منتديات الشروق أونلاين

منتديات الشروق أونلاين (http://montada.echoroukonline.com/index.php)
-   منتدى تحريم دم المسلم (http://montada.echoroukonline.com/forumdisplay.php?f=75)
-   -   إتحاف الأريب بالرد على القوصي والنقيب للشيخ عطية (http://montada.echoroukonline.com/showthread.php?t=20549)

جمال الأثري 31-01-2008 08:21 PM

إتحاف الأريب بالرد على القوصي والنقيب للشيخ عطية
 
إتحاف الأريب بالرد على القوصي والنقيب
http://www.abu-bkr.com/makalat/makalat11.html
http://www.abu-bkr.com/images/WORD.JPG

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم النبيين، محمد بن عبد الله، المرسل رحمةً للعالمين، ورضي الله عن الصحب أجمعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين .. أما بعد.
فقد وقفت منذ سنتين أو أكثر على شريط لأحمد بن عبد الرحمن النقيب يتكلم فيه عن الإيمان بالقدر، وقد قمت بتفريغ جزء منه يتعين الرد عليه لما فيه من التأصيلات الفاسدة التي ألزم غيره بها ولم يعمل هو بها، مع أنه هو الذي أصَّلها، فاستوجب الذم من ثلاث جهات:
الجهة الأولى: جهة تأصيله الفاسد.
الجهة الثانية: جهة إلزامه غيره العمل بهذا التأصيل.
الجهة الثالثة: عدم التزامه بما أصَّله وعدم عمله به.
وقد كنت شرعت في الرد عليه منذ هذا الوقت المذكور، ولم يشأ الله -عز وجل- أن أكمل الرد عليه، وقد حانت لي فرصة للرد على بعض تلبيساته الآن في هذا الوقت، سائلاً الله -عز وجل- أن ينفع به، كما أرفقته برد على بعض كلام القوصي فيه مثل تلك التأصيلات الباطلة، وسيأتي ذكر ذلك ومصدره في محله عقب الرد على النقيب إن شاء الله تعالى، أسأل الله أن ينفع بهذا الرد أيضًا، وسميت ردي على القوصي والنقيب بـ "إتحاف الأريب بالرد على القوصي والنقيب" فإلى بيان تلك التأصيلات الفارغة الباطلة العاطلة الفاسدة الكاسدة الكاذبة التي تدل على مبلغ علم أصحابها، فإلى بيانها وردها والرد على أصحابها.
قال أحمد النقيب المصري في شريطه -وهو عندي بصوته- يتكلم فيه عن الإيمان بالقدر, قال بعد أن ذم حضارة الكفار وأثنى على حضارة المسلمين، قال مؤصلاً ومقعداً ما نصه:
"المسلم أخوك، حتى ولو كان عاصي، حتى ولو كان مبتدعًا فهو أخوك، كن ليِّنًا معه، رفيقًا به، لعل الله تعالى أن يفتح عليه ببركة توجيهك له." انتهى كلامه.
قال أبو بكر: هذا تأصيل فاسد، وتقعيد كاسد، وإطلاق باطل مائل عاطل، ذلك لأن موقف أهل السنة معلوم من أهل الأهواء والبدع، وهو أنهم يطلقون ذمهم وذم من انحاش إلى جهتهم، وقد يلينون أحيانًا كأن يُرجَى من وراء اللين مصلحة راجحة بمناظرتهم من قِبَل بعض العلماء، وقد ناظر ابن عباس -رضى الله عنهما- الخوارج ورجع منهم عدد كثير قبل مقاتلة علي -رضي الله عنه- إياهم وقتله لهم أو أكثرهم في عصره، كما أن إغلاظ أهل السنة وشدتهم على الدعاة من أهل البدع ليسا في درجة الإغلاظ والشدة على غير الدعاة.
وقد قال أيضًا في الشريط نفسه بعد ذلك بعد كلام له:
"إذًا جرح الرجال، والتقرب إلى الله تعالى بجرحهم، هذا مقصور على رواة الحديث دون غيرهم، أما غيرهم فلابد أن يُنصفوا، فكما تذكر سيئاتهم، فلابد أن تُذكر حسناتهم، أن تُذكر حسناتهم ...".
قلت: إني قائل للنقيب وأتباعه أبشروا -وبئست البشارة- بمخالفتكم للإجماع، حيث قال ابن رجب -رحمه الله تعالى- في رسالته "الفرق بين النصيحة والتعيير" صفحة أربع طبعة "دار الإمام المجدد" قال ما نصه:
"ولا فرق بين الطعن في رواة حفاظ الحديث ولا التمييز بين من تقبل روايته منهم ومن لا تقبل، وبين تبيين خطأ من أخطأ في فهم معاني الكتاب والسنة، وتأول شيئًا منها على غير تأويله، وتمسك بما لا يتمسك به، ليحذر من الاقتداء به فيما أخطأ فيه، وقد أجمع العلماء على جواز ذلك أيضًا" انتهى كلام الإمام ابن رجب -رحمه الله تعالى- فلم يوجب ذكر الحسنات في حق من ذكرت أخطاؤه، فذهب تفريق النقيب المذكور بالإجماع الذي حكاه ابن رجب أدراج الرياح.
