منتديات الشروق أونلاين

منتديات الشروق أونلاين (http://montada.echoroukonline.com/index.php)
-   المنتدى العام (http://montada.echoroukonline.com/forumdisplay.php?f=104)
-   -   من كتاب الإسلام والإيمان والإحسان والواقع المعيش (http://montada.echoroukonline.com/showthread.php?t=205726)

ب.جلولي 29-06-2012 05:39 PM

من كتاب الإسلام والإيمان والإحسان والواقع المعيش
 
الباب الثالث
الفصل الأول
الإحسـان
الإحسان ركن من أركان الإيمان الستة، والإحسان لغة هو إجادة العمل وإتقانه وإتمامه وإخلاصه(1) أما شرعا فهو كما جاء في الحديث النبوي الشريف: « ... أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ، فَإِنَّهُ يَرَاكَ »(2).
يكون الإسلام بالأقوال والأعمال الظاهرة، ويكون الإيمان بالأقوال والأعمال الباطنة، أما الإحسان فهو تحسين الظاهر والباطن، والإسلام والإيمان والإحسان هو ما يعرف بالدين الذي جاء به الرسول محمد صلى الله عليه وسلم(3).
قال الشيخ حافظ بن أحمد حكمي.
وثالث مرتبة الإحســــان وتلك أعلاها لدى الرحمن
وهي رسوخ القلب في العرفان حتى يكون الغيب كالعيان(4).
فيا خير من اجتمعت فيه هذه الرتب الثلاثة!، اللهم وفقنا يا رب لذكرك أناء الليل وأطراف النهار، وشكرك على كل حال وفي جميع الأحوال، وحسن عبادتك كما تحب وترضى، واجعلنا اللهم من الذين أحسنوا لنيل الحسنى وزيادة.
ذكر الإحسان في مواطن كثيرة من القرآن الكريم، فقد ذكر مقترنا بالإسلام(5) في قوله تعالى: ﴿ بَلَى مَنَ اَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ﴾(البقرة/112).
وحتى يكون العمل مقبولا من الله سبحانه وتعالى يجب أن يكون خالصا له وحده لا شريك له، وأن يكون صوابا موافقا للشريعة، ومن كان عمله كذلك؛ فهو مأجور إن شاء الله ولا خوف عليه بإذن الله ولا يصاب بالحزن والأسى والندامة يوم القيامة(6).
اللهم اجعلنا من الذين يتبعون سبيل رسولك ونبيك محمد صلى الله عليه وسلم فيعملون وفق ما جاء به، ويقصدون بعملهم وجهك الكريم فيخلصون لك العمل.
وذكر الإحسان مقترنا بالإيمان(7)، قال تعالى: ﴿ إِنَّ اَلذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنَ اَحْسَنَ عَمَلًا ﴾(الكهف/30)، فجزاء السعداء الذين آمنوا بالله وصدقوا بالمرسلين وعملوا الصالحات جنات عدن تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا(8).
وقال عز وجل: ﴿ إِنَّ اَلذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا﴾(الكهف/107)، فالله سبحانه وتعالى يدخل من يشاء من عباده الصالحين الذين يعملون الصالحات ويحسنون العمل جنات الفردوس.
وقال جل وعلا: ﴿ إِنَّ اَلذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتُ النَّعِيمِ ﴾(لقمان/8)، يتنعم السعداء الأبرار في الدار الآخرة بأنواع الملاذ والمسار من المآكل والمشارب والملابس والمساكن والمراكب والنساء والنضرة والسماع وبما لم يخطر ببال أحد من النعم، وهم في جنات النعيم ماكثون لا يبغون عنها حولا(9).
وقال عز وجل: ﴿ إِنَّ اَلذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ لَهُمُ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾(فصلت/8)، والآيات التي ذكر فيها الإحسان مقترنا بالإيمان كثيرة.
وقد ذكر الإحسان مقترنا بالتقوى(10)، قال تعالى: ﴿ إِنَّ اللَّهَ مَعَ اَلذِينَ اتَّقَوْاْ وَاَلذِينَ هُم مُحْسِنُونَ ﴾(النحل/128)، فالله سبحانه وتعالى يؤيد عباده المتقين الذين يحسنون العمل مخلصين له الدين يؤيدهم بنصره ومعونته وهديه وسعيه، وهو العليم البصير(11)، وذكر مقترنا بالإيمان والتقوى معا(12)، قال تعالى: ﴿ لَيْسَ عَلَى اَلذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُواْ إِذَا مَا اتَّقَوْاْ وَءَاَمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَوْاْ وَءَامَنُواْ ثُمَّ اتَّقَوْاْ وَأَحْسَنُواْ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾(المائدة/93)، اللهم اجعلنا من المؤمنين المتقين المحسنين الذين ذكرتهم فيمن عندك، ولا تجعلنا من المغضوب عليهم المطرودين من رحمتك.
وذكر الإحسان مقترنا بالجهاد(13)، قال تعالى: ﴿ وَالذِينَ جَاهَدُواْ فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ ﴾(العنكبوت/69).
