![]() |
طعنهم في بيعة الحاكم الذي ليس من قريش
طعنهم في بيعة الحاكم الذي ليس مِن قريش !
الرد على الشبهة [5] اشتراط كون الحاكم من قريش : صحيح ؛ ولكن إنما يُنظر إليه في حال الاختيار , أي : عند اختيار أهل الحلّ والعقد وليَّ الأمر . أما في حال تولِّي غير القرشيّ بالغلبة , والقوة , وحصول الخلافة له , وتمكُّنه من الأمر ؛ فلا تجوز حينئذٍ منازعته , ولا الخروج عليه , ولا استبداله , ولو وُجد القرشيّ . فائدة : وكذلك فإن من المتقرر : عدم جواز الخروج على الحاكم المسلم , ولا نزعُه لاستبداله ؛ ولو وُجد الأفضل المستكمل للشروط . نُقولٌ على ما نَقول بيان الدليل على اشتراط أن يكون الخليفة قرشياً من الأدلة : حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - ( خ : 3495 - م : 4678 ) : « الناس تبعٌ لقريش في هذا الشأن . . . » . وحديث ابن عمر - رضي الله عنهما - ( خ : 3501 - م : 4681 ) : « لا يزال هذا الأمر في قريش ما بقي منهم اثنان » . بيان المنع من الخروج على الحاكم المتغلِّب ولو لم يكن قرشياً قد أجمع العلماء على طاعة الحاكم المتغلِّب ؛ وإجماعهم هذا مطلق لا تقييد فيه : قال الحافظ ابن حجر - رحمه الله - ( الفتح 13/9 ، تحت الحديث رقم : 7053 ) : « قال ابن بطال . . . أجمع الفقهاء على وجوب طاعة السلطان المتغلَّب والجهاد معه وأن طاعته خير من الخروج عليه . . . » انتهى . وقال الإمام محمد بن عبد الوهاب - رحمه الله - ( الدرر السنية 7/239 ) : « الأئمة مجمعون من كل مذهب على أن من تغلّب على بلدٍ أو بلدان ؛ لـه حكم الإمام في جميع الأشياء » انتهى . وقال العلامة عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن - رحمهم الله - ( مجموعة الرسائل والمسائل النجدية 3/168 ) : « وأهل العلم . . . متّفقون على طاعة من تغلّب عليهم في المعروف , يرون نفوذ أحكامه وصحة إمامته ؛ لا يختلف في ذلك اثنان . . . » انتهى . أقول : ولا تستغرب هذه الإجماعات ؛ فقد أشار النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى ولاية غير القرشيّ : فقال أبوذر - رضي الله عنه - ( م : 4732 ) : ( أوصاني خليلي أن أسمع وأطيع , وإن كان عبداً مجدّع الأطراف ) . وجاء في حديث أم الحصين - رضي الله عنها - تفسير هذا بما يُشعر بالتغلُّب ( م : 4793 ) : « إن أُمّر عليكم عبدٌ مُجدّع . . . يقودكم بكتاب الله : فاسمعوا وأطيعوا » . قال الإمام النووي - رحمه الله - ( شرحه ، جزء 11 – 12 ، ص 429 ، تحت الحديث السابق ) : « . . . وتتصور إمامة العبد إذا :ولاّه بعض الأئمة , أو تغلّب على البلاد بشوكته وأتباعه ؛ ولا يجوز ابتداء عقد الولاية له مع الاختيار ؛ بل شرطها الحرية » انتهى . وقال الإمام ابن عثيمين - رحمه الله - ( شرح رياض الصالحين 3/331 ، ط الوطن ) : « قال - صلى الله عليه وسلم - : ( أوصيكم بتقوى الله , والسمع والطاعة , وإن تأمّر عليكم عبدٌ حبشيّ ) : السمع والطاعة : يعني لولي الأمر . وإن تأمر عليكم عبد حبشي : سواء كانت إمرته عامة - كالرئيس الأعلى في الدولة - , أو خاصة - كأمير بلدة أو أمير قبيلة وما أشبه ذلك - . وقد أخطأ من ظنّ أن قوله « وإن تأمر عليكم عبد حبشي » أن المراد