إلى أن قال:
"يا أيها الأحباب، اقرءوا في تراجم علماء الإسلام، اقرأ في سير الأعلام للذهبي، واقرأ في البدايةِ والنهايَ لابن كثير، وانظر كيف أن أئمة المسلمين يُنصِفون حتى المبتدعةْ! والله، حتى المبتدعةْ، ينصفونهم، اقرأ في ترجمةْ ابن مطهر الْحِلّي، في البداية والنهايَ، وشُوف كيف ترجم ابن كثيرْ لهذا الرجلْ الرافضيّْ الخبيثْ، كيف ترجم لهْ، وقريبْ من ذلكْ ذكر أيضًا الحافظ الذهبيّْ في سير أعلامه بيذكرْ ما لهْ وما عليهْ، وما فيه من خيرٍ أو مزيةٍ ذكرها، وما فيه من مثالبَ أو انتقاص ذكر ذلك جميعًا، فالميزان لابد أن يقام." انتهى كلامه.
قلت: هنا محاكمة عاجلة لأحمد النقيب، وسنحاكمه إلى كلامه هو فقط، حيث إنه وصف ابن مطهر الحَلّي بالرافضي، الخبيث، ولم يذكر حسناته، فنقول: دعنا الآن من الإمامين ابن كثير والذهبي -رحمهما الله- فإنهما بِناءً على قولك ترجما للرجل وذكرا ما له وما عليه حيث ذكرا حسناته وسيئاته وإنما الكلام معك أنت الآن فنقول لك: أين إنصافك أنت الآن لابن مطهر الحَلّي، فإنك اقتصرت على وصفك له بـ"الرافضي، الخبيث" ولم تذكر حسناته، فهل إنصاف ابن كثير والذهبي يعفيك من عدم إنصافه؟! وهل ذكرهما لحسناته يعفيك من عدم ذكرها هنا؟! الجواب معلوم، وهذا كله بناءً على محاكمتك إلى كلامك أنت، فإن قلت: أنا لست في مقام ترجمة للرجل، فنقول: وكذلك السلفيون خصومك فإنهم لا يوجبون على أنفسهم ذكر الحسنات إن كانوا في مقام النقد والرد، فلزمك العمل بمذهبهم، ولزمك أيضًا التناقض بين قولك وفعلك وواقعك، وصدق ابن تيمية حين قال: "فإن التناقض أول مقامات الفساد" اهـ.
ثم إننا قائلون للنقيب: هل تستطيع أن تجزم بأن الحافظين ابن كثير والذهبي قد ذكرا حسنات ابن مطهر الحَلّي كلها جمعاء؟!
أقول: وهذا إن لم يكن الرجل -أعني ابن مطهر الحَلّي- منافقًا -والعياذ بالله تعالى-، فإن قلت: نعم. قلنا: هذه هي المكابرةُ نفسها وعينها، وإلا فأرنا هذا الإحصاء والاستيعاب والاستقصاء لحسنات الرجل عند الذهبي وابن كثير -رحمهما الله- فإن لم تفعل -ولن تفعل- لزمك تخطئة الذهبي وابن كثير -رحمهما الله- بناءً على تأصيلك الفاسد الكاسد، حيث لم يستوعبا كل الحسنات الظاهرة للرجل فضلاً عن الباطنة، وهذا كما سبق إن لم يكن منافقًا في الباطن -أعني الحَلّي- فإن خطَّأْتَ الذهبي وابن كثير -ولا إخالك تقول بهذا هنا حيث قد رضيت طريقتهما- ألزمناك أنت -بناءً على تأصيلك الفاسد- بحصر واستيعاب واستقصاء حسنات الرجل، وأعطيناك وورثتك من بعدك مهلة إلى يوم القيامة.
فإن قلت: لا نستطيع ذلك. قلنا: قد نقضتم بذلك مذهبكم في أنه لابد من ذكر حسنات المخالف عند ذكر سيئاته.
وإن قلتم: نستطيع. قلنا: هذه مكابرةٌ أخرى.
وإن قلت: لا يجب ذكر جميع الحسنات، وإنما يجب ذكر بعضها. قلنا: هذا خلاف ما أصلتموه وقعدتموه وأحدثتموه وابتدعتموه، ثم إنه تأصيل جديد فاسد كسابقه، وهكذا شأن الباطل وما يتولد منه، ظلمة بعدها ظلمة بعدها ظلمة، وهكذا، وظلمة فوقها ظلمة فوقها ظلمة وهكذا، ظلمات بعضها فوق بعض.
أقول: فإذا عجزتم عن حصر واستيعاب واستقصاء حسنات مثل ابن مطهر الحَلّي، فأنتم عن حصر واستيعاب واستقصاء حسنات فرد واحد من أفراد أهل السنة -الذين خرجتم عن مذهبهم هنا- أشد عجزًا فضلاً عن استيعاب حسنات جميعهم، فبان بطلان مذهبكم، ولزمكم الرجوع عنه إلى مذهب أهل السنة والجماعة في هذا، فإن مذهبكم لا يقبله عقل، ولا يقره نقل، والحمد لله.
ثم إني سأحاكمُ النقيب محاكمة أخرى إلى قوله الأول الذي نقلته عنه حيث قال: "المسلم أخوك، حتى ولو كان عاصي، حتى ولو كان مبتدعًا فهو أخوك، كن ليِّنًا معه، رفيقًا به، لعل الله تعالى أن يفتح عليه ببركة توجيهك له." انتهى كلامه.
