منتديات الشروق أونلاين

منتديات الشروق أونلاين (http://montada.echoroukonline.com/index.php)
-   منتدى القصة القصيرة (http://montada.echoroukonline.com/forumdisplay.php?f=63)
-   -   خذوهم إلى السجن -قصة واقعية- (http://montada.echoroukonline.com/showthread.php?t=207191)

Abouyusuf 16-07-2012 10:15 AM

خذوهم إلى السجن -قصة واقعية-
 
"خذوهم إلى السجن". كانت هذه كلمات قاضي التحقيق العسكري بمثابة الصاعقة التي نزلت على محافظ الشرطة و صحافي وكالة الأنباء و ملازم الدرك. محمد محافظ الشرطة القادم من الشمال لم يهنأ برتبته الجديدة بعد أن رُقّي من ضابط شرطة سوى ثلاثة أشهر. لم يصدق المسكين نفسه و هو ينظر إلى العسكري و هو يضع الأصفاد في يديه. تمنى لو انه مات قبل أن يعيش تلك اللحظة ذات يوم من شهر مارس 1995. انهار كل شيئ بناه كقلعة الرمال التي كان يبنيها لولديه امير و شفيق على شواطئ بجاية حيث كان يعمل ضابطا. عجزت قدماه عن المشي فساعده العسكري على الصعود إلى العربة أما الصحافي فأغمي عليه من هول اللحظة. نقلتهم العربة غير بعيد عن المحكمة العسكرية إلى السجن العسكري.

كانت المسافة قصيرة لكنها مرت كسنوات محمد الرابعة و الثلاثين و هو ينظر عبر النافذة الصغيرة إلى الشارع المحادي للسجن و كأنه يلقي عليه نظرة الوداع . كل شيئ جال بخاطره في تلك اللحظات. لم يعد هناك مستقبل ولا حاضر. أنّى لمحافظ الشرطة الذي كان يقتاد المتهمين إلى السجن ان يُقاد مثلهم الآن؟ كيف لهذه الدولة أن تدخله السجن بتهمة لم يعترف بها إطلاقا؟ لماذا صدقوا الصحفي وكذبوالمحافظ ؟ لماذا لم تشفع له السنوات الثمانية التي قضاها في خدمة الشرطة حتى حرم من من زيارة أهله بسبب تهديدات الارهابيين؟ ما الذي سيحدث لأسرته بعد سجنه؟ ماذا سيحدث لأمير ابنه ذي الخمس سنوات و هو الذي لم يكن يفارقه؟ تتابعت الأسئلة في ذهنه و لم يشعر إلا و باب العربة المصفحة يفتح و يطلب من ثلاثتهم النزول.

نزل الجميع من العربة و هم مصدومون من هول المكان. بدت ساحة السجن لمحمد رغم شساعتها كقفص عصفور صغير. اقتيد الثلاثة الى مكتب مامور السجن الذي تلا عليهم بعض قوانين النظام الداخلي ثم سُلمت لهم ثياب السجن الرسمية ذات اللون البني الداكن. ارتداها محمد و هو لا يزال غير مصدق لما يحدث له. اعتقد أنه يعيش كابوسا طويلا و لكن صوت الباب الحديدي للزنزانة حيث حُشر الثلاثة أنهى كابوسه و ابتدأ آخرا.الزنزانة عبارة عن غرفة ضيقة ذات فتحة صعيرة سميت نافذة ظلما و بهتانا. في أحد الجدران الاربعةكان هنالك باب دورة المياه يحرص الجميع على نظافتها خوفا من ردة فعلها.

جلس الثلاثة و اتخذوا من الجدار متكأ إلى حين. أخذوا تحذيرات مامور السجن على محمل الجد خاصة و أنه علم أن الصحافي هو الذي ورط الآخرين في تسريب الأخبار السياسية الخاصة إلى وكالة الأنباء وقد يدفعهم إلى الانتقام منه. كانت أطول ليلة عاشها محمد بعد الليلة السوداء الي عاشها ذات يوم من ايام شهر اوت 1972 عندما كان المسكين اول من سمع بخبر وفاة والده في حادث عمل بباريس و أخفى الأمر عن والدته و إخوته لمدة أسبوع. كان يومها طفلا في الحادية عشرة من عمره. تذكر تلك الأيام فأصبح يقلب كفّيه على ما هو فيه و كيف أصبح متهما بتسريب أخبار موضوعة تحت ستار الدفاع الوطني و هو الذي تعلم كيف يخفي خبر موت والده حتى عن والدته. نام الجميع سوى محمد فبقي مستيقظا يتنقل بين ما مضى من أيام و ما هو مقبل منها.

فجأة ينتبه محمد بعد أن وكزته زوجته وهي جالسة بجانبه. "أين كنت؟ لقد دخل أمير منذ دقائق و هو ينظر إلينا منتظرا تصفيقك." أمير أمامه ببزته العسكرية الأنيقة يناقش مذكرة تخرجه." مستحيل" هكذا اعتقد محمد و هو يتذكر تلك الليلة المشؤومة في السجن العسكري و هو يفكر في مصير أمير من بعده. أمير يقف الآن أمامه في 2012 يناقش مذكرة تخرجه بحضور والده هذه المرة بدون أصفاد و لا قيود. وقف محمد دون الجميع و شرع في التصفيق حتى مل التصفيق منه أما عيناه فعجزتا ان تحبسا دموعه لأول مرة.


الساعة الآن 11:19 PM.

Powered by vBulletin
قوانين المنتدى