![]() |
من كتاب الحياة في الإسلام والواقع المعيش- الفصل الثاني - العقل في الإسلام.
كرم الله سبحانه وتعالى الإنسان بالعقل وفضله به على كثير ممن خلق تفضيلا، هذا العقل البشري الذي يقف بجانب الإيمان ينافح عنه ويرشد إليه، ويسانده ويؤازره، ينطلق في الفضاء الفسيح اللانهائي ينظر في تأمل وتعمق واعتبار ليرى كواكب وأقمارا ونجوما لا يحصي عدها وعددها إلا الله سبحانه وتعالى، لكل منها مدار ومسار ونظام محكم دقيق، يرى العقل الشمس والقمر والليل والنهار متعاقبين، والبحار المتلاطمة والصحاري الشاسعة الواسعة والجبال الشامخة الشاهقة والتلال والسهول والنجود، ويرى الحيوانات على اختلاف أنواعها وأشكالها وألوانها وأصواتها، عندما نرى هذه الآيات الكونية العجيبة ونتأملها ونهتدي إلى كنهها بواسطة العقل فلا يسعنا إلا أن نهتف بجلال الله وأن نخشع لعظمته(1)، وفاقد العقل مرفوع عنه القلم.
العقل المستنير يقف وسيظل واقفا بجانب العقيدة يهدي إليها. ويدل عليها ويؤازرها، ويناصرها، ويشير في خشوع وخضوع إلى الله، وينتزع الأدلة الحية من كل موجود، ويردد على مسامع الزمان، ما قاله القرآن الكريم منذ أربعة عشر قرنا في نسق مشرق وضيئ، ومنطق يربط النفس بالحياة، ويوقظ البصائر والأبصار على نظام الوجود وسيره المحكم الهادف(2)، قال تعالى: ﴿ إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْارْضِ وَاخْتِلَافِ اليْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ التِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَآءِ مِن مَّاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْارْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَآءِ وَالْارْضِ لَأيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ﴾( البقرة/ 164)، فهذه الآيات الكونية دلائل قاطعة على عظمة الخالق جل وعلا، لا يدركها إلا أولو الألباب الذين رزقهم الله البصيرة النيرة والعلم الواسع. نوه القرآن الكريم بشأن العقل ورفع من قيمته إلى درجة التقديس نظرا للوظيفة الكبرى التي يقوم بها في مجال معرفة الله سبحانه وتعالى، ومن ثم عبادته عبادة صحيحة لا يشوبها شك ولا ريب، وأنه وسيلة لصنع الحياة الكريمة في الدنيا وجعلها جسر عبور إلى الآخرة، هذا العقل الذي جاء ذكره في القرآن الكريم زهاء خمسين مرة بصيغ مختلفة منها أفلا يتدبرون؟، أفلا تعقلون؟؟، أفلا تتفكرون؟(3)، قال تعالى: ﴿ اَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْءَانَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا ﴾( النساء/82)، وقال عز وجل: ﴿ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَلَلدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ ﴾ ( الأنعام/32)، وقال عز من قائل: ﴿ قُل لَّآ أَقُولُ لَكُمْ ِعِندِي خَزَآئِنُ اللَّهِ وَلآ أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلآ أَقُولُ لَكُمُ إِنِّي مَلَكٌ إِنَ اَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إِلَيَّ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الاعْمَى وَالْبَصِيرُ أَفَلاَ تَتَفَكَّرُونَ ﴾( الأنعام/50). الإسلام دين الذهن المستنير، دين تأمل ونظر واعتبار، وما دام كذلك فسيظل معتقد المفكرين الأحرار(4)، ولهذا فلا يكاد وقت يمر إلا وسمعنا بأن أحد العلماء الغربيين أو الشرقيين قد أعلن على رأس الأشهاد إسلامه، أما الديانة المسيحية فلا يعتنقها إلا فقراء أفريقيا السوداء وآسيا الصغرى بعد أن يقدم لهم القساوسة الأكل والشرب مستغلين بذلك معاناة هؤلاء من المجاعة، فالدين الإسلامي دين منطق يغذي العقل ويخاطب ذوي الألباب، والمسيحية تغذي البطن وتخاطب العاطفة وحسب، والجرائد اليومية ووسائل الأعلام المختلفة تطلعنا بين الحين والآخر عمن اعتنق الإسلام بعد قناعة وعمن اعتنق المسيحية بعد أن قدم له الأكل والشرب. العقل المستقيم السليم النير لا بد وأن يصل إلى معرفة الله سبحانه وتعالى، وتفكيره الجيد لن يبعده عن الله أبدا مهما طال المدى، والفكر الصائب يستحيل أن يباعد عن الله! انه يسوق إليه سوقا لطيفا! ومن ثم تستقيم عبادة العبد وفق ما أمر به المولى عز وجل(5). ورغم ذلك كله ومع الأسف الشديد فإن عقل الإنسان المسلم قد تعطل، وصار يعتمد على النقل فقط، يعتمد على ما يأتيه من مفكري الشرق والغرب وكأن الله سبحانه وتعالى قد خصهم وحدهم بالعقل، فما أعظم ما نحن فيه اليوم من تبعية في جميع المجالات!، يقول الدكتور يوسف القرضاوي أطال الله في عمره: « إن طاقاتنا العقلية معطلة، لأننا نقلد ولا نجتهد، نحاكي ولا نبدع، ننقل ولا نبتكر، نحفظ ولا نفكر. أي نستخدم تفكير غيرنا، ولا نفكر نحن لأنفسنا... »(6). ــــــــــــ (1)- ينظر سفينة الإيمان، ص50- 52. (2)- سفينة الإيمان، ص53. (3)- ينظر سفينة الإيمان، ص53. (4)- ينظر سفينة الإيمان، ص141. (5)- ينظر علل وأدوية، ص159. (6)- أين الخلل؟، ص10. المصادر والمراجع - القرآن الكريم برواية ورش. - محمد الصالح الصديق، سفينة الإيمان، الشركة الوطنية للنشر والتوزيع الجزائر. - محمد الغزالي، علل وأدوية، دار الشهاب للطباعة والنشر باتنة- الجزائر، الطبعة الثانية 1406هـ -1986. - الدكتور يوسف القرضاوي، أين الخلل؟، نشر وتوزيع مكتبة رحاب الجزائر، الطبعة الثانية1406هـ - 1986م. بوداود جلولي .../... |
| الساعة الآن 06:32 AM. |
Powered by vBulletin
قوانين المنتدى