فأقول: أليس وصفك لابن مطهر الحَلّي بـ" الرافضي، الخبيث" مناقضًا لما ذكرت من اللين والرفق بالمسلم المبتدع؟! إضافة إلى مناقضته ما سبق ذكره من مذهب وجوب الموازنات بذكر الحسنات مع السيئات؟! فإن قلت: إنه قد مات. قلنا: إن في وصفك هذا له إيذاءً للشيعة الأحياء السالكين مسلكه والناهجين نهجه في الرفض والخبث، فلزمك الرجوع عن قولك في ابن مطهر الحَلّي ووصفك له بـ"الرافضي، الخبيث" وإلا لزمك التناقض، وأحلاهما مرّ.
تنبيه مهم: لِيُعْلَمْ أنني لا أدافع عن ابن مطهر الحَلي الذي قال فيه الحافظ ابن كثير في البداية والنهاية: "... العراقي الشيعي شيخ الروافض تلك النواحي ... وله كتاب "منهاج الاستقامة في إثبات الإمامة" خبط فيه في المعقول والمنقول, ولم يدر كيف يتوجه, إذ خرج عن الاستقامة, وقد انتدب في الرد عليه الشيخ الإمام العلامة شيخ الإسلام تقي الدين أبو العباس بن تيمية في مجلدات, أتى فيها بما يبهر العقول من الأشياء المليحة الحسنة، وهو كتاب حافل, ... ابن المطهر الذي لم تطهر خلائقه, ولم يتطهر من دنس الرفض ...".
أقول: إنني لا أدافع عن هذا الرجل ولا عن غيره من الشيعة والروافض، فإنهم من شر الخلق والخليقة، وطريقتهم بئست الطريقة، وإنهم من شر من وطئ الثرى، وإنما أنا هنا ألزم أحمد النقيب بكلامه هو، وأحاكمه إلى كلامه هو، حتى أبين عوار تأصيله، وفساد تقعيده، ومن اتبعه في ذلك، وأبين تخبط القوم في ظلمة الجهالة والبعد عن مذهب السلف في هذا، وأنهم مع تأصيلهم الفاسد لا يعملون ولا يلتزمون بما أصلوه، فنالهم الذم من ثلاث جهات:-
من جهة أنهم يؤصلون تأصيلات فاسدة.
ومن جهة أنهم لا يلتزمون العمل بهذه التأصيلات التي أصلوها.
ومن جهة أنهم يلزمون غيرهم ممن لا يؤمن بها ولا يعتقدها بالعمل بها.
فقولهم في واد، وتحقيقهم لقولهم من حيث الواقع في واد آخر، وليس معنى هذا أنه يجوز لهم العمل بما أصلوه من التأصيل الفاسد، وإنما الواجب ترك التأصيل الفاسد وترك العمل به أيضًا.
وليعلم أن ابن مطهر الحلي هذا هو الذي رد عليه شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله تعالى- في كتابه العظيم: "منهاج السنة النبوية في الرد على الشيعة والقدرية" والذي رد فيه على كتاب ابن مطهر الحلي "منهاج الكرامة في معرفة الإمامة" كما سماه شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- والذي قال فيه في مقدمته : "وهو خليق بأن يسمى منهاج الندامة".
أقول: فهذان أمران لازمان للنقيب التزَمَ بهما، أم لم يلتزم بهما، وإني سأحاكمه محاكمة ثالثة بما يقطع دابر أصله الفاسد بإطلاقه اللين والرفق مع المسلم المبتدع، وبما يقطع دابر مذهب وجوب الموازنات، ألا وهو محاكمته إلى قوله هو بناءً على ما قد التزمناه من إلزامه بقوله -حيث قال في الشريط نفسه ما نصه-: "نأتي إلى طائفة من علماء العصرْ".
قال أبو بكر: فسمَّى بعض هؤلاء، حيث ذكر محمد حسان، وأبا إسحاق الحويني، وأثنى عليهما خيرًا، ثم قال:
"هؤلاء جميعًا يأتي طائفة من نابتة السوءْ يقولون إنهم ليسوا بذاك، وإنهم كذا، وينفرون الناس منهمْ، ويصنفون كتبًا، ويبثون أخبارًا مشوهةً شائههْ، هؤلاء يرفضون العلماء، ولذلكْ أميلْ إلى أن أسميَ كل من طعن في العلماءْ أن أسميه بأنه رافضيٌّ سابّ، سبابْ، فهؤلاء الرافضة السبابةْ لابد أن نحذر منهم، وألا نصدق كلامهمْ، يقولون بإِن الشيخ الفلاني والشيخ العلاني دول كلهمْ شيوخ وُهُمَّا اللّي بيطعنوا، هذا كلامْ فاسدْ، لأن هؤلاء الشيوخْ متأولون في كلامهم، وهؤلاء الشيوخ كُلُّهُمْ شيخْ واحدْ بسْ، يعني سِتَّاشَرْ نفر اللّي بيطعنوا في علماء الدين والدعوة والجهد والبذل، الستَّاشرْ نفرْ دُوْلْ كلهم نَفَرْ واحدْ، كُلُّهُم سِتَّاشر وجه لِعُمْلَ واحدة" إلى آخر كلامه، ولعلنا ننزل هذا المقطع الصوتي المتعلق بالنقيب في وقت لاحقٍ إن شاء الله فيه ما ذكرته هنا وفيه ما لم أذكره من تلبيساته، وقد كنت وقفت على هذا الشريط من نحو سنتين أو يزيد!! وما زال الرجل ثابتًا على ما هو عليه.
