![]() |
اعتقال المقدم سمراوي
اعتقال المقدم سمراوي الدلالة والأثر كتبه: احمد شوشان | صوت الجزائر | 16 نوفمبر 2007 اعتقلت السلطات الاسبانية المقدم محمد سمراوي بدون سابق إنذار يوم 22 اكتوبر 2007 بموجب مذكرة ترحيل دولية أصدرتها السلطات الجزائرية منذ سنة 2003 بتهمة الفرار من الخدمة والإضرار بسمعة الجيش وممارسة النشاطات الارهابية، وبعد 3 أيام من الحجز السري حول إلى السجن ثم وضع تحت الرقابة القضائية في انتظار وصول حيثيات الاتهام الذي يحدد القانون مدته باريعين يوما. وعلى أساس ذلك منع سمراوي من العودة إلى ألمانيا حيث يقيم مع عائلته كلاجئ سياسي. وبما أن الإفراج عنه في اليوم الواحد بعد الاربعين من اعتقاله إن شاء الله أمر بديهي ما دامت التهم متعلقة بمقيم نظامي يتمتع بالحصانة كلاجئ سياسي، فإني سأقتصر في هذا المقام على الاشارة إلى دلالة هذا الاعتقال وأثره. فعملية الاعتقال في نظري جزء لا يتجزأ من مشروع الحصار الذي يستهدف شخص الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة بعد أن خابت آمال المراهنين عليه في استكمال مشروع التدمير الذي اطلقوه في 11 يناير1992. فقد استغلوا عدم تورطه في فظائع الأزمة الدموية وزينوا به واجهة النظام حتى يتمكنوا من ترتيب البيت الجزائري على مزاجهم. ولكن فسحة الأجل بعد العملية التي أجراها في فرنسا سمحت لبوتفليقة أن يكتشف ما يراد به وبوطنه الذي شارك في تحريره من الاستعمار الفرنسي، فانخرط في عملية تقويم مفاجئ لمشروعه الاصلاحي وتراجع عن كثير من القرارات الاستراتيجية التي تم تمريرها في غمرة المساومة على عهدته الرئاسية الثانية، خاصة تلك التي تهدد مستقبل المقومات الوطنية المادية منها والمعنوية وعلى رأسها إنشاء القواعد العسكرية الأجنبية على التراب الوطني بعد أن وصلت طلائعها إلى تمنراست وإعادة النظر في قانون المحروقات بعد أن حطت شركة ديك تشيني العملاقة رحالها في الصحراء الجزائرية وإصراره على اعتماد المصالحة الوطنية كمقوم وطني جديد ثابت بعد أن ظن الاستئصاليون أنهم هيئوا كل الظروف لتنصيب رئيس يبسط رداء الشرعية على كل المهام القذرة خلفا لبوتفليقة الذي قصم ظهر البعير بتعيينه رئيسا للحكومة لا يختلف اثنان على أنه ليس أحسن الموجود ولكنه مخلص في تحمسه للمصالحة بين الجزائريين. إن هذه الإجراءات وغيرها عززت الانطباع لدى المتربصين بالجزائر بأن بوتفليقة أصبح عائقا حقيقيا يجب التخلص منه بأي ثمن ومنعه من الترشح لعهدة ثالثة حتى ولو اقتضى الامر تصفيته. و لذلك فقد تركزت الحرب النفسية على المقربين منه في أجهزة الدولة بإثارة قضايا الفساد المختلفة كما اتخذت الاجراءات الميدانية لإجهاض مشروع المصالحة بعرقلة عملية تصفية الملفات ومضايقة المعنيين ببنود ميثاق السلم و دفعهم إلى التراجع عن نبذ العنف والتشكيك في مصداقية الرئيس وقدرته على الوفاء بالتزاماته ثم تطورت الحملة إلى حصار حقيقي للرئيس من خلال إفراغ مشاريع التنمية التي انطلقت على أرض الواقع من مضامينها وإشعال الجبهة الاجتماعية باختلاق أزمات الندرة من خلال احتكار مراكز الانتاج وقنوات الاستيراد وإشعال الجبهة الأمنية من خلال تصعيد وتيرة النشاطات الارهابية و استهداف الحكومة والمؤسسة العسكرية بصفة خاصة لتصل الحرب ذروتها بالتهديد المباشر لحياة الرئيس نفسه. وبعد إطلاق آلة التخريب لإتلاف ما أنجزه بوتفليقة في الداخل جاء الدور على تدمير إنجازاته على الصعيد الدبلوماسي. فالدلالة الحقيقية لعملية الاعتقال بهذه الطريقة هي رسالة صريحة وواضحة