![]() |
هل فرغ منهج ( التصفية و التربية ) من معناه ؟
الكل يعلم أن الفكرة التي جاء بها الشيخ الألباني - رحمه الله - عن التصفية و التربية، هي فكرة جميلة، من صميم منهج أهل السنة، و لهذا لقيت دعوته الترحيب من قبل المسلمين و ذاع صيته في المشارق و المغارب، و أيضا اعتمد بعض علماء الدين في السعودية على نفس المنهج، و منهم الشيخ ابن باز و الشيخ العثيمين، حتى أصبح يعرف هؤلاء بالمشايخ الثلاثة، لكثرة فتاويهم و تأثيرهم على الناس، و انتشار أعمالهم العلمية و الدعوية.
و فعلا بدأ الشيخ الألباني بتنظير فكرته هذه، و بيان معناها البيان الوافي، و ردها إلى أصولها من الكتاب و السنة و عمل السلف الصالح، ثم بدأ بتطبيقها عمليا و دعوة الناس إليها، فنراه مثلا كان يشترك مع مجموعة من علماء الدين الآخرين في تحقيق كتبهم، فكانت كتبهم لا تصدر إلا و معها تحقيقات الشيخ و تعليقاته، و من ذلك مثلا الشيخ البوطي صاحب كتاب فقه السيرة، و كذا الشيخ محمد الغزالي بنفس العنوان، والشيخ يوسف القرضاوي في كتاب الحلال و الحرام ، و الشيخ سيد سابق في فقه السنة ...الخ لكن بعد ذلك تغيّرت الأمور كثيرا، و أصبح بعض تلامذته يحرضونه على القطيعة مع هؤلاء العلماء، و يصعدون من ذلك الخطاب المتطرف الذي يدعو إلى القطيعة و الهجر باسم التصفية و التربية و زاد الوضع سوءا بموت المشايخ الثلاث، حيث تصدر بعدهم رموز من الوهابية المتشددين أمثال النجمي و المدخلي و فالح الحربي، حتى خرجت القضية عن إطارها و أصبحت مسألة أمن قومي بعد أن كانت مجرد دعوة للإصلاح الديني ، و لهذا ندد الكثير من الدعاة و كذا كل الشعوب الإسلامية بهذا المنهج و رفضوا بقاءه في مجتمعهم، و تصدوا للرد عليه و حماية أبنائهم من أخطاره. و لعل ما زاد الطين بلّة هو أن هذا المنهج لم يمرّ مرور الكرام، بل مرّ على سمع و بصر اليهود و أعوانهم في العالم العربي من غرف المخابرات المغلقة، التي طالما فرّخت الإرهاب و زرعت الفتن بين المسلمين. و لهذا وجدنا أن الكثير من تلك الكتب و الأشرطة التي تحمل هذا المنهج الفاسد كانت توزع مجانا و بتمويل خارجي وصل إلى درجة الكونغرس الأمريكي. و لهذا فقد صار ذلك الشعار نقمة بعد أن كان نعمة، و أصبح معنى التصفية : تصفية الدعاة المخلصين و كل من يحاول تغيير الأنظمة الفاسدة أو الدعوة إلى الإصلاح، كما أصبح معنى التربية : تربية أتباعهم على أفكار أجهزة الأمن و حماية السلطات الفاسدة و قد انخدع الكثير بهذا المنهج، الذي ألبس بلباس الدين، و نجح المغرضون في تمريره على الناس لأنهم يظنون أنه نفس الفكرة التي دعى إليها الشيخ الألباني و ابن باز و العثيمين، و شتان بين ما كانوا عليه و بين هؤلاء. |
رد: هل فرغ منهج ( التصفية و التربية ) من معناه ؟
التصفية والتربية يقول الشيخ الألباني - رحمه الله - (( أقول وأخصُّ به المسلمين الثقات ، المتمثلين في الشباب الواعي ، الذي عرف أولاً مأساة المسلمين ، واهتم ثانياً بالبحث الصادق عن الإخلاص وبكل ما أُتيه من قوة … بينما الملايين من المسلمين مسلمون بحكم الواقع الجغرافي أو في تذكرة النفوس – الجنسية أو البطاقة أو شهادة الميلاد – فهؤلاء لا أعنيهم بالحديث ، أعود فأقول : إن الخلاص إلى أيدي هؤلاء الشباب يتمثل في أمرين لا ثالث لهما ؛ التصفية والتربية .