أقول: قارن -أيها اللبيب- بين كلام النقيب هذا، وبين أول كلامه الذي ذكرته لك، ألا وهو قوله:
"المسلم أخوك، حتى ولو كان عاصي، حتى ولو كان مبتدعًا فهو أخوك، كن ليِّنًا معه، رفيقًا به، لعل الله تعالى أن يفتح عليه ببركة توجيهك له." انتهى كلامه.
فإذا قارنت بين كلامه الأول والأخير علمت ما عليه النقيب من التناقض في المحل الواحد!! فما بالك إذا تعددت المَحَالّ؟! وحتى تعلم أن من الناس ناسًا يقولون قولاً فاسدًا أو يؤصلون أصلاً فاسدًا ويُلزِمون به غيرهم ولم يعملوا به ولم يلتزموه، مع أنهم هم الذين أصلوه وابتدعوه، وقالوه وأحدثوه واخترعوه، فهذا النقيب يذكر في أول كلامه ما ذكرته لك من إطلاق اللين والرفق مع المسلم حتى ولو كان عاصيًا أو مبتدعًا، وكلامه هذا مع بطلانه لم يعمل به هو، حيث لم يكن ليِّنًا رفيقًا مع المبتدعة، كابن مطهر الحلي، بل ولا مع خصومه السلفيين، فلم يلتزم النقيب بما قاله، ولزم النقيب بطلان كلامه الأول بكلامه الأخير، وبطلان كلامه الأخير بكلامه الأول، فبطل القولان، والحمد لله، "وكفى الله المؤمنين القتال وكان الله قويًّا عزيزًا".
أضف إلى ذلك رميه لخصومه السلفيين الجارحين لأهل الأهواء ومن نافح عنهم .. رميه لهم بأنهم رافضة سبَّابة، بدعوى أنهم يسبون العلماء!! أليس هو أولى بهذا السب من خصومه السلفيين؟! وأليس هذا منه هو من باب: رَمَتْنِى بِدَائِهَا وَانْسَلَّتْ؟!
ونُذَكِّره وغيره بقول النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- المتفق عليه من حديث ابن مسعود -رضي الله عنه- : "سباب المسلم فسوق"، وبقول الله -عز وجل-: "وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ".
ورحم الله أبا حاتم الرازي -رحمه الله- القائل: "علامة أهل البدع الوقيعة في أهل الأثر."، إي والله، وقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله تعالى- في كتاب الأسماء والصفات المأخوذ من مجموع الفتاوى له، قال: "وقد صنَّف أبو إسحاق إبراهيم بن عثمان بن درباس الشافعي جزءًا سماه: "تنزيه أئمة الشريعة عن الألقاب الشنيعة" ذكر فيه كلام السلف وغيرهم في معاني هذا الباب، وذكر أن أهل البدع، كل صنف منهم يلقبُ أهل السنة بلقبٍ افتراه يزعم أنه صحيحٌ على رأيه الفاسد، كما أن المشركين كانوا يلقبون النبي بألقاب افتروها، فالروافض تسميهم نواصب، والقدرية يسمونهم مجبرة، والمرجئة تسميهم شُكَّاكًا، والجهمية تسميهم مشبهة، وأهل الكلام يسمونهم حشوية، ونوابت، وغُثاءً، وغُثرًا(1) ["سَفِلَةُ الناس" كما في القاموس] إلى أمثال ذلك، كما كانت تلقب قريش تسمى النبي -صلى الله عليه وسلم- تارةً مجنونًا، وتارةً شاعرًا، وتارةً مفتريًا، قالوا فهذه علامة الإرث الصحيح والمتابعة التامة، فإن السنة هي ما كان عليه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه، اعتقادًا واقتصادًا، وقولاً وعملاً، فكما أن المنحرفين عنه يسمونهم بأسماء مذمومة مكذوبة -وإن اعتقدوا صدقها بناءً على عقيدتهم الفاسدة- فكذلك التابعون له على بصيرة الذين هم أولى الناس به في المحيا والممات باطنًا وظاهرًا ... إلى أن قال: ومن حكى عن الناس المقالات وسماهم بهذه الأسماء المكذوبة -بناءً على عقيدته التي هم مخالفون له فيه- فهو وربه، والله من ورائه بالمرصاد، ولا يحيق المكر السيء إلا بأهله". انتهى من الجزء الثاني صفحة ستٍ وثمانين إلى سبعٍ وثمانين.
قلت: فهؤلاء هم سلف النقيب في الطعن على السلفيين، فليعرف كل امرئٍ سلفه.
انتهى ما يتعلق بالنقيب في هذا الموضع.

