![]() |
الآباء ينسون كذلك
اسمعني صغيري... تنام وخدك يلتصق بصدرك وشفتاك يعكسان ناصيتك المبللة بالعرق....دخلت غرفتك خلسة وبهدوء..جئت لأقول لك ليلتك سعيدة ولاعترف لك.
قبل قليل عندما كنت منهمكا في قراءة الجريدة بمكتبي أصبت بموجة من الندم...فلقد كنت قاسيا جدا معك هذا النهار، ففي الصباح وعندما كنت تتهيأ للذهاب إلى المدرسة وبختك لأنك مررت المنشفة على أنفك، ثم لمتك لأنك لم تقم بمسح حذائك، وصحت في وجهك لأنك رميت لعبك على الأرض. عند الفطور الصباحي أعدت تذكيرك بالنظام وألقيت عليك درسا في كيفية ترتيب الأشياء ومسح الحذاء كل صباح وكنت تسمعني وعيناك مسمرتين بوجهي وراسك يهتز من فوق إلى تحت علامة الموافقة وانك تسمعني وتفهم ما أقوله لك، بعدها انفلت كاس الحليب من يدك وأسقطته أرضا ونظرت إليك نظرة فيها غضب وحنق منك وقامت والدتك بمسح الحليب بسرعة وقدمت لك كأس أخرى وبقيت أنت تنظر إلي بخوف وذعر رسمتهما عيناك المعلقتين بي عند الغذاء نظرت إليك لأنبهك انك تأكل الطعام بسرعة دون أن تمضغه جيدا وأنك تضع مرفقيك على الطاولة وانك شارد الذهن، وأنك تأكل السلاطة بالملعقة وانك أسرفت في شرب العصير. عند توجهك إلى المدرسة في المساء اتجهت نحوي قبلتني وقلت لي:"إلى اللقاء أبي"، وأجبتك بوجه متجهم وجبين مقطب: "كن عاقلا.." وفي المساء وعند عودتي من العمل نفس الأغنية، أمام البيت كنت تلعب مع أصدقائك الكرة وسط الغبار، ولقد مزقت سروالك، وأهنتك أمام أصدقائك عندما أمرتك أن تتوقف عن اللعب وأن تسير أمامي إلى المنزل، وعند وصولنا دخلنا المنزل وبدأت:" ثمن السروال مرتفع هذه الأيام ولو كنت أنت من تدفع ثمنه لكنت أكثر محافظة عليه"، تصور صغيري أب يمن على ابنه تصور أن يحدث هذا من أب لابنه، هل تتذكر؟ بعدها انسحبت من أمامي وعلى وجهك ارتسمت ملامح الخجل مختلطة بملامح التعاسة نعم صغيري انسحبت بتعاسة انعكست حتى على مشيتك فقد أحنيت ظهرك وطأطأت رأسك. بمكتبي وبينما كنت منهمكا بعملي رفعت رأسي لأجدك أمامي وسألتك بنبرة حادة: "ماذا هناك ماذا تريد؟"، ولم تجبني ويقيت تنظر إلي برهة ثم انطلقت نحوي مسرعا فاتحا ذراعيك وارتميت علي وطوقتني بذراعيك الصغيرتين وحاولت ضمي إليك بكل ذاك الإخلاص الذي يهز المشاعر والذي أزهره الله سبحانه وتعالى في قلبك، ورغم هذا بقيت أنا متمسكا ببرودتي المعهودة، وبعدها هربت مسرعا وسمعت وقع خطواتك وأنت تبتعد. وهنا صغيري انزلقت أوراق كانت بيدي وسقطت على سطح المكتب وشعرت بقشعريرة اجتازت جسمي صاحبها خوف رهيب، هذا ما جنته علي طرقتي في الانتقاد واللوم، أب لا يعرف إلا توجيه اللوم والتوبيخ، إنني أعاقبك لأنك طفل، وليس لأنني منقوص من لمسة حنان وليس لأن الحنان لا يعرف طريقه إلى قلبي، ولكن لأنني انتظرت منك الكثير، لقد حكمت عليك من خلال سنوات تجربتي وخبرتي بالرغم من أنه يوجد بداخلك روح نبيلة فيها الكثير من الكرم والولاء، قلبك الصغير كبير كفجر جديد يبزغ خلف التلال، وأنا لا أريد أن اشهد لك بهذا حتى تأتيني بعفويتك في الليل متمنيا لي ليلة سعيدة، ولننسى البقية الليلة يا صغيري جئتك راكعا أمام سريرك لأعترف لك بكل هذا، وأنا أعرف أنك لن تفهم الكثير من هذه الأشياء حتى لو أردت، ولكن سترى غدا إن شاء الله، فغد يوم جديد وأعدك أنني سأكون لك أب حقيقي وسأكون صديقك، سأضحك عندما تضحك، وسأبكي عندما تبكي، وإذا عاودتني الرغبة في لومك وتوبيخك فسأعض لساني حتى يؤلمني وعندها أتذكر أنه ما علي أن ألومك أو أوبخك، ولن أتوقف عن ترديد "إنه طفل صغير، ما هو إلا طفل صغير" لقد أخطأت صغيري فقد عاملتك كأنك رجل عاقل كبير، الآن وأنا أتأملك في سريك الصغير متعب ووحيد أعرف جيدا أنك لست إلا صبي صغير. بالأمس عندما كنت بين ذراعي والدتك وراسك فوق كتفها انتظرت منك الكثير...الكثير جدا. |
رد: الآباء ينسون كذلك
|
Re: الآباء ينسون كذلك
وفيكم بارك سيدتي
شكرا على مرورك الطيب العطر |
رد: الآباء ينسون كذلك
بارك الله فيك اخي
|
| الساعة الآن 11:31 AM. |
Powered by vBulletin
قوانين المنتدى