وذكر الإحسان مقترنا بالإنفاق في سبيل الله(14)، قال تعالى: ﴿ وَأَنْفِقُواْ مِن مَّا رَزَقْنَاكُم مِّن قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُن مِّنَ الصَّالِحِينَ ﴾(المنافقون/10)، يجعل المرء يده مغلولة إلى عنقه وهو صحيح قوي، لا يبالي بأجل ولا بنهاية؛ وكأنه خلق ليخلد في هذه الدنيا ويتمتع فيها بكل ما لذ وطاب، لا يعود إلى رشده إلا بعد أن يذوق كأس المنية ويغرغر، يندم ويتحسر على ما فات ويتمنى لو يمهل لحظة فيعمل صالحا وينفق كل ما عنده في سبيل الله، لكن هيهات هيهات!، جفت الأقلام وطويت الصحف وما كتب في اللوح المحفوظ فهو محفوظ إلى يوم الدين، اللهم اجعلنا يا ربنا من المتقين المنفقين في سبيلك بالليل والنهار آمين.
والآيات القرآنية التي ذكر فيها الإحسان مقترنا بالإنفاق في سبيل الله كثيرة وكثيرة يتعذر ذكرها كلها.
وذكر الإحسان مقترنا بالعمل الصالح مطلقا(15)، قال تعالى: ﴿ لَيْسَ عَلَى اَلذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُواْ إِذَا مَا اتَّقَوْاْ وَءَاَمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَوْاْ وَءَامَنُواْ ثُمَّ اتَّقَوْاْ وَأَحْسَنُواْ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ﴾(المائدة/93)، وقد ذكرت هذه الآية في مقارنة الإحسان بالإيمان وبالتقوى.
جاء في كتاب ابن تيمية رحمه الله ( الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر) أن العمل الصالح هو الإحسان، هو فعل الحسنات وفقا لما أمر الله به في كتابه، وما سنه رسول الله صلى الله عليه وسلم في سننه، فمن أخلص قصده لله وكان محسنا في عمله فإنه مستحق للثواب سالم من العقاب(16).
قال الفضيل بن عياض في قوله تعالى: ﴿ الذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمُ أَيُّكُمُ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ ﴾(الملك/2)، قال: « أخلصه وأصوبه. فقيل: يا أبا علي! ما أخلصه وأصوبه؟ فقال: إن العمل إذا كان صوابا ولم يكن خالصا لم يقبل. وإذا كان خالصا ولم يكن صوابا، لم يقبل، حتى يكون خالصا صوابا والخالص أن يكون لله والصواب أن يكون على السنة »(17).
وقال سعيد بن جبير: « لا يقبل قول إلا بعمل، ولا يقبل قول وعمل إلا بنية، ولا يقبل قول وعمل ونية إلا بموافقة السنة »(18).
بين رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الإحسان على مرتبتين متفاوتتين أعلاهما عبادة الله كأنك تراه وهذا مقام المشاهدة وهو أن يعمل العبد على مقتضى مشاهدته لله تعالى بقلبه وهو أن يتنور القلب بالإيمان وتنفذ البصيرة في العرفان حتى يصير الغيب كالعيان وهذا هو حقيقة مقام الإحسان، وثانيهما مقام المراقبة وهو أن يعمل العبد على استحضار مشاهدة الله إياه واطلاعه عليه وقربه منه فإذا استحضر العبد هذا في عمله وعمل عليه فهو مخلص لله تعالى لأن استحضاره ذلك في عمله يمنعه من الالتفات إلى غير الله تعالى وإرادته بالعمل ويتفاوت أهل هذين المقامين بحسب نفوذ البصائر(19).
ولفظ "الإحسان" يدل على معاني ثلاثة ورد بها القرآن ووردت بها السنة:
أولا: الإحسان بأن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك.
ثانيا: الإحسان إلى الناس، كالوالدين والأقربين واليتامى والمساكين والمسلمين وسائر الخلق أجمعين.
ثالثا: إحسان العمل وإتقانه وإصلاحه، سواء العمل العبادي أو العادي أو المعاملاتي(20).
هذه هي صفات المؤمن الصالح، الصالح في نفسه وخلقه وتعامله مع المجتمع، هذا الوصف المرغوب لعلاقات العبد بربه وبالناس وبالأشياء، وعلاقة العبد بربه تكون بالمحافظة على ذكره سبحانه وتعالى بكرة وعشية، لا يفتر ولا يغفل عن مراقبة الله له وخشيته منه ورجائه فيه ودعائه ومناجاته، وبهذه الصفات الإحسانية يطيب قلب العبد وتجمل أخلاقه وتصلح نواياه وأفعاله ويكون بذلك للخلق رحمة، يعم نفعه الناس والمجتمع والعالم أجمع الأقرب فالأقرب(21)، اللهم اجعلنا من المحسنين الذين يحسنون العبادة لله، ويحسنون الطاعة للوالدين، ويحسنون المعاملة للناس، ويحسنون الاحترام للكبير، ويحسنون الرفق بالصغير، اللهم اجعلنا من المحسنين الذين ينفعون ولا يضرون.