أما عن "أسامة بن عبد اللطيف القوصي" فقد قام أحد المصريين المقيمين ببلاد الحرمين بأخذ بعض الأشرطة من كلام القوصي -وهو في زيارة له لمصر- ثم قام بتفريغ ما فرغه منها، ثم أرسل المادة المفرغة بعد عودته إلى بلاد الحرمين إلى الشيخ أحمد بن يحيى النجمي -حفظه الله-، وقد أرسل إليّ المفرِّغُ بعد عودته إلى مصر بصورة من المادة المفرغة مع ردٍ للشيخ النجمي -حفظه الله- على مفتي مصر: "علي جمعة" في بعض المسائل التي خالف الحق فيها، متضمنًا الرد على أسامة القوصي الذي يدافع عن المفتي ولو بالباطل، وقد أذنت بنشر المادة المفرغة مع رد الشيخ -حفظه الله- على "منتديات مصر السلفية" تحت عنوان "شُبَه القوصي الضعاف في الأشرطة الثلاث" -كذا العنوان كما في الصورة التي عندي- ثم أُخبرت أن الرد قد نُشر بعد ذلك بنحو شهر أو أكثر على "شبكة سحاب السلفية".
وقد قال مفرغها في مقدمة المادة المفرغة -بعد كلام-:
"إلى فضيلة الشيخ العلامة ومفتي الجنوب/ أحمد بن يحيى النجمي، هذه الأوراق فيها تفريغ من أقوال "أسامة بن عبد اللطيف القوصي" في أشرطة ثلاث قد أرفقتها مع هذه الأوراق، وهى فتاوى قد ألقاها بمسجده الهَدْي المحمدي بعد صلاة الجمعة من كل أسبوع بالقاهرة، خلال شهر ربيع الأول وربيع الأخر من سنة ألف وأربعمائة وسبع وعشرين من الهجرة النبوية".
قلت: ومما جاء في هذه الأوراق قول القوصي:
"ولا سلطان لأحد خارج هذه البلاد علينا في هذه البلاد، هذا مهم لأن نفهم هذا الكلام .. هذا المسجد تابع لوزارة الأوقاف المصرية، الوحيد الذي من حقه أن يقول لنا قفوا ولا تدرسوا وزارة الأوقاف المصرية، هذه جماعتنا .. نحن مصريون .. يوجد عالم في بلد أخرى لا يعجبه الذي نقول يرفع الأمر لحكومته تكلم حكومتنا .. الكلام يكون بين حكومات ... الشيخ فلان في السعودية لا يعجبه كلامنا يكلم اللجنة الدائمة للإفتاء هناك يكلموا الجهات المختصة في بلدنا .. يوجد الآن تعاون بين الحكومات ... علاقتنا بإخواننا في أي بلد أخرى هي عن طريق حكومة مع حكومة .. ما هي فوضى .. نحن نريد أن نقطع دابر هذه الفوضى ... هذه الفوضى لابد لها من حد!! ... واحد يتصل من السعودية يقول: لا تسمعوا لزيد لا تسمعوا لعمرو .. من أنت؟ .. أنا الشيخ فلان .. ماذا تشتغل؟.. أنا شيخ .. شيخ أين؟ .. شيخ في السعودية .. طيب نحن في مصر ليس لنا دعوة بك .. لا نعرفك ... هذه ليست عنصرية هذه حقيقة ... هل الحكومة المصرية نلغيها تمامًا؟! .. لا هذا كلام غير صحيح ... فهذا العالِم يُكَلِّم ولى الأمر في بلده ... إن رأى أشرطة لنا، كتبًا لنا، لأخينا زيد، عمرو، عبيد، دخلت المملكة، فيخاطب الجهات المسؤولة في بلده ... يقول لهم: أبي الحسن المأربي مبتدع فنرجوا منكم جلالة الملك عبد الله بن عبد العزيز أن تمنعوا كتب هذا الرجل المبتدع من المملكة لأنها مملوءة بالشر ... أما أن يكلم الناس في العالم بالهاتف يقول أبو الحسن مبتدع .. أبو الحسن مبتدع .. هذا شر مستطير! هذا فساد في الأرض! .. ولا نقول فقط أن أسامة بن لادن مفسد في الأرض، بل كل من يسعى إلى الفتن يعتبر مفسدًا في الأرض كائنًا من كان، لا يهمنا اسمه .. القضية ما هي قضية اسم .. القضية ما هي قضية شخص، ولو كان هذا الشخص عالِمًا" اهـ
أقول: هذا شيء من كلام القوصي المنتن، وإن مجرد ذكره ليغني عن شمه وذمه، وإن في كلامه هذا استدراكًا على علماء الأمة خلفًا بعد سلف بما فيهم علماء الجرح والتعديل الذين كانوا يتكلمون في رواة الحديث وغيرهم من غير تقيد بهذه الآصار والأغلال القوصية التي ما أنزل الله بها من سلطان، والتي قد وضع أمثالها رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- عن هذه الأمة الوسط، وإن لم يكن في كلام القوصي عنصرية، فلا ندري ما العنصرية والعصبية الجاهلية البغيضة المنتنة التي أمر النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- بتركها، وإن ادعى القوصي أنها ليست عنصرية، لأن نفيه لذلك كذب وعناد واضح ، أو جهل فاضح على أحسن الظنون والأحوال.