بهم الأمراء الذين دون الولي الأعظم - الذي يسميه الفقهاء ( الإمام الأعظم ) - ؛ لأن الإمارة في الشرع تشمل : الإمارة العظمى - وهي الإمامة - , وما دونها - كإمارة البلدان والمقاطعات والقبائل وما أشبه ذلك - » انتهى . وقال - رحمه الله - ( شرح رياض الصالحين 6/385 ، ط الوطن ) : « فلو فُرض أن السلطان غلب الناسَ واستولى وسيطر , وليس من العرب , بل كان عبداً حبشياً : فعلينا أن نسمع ونطيع . . . » انتهى . وتطبيقاً لهذه الإجماعات : فقد اعتدّ العلماء الأكابر في هذا العصر كـ : سماحة شيخي الشيخ الإمام عبد العزيز ابن باز , وفضيلة الشيخ الإمام محمد ابن عثيمين , وغيرهم - رحم الله الجميع - ؛ بحكم آل سعود - وفقهم الله - مع أنهم ليسوا من قريش . بيان المنع من الخروج على المسلم المفضول لغرض تولية الفاضل قال الغزاليّ - رحمه الله - في سياق منعه من استبدال مفضول بفاضل [6] : « . . . فلا يُهدم أصلُ المصلحة شغفاً بمزاياها , كالذي يبني قصراً ويهدم مصراً » انتهى . أقول : فـ( المصلحة ) : في معنى بقاء الحاكم الجاهل بالأحكام أو الفاسق أو غيرهما من المفضولين . و ( مزاياها ) : في معنى فائدة تولية الفاضل العالِم أو الصالح أو غيرهما . ومن القواعد المقررة في الشريعة : 1. قاعدة : ( درء المفاسد مقدم على جلب المصالح ) ؛ 2. وقاعدة : ( لا يجوز إزالة الشرّ بما هو أشرّ منه ) وانظر كلام الإمام ابن القيم - رحمه الله - ( إعلام الموقعين 3/12 ) . كما قد حكى الإمام ابن باز – رحمه الله - الإجماع على هذه القاعدة , ( وسيأتي كلامه ) . والخروج على المسلم المفضول فيه من المفاسد ما هو أشدّ على المسلمين من بقائه ؛ من : سفك للدماء , وإظهار للفتن , وإضاعة للأمن , وتعطيل للحدود ؛ فهو من إزالة الشرّ بأشرّ منه . ومن أظهر مفاسده : أنه يؤدي إلى عدم استقرار بيعة أحد ؛ لأنه مهما كان صلاح ولي الأمر فلا بدّ أن يوجد من هو أفضل منه , ولو بعد حين . كما أن تحديد الأفضلية أمر متفاوت , فقد تخرج جماعة زعماً أن مَنْ لديها هو الأفضل ! وتقدم كلام الإمام ابن باز - رحمه الله - حول مسألة الخروج على الحاكم الكافر ( فتاواه 8/203 ) : « . . . إلا إذا رأى المسلمون كفراً بواحاً عندهم من الله فيه برهان : فلا بأس أن يخرجوا على هذا السلطان لإزالته ؛ إذا كان عندهم قدرة , أما إذا لم يكن عندهم قدرة : فلا يخرجوا . أو كان الخروج يُسبّب شراً أكثر : فليس لهم الخروج ؛ رعايةً للمصالح العامة . والقاعدةُ الشرعية المُجمع عليها أنه : ( لا يجوز إزالة الشرّ بما هو أشرّ منه ) ؛ بل يجب درء الشرّ بما يزيله أو يُخفّفه . أما درء الشرّ بشرّ أكثر : فلا يجوز بإجماع المسلمين . فإذا كانت هذه الطائفة - التي تريد إزالة هذا السلطان الذي فعل كفراً بواحاً - عندها : قدرة تزيله بها , وتضع إماماً صالحاً طيباً ,من دون أن يترتب على هذا فساد كبير على المسلمين وشرّ أعظم من شرّ هذا السلطان : فلا بأس .أما إذا كان الخروج يترتب عليه : فساد كبير , واختلال الأمن , وظلم الناس , واغتيال من لا يستحقّ الاغتيال , إلى غير هذا من الفساد العظيم : فهذا لا يجوز … » انتهى . |
| الساعة الآن 05:43 PM. |
Powered by vBulletin
قوانين المنتدى