للمعارضة في الخارج تهدف إلى ترسيخ الانطباع بأن التحسن المزعوم لسمعة الجزائر في الخارج ومظاهر حسن النوايا التي تتبناها القنصليات الجزائرية في التعامل مع الجالية، سراب لا حقيقة له. وأن النظام الجزائري في عهد بوتفليقة ما زال يعتمد في علاقاته الخارجية على المؤامرة وصفقات التصفية المشبوهة للمعارضين، مما يعزز موقف الرفض والمواجهة لدى بعضهم ويوسع دائرة التحفظ وسوء الظن لدى الأكثرية. وهنا يطرح سؤالان نفساهما: 1 ـ من الذي استرجع مذكرة توقيف روتينية صادرة سنة 2003 من سلة المهملات وأعاد تفعيلها في هذا التاريخ من سنة 2007 ؟ 2 ـ ما الغرض من توظيف الجانب الشكلي للقانون لجعل هذه المذكرة استعجالية فورية التنفيذ من طرف الشرطة الإسبانية؟ اما السؤال المتداول والمتعلق بالمقابل الذي تجنيه إسبانيا من تسليم سمراوي فأنا لا أطرحه لاعتقادي الجازم بأن سمراوي لن يسلم للجزائر لا بمقابل ولا بدونه. إن السلطات الأمنية في المانيا نيابة عن أجهزة الأمن في الإتحاد الأوروبي كله تعلم أن المقدم سمراوي ضابط مخابرات سابق منشق عن النظام الجزائري وهي تعرف عنه وعن حياته كثيرا مما تجهله أجهزة المخابرات الجزائرية نفسها. وليس من المستنكر في نظري أن تتخذ أجهزة الأمن الأوروبية كل الإجراءات التي تضمن لها تأمين السلامة والأمن لأوطانها بما في ذلك مراقبة من تشتبه في أمرهم، وهذا ما لا شك عندي في قيام المخابرات الألمانية به في حق المقدم سمراوي خاصة منذ رفضه مواصلة الخدمة العسكرية وطلبه اللجوء سنة 1996 بناء على اقتناعه بتورط رؤسائه في جرائم ضد الانسانية. والذي أعلمه هو أن المخابرات الألمانية التي تعد عليه أنفاسه تشهد بأن هذا اللاجئ السياسي مقيم ناجح في المانيا على جميع الأصعدة حيث انه استطاع أن يعيد بناء حياته المهنية ويصبح رئيس لجنة دولية للتحكيم في الشطرنج كما أنه استطاع أن يندمج في مجتمعه الجديد ويؤسس أسرة مفيدة للمجتمع الالماني حيث أن أبناءه أبطالا على المستوى الوطني ويمثلون المانيا في المحافل الدولية في لعبة الشطرنج هذا زيادة على تخصصه العلمي كمهندس وتفوق ابنائه في تعليمهم. ولذلك فإن استصدار مذكرة توقيف دولية في حقه من طرف السلطات الجزائرية سنة 2003 لم يكن في الحقيقة سوى اختراقا لسجل الشرطة الدولية بغرض توظيفه شكليا في وقت لاحق، مثله مثل المحاضر الأمنية والأحكام الغيابية المعلنة وغير المعلنة التي أصدرتها عدالة العشرية الحمراء في حق الأغلبية من أبناء الجزائر الأكفاء بغرض توظيفها في الوقت المناسب لمنعهم من الترشح للاستحقاقات السياسية والوظائف السامية للدولة وخلط الأوراق على أي محاولة للتحقيق في فظائع العشرية الحمراء. إن هذا الأسلوب الحقير خيانة عظمى في حق الجزائر وتفريغ لشرعية الدولة من مضمونها واغتيال لتضحيات الشهداء، لأنه السبب الرئيسي في خلود الرداءة والتخلف في الجزائر التي تتمتع بكل مقومات التفوق الرقي. فالسلطة التي سجلت هذه المذكرة سنة 2003 لم تفعل ذلك يوم ترك سمراوي منصبه سنة 1996 كما ينص عليه نظام الخدمة في الجيش لأنها لم تكن تعترف في تلك الفترة بأي قانون غيرالاستئصال والتصفية خارج إطار القانون، ومن ثم فهي تعلم ان مذكراتها لا قيمة لها في ميزان العدالة الدولية في ذلك الوقت. ولكنها كانت تعلم أيضا أن الجانب الشكلي للمذكرة يمكن استغلاله في الوقت المناسب بغرض إلإزعاج وإثارة الشبهات حول الشخص المستهدف وإشاعة البلبلة والاضطراب في أوساط المواطنين، ولذلك سجلت المذكرة لاحقا بعد إعلان الرئيس بوتفليقة عن مشروع