![]() |
فياله من منظر ما
وتصور نفسك وقد بدا لك منه الرضا والرحمة والمغفرة فتكاد روحك أن تطير من بدنك فرحًا فكيف لو سمعت من الله عز وجل الرضا عنك والمغفرة لك فأمن خوفك وسكن حذرك وتحقق أملك ورجاؤك بخلود الأبد وأيقنت بفوزك ونعيمك أبدًا لا يفنى ولا يبيد وطار قلبك فرحًا وابيض وجهك وأشرق وأنار.
ثم خرجت إلى الخلائق مستنير الوجه قد حل بك أكمل الجمال والحسن كتابك بيمينك وقد شخصت أبصار الخلائق إليك غبطة لك وتأسفًا على أن ينالوا من الله عز وجل مثل ما نلت. وتصور نفسك إن لم يعف عنك ربك وأيقنت بالهلاك وذهب بك إلى جهنم مسود الوجه تتخطى الخلائق بسواد وجهك وكتابك في شمالك أو من وراء ظهرك تنادي بالويل والثبور والملك آخذ بعضدك ينادي هذا فلان بن فلان قد شقي شقاء لا يسعد بعده أبدًا. وتصور الصراط وهو الجسر المنصوب على متن جهنم قدامك وتصور ما يحل بك من الوجل والخوف الشديد حين رفعت طرفك فنظرت إليه بدقته وحوضه وجهنم تضطرب وتتغيض وتخفق بأمواجها من تحته. فيا له من منظر ما أفظعه وأهوله وسماعك شهيقها وتغيظها وقصف أمواجها وجلبة ثورانها من أسفلها وقد اضطررت على المشي عليه وقد مرت عليك صفته. ثم قيل لك وأنت تنظر إلى الجسر بفظاظته وفظاعته وقيل للخلق معك اركبوا الجسر الذي هو الصراط فتصور حالتك وخفقان قلبك ورجفان جسمك مما عاينت من المزعجات والكروب والشدائد والأهوال وعظائم الأمور وقلة المأكل والمشرب والراحة. ولما قيل اركب طار عقلك رعبًا وخوفًا ثم إذا رفعت رجلك وأنت تنتفض لتركب الجسر فوقع قدمك على حدته ودقته فازداد فزعك وازداد رجفان قلبك ورفعت رجلك الأخرى وأنت مضطرب تتمروج من شدة الخوف العظيم وقد أثقلتك الأوزار وأنت حاملها على ظهرك وأنت تنظر إلى الناس يتهافتون من بين يديك ومن ورائك. فتصور مرورك عليه بضعفك وثقلك وأوزارك وقلة حيلتك وأنت مندهش مما تحتك وأمامك ممن يئنون ويزلون وقد تنكست هاماتهم وارتفعت أرجلهم وآخرون يختطفون بالكلاليب وتسمع العويل والبكاء والأصوات المزعجات المناديات بالويل والثبور. فيا له من منظر فظيع ومرتقى ما أصعبه ومجاز ما أضيقه ومكان من أهوله وموقف ما أشقه وكأني بك مملوء من الذعر والرعب والقلق ملتفتًا يمينًا وشمالاً إلى من حولك من الخلق وهم يتهافتون قدامك في جهنم وأنت تخشى أن تتبعهم إلى قعر جهنم. فتصور هذا بعقلك ما دمت في قيد الحياة قبل أن يحال بينك وبينه فلا يفيدك التفكير لعلك أن تتلافى تفريطك وتحاسب نفسك قبل أن يفوت الأوان فتبوء بالفشل والخيبة والحرمان. وتصور حالتك إن بؤت بالخسران وزلت رجلك عن الصراط ووقعت فيما كنت تحاذر وتخاف وطار عقلك ثم زلت رجلك الأخرى فنكست على هامتك وعلت رجلاك فلم تشعر إلا والكلوب قد دخل في جلدك ولحمك. فجذبت به وبادرت إليك النار ثائرة غضبانة لغضب مولاها وقد غلب على قلبك الندم والتأسف على أوقات ضيعتها فيما يسخط الله. وتصور سماعك لنداء النار بقوله عز وجل: âهَلِ امْتَلَأْتِá[ق: 30] وسمعت إجابتها له âهَلْ مِن مَّزِيدٍá [ق: 30]. وهي تلتهب في بدنك لها قصيف في جسدك ثم لم تلبث أن تفطر جسمك وتساقط لحمك وبقيت عظامك محترق