التصفية : وأعني بالتصفية : تقديم الإسلام على الشباب المسلم مصفىًّ من كل ما دخل فيه على مِّر هذه القرون والسنين الطوال ؛ من العقائد ومن الخرافات ومن البدع والضلالات ، ومن ذلك ما دخل فيه من أحاديث غير صحيحة قد تكون موضوعة ، فلا بد من تحقيق هذه التصفية ؛ لأنه بغيرها لا مجال أبداً لتحقيق أمنية هؤلاء المسلمين ، الذين نعتبرهم من المصطفين المختارين في العالم الإسلامي الواسع . فالتصفية هذه إنما يراد بها تقديم العلاج الذي هو الإسلام ، الذي عالج ما يشبه هذه المشكلة ، حينما كان العرب أذلاء وكانوا من فارس والروم والحبشة من جهة ، وكانوا يعبدون غير الله تبارك وتعالى من جهة أخرى . نحن نخالف كل الجماعات الإسلامية في هذه النقطة ، ونرى أنه لا بد من البدء بالتصفية والتربية معاً ، أما أن نبدأ بالأمور السياسية ، والذين يشتغلون بالسياسة قد تكون عقائدهم خراباً يباباً ، وقد يكون سلوكهم من الناحية الإسلامية بعيداً عن الشريعة ، والذين يشتغلون بتكتيل الناس وتجميعهم على كلمة ((إسلام)) عامة ليس لهم مفاهيم واضحة في أذهان هؤلاء المتكتِّلين حول أولئك الدعاة ، ومن ثم ليس لهذا الإسلام أي أثر في منطلقهم في حياتهم ، ولهذا تجد كثيراً من هؤلاء وهؤلاء لا يحققون الإسلام في ذوات أنفسهم ، فيما يمكنُهم أن يطبِّقوه بكل سهوله . وفي الوقت نفسه يرفع هؤلاء أصواتهم بأنه لا حكم إلا لله ، ولا بد أن يكون الحكم بما أنزل الله ؛ وهذه كلمة حقٍّ ، ولكن فاقد الشيء لا يعطيه . العلة الأولى الكبرى : بُعدهم عن فهم الإسلام فهماً صحيحاً ، كيف لا وفي الدعاة اليوم من يعتبر السلفيين بأنهم يضيعون عمرهم في التوحيد ، ويا سبحان الله ، ما أشد إغراق من يقول مثل هذا الكلام في الجهل ؛ لأنه يتغافل – إن لم يكن غافلاً حقًّا – عن أن دعوة الأنبياء والرسل الكرام كانت ( أن عبدوا الله واجتنبوا الطاغوت ) . بل إن نوحاً عليه الصلاة والسلام أقام ألف سنة إلا خمسين عاماً ، لا يصلح ولا يشرع ولا يقيم سياسة ، بل : يا قوم اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت . هل كان هناك إصلاح ؟ هل هناك تشريع ؟ هل هناك سياسة ؟ لا شيء ، تعالوا يا قوم اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت ، فهذا أول رسول – بنص الحديث الصحيح – أُرسل إلى الأرض ، استمرَّ في الدعوة ألف سنة إلا خمسين عاماً لا يدعوا إلا إلى التوحيد ، وهو شغل السلفيين الشاغل ، فكيف يُسفُّ كثير من الدعاة الإسلاميين وينحطُّوا إلى درجة أن ينكروا ذلك على السلفيين . التربية : والشطر الثاني من هذه الكلمة يعني أنه لا بد من تربية المسلمين اليوم ، على أساس ألا يفتنوا كما فُتِن الذين من قبلهم بالدنيا . ويقول الرسول عليه الصلاة والسلام : (( ما الفقر أخشى عليكم ولكن أخشى عليكم أن تُفتح عليكم زهرة الحياة الدنيا ، فتهلككم كما أهلكت الذين من قبلكم )). ولهذا نرى أنه قَّل مَنْ ينتبه لهذا المرض فيربي الشباب ، لا سيما الذين فتح الله عليهم كنوز الأرض ، وأغرقهم في خيراته – تبارك وتعالى – وفي بركات الأرض ، قلَّما يُنبه إلى هذا . مرض يجب على المسلمين أن يتحصنَّوا منه ، وأن لا يصل إلى قلوبهم (( حب الدنيا وكراهة الموت )) ، إذاً فهذا مرض لا بد من معالجته ، وتربية الناس على أن يتخلصوا منه . الحل وارد في ختام حديث الرسول عليه الصلاة والسلام : (( حتى ترجعوا إلى دينكم )) . الحل يتمثل في العودة الصحيحة إلى الإسلام ، الإسلام بالمفهوم الصحيح الذي كان عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحابته . قال تعالى : ( إن تنصروا الله ينصُرْكم ) وهي التي أجمع المفسرون على أَنَّ معنى نصر الله : إنما بالعمل بأحكامه ، فإذا كان نصر الله لا يتحقق إلا بإقامة أحكامه ، فكيف يمكننا أن ندخل في الجهاد عملياً ونحن لم ننصر الله ؛ عقيدتنا خراب يباب ، وأخلاقنا تتماشى مع الفساد ، لا بد إذاً قبل الشروع بالجهاد من تصحيح العقيدة وتربية النفس ، وعلى محاربة كل غفلةٍ أو تغافُل ، وكلِّ خلافٍ أو تنازع ( ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحُكم ) وحين نقضي على هذا التنازع وعلى هذه الغفلة ، ونُحِلُّ محلها الصحوة والائتلاف والاتفاق ؛ نتجه إلى