى تجلي الحقيقة فإن المكبوتين هم من يميزون الرجل عن المرأة في كل شيء حتى في الأدب، ما جعل امتنا تتدحرج من عصر الرجولة نحو عصر الذكورة. لنعد الى العصر الذهبي الذي ازدهر فيه الأدب العربي و لنأخذ الخنساء أفصح شعراء الجاهلية واصدق شعراء الإسلام، ولعل موقفها يوم القادسية لخير دليل على صبرها وثباتها وصدق إيمانها، فقد خرجت في هذه المعركة مع المسلمين في عهد عمر ومعها أبناؤها الأربعة ،أوصتهم فقالت: "يا بني لقد أسلمتم طائعين، وهاجرتم مختارين، و والله الذي لا إله إلا هو إنكم بنو امرأة واحدة، ما خنت أباكم، ولا فضحت خالكم... إلى أن قالت: فإذا أصبحتم غداً إن شاء الله سالمين، فاغدوا إلى قتال عدوكم مستبصرين، وبالله على أعدائه مستنصرين، فإذا رأيتم الحرب قد شمرت عن ساقها، وجعلت ناراً على أوراقها، فتيمموا وطيسها، وجالدوا رئيسها عند احتدام خميسها، تظفروا بالغنم والكرامة في دار الخلد والمقامة. " كانت الخنساء من أشعر الناس، ما ورد عنها أن الشاعر النابغة الذبياني كان في سوق عكاظ يجلس على كرسي، ويستمع الى من ينشدونه، ليفاضل بين الأشعار، وذات موسم أنشدته الخنساء قصيدة مطلعها: قذىً بعينيك أم بالعين عوارُ أمْ أقفرتْ إذْ خَلَتْ من أهلِها الدارُ فقال النابغة للخنساء: "لولا أن أبا بصير ((يعني الأعشى)) وحسان بن ثابت أنشداني آنفاً لفضَّلتك على شعراء هذا الموسم كلّهم، ولَقُلْتُ: "إني لم أسمع مثل شِعرك...." أين نحن من عصر الرجولة الذي كان فيه الفرق بين الرجل والمرأة فيما خلق الله، والتفاضل بينهما في ما أمر الله به؟ أما الأدب والفكر فالتمايز في قوة الكلمة وسداد الرأي. اليوم في عصر الذكورة و بزوال نخوة الرجولة العربية ،تحت العوامل الظرفية كالاستعمار والعزو الفكري الغربي ،والتمييز المطبق على المجتمع، الذي ترجم لدى الذكور الى مفاهيم التسلط على الاناث كرد فعل بليد لما يعانيه المشروف أمام الشريف أو المرؤوس أمام الرئيس أصبح التمييز معلنا. فكانت معاناة نون النسوة الكامنة وراء لذة كتابة النص ونشوة التغني والبوح، وهوما رصدته وسائل الاعلام من خلال لقاءات مع الأديبات العربيات. أثناء فعاليات الصالون الأدبي العربي في المنعقد ببروكسيل في الفترة: {الخميس-16ديسمبر-السبت-18ديسمبر2010م} تحت عنوان: "من فتنة الكتابة إلى كتابة الفتنة’ ". هذه الكاتبة الليبية - وفاء البوعيسي – وصمت بالكفر لأنها كتبت عن فتاة مسلمة تنصرت، وبدأت معاناتها بالهجرة والعيش كلاجئة باسم مستعار فهي محرومة من مجرد الدفاع عن نفسها والتعبير عن رأيها ولو من خلال الكتابة، ورواية السورية - منهل السراج - تمنع من النشر لأسباب لا يعرفها الناشر نفسه ويتحجج بالخوف من السلطة..، والشاعرة الجزائرية الأستاذة الجامعية للأدب - زينب الأعوج - يطلب منها في بلد عربي أن تقرأ شعرها من مكانها وسط الحضور داخل القاعة بدل الصعود إلى المنصة مثل الشعراء الرجال،(فلا منصة للنساء عندهم هناك؟؟؟.). ولم تقتصر المراقبة والمنع على المؤسسات بل تعدتها الى البيوت، فهذه الشاعرة الجزائرية مليكة بنزيد تكتب الآن باسم مستعار *كليمة* ، محرومة من اعلاء اسمها، فبعد ان كان اخوها فخورا بها عندما فازت بجائزة مدرسية للقصيدة ...صفعها على وجهها عندما قرأ إحدى قصائدها عن الحب، مما جعلها تفارق ورق الإبداع زمنا طويلا. والغنى كالشعر والنثر ففي عام 1951 م تغني أم كلثوم أغنية:(مصر تتحدث عن نفسها)، وبعد ثورة جويلية يصدر قرار عسكري بمنع أم كلثوم من الغناء...وعلى إثر نزاع على منصب النقيب، وتعيين محمد عبد الوهاب نقيبا للموسيقيين الغى الرئيس جمال عبد الناصر القرار بعد ابلاغه في سبتمبر1952م من قبل مصطفى أمين. نتحدث عن مجتمعات المعرفة وضرورة مد الجسور بين الثقافتين العربية والأوروبية والتخلص من النظرة السلبية تجاه العالم العربي ووصمه بالتأخر والتعصب في وقت يغيب فيه الأدب العربي بشكل كبير عن السوق خاصة إبداعات المرأة؟ مع تزايد الإدراك بالحاجة الى ثقافة جديدة تهيئ الفرد والمجتمع لتحديات عصر جديد عصر التغير المتسارع، عصر المرور من مجتمع الإنتاج إلى مجتمع المعرفة عصر الثورة التكنولوجية. ومقياس التقدم والرقي في القرن القادم سيتمثل حتماً في حسن التحكم في المعرفة. ومع اليقين أن المرأة أكثر جرأة في التعبير عن قضايا المجتمع والتفاعل معها بشكل واضح، وتوظيف الاختلاف، لإثراء الفكر عبر الصراعات المعرفية، بقوم على مبدأ التعددية و اللاتمايز وترك العوائق النفسية الواعية منها و اللاواعية التي يمكن أن تشّكل حاجزاً أمام مزايا الاختلاف. فهل واقع الكتابة الداعي الى الحديث عن الأدب النسائي عندنا نكوص إلى الفطري ،أم تسلط ذكوري أم هي الدعوة الى تشويش ساحة الابداع الأدبي. أكتبُ لا لأنتصرَ على تصحُّرِ الورقْ.. إنما لأسلمَ من احتضارِ يُسرايْ.. يدي التي تكذبُ عليَّ دائماً... لكني مُرغم أنا أن أُصدَّقُها !!! |
| الساعة الآن 06:55 AM. |
Powered by vBulletin
قوانين المنتدى