المصالحة وعودة الاعتبار المشروط للدولة الجزائرية. وقد حصل ما كان متوقعا بالفعل. حيث تم بموجب تفعيل المذكرة في الوقت المناسب اعتقال سمراوي ومنعه من رئاسة اللجنة الدولية للعبة الشطرنج وتحطيم مستقبله المهني زيادة على تشويه سمعته بتهمة الإرهاب وتعليق حياته أربعين يوما وما يترتب على ذلك من انعكاسات نفسية واجتماعية على حياة افراد عائلته. هذا هو نصيب سمراوي من العقوبة على ما سببه للدوائر الفاسدة في النظام الجزائري من إزعاج و هو الجانب الظاهر من الغرض. أما نصيب الرئيس بوتفليقة فهو الأثر المترتب على ذلك من فضائح سيبدا اكتشافها بعد الأربعين يوما، حيث سيصدر القضاء الاسباني قراره بالافراج عن سمراوي لانتفاء الدعوى المرفوعة ضده لعدم كفاية الأدلة، ويظهر للرأي العام الدولي والمحلي أن المذكرة لم تكن سوى صورة دميمة لتلاعب أجهزة الدولة التي يمثلها رسميا بوتفليقة بقوانين الشرطة الدولية وتوظيفها على طريقة المافيا في الانتقام من المعارضين في الخارج، مما يعيد المبادرة لخصوم بوتفليقة في انتقاد سياساته و التشكيك في مصداقية مشروعه، بل وتسميم الأجواء بإشاعات مغرضة على غرار ما جاء في جريدة ليبرتي بأن ملف سمراوي مطروح للتداول في برنامج الزيارة التي يقوم بها الرئيس الألماني إلى الجزائر. أما الإجابة على السؤال الثاني فهي تعني المجتمع الأوروبي عموما والشعب الاسباني على وجه الخصوص. حيث أن السرعة التي تم بها تفعيل المذكرة والطابع الاستعجالي والسري لعملية الاعتقال يعكسان صورة مزعجة للهشاشة التي تعاني منها الدوائر المعنية بهذه العملية المخجلة. فحتى لو افترضنا أن الجزائر عضو في الاتحاد الأوروبي وجهاز عدالتها في مستوى نظرائه في هذا الاتحاد، فإن اعتقال شخص لا يمكن أن يحصل إلا بعد النظر في حيثيات الدعوى المرفوعة ضده، بحيث لا يكون الاعتقال تعسفيا يلحق الضرر بإنسان بريء. وإذا كان المواطن البسيط يمكنه أن ينتبه إلى ما في المذكرة من الشبهة، فإن التساؤل عن تغافل الأجهزة المختصة عن ذلك يبقى مطروحا. فأولا: المذكرة صدرت سنة 2003 في وقت عاد فيه الاستقرار نسبيا للسلطة في الجزائر بعد تراجعها ظاهريا عن سياستها القمعية الخاطئة في حين أن المتهم غادر الجيش سنة 1996 في ظروف لم يكن ينصح بها لأحد بالبقاء في خدمة سلطة متهمة بجرائم ضد الانسانية. ثانيا: تفعيل هذه المذكرة سنة 2007 يقتضي النظر في الظروف المحيطة بها. فالمعني بهذه المذكرة لاجئ سياسي يتمتع بالحصانة من تعسف السلطة الجزائرية بالذات. وقد حصل على اللجوء بعد تحريات وتحقيق خضع إليه من طرف السلطات الألمانية التي اقتنعت بضرورة حمايته من هذا التعسف. كما أن المعني لاجئ في أوؤوبا منذ أكثر من 10 سنين لم تسجل عليه مخالفات للقانون تجعله محل شبهة رغم تجوله في مختلف الدول الأوروبية. فهل حققت السلطات الاسبانية بهذا الاعتقال سبقا في مجال الأمن تقاصرت عليه همم الأجهزة الأمنية الأوروبية الأخرى طوال هذه المدة؟ ثالثا: إن المذكرة صادرة عن سلطة جزائرية والمعني لاجئ جزائري مقيم في ألمانيا. والواقعية تقتضي أن التعاون في مجال الأمن بين اسبانيا وألمانيا يكون اقوى لاعتبارات لا حصر لها. ولذلك فإن تفعيل هذه المذكرة كان يقتضي التشاور بينهما، لأن الاعتقال التعسفي في حق سمراوي ستترتب عليه مشاكل على أكثر من صعيد: فهو مضر بسمعة الامن والعدالة في اسبانيا لأنه يكشف العشوائية في ادائها و يضع علاقتها مع دوائر الفساد في الجزائر محل شبهة ويعرضها الى الانتقاد من طرف منظمات حقوق الانسان والرأي العام