ولا نزال نسمع عن تغيره، ولا يزال الناس ينفضون من حوله وينفرون منه بسبب ما أجراه الله من سنته فيمن يطعن في العلماء، وصدق الحافظ أبو القاسم ابن عساكر -رحمه الله- حيث قال ما ملخصه: "اعلم -رحمني الله وإياك- أن لحوم العلماء مسمومة، وأن سُنَّة الله في هتك أستار منتقصيهم معلومة، ومن وقع في العلماء بالثلب ابتلاه الله قبل موته بموت القلب"، وصدق الله القائل: "وَمَن يُهِنِ اللّهُ فَمَا لَهُ مِن مّكْرِمٍ إِنّ اللّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَآءُ" ولا يزال العبد في هوان وتَـرَدِّ ما دام متنكبًا سبيل الحق.
ونقول للقوصي: "نعم، أبو الحسن مبتدع، ونؤكد لك ذلك, وقد نص على تبديعه علامة الزمان ربيع بن هادي المدخلي-حفظه الله- وسائر من عرف حقيقته من العلماء، وإن لم يكن أبو الحسن المصري نزيل مأرب مبتدعًا فأين المبتدعة؟! إن أبا الحسن -الذي لم تحسن طريقته وسيرته- مبتدع، وكل من عرف أصول أبي الحسن وحقيقته ولم يبدعه ألحق به ولا كرامة وإن رغمت أنوف أهل الهوى، ونقول: "كم خلّف الشيخ مقبل -رحمه الله- من مقبلٍ على السنة ومدبر عن البدعة ورادٍ على أهل الأهواء، وكم خلّف الشيخ ربيع -حفظه الله وأمد في عمره على طاعته وبارك فيه- من ربيعٍ مدّخرٍ لحصاد البدع في أوانها وطحنها ونخلها نخلاً".
أقول: أما قول القوصي: "هذه الفوضى لابد لها من حد" فهو تحريش منه بين الدولة والسلفيين، فقد قال في مقطع سابق من كلامه المفرغ: "كل بلد لها خصوصياتها، ولا يجوز أن يتجاوز أحد حدوده، وأن يتكلم في ما لا يخصه .. هذه فوضى مرفوضة .. هذه الفوضى إن شاء الله في أقرب وقت لابد أن تنتهي بإذن الله، وأنا أخبركم بأن الأمر بفضل الله -ليس من جهتي أنا- أن الأمر وصل للمسؤولين، وبدأوا يتخذوا الإجراءات الكفيلة للقضاء على هذه الفتنة في مصر إن شاء الله تعالى".
أقول: "رد الله كيدك في نحرك يا قوصي، ووقى المسلمين عامة والسلفيين خاصة في مصر وفي غيرها شر فتنتك وتحريشك".
وأقول أيضًا: "أبرق وأرعد يا قوصي، فما صنيعك هذا بضائر السلفيين شيئًا إلا أن يشاء الله, والسلفيون هم أعظم الناس إيمانًا بالقدر، وإيمانًا بمثل قوله تعالى: "قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا هو مولانا وعلى الله فليتوكل المؤمنون"، وبقوله تعالى: "الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ * فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ * إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ"، وبقوله تعالى: "ما أصاب من مصيبة إلا بإذن الله ومن يؤمن بالله يهد قلبه والله بكل شيء عليم"، وبقوله تعالى: "ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها إن ذلك على الله يسير لكي لا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما آتاكم والله لا يحب كل مختال فخور"، وبحديث النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- وقوله لابن عباس: "يا غلام إني أعلمك كلمات: احفظ الله يحفظك, احفظ الله تجده تُجَاهك, إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك, ولو اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام وجفت الصحف" رواه الترمذي وغيره كما في صحيح الجامع للشيخ الألباني، وقال الترمذي عقب هذا الحديث: هذا حديث حسن صحيح [سنن الترمذي الجزء الرابع الحديث رقم 2516 طبعة دار الحديث بالقاهرة] وهو في صحيح الجامع [برقم 7957-3051], فلييأس القوصي من أن يوقع بالسلفيين مكروهًا لم يكتبه الله عليهم، ولو حل بالسلفيين شيء مكروه بسبب القوصي فإننا نبشرهم بقوله تعالى: "وَبَشّرِ الصّابِرِينَ * الّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنّا للّهِ وَإِنّـا إِلَيْهِ رَاجِعونَ * أُولَـَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مّن رّبّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَـَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ " ونبشره هو بمثل قوله تعالى: "والله لا يهدي القوم الظالمين" وبحديث النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: "الظلم ظلمات يوم القيامة" رواه مسلم في صحيحه، ورواه البخاري أيضًا بزيادة حرف التوكيد (إن) في أوله.
