![]() |
الاستدلال بالنَّص الشَّرعي بين الإستبصار والإستنصار
الاستدلال بالنَّص الشَّرعي بين الإستبصار والإستنصار الكاتب أحمد معمر وفقه الله - تيارت - إنَّ من الباحثين في المسائل الشرعية والمباحث الخلافية ، من قد لا يقصّر في توسيع الإطّلاع على نصوص الأدلة ، وإفساح البحث عن ألفاظها ، لكن قد يفوته أن يطرح قناعاته الأولية ، وما ركز في نفسه من أحكام مسبقة قبل الدّخول على النّص فيشرع في تناول دلالات الأدلة شروع من يرتقب من دراستها دليلا على ما سبق إلى قناعته ، وربّما استبعد أن تعارض مذهبه ، فيلتمس من كلّ دليل ينظر فيه ، حجّة تؤيد رأيه وتسوّغ فهمه (1) وهذا الأسلوب في التّعامل مع الأدلة ، في ظلّ هذه الخلفية الفكرية ، لا شكّ أنه يعود بالخلل على طريقة إستخراج المعاني والأحكام من الأدلة وترجيح الأقوال ، فيرجّح غير الرّاجح واهما أنّه استجاب لقوّة الدّليل ، وهو في نفس الأمر اطمئنان من نفسه لشيء معهود ليس إلاّ ، كما قال الشّيخ المعلمي رحمه الله تعالى : (وإذا سبق إلى نفس الإنسان أمر-وإن كان ضعيفا عنده- ثمّ اطّلع على ما يحتمل موافقة ذلك السّابق ، ويحتمل خلافه ، فإنّه يترجّح في نفسه ما يوافق السّابق ، وقد يقوى ذلك في النّفس جدّا وإن كان ضعيفا) (2) كمن استبق البحث والتحرير ، باعتقاد حكم الحرمة لمسألة ما - مثلا- ثمّ طفق يبحث في الأدلّة الشرعية ، فستجده يفسّر دلالات الدّليل بما يتلاءم مع ما خامر عقله من قبل ، من اعتقاد الحرمة - من حيث يشعر أو لا يشعر - وإذا ضعفت تقواه ، وقلّ تحرّزه ، فسينخدع لهوى نفسه المائل مع صورة اتباع الدليل ! وهذا المحلّ معثر أفهام ، فإنّ طبيعة ظواهر الأدلّة قد لا تبخل بالتّشكّل وفق مراد المستدلّ المتعنّت ! إذا تفلّت من قواعد الإستدلال وضوابط تفسير الادلّة ، فيكون مع الدّليل ، كصانع الفخار مع الطين ، ينشئ من عجينته ما يهواه ولا يعزب عن البصراء أنّ هذه المسالك ممّا تبتلى فيها القلوب ، ويمحّص بها ما في الصدور ولذلك ليس من الإنصاف في شيء ، أن نقرأ الأدلة والنّصوص الشّرعية قراءة استنصار فنتكلّف تنزيل ظواهر دلالاتها على نحو ينصر آراءنا الخاصة ، ممّا قد استحسنا قبوله قبل تأمّل الدّليل ؛ لأنّها قراءة فاسدة ! نحرم بها أنفسنا الإنتفاع بنور الأدلة الشرعية ، وهدايتها إلى مراد الله عزّ وجلّ . بل الواجب أن نقرأ الأدلّة الشرعيّة قراءة استبصار ، نستبصر بها الحكم الشرعي ، فنسلم القياد لمقتضى النّص ، وفق المنهج العلمي للاستدلال ، حتى ننتهي إلى ما تصير إليه الحجّة الشرعية ، غير مكترثين بالتّخلّي عن أيّ رأي أو أيّ مذهب ، أنسنا إليه في غياب الدّليل . قال ابن الجوزي رحمه الله تعالى : (إنّما ينبغي للإنسان أن يتّبع الدّليل ، لا أن يتّبع طريقا ويتطلّب دليلها) (3) وقد تولّى الإمام الشاطبي على طريقته في التّأصيل ، كشف سبيل أحد الأدلّة وميّز بين مسالك الإستهداء بالنّصوص الشّرعية فقال رحمه الله : ( فاعلم أنّ أخذ الأدلّة على الأحكام يقع في الوجود على وجهين : أحدهما : أن يؤخذ الدّليل مأخذ الإفتقار واقتباس ما تضمنه من الحكم ، ليعرض عليه النّازلة المفروضة ، لتقع في الوجود على وفاق ما أعطى الدّليل من الحكم . أمّا قبل وقوعها فبأن توقع على وفقه ، وأمّا بعد وقوعها فليتلافى الأمر ، ويستدرك الخطأ الواقع فيها ، بحيث يغلب على الظّنّ أو يقطع بأنّ ذلك قصد الشّارع ، وهذا الوجه هو شأن اقتباس السلف الصّالح الأحكام من الأدلّة . والثّاني : أن يؤخذ مأخذ الإستظهار على صحّة غرضه في النّازلة العارضة ، أن يظهر بادئ الرّأي موافقة ذلك الغرض للدّليل ، من غير تحرّ لقصد الشّارع ، بل المقصود منه تنزيل الدّليل على وفق غرضه ، وهذا الوجه هو شأن اقتباس الزائغين الأحكام من الادلّة . ويظهر هذا المعنى من الآية الكريمة : (فأمّا الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله ) [آل عمران : 7] ، فليس مقصودهم الإقتباس منها ، وإنّما مرادهم الفتنة بها بهواهم ، إذ هو السّابق المعتبر ، وأخذ الأدلّة فيه بالتّبع لتكون لهم حجّة في زيغهم ، (والرّاسخون في العلم) [آل عمران: 7] ليس لهم هوى يقدّمونه على أحكام الأدلّة فلذلك : (يقولون آمنّا به كلّ من عند ربّنا) [آل عمران :7] ويقولون : (ربّنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا) [آل عمران : 8] ، فيتبرؤون إلى الله ممّا ارتكبه أولئك الزّائغون . فلذلك صار أهل الوجه الأوّل محكّمين للدّليل على أهوائهم ، وهو أصل الشّريعة ؛ لأنّها إنّما جاءت لتخرج المكلّف عن هواه حتّى يكون عبدا لله . وأهل الوجه الثاني يحكمون أهواءهم على الأدلّة ، حتى تكون الادلّة في أخذهم لها تبعا ) (4) اهـــ كلامه رحمه الله ، وفيه ما يهدي اللبيب إلى أنّ جادة السلف تعظيم حرمة النّصوص ، باستعراض الأحكام على محجّتها ، والإذعان للازم حجّتها ، فلا يثبت عندهم لشيء قرار ، حتى تنتصب أدلّته ، وتصحّ براهينه ، خلافا لأهل الزيغ والبدعة ، الّذين تسبق أهواؤهم المختلة مقتضى صحيح الأدلة ، فينتحلون العقائد والآراء ، ثمّ يستتبعون نصوص الشّرع لتأكيدها ، كرها على كره ! قال ابن تيمية رحمه الله : (وأهل البدع سلكوا طريقا آخر ابتدعوها اعتمدوا عليها ، ولا يذكرون الحديث ، بل ولا القرآن في أصولهم ، إلاّ للإعتضاد لا للإعتماد) (5) . وقال الإمام وكيع رحمه الله : (من طلب الحديث كما جاء فهو صاحب سنة ، ومن طلب الحديث ليقويّ هواه فهو صاحب بدعة ) (6) علينا أن نتجاوز حسن الظّنّ بأنفسنا ، ونرتقي إلى مستوى أهلية الإستدلال في موارد النّزاع ، بإعداد العدّة الإيمانية والعلمية ، لتنصرف قلوبنا إلى الإخلاص والتّجرّد على عتبة الدّليل حتى ييسّر الله علينا الإنفكاك من أسر أفكارنا وآرائنا المسبقة بعرض اقتناعاتنا على الحجة الشرعيّة ، وعدم التّقدّم بأحكامنا بين يدي الكتاب والسنة . قال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله : (لكن بلاء بعض العلماء أنّهم يحكمون قبل أن يستدلّوا ، أو يعتقدون قبل أن يستدلّوا ، ونحن نقول استدل ثمّ اعتقد ، استدل ثمّ احكم ، هذا الصواب ) (7) ، (فالإنسان يجب ان يفهم النصوص على ما هي عليه ، ثمّ يكون فهمه تابعا لها ، لا أن يخضع النّصوص لفهمه أو لما يعتقده ، ولهذا يقولون : استدل ثمّ اعتقد ، ولا تعتقد ثمّ تستدل ؛ لأنّك إذا اعتقدت ثمّ استدللت ربّما يحملك اعتقادك على ان تحرّف النّصوص إلى ما تعتقده ، كما هو ظاهر في جميع الملل والمذاهب (8) المخالفة لما جاء به الرّسول - عليه الصلاة والسلام - تجدهم يحرّفون هذه النّصوص ؛ لتوافق ما هم عليه ) (9) . من استدلّ ثمّ اعتقد ، فقد رشد ومن اعتقد ثمّ استدلّ فقد زلَّ والحمد لله ربّ العالمين . الهامش : (1) - والباحث الذي يستصحب هذه النفسية ، قد يغريه أن يجد ظواهر الأدلة طيّعة أمام غرضه ، فإنّ دلالاتها لا تتأبّى حتّى على تمحّل المبطلين فيولّدون منها - بعد تعسف - ما ينصر تحريفهم قال الإمام الشاطبي : (ولذلك لا تجد فرقة من الفرق الضّالة ولا أحدا من المختلفين في الأحكام ، لا الفروعية ولا الأصولية يعجز عن الإستدلال على مذهبه بظواهر من الأدلة ) اهــ [ الموافقات (3/544)] (2) - التنكيل بما في تأنيب الكوثري من الأباطيل (1/56) (3) - صيد الخاطر (ص 29) (4) - الموافقات (3/54 و 55) (5) - منهاج السنة النبوية (7/37) (6) - نقله الإمام البخاري في كتابه (جزء رفع اليدين) (ص 105) (7) - (جلسات رمضانية 1410 هــ - 1415 هــ ) لابن عثيمين - (الدرس 19/ص4) أصله دروس صوتية مفرغة (8) - ما فتيء اهل العلم يبيّنون أنّ سبيل الإعتقاد قبل الإستدلال ، مروق عن منهج السلف ، وأنّه مدرجة اهل الأهواء إلى إفكهم الآثم من تأويل فاسد وتحريف كاسد ، ينظر (الصواعق المرسلة) (1/230 وما بعدها ) . (9) - القول المفيد بشرح كتاب التوحيد (ص 49) . المصدر : العدد التَّاسع والعشرون لمجلَّة الإصلاح السَّلفية - الجزائر |
| الساعة الآن 02:02 PM. |
Powered by vBulletin
قوانين المنتدى