![]() |
الحب و القدر !
وقعُ الكابوس كان كبيرا جدا لدرجة أنها لم تتمكن من استيعابه ، راحت تصرخ بأعلى صوتها حتى فزع إليها كل من في المنزل، لازالت تهذي باسمه وهي فاقدة للوعي ، أحضرت لها أختها كوب ماء اغترفته بصعوبة بمساعدة كلية من أمها ، عاد الجميع إلى مخادعهم بعدما اطمأنوا عليها ، في حين استسلمت هي للنوم في عالم أحلامها المرعب منذ أن فقدت حبيبها ، لا تزال ذكرياته تجول و تصول أمامها غير واضعة أي اعتبار لحالتها المزرية ، صوته أبدا لم يرحم سمعها الرقيق من صداه المتردد ، و كذلك صورة وجهه تتراءى لها كطيف الألوان بعد هطول المطر ، تُلاحقه في كل مكان من أرجاء المعمورة لتستفيق بعد مُدة و تُدرك أنه مُجرد خيال ارتسم لها لا أكثر ، استمرت على هذه الحال لقُرابة شهرين ، عيناها الذابلتان تواقتان للانغلاق بعيدا عن الدنيا دون أن يُجهد ذاك اليوم المشؤوم تفكيرها ، و لكنها عبثا حاولت التخلص من أطياف ما مضى ، و عبثا حاول كل من حولها تقديم يد العون و مُحاولة تخفيف جراحها و مسح دمعها الغزير الذي سال وديانا و ترك آثارا جسيمة على وجهها البريء ، ذلك الوجه الحالم الذي هام به حبيبها ، حتى أن والدتها قد حدثتها أن ترأف بنفسها بعض الشيء ، فلو كان من يهواه قلبها حيا لما رضي لها بذلك و لن يرضى و لو كان ميتا الآن ، فما كان منها إلا أن حملت شفتيها على رسم ابتسامة باهتة رغما عنهما ، علّها تُخفف من شفقة أمها عليها و تُشعرها بقليل من التحسن في حالها . رغم أنهما كانا مخطوبين فقط دون عقد قران إلا أنها أصرت أن تقوم بالعدة ! و هاهي ذي أربعة أشهر و عشر أيام تمضي على وقع إحساسها المُغتال و أحلامها التي دُفنت مع الحبيب ، اقترح والدها القيام بنزهة في إحدى الحدائق الجميلة ، وافقت على مضض فالكل قد سأم الحزن العميق الذي سكن أرجاء المنزل بعد وفاة خطيبها ، و لهم كل الحق أن يبدؤوا بعيش حياتهم بقليل من التفاؤل و السعادة ، وضعت خطوتها الأولى خارج البيت بعد وقت طويل ، شعرت بأنها تخطو خطواتها الأولى في حياتها ، فرح الجميع بهذه النزهة المُباركة ! أخيرا هاهم يرونها تتخلص من وحدتها القاتلة و صمتها المرير ، و لكن هيهات هيهات ، فكل شيء كان يُذكرها به ، رأت الورود الجميلة فتذكرت يوم كان يأتيها بباقة ورد و يقول لها بأنها أجمل منها ، مدّت بصرها لتجد شجرة زيتون كبيرة ضاربة في القدم ، كشجرة الزيتون التي احتضنت حبهما و كان يُخبرها كل ما يُحس به تحت فيئها الحنون ، أوقف ناظرها شُعاع مُمتد لاح من تلك الكرة الملتهبة في السماء ؛ أجبرها على أن تنحني برأسها قليلا لتتجنبه ، روادتها لحظة كان المتيم يتغزل بها و يُباهي بها الشمس و القمر و نجوم الكواكب كلها ، بكت بحرقة و كأنها تقول لروحه التي ما فارقتها : ( أين أنت يا عشيقي ؟ لترى ما فعلت بي الشمس التي كُنت تقول أنني أكثر نورا و ضياءا منها ؟ ها قد استسلمت لِلَفحة منها !) ناداها أخوها الصغير لتناول الغداء ، مسحت عبراتها و تفادت تساؤلاته الطفولية عن سبب بكائها ، ضمته بقوة كأنها تُعانق ذلك الحبيب الغائب دون رجعة ، و لم تُفلته حتى أصبح يصرخ بأنه سيختنق . في اليوم التالي ، قررت الذهاب إلى صديقتها ، تطلب منها النصح و العون فلطالما دأبت على مواساتها ، و بينما هي الطريق إليها دخلت غيبوبتها المُعتادة ، شاردة الذهن تمشي بخطوات مُتثاقلة و كأن الدنيا قد رمت بأثقالها على كاهلها ، لم تعد تتفاعل مع الحياة أبدا ، وقفت على الرصيف تنتظر سيارة أجرة ، رفعت رأسها عن الأرض علّها تُغرد مع العصافير الشادية أو تُحلّق مع الحمام الأبيض ، رفعته قليلا بعد لترى السماء من حولها ، لتُحس أن روحه تُراقبها ، زُرقة السماء ليست طبيعية أبدا منذ صباح اليوم ، كانت تراها سوداء من خلال منظارها ، السيارات تمرّ دونما توقف و لكنها لم تنتبه أبدا ، أعادت رأسها لترى ما أمامها مُباشرة ، و قد كان هو و لا أحد غيره أمامها مُباشرة ، يكسوه ضباب أبيض جعل رؤية كل الأشياء حوله مستحيلة ، قفز قلبها فرحًا و رقصت روحها على أنغام الطبيعة مرة ثانية ، عادت إليها الحياة من جديد بطعم آخر ، أحسّت أنّ هذه المرة حقيقية أكثر و وثقت من صميم أعماقها أنها ستلحق به الآن ، ستضمه و تُعانقه و تُعاتبه على غيابه عنها ، بدأت بالسير نحوه دون وعي ، تعالى زمير السيارات و صراخ الناس و لكن دون جدوى ، من بعيد ؛ اتجهت نحوها سيارة مُسرعة كسهم يبتغي الوصول إلى فريسته ، دهستها دون رحمة و أسالت دمها و مضت بنفس السرعة غير مُبالية بالطير الجريح الذي خلّفته وراءها كما لم تُبالِ بالسابق ، نعم ! إنّها نفس السيارة التي دهست محبوبها و بنفس الوحشية ، إنّه نفس القدر الذي فرقهما و نفسه الذي عاد ليجمعهما ، و بالفعل ؛ لقد التحقت به هذه المرة ، ذهبت إلى العالم الذي أرادته بجانبه و استراحت من الحياة التي خلت من دونه . انتهى 16/05/2012 |
رد: الحب و القدر !
السّلام عليكمْ..
قرأت هذهِ القصَة من قبلْ و عبرتُ عن شدّة أعجابي بها أمالْ.. متألقة كعَادتكْ.. وَاصلِي ، |
رد: الحب و القدر !
راااااااااااااااااااائعة
|
رد: الحب و القدر !
رائعة ومؤثرة بارك الله فيكي فقد تفاعلت فعلا مع احداثها
|
رد: الحب و القدر !
مآجدولين ، وعد حنين ، مايا علاق
أسعدني وجودكن عزيزاتي دام حضوركن و دُمتن بألف خير |
رد: الحب و القدر !
قصة رائعة بارك الله فيك
|
رد: الحب و القدر !
و فيك بارك الله
مرورك الأروع تحياتي لك |
رد: الحب و القدر !
قضة مكتملة البناء متماسكة الأسلوب بلغة واعية المسار..
همسة/مازال وليس لا زال تقديري قاصتنا الرائعة بروال آمال.. |
رد: الحب و القدر !
مرورك هو الأروع أستاذي الكريم
دائما يُسعدني و يُحفزني بارك الله فيك على الهمسة سأعمل بها في المرة القادمة بإذن الله ألف تحية و سلام |
رد: الحب و القدر !
جداا جدااا قصتكـ راقتني..
أيتها الرائعة أمال.. رغم أن التفاصيل حزييينة لكنكـ عرفت بكل ذكاء وإبداع كيف تشدينا إلى مانثرت ياااه رغم الحزن الذي كانت فيهـ..إلا أنها حاولت الخروج منهـ تلكـ العصفورة المسكينة... شكرا أمال..لقد أعجبتني جداا لدرجة أن لا تعليق يصلح لأضعه بوركت غااليتي... موفقة..إرتحت كثييرا...رغم حزني |
| الساعة الآن 07:55 AM. |
Powered by vBulletin
قوانين المنتدى