واللهَ أسأل أن يعيذ حكامنا وحكام المسلمين من الظلم، ولا أحسب حكام بلادنا ألعوبة في يد القوصي وأمثاله يحركونهم كيف يشاؤون، وليعلم أن السلفيين أعظم الناس تأمينًا للمجتمعات، فإن لم يكونوا أعظم تأمينًا لمجتمعاتهم من حكامهم فلن يقلوا عنهم في ذلك إن شاء الله، وعلى أقل تقدير فهم خير معين لهم في هذا الباب بالضوابط الشرعية، حيث إنهم لا يداهنون أحدًا في باطل، ولا يردون على أحد شيئًا من الحق، ولا يظلمون كافرًا فضلا عن مسلم، فليرح القوصي نفسه، وليتق الله -عز وجل-، وليعلم أن أهل الأهواء قد يفزعون إلى السلطان ليلبسوا عليه أمره، ويخوفوه من أهل الحق وأتباع الهدى، وهذه حجة المفلسين في العلم، المهزومين في باب الحجة والبيان، ويسرعون إلى طرق أبواب السلطان، لعلهم يجدون عنده الانتقام، من خصومهم بالسجن أو السيف والسنان، ولكن الله مخيب سعي هؤلاء الوشاة، الساعين بالنميمة والفساد إن شاء الله تعالى، وقد قال تعالى في أقوام: "وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ * فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ * فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ"، وقال في أقوام: "ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين"، وقال في آخرين: "ومكروا ومكر الله والله خير الماكرين"، وقال في أوائل سورة فاطر: "والذين يمكرون السيئات لهم عذاب شديد ومكر أولئك هو يبور"، وقال في أواخرها: "فَلَمَّا جَاءَهُمْ نَذِيرٌ مَا زَادَهُمْ إِلَّا نُفُورًا * اسْتِكْبَارًا فِي الْأَرْضِ وَمَكْرَ السَّيِّئِ وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا سُنَّةَ الْأَوَّلِينَ فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَحْوِيلاً".
خيَّب الله سعي الماكرين بالسلفيين، وجعل كيدهم في ضلال، ثم بعد ذلك أقول: إن الشاهد من ذكري لكلام القوصي الأول الذي ذكرته هنا هو أنه كلام باطل في نفسه، ومع ذلك لم يلتزم به، ولم يعمل به، مع أنه مُحْدِثُهُ ومُبْتَدِعُهُ، وهو في ذلك مؤسس ضلالة, أقول: إذا كان الأمر كذلك، فكيف يلزم به غيره وهو نفسه لم يلتزم به؟! ووجه ذلك أنه تكلم في غيره من العلماء في بلاد أخرى، سواء رفع أمرهم إلى الجهة الرسمية في بلده أم لا, وبهذا يكون قد نقض أصله الباطل العاطل، فإن قيل: إنه لم يصرح بأسماء هنا، قلنا: يكفي التعريض والتلميح والوصف فإن ذلك يقوم مقام التصريح بالاسم، وهذا يعرفه الألِبَّاء، ذلك لأن العلماء الذين بدَّعوا أبا الحسن المصري نزيل مأرب معروفون عند طلبة العلم وعند من يحضر له وعند كثير منهم على الأقل، وعلى رأس هؤلاء العلماء الشيخ العلامة ربيع بن هادي المدخلي -حفظه الله تعالى من كيد الكائدين ومكر الماكرين وحسد الحاسدين-.
ثم أقول: إن أصحاب مثل هذه الصور الحية والأمثلة الواقعية مذمومون من جهة الإحداث والابتداع والتأصيل الفاسد الكاسد، ومن جهة حملهم الناس على ما أحدثوه وابتدعوه وأصلوه مع عدم التزامهم هم في أنفسهم لما قد اخترعوه وزخرفوه، وهم في هذا مشابهون لأهل الكتاب الذين ذمهم الله -عز وجل- في كتابه، حيث أحدثوا وابتدعوا شيئًا ومع ذلك لم يرعوه ولم يعملوا به حق العمل، قال تعالى في سورة الحديد: "ثُمَّ قَفَّيْنَا عَلَى آَثَارِهِمْ بِرُسُلِنَا وَقَفَّيْنَا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَآَتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا فَآَتَيْنَا الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ" قال الحافظ ابن كثير -رحمه الله تعالى- عند تفسيره لهذه الآية من سورة الحديد المجلد الرابع الجزء الثامن صفحة 23 طبعة المكتبة التوفيقية, قال ما نصه: "وقوله تعالى: "إلا ابتغاء رضوان الله" فيه قولان: أحدهما: أنهم قصدوا بذلك رضوان الله, قاله سعيد بن جبير وقتادة. والآخر: ما كتبنا عليهم ذلك، إنما كتبنا عليهم ابتغاء مرضاة الله، وقوله تعالى: "فما رعوها حق رعايتها" أي: فما قاموا بما التزموا حق القيام, وهذا ذم لهم من وجهين: أحدهما: الابتداع في دين الله ما لم يأمر به الله. والثاني: في عدم قيامهم بما التزموا مما زعموا أنه قربة يقربهم إلى الله -عز وجل-" انتهى كلام الحافظ بن كثير -رحمه الله تعالى-، ونؤكد القول بأنه ليس معنى هذا أنه يجوز للعبد أن يستمر ويتعاهد ما ابتدعه بالعمل به والحفاظ عليه والحرص عليه، وإنما المقصود هو وجوب ترك تأصيل البدع، وترك العمل بها، وترك دعوة الناس إليها، وأنَّ من ابتدع بدعة أو أَصَّل أصلاً فاسدًا وألزم الناس به مع أنه هو نفسه لم يلتزم به فإنه مذموم من ثلاث جهات كما تقدم في أكثر من موضع، والحمد لله.