تطلب منهم ماء أو نحوه فأجابوك بالرد والخيبة فتقطع قلبك حسرة وأسفًا. قال الله جل وعلا وتقدس: âوَنَادَى أَصْحَابُ النَّارِ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُواْ عَلَيْنَا مِنَ الْمَاء أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللّهُ قَالُواْ إِنَّ اللّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَá [الأعراف: 50] فيا خيبة من هذا حاله وهذا مآله. لقد تقطع قلبك حزنًا إذ خيبوا أملك فيهم وبما رأيت من غضبهم عليك لغضب ربك عز وجل ففزعت إلى الله بالنداء بطلب الخروج منها فبعد مدة الله أعلم بها جاء الجواب: âاخْسَؤُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِá [المؤمنون: 108]. فلما سمعت النداء بالتخسئة لك ولأمثالك بقي نفسك من شدة الضيق والألم والحسرة مترددًا في جوفك لا مخرج له فضاقت نفسك ضيقًا شديدًا لا يعلم مداه إلا الله. وبقيت قلقًا تزفر ولا تطيق الكلام ثم أتاك زيادة حسرة وندامة حيث أطبق أبواب النار عليك وعلى أعدائه فيها فانقطع الأمل كليًا. فيا إياسك ويا إياس سكان جهنم حين سمعوا وقع أبوابها تطبق عليهم قال الله جل وعلا وتقدس: âإِنَّهَا عَلَيْهِم مُّؤْصَدَةٌ فِي عَمَدٍ مُّمَدَّدَةٍá [الهمزة: 9]. فعلموا عند ذلك أن لا فرج أبدًا ولا مخرج ولا محيص لهم من عذاب الله خلود فلا موت وعذاب لا زوال له عن أبدانهم ودوام حرق قلوبهم. أحزان لا تنقضي وهموم وغموم لا تنفد وسقم لا يبرأ وقيود لا تحل وأغلال لا تفك قال تعالى: âإِذِ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَالسَّلَاسِلُ يُسْحَبُونَ فِي الْحَمِيمِ ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَá [غافر: 72]. وقال تعالى: âفَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِّن نَّارٍ يُصَبُّ مِن فَوْقِ رُؤُوسِهِمُ الْحَمِيمُ يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ وَلَهُم مَّقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ كُلَّمَا أَرَادُوا أَن يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِá [الحج: 22]. ثم أطلعت النار على ما في جوفك فأكلت ما فيه وأنت تنادي وتستغيث فلا ترحم حتى إذا طال فيها مكثك واشتد بك العطش. فذكرت الشراب في الدنيا فزعت إلى الجحيم فتناولت الإناء من يد الخازن الموكل بعذابك فلما تناولته تمزعت كفك من تحته واحترقت من حرارته ثم قربته إلى فمك والألم بالغ منك كل مبلغ فشوى وجهك وتساقط لحمه. ثم تجرعته فسلخ حلقك ثم وصل إلى جوفك فقطع أمعاءك قال الله جل وعلا: âوَسُقُوا مَاء حَمِيماً فَقَطَّعَ أَمْعَاءهُمْá [محمد: 15]. وقال جل وعلا وتقدس: âوَيُسْقَى مِن مَّاء صَدِيدٍ يَتَجَرَّعُهُ وَلاَ يَكَادُ يُسِيغُهُ وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِن كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ وَمِن وَرَآئِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌá [إبراهيم: 17]. ثم ذكرت شراب الدنيا وبرده ولذته فبادرت إلى الحميم لتبرد به كبدك كما تعودت في الدنيا فسقيت فقطع