تحقيق القوة المادية ( وأعدوا لهم ما استطعْتُم من قوة ومن رباط الخيل ) . أخلاق المسلمين في التربية خراب يباب . أخطاء قاتلة ، ولا بد من التصفية والتربية والعودة الصحيحة إلى الإسلام ، وكم يعجبني في هذا المقام قول أحد الدعاة الإسلاميين – من غير السلفيين ، ولكن أصحابه لا يعملون بهذا القول - : (( أقيموا دولة الإسلام في قلوبكم تقم دولته في أرضكم )) .. إن أكثر الدعاة يخطئون حين يغفلون مبدأنا هذا ، وحين يقولون : إن الوقت ليس وقت التصفية والتربية ، وإنما وقت التكتل والتجمُّع .. إذ كيف يتحقق التكتُّل والخلاف قائم في الأصول والفروع .. إنه الضعف الذي استشرى في المسلمين .. ودواؤه الوحيد يتلخَّص فيما أسلفتُ في العودة السليمة إلى الإسلام الصحيح ، أو في تطبيق منهجنا في التصفية والتربية ، ولعلَّ في هذا القدر كفاية . والحمد لله رب العالمين . |
رد: هل فرغ منهج ( التصفية و التربية ) من معناه ؟
اقتباس:
|
رد: هل فرغ منهج ( التصفية و التربية ) من معناه ؟
أخي الفاضل hichemt بارك الله فيك و نفع الله بعلمك
و شكرا لكلمتك الطيبة، و أنا دائما أرحب بالنقد البناء الذي يثري الحوار، و يبني الأفكار و يصلح الأغلاط. كلمة الشيخ الألباني - رحمه الله - جيدة في عمومها، و لكن أرى فيها شيئين ينبغي التنبيه عليهما : 1- ظاهر كلامه أنه يريد للدعاة أن يقتصروا على الدعوة للتوحيد و محاربة الشركيات فقط، و أن يتخلو عن كل نشاط دعوي آخر بما في ذلك المساهمة في المجال السياسي، فهو يتذرع لترك السياسة بكوننا بحاجة إلى التوحيد فإن كان هذا هو قصده - رحمه الله - فنحن نخالفه في ذلك، لأنه في الحقيقة لا تعارض أبدا بين الدعوة إلى التوحيد و بين النشاط السياسي للدعاة إلى الله تعالى و مما يدل على ذلك ما جاء في قوله تعالى في قصة شعيب عليه السلام ( اعبدوا الله ما لكم من إله غيره و أوفوا الكيل و الميزان ) فدعوته لهم إلى التوحيد لم يمنعه من أمرهم في نفس الوقت بإقامة العدالة و الكف عن التطفيف في الميزان، و هو لا شك أمر من السياسة الشرعية. 2- ثم إن الشيخ - رحمه الله - في قوله : اقتباس:
و يستشف تحديدا من قوله ( التجمع و التكتل) أنه يقصد جماعة الإخوان المسلمين. و مع أنني لم أسمع في حياتي مرجعا دينيا إخوانيا يقول إن الوقت ليس وقت تصفية و تربية و إنما هو وقت تكتل و تجميع، بل في الحقيقة هم لا يخالفون الشيخ في التصفية و التربية، و حتى هو أيضا أعتقد أنه لا يخالفهم في التكتل و التجمع لأنه و جماعته يفعلون الشيء نفسه. و لئن كان هناك خلاف قديم بين تيار الشيخ الألباني و تيار الإخوان المسلمين، فإننا اليوم نشهد تحولات أخرى كبيرة لا ينبغي إغفالها، حيث أن أكثر المنتمين لجماعة الإخوان المسلمين اليوم بقياداتهم و قاعدتهم الشعبية ما هم إلا جزء من التيار السلفي نفسه الذي ينتهجه الشيخ الألباني، مع اختلافات اجتهادية في أمور أخرى ليس التصفية و التربية واحد منها. و الخلاصة يا أخ هشام، أن كلام الشيخ نظريا عن التصفية و التربية صحيح لا غبار عليه و لكن التساؤل المطروح و الذي ورد في العنوان : هل فرغ منهج ( التصفية و التربية ) من معناه ؟ و تعليقك لم يجب عليه يا أخي هشام. و في الختام، أشكرك مجددا على تبنيك لقاعدة ( الدفع بالتي هي أحسن ) |
رد: هل فرغ منهج ( التصفية و التربية ) من معناه ؟
السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته
بارك الله فيك أخي منير . سأتابع هذا الموضوع الى النهاية إن شاء الله و منكم ومن جميع الإخوة نستفيد دمت بود |
رد: هل فرغ منهج ( التصفية و التربية ) من معناه ؟
مرحبا أخي almohalhil
شكرا على لطف المتابعة، و نرغب في معرفة رأيك أيضا |
| الساعة الآن 07:47 PM. |
Powered by vBulletin
قوانين المنتدى