وها هنا إضافة رأيت من الفائدة إلحاقها لتعلقها بتأصيل النقيب والقوصي وبيان أن كلا منهما أشد فساداً من الآخر فأقول :
إن مذهب القوصي البائد، وتأصيله الفاسد، وتقعيده الكاسد الذي هو عن الحق حائد ، لأعظم ضرراً على الدين وأشد خروجاً عن سبيل المؤمنين من السابقين واللاحقين من مذهب وجوب الموازنات المفترى ، حيث إن مذهب وجوب الموازنات القاضي بوجوب ذكر الحسنات إذا ذُكرت السيئات ، وإن كان مذهباً فاسداً كما تقدم فى الرد على النقيب ، فإنه أهون - من مذهب القوصي وتأصيله- وإن كان فاسداً هو الأخر ، لأن مذهب وجوب الموازنات يسمح بالرد على المخالف لكن بقيد وشرط ذكر حسناته ، فهو أقل تكميماً للأفواه من مذهب القوصي حيث إن الشرط فى كلام القوصي أعسر تحقيقاً فى ظاهر الأمر من شرط وجوب ذكر الحسنات فى مذهب وجوب الموازنات لو فرضنا حمل مذهب وجوب الموازنات على عدم وجوب استقصاء حسنات المخالف وكان مذهب القوصي حينئذ أعظم فى الحيلولة بين أهل العلم وبين الكلام فى أهل الأهواء والبدع وأعظم صداً عن سبيل الله فى باب الإنكار على أهل البدع وجرحهم والتنكيل بهم، ذلك لأن إنكار أهل العلم على أهل الأهواء والبدع وذمهم وجرحهم عن طريق رفع أمر هؤلاء المبتدعين إلى حكومات دول أهل العلم الناصحين المنكرين حتى يتم إبلاغ تلك الحكومات إلى الحكومات الأخرى التي فيها أهل الأهواء هؤلاء - لمن أعظم الشروط تعطيلاً لشعيرة الأمر بالمعروف والنهى عن البدع والمنكرات والرد على أصحابها ، وهذا ظاهر جلى عند من يعقل واقع أمر التعاون بين الدول عن طريق حكوماتها حيث إن ذلك يحتاج إلى أمد مديد، بما يؤدي إلى طول الزمان دون الإنكار على أصحاب البدع والمنكرات مما يؤدي إلى استفحال المنكرات والبدع واستشرائها فى الناس - ثم إن كل شرط ليس فى كتاب الله فهو باطل وإن كان مائة شرط ، شرط الله أحق وأوثق . هذا كله مبنيٌ على فرض حمل مذهب وجوب الموازنات على عدم وجوب ذكر جميع حسنات المخالف - أما إذا لم نسلم بذلك وبنينا على ظاهر هذا المذهب وجدنا أن ظاهره يقضي بوجوب ذكر جميع الحسنات فحينئذ نقول :
إن مذهب وجوب الموازنات فى حقيقته أعظم تكميماً لأفواه العلماء، وأعظم صداً عن سبيل الله وأعظم إغلاقاً لباب التحذير من أهل الأهواء والمعاصي والأخطاء من أصل القوصي - وإن كان كل منهما فاسداً - ووجه ذلك أن يقال : بما أنه يستحيل ذكر جميع حسنات المخالف عند ذكر سيئاته وأخطائه فسيترتب على تلك الاستحالة المنع من ذكر أخطائه مطلقاً لا عن طريق الحكومات ولا غير الحكومات - هذا لازم ظاهر هذا المذهب الباطل- سواء التزم أهله هذا اللازم أم لا ، وسواء خطر ببالهم أم لا ! وسواء قصدوه أم لا . ولما كان مذهب وجوب الموازنات باطلاً كان لازمه باطلاً ، كما أن لازم الحق لا يكون إلا حقاً ، فما أشد تشابه مذاهب القوم الظاهرة وهذا التشابه فى الظاهر علامة على تشابه القلوب فى الباطن وقد قال الله تعالى فى أقوام : " وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ لَوْلَا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ أَوْ تَأْتِينَا آَيَةٌ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ قَدْ بَيَّنَّا الْآَيَاتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ " فيستدل على تشابه القلوب فى الباطن بتشابه الأقوال فى الظاهر وفى هذه الآية دليل على إساءة الظن بطوية ونية وقلب من ساء قوله وظاهره والله أعلم .
قال القحطاني -رحم الإله صداه
(1)- فى نونيته :

لحجاجهم شبه تُخال ورونق
مثل السراب يلوح للظمآن(2)


وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وسلم.

تم الفراغ منه في ليلة الأربعاء الموافق السادس والعشرين من شهر الله المحرم لسنة ثمانٍ وعشرين وأربعمائة وألف من الهجرة النبوية على صاحبها الصلاة والسلام.
أبو بكر بن ماهر بن عطية المصري


الحاشية:
(1) الصدى: الرجل اللطيف الجسد، والجسد من الأدمي بعد موته. اهـ من القاموس.

(2) عقيدة المسلمين والرد على الملحدين والمبتدعين تأليف الشيخ صالح بن إبراهيم البليهي "المجلد الأول ص / 429 الطبعة الثانية 1404


الساعة الآن 09:44 AM.

Powered by vBulletin
قوانين المنتدى