أمعاءك والحميم شراب كالنحاس المذاب يقطع الأحشاء والأمعاء ثم بادرت إلى النار رجاء أن تكون أهون منه ثم اشتد عليك حريق النار فرجعت إلى الحميم قال الله تعالى: âيَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍá [الرحمن: 44] وقال في الآية الأخرى: âإِذِ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَالسَّلَاسِلُ يُسْحَبُونَ فِي الْحَمِيمِ ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَá [غافر: 72]. فقدر نفسك مع الضائعين والخاسرين لعلك أن تلحق بالأبرار والمقربين وتصور حالتك لما اشتد بك الكرب والعطش وبلغ منك كل مبلغ وذكرت الجنان وما فيها من النعيم المقيم والعيش السليم. وهاجت الأحزان وهاجت غصة في فؤادك إلى حلقك أسفًا على ما فات من رضا الله عز وجل وحزنًا على نعيم الجنة. ثم ذكرت شرابها وبرد مائها وذكرت أن فيها بعض القرابة من أب أو أم أو ابن أو أخ أو غيرهم من القرابة أو الأصدقاء في الدنيا فناديتهم بقلب محزون. لا يرحم بكاؤهم ولا يجاب دعاؤهم ولا يغاثون عند تضرعهم ولا تقبل توبتهم ولا تقال عثرتهم غضب الله عز وجل عليهم فلا يرضى عنهم أبدًا فمثل نفسك بهذا الوصف إن لم يعف عنك ربك لعلك أن تستيقظ فتستدرك. فلو رأيت المعذبين وقد أكلت النار لحومهم ومحت محاسن وجوههم واندرس تخطيطهم فبقيت العظام محترقة مسودة وقد قلقوا من شدة تكرر العذاب الأليم قال تعالى: âوَ أَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الأَلِيمَá [الحجر: 50]. وهم ينادون بالويل والثبور ويصرخون بالبكاء والعويل قال الله جل وعلا وتقدس: âوَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحاً غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُá [فاطر: 37]، وقال: âوَإِذَا أُلْقُوا مِنْهَا مَكَاناً ضَيِّقاً مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُوراً لَا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُوراً وَاحِداً وَادْعُوا ثُبُوراً كَثِيراًá [الفرقان: 14]. فلو رأيتهم لذاب قلبك فزعًا ورعبًا من سوء خلقهم ولخرجت روحك من نتن رائحتهم فيكف لو نظرت نفسك وأنت فيهم وقد زال من قلبك الأمل والرجاء ولزمك القنوط والإياس فمثل نفسك لعلك أن تتأثر فتستعد للقاء الله. ونظرت إلى النار وهي تشتعل في أجزاء بدنك فتدخل أذنيك وعينيك ولا تقدر على إبعادها عنك لملازمتها لك قال الله تعالى: âإِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَاماً إِنَّهَا سَاءتْ مُسْتَقَرّاً وَمُقَاماًá [الفرقان: 66]. فهناك يغلب على قلبك التأسف والحسرات والندامة قال جل وعلا وتقدس: âوَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِá [مريم: 39]. فتصور تلك الأهوال والعظائم بعقل فارغ وعزيمة صادقة وراجع نفسك ما دمت في قيد الحياة وتب إلى الله توبة نصوحًا عن ما يكره مولاك وتضرع إليه وابك من خشيته لعله يرحمك ويقيل عثرتك فإن الخطر عظيم والبدن ضعيف والموت منك قريب. انتهى بتصرف من كلام المحاسبي -رحمه الله-. |
| الساعة الآن 10:01 AM. |
Powered by vBulletin
قوانين المنتدى