ـــــــــــ
(1)- ينظر معارج القبول بشرح سلم الوصول إلى علم الأصول في التوحيد، الجزء الثاني ص33.
(2)– مختصر صحيح مسلم، ص21، ذكر هذا الحيث سابقا.
(3)- ينظر معارج القبول بشرح سلم الوصول إلى علم الأصول في التوحيد، الجزء الثاني ص326.
(4)- معارج القبول بشرح سلم الوصول إلى علم الأصول في التوحيد، الجزء الثاني ص326.
(5)- ينظر معارج القبول بشرح سلم الوصول إلى علم الأصول في التوحيد، الجزء الثاني ص326.
(6)- ينظر تفسير ابن كثير، الجزء الأول ص271.
(7)- ينظر معارج القبول بشرح سلم الوصول إلى علم الأصول في التوحيد، الجزء الثاني ص326.
(8)- ينظر تفسير ابن كثير، الجزء الرابع ص385.
(9)- ينظر تفسير ابن كثير، الجزء الخامس ص378.
(10)- ينظر معارج القبول بشرح سلم الوصول إلى علم الأصول في التوحيد، الجزء الثاني ص327.
(11)- ينظر تفسير ابن كثير، الجزء الرابع ص237.
(12)- ينظر معارج القبول بشرح سلم الوصول إلى علم الأصول في التوحيد، الجزء الثاني ص327.
(13)- ينظر معارج القبول بشرح سلم الوصول إلى علم الأصول في التوحيد، الجزء الثاني ص327.
(14)- ينظر معارج القبول بشرح سلم الوصول إلى علم الأصول في التوحيد، الجزء الثاني ص326.
(15)- ينظر معارج القبول بشرح سلم الوصول إلى علم الأصول في التوحيد، الجزء الثاني ص326.
(16)- ينظر الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ص61.
(17)- الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ص61.
(18)- الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ص61.
(19)- 200 سؤال وجواب في العقيدة الإسلامية، ص94.
(20)-الإحسان1 الرجال، ص3.
(21)- ينظر الإحسان1 الرجال، ص3.
المصادر والمراجع
– الشيخ حافظ بن أحمد حكمي، معارج القبول بشرح سلم الوصول إلى علم الأصول في التوحيد الجزء الثاني، جماعة إحياء التراث.
– الإمام الجليل الحافظ عماد الدين أبو الفداء إسماعيل بن كثير القرشي الدمشقي، تفسير ابن كثير الجزء الأول، الرابع، الخامس، دار الأندلس للطباعة والنشر والتوزيع، الطبعة السادسة1404هـ - 1984م.
– الحافظ عبد العظيم بن عبد القوي المنذري، مختصر صحيح مسلم دار الإمام مالك الجزائر، الطبعة الأولى1428هـ -2007م.
- أحمد بن تيمية، الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، المؤسسة الوطنية للكتاب- الجزائر.
- الشيخ حافظ بن أحمد حكمي، 200 سؤال وجواب في العقيدة الإسلامية، نشر وتوزيع مكتبة رحاب الجزائر.
- عبد السلام ياسين، الإحسان1 الرجال.

تم بحمد الله نشر كل مواضيع الكتاب الأول (الإسلام والإيمان والإحسان والواقع المعيش )، والآن انتظر نصائحكم وانتقاداتكم التي ستثري إن شاء الهر هذا الكتاب، وبعد مدة أسبوع من الآن سأبدأ بإذن الهد تعالى في نشر مواضيع الكتاب الثاني ( الحياة في الإسلام والواقع المعيش )، وبالله التوفيق.
بوداود جلولي


الساعة الآن 10:59 AM.

Powered by vBulletin
قوانين المنتدى