الاسباني. أما ألمانيا فإن تحطيم مستقبل مقيم ناجح على أرضها يزيد من أعبائها المادية في التكفل به وبعائلته كما يبعث فيه الشعور بالاحباط بعد الظلم الغير المبرر الذي تعرض له. هذا زيادة على ما تسبب فيه من الصدمة النفسية التي تعرض لها ابناؤه مما يؤثر على طموحهم في التفوق ويعرقل مسار اندماجهم في مجتمع بفترض ان يشعروا فيه بالامن والاستقرار والحرية لا بالاستهداف والتحفظ والخوف. أما الذي يندى له الجبين فهو أن يقع هذا اللاجئ الأعزل المستهدف من طرف أجهزة أمن مختلفة تحت وطأة ابتزاز متعدد الأوجه. فالقاضي الذي أخذ المبادرة لإصدار الأمر باعتقاله وتجريده من جواز سفره وإجباره على البقاء في اسبانيا على أساس دعوى لم يقم عليها دليل معتبر لم يكلف نفسه عناء تأمين الضروريات الأساسية له من سكن ومعاش. بل إن سمراوي مطالب بالتكفل بجميع مصاريف إقامته المفروضة عليه في إسبانيا من طرف العدالة الإسبانية إلى أجل غير مسمى وبدفع مستحقات المحامي الرسمي الذي عينته له العدالة الاسبانية زيادة على تسديد مستحقات المحامي المعتمد في قضيته والذي طلب منه دفع 20 الف يورو مقابل الدفاع عنه وكأن سمراوي ضبط متلبسا بجريمة خطيرة. أما ما ترتب على ذلك من فقدان الرجل لمنصب عمله والرعب الذي يخيم على أهل بيته منذ اعتقاله وسمعته التي أصبحت محل تساؤل فهذا أمر لا يعني أحدا من الساهرين على تطبيق المذكرة المقدسة الصادرة عن العدالة الجزائرية ذات المصداقية الدولية. إن هذا التعسف في استغلال الجانب الشكلي للقانون وما يقابله من تجاهل للقيم الإنسانية السامية التي يستمد القانون منها قدسيته وشرعيته واستهتار بمشاعر الناس وكرامتهم وما يترتب على ذلك من الإحباط والشعور بالاضطهاد، إن ذلك كله يدفع إلى الاعتقاد بأن أعراض الأمراض المزمنة التي تعاني منها الدول المتخلفة في جنوب البحر الأبيض المتوسط قد أصابت ضفافه الشمالية، وأن على من يعنيهم المحافظة على ازدهار أوروبا ورقيها أن ينتبهوا إلى هذا الانزلاق الذي وإن كان محدود الأثر زمانا و مكانا فإنه من حيث الدلالة خطوة أولى على طريق الانتكاس والتخلف يجب تداركها قبل أن يتسع الخرق على الراقع. ولا يفوتني في الختام أن أذكر كل المخلصين للجزائر المستقلة والأوفياء لتضحيات الشهداء بضرورة الانتباه من غفلة الانسياق وراء البروتوكولات الرسمية التي أصبحت الوسيلة المفضلة لشرعنة الفساد والخيانة في حق الشعب والوطن. فالخائن الحقيقي هو الذي يتآمر مع الأجنبي على الجزائر شعبا ووطنا سواء كان ذلك رسميا أو شخصيا من داخل الجزائر أو من خارجها. وأنا على يقين من أن المؤسسات الأوروبية لن تتآمر مع أية دولة ولا شخص أجنبي على حساب مواطن من شعبها. فلماذا يراد للمعادلة أن تقلب في الجزائر؟ فيشعر المستقوي بالأجنبي والمتعاون معه على تركيع الشعب وتفقيره وإهدار ثرواته أنه جديرا بالتكريم والتمجيد باسم الجمهورية، في حين يرمى الرافض لحمل السلاح ضد المواطنين تحت أي مبرر بتهم باطلة ويلاحق باسم الشعب كأنه فر من معركة المصير ضد عدو خارجي. إن هذه المعادلة يجب إلغاؤها قبل أن تتم بوجبها استضافة الاستعمار ببروتوكول رسمي إلى الجزائر ورد الاعتبار للحركى كمقاومين لأنهم كانوا أحرص على تطبيق القانون الفرنسي من بقية الشعب. و لعل أطرف ما في هذه المعادلة و المحفز الوحيد على الابقاء عليها هو إمكانية إحالة الفارين من الخدمة في الجيش الفرنسي على العدالة ما دامت العبرة بالجانب الشكلي للقانون. |
| الساعة الآن 03:55 AM. |
Powered by vBulletin
قوانين المنتدى