![]() |
مع نزار قباني متى يعلنون وفاة العرب (3)
" العلاقة بين الكاتبة والحكم علاقة غير سعيدة لأنها علاقة قائمة في الأصل على سوء الفهم وانعدام الثقة لا الكاتب يستطيع أن يتخلى عن غريزة الكلام ولا الحاكم يقبل أن يسمع صوتا غير صوته وإذا قبل أن يستمع فلا يظهر به إلا صوت الكورس الرسمي.
ومنذ القديم كان الكلام يقف في جهة والمقصلة تقف في الجهة المقابلة ومع هذا لم يتوقف الكلام ولم تتعب المقصلة. وفيما يتعلق بالحاكم العربي فقد تعود وراثيا أن ينام على سرير من قصائد المدح والإطراء وان ُتحمل إليه أشعار الشعراء على صوالي الفضة، انه مقتنع بحكم العادة انه شمس وانه كوكب وانه ممطر كالسحاب وكريم كالبحر . والحاكم العربي هو ابن آبائه يحمل ملامحهم النفسية ونقاط ضعفهم وقناعاتهم بالتفرد والعصمة ولا يتصور في قاموس الحكم كلمة (لا) لأن أذنه أدمنت كلمة (نعم) ورنينها السحري ." أحاول منذ كنت طفلا قراءة أي كتاب تحدث عن أنبياء العرب وعن حكماء العرب وعن شعراء العرب فلم أرى إلا قصائد تلحس رجل الخليفة من اجل حفنة رُز وخمسين درهم فيا للعجب ولم أرى إلا قبائل ليست تفرق ما بين لحم النساء وبين الرطب فيا للعجب ولم أرى إلا جرائد تخلع أثوابها الداخلية لأي رئيس من الغيب يأتي وأي عقيد على جثة الشعب يمشي فيا للعجب أنا منذ خمسين عاما أراقب حال العرب وهم يرعدون ولا يمطرون وهم يدخلون الحروب ولا يخرجون وهم يعلكون جلود البلاغة علكا ولا يهضمون أنا منذ خمسين عاما أحاول رسم بلاد تسمى مجازا بلاد العرب رسمت بلون الشرايين حينا وحينا رسمت بلون الغصب وحين انتهى الرسم بلون ساءلت نفسي إذا أعلنوا ذات يوم وفاة العرب ففي أي مقبرة يدفنون ومن سوف يبكي عليهم وليس لديهم بنات وليس لديهم بنون وليس هنالك حزن وليس هنالك من يحزنون . أحاول منذ بدأت كتابة شعري قياس المسافة بيني وبين جدودي العرب رأيت جيوشا ولا من جيوش رأيت فتوحا ولا من فتوح وتابعت كل الحروب على شاشة التلفزة فقتلى على شاشة التلفزة ونصر من الله يأتي إلينا على شاشة التلفزة أيا وطني جعلوك مسلسل رعب نتابع أحداثه في المساء فكيف نراك إذا قطعوا عنا الكهرباء . |
| الساعة الآن 08:44 PM. |
Powered by vBulletin
قوانين المنتدى