![]() |
رسالة في ليلة التنفيذ (هاشم الرفاعي)
رحمة الله عليك يا هاشم الرفاعي.. من يعرف هذا الشاعر الشهيد الذي تنبأ بالثورات على طغيان الأنظمة قبل عقود (قتله عبد الناصر عام 1959)؟ ومن يذكر هذه الرائعة (رسالة في ليلة التنفيذ)
رسالة في ليلة التنفيذ (هاشم الرفاعي) أبتاه ماذا قد يخطُّ بناني ـــ والحبلُ والجلادُ ينتظراني هذا الكتابُ إليكَ مِنْ زَنْزانَةٍ ـــ مَقْرورَةٍ صَخْرِيَّةِ الجُدْرانِ لَمْ تَبْقَ إلاَّ ليلةٌ أحْيا بِها ــــ وأُحِسُّ أنَّ ظلامَها أكفاني سَتَمُرُّ يا أبتاهُ لستُ أشكُّ في ـــ هذا وتَحمِلُ بعدَها جُثماني الليلُ مِنْ حَولي هُدوءٌ قاتِلٌ ــ والذكرياتُ تَمورُ في وِجْداني وَيَهُدُّني أَلمي فأنْشُدُ راحَتي ـــ في بِضْعِ آياتٍ مِنَ القُرآنِ والنَّفْسُ بينَ جوانِحي شفَّافةٌ ـــ دَبَّ الخُشوعُ بها فَهَزَّ كَياني قَدْ عِشْتُ أُومِنُ بالإلهِ ولم أَذُقْ ـــ إلاَّ أخيراً لذَّةَ الإيمانِ شكرا لهم أنا لا أريد طعامهم ـــ فليرفعوه فلست بالجوعان هذا الطعام المر ما صنعته لي ــ أمي و لا وضعوه فوق خوان كلا و لم يشهده يا أبتي معي ــ أخوان جاءاه يستبقان مدوا إلي به يدا مصبوغة بدمي ــ و هذي غاية الإحسان والصَّمتُ يقطعُهُ رَنينُ سَلاسِلٍ ـــ عَبَثَتْ بِهِنَّ أَصابعُ السَّجَّانِ ما بَيْنَ آوِنةٍ تَمُرُّ وأختها ــــ يرنو إليَّ بمقلتيْ شيطانِ مِنْ كُوَّةٍ بِالبابِ يَرْقُبُ صَيْدَهُ ـــ وَيَعُودُ في أَمْنٍ إلى الدَّوَرَانِ أَنا لا أُحِسُّ بِأيِّ حِقْدٍ نَحْوَهُ ـــ ماذا جَنَى فَتَمَسُّه أَضْغاني هُوَ طيِّبُ الأخلاقِ مثلُكَ يا أبي ـــ لم يَبْدُ في ظَمَأٍ إلى العُدوانِ لكنَّهُ إِنْ نامَ عَنِّي لَحظةً ـــ ذاقَ العَيالُ مَرارةَ الحِرْمانِ فلَرُبَّما وهُوَ المُرَوِّعُ سحنةً ــ لو كانَ مِثْلي شاعراً لَرَثاني أوْ عادَ - مَنْ يدري - إلى أولادِهِ ـــ يَوماً تَذكَّرَ صُورتي فَبكاني وَعلى الجِدارِ الصُّلبِ نافذةٌ بها ــ معنى الحياةِ غليظةُ القُضْبانِ قَدْ طالَما شارَفْتُها مُتَأَمِّلاً ـــ في الثَّائرينَ على الأسى اليَقْظانِ فَأَرَى وُجوماً كالضَّبابِ مُصَوِّراً ـــ ما في قُلوبِ النَّاسِ مِنْ غَلَيانِ نَفْسُ الشُّعورِ لَدى الجميعِ وَإِنْ هُمُو ـــ كَتموا وكانَ المَوْتُ في إِعْلاني وَيدورُ هَمْسٌ في الجَوانِحِ ما الَّذي ـــ بِالثَّوْرَةِ الحَمْقاءِ قَدْ أَغْراني؟ أَوَ لَمْ يَكُنْ خَيْراً لِنفسي أَنْ أُرَى ــ مثلَ الجُموعِ أَسيرُ في إِذْعانِ؟ ما ضَرَّني لَوْ قَدْ سَكَتُّ وَكُلَّما ـــ غَلَبَ الأسى بالَغْتُ في الكِتْمانِ؟ هذا دَمِي سَيَسِيلُ يَجْرِي مُطْفِئاً ــ ما ثارَ في جَنْبَيَّ مِنْ نِيرانِ وَفؤاديَ المَوَّارُ في نَبَضاتِهِ ـــ سَيَكُفُّ في غَدِهِ عَنِ الْخَفَقانِ وَالظُّلْمُ باقٍ لَنْ يُحَطِّمَ قَيْدَهُ ــ مَوْتي وَلَنْ يُودِي بِهِ قُرْباني وَيَسيرُ رَكْبُ الْبَغْيِ لَيْسَ يَضِيرُهُ ـــ شاةٌ إِذا اْجْتُثَّتْ مِنَ القِطْعانِ هذا حَديثُ النَّفْسِ حينَ تَشُفُّ عَنْ ـــ بَشَرِيَّتي وَتَمُورُ بَعْدَ ثَوانِ وتقُولُ لي إنَّ الحَياةَ لِغايَةٍ ـــ أَسْمَى مِنَ التَّصْفيقِ ِللطُّغْيانِ أَنْفاسُكَ الحَرَّى وَإِنْ هِيَ أُخمِدَتْ ـــ سَتَظَلُّ تَعْمُرُ أُفْقَهُمْ بِدُخانِ وقُروحُ جِسْمِكَ وَهُوَ تَحْتَ سِياطِهِمْ ـــ قَسَماتُ صُبْحٍ يَتَّقِيهِ الْجاني دَمْعُ السَّجينِ هُناكَ في أَغْلالِهِ ــــ وَدَمُ الشَّهيدِ هُنَا سَيَلْتَقِيانِ حَتَّى إِذا ما أُفْعِمَتْ بِهِما الرُّبا ـــ لم يَبْقَ غَيْرُ تَمَرُّدِ الفَيَضانِ ومَنِ الْعَواصِفِ مَا يَكُونُ هُبُوبُهَا ـــ بَعْدَ الْهُدوءِ وَرَاحَةِ الرُّبَّانِ إِنَّ اْحْتِدامَ النَّارِ في جَوْفِ الثَّرَى ـــ أَمْرٌ يُثيرُ حَفِيظَةَ الْبُرْكانِ وتتابُعُ القَطَراتِ يَنْزِلُ بَعْدَهُ ــ سَيْلٌ يَليهِ تَدَفُّقُ الطُّوفانِ فَيَمُوجُ يقتلِعُ الطُّغاةَ مُزَمْجِراً ـــ أقْوى مِنَ الْجَبَرُوتِ وَالسُّلْطانِ أَنا لَستُ أَدْري هَلْ سَتُذْكَرُ قِصَّتي ـــ أَمْ سَوْفَ يَعْرُوها دُجَى النِّسْيانِ؟ أمْ أنَّني سَأَكونُ في تارِيخِنا ـــ مُتآمِراً أَمْ هَادِمَ الأَوْثانِ؟ كُلُّ الَّذي أَدْرِيهِ أَنَّ تَجَرُّعي ـــ كَأْسَ الْمَذَلَّةِ لَيْسَ في إِمْكاني لَوْ لَمْ أَكُنْ في ثَوْرَتي مُتَطَلِّباً ـــ غَيْرَ الضِّياءِ لأُمَّتي لَكَفاني أَهْوَى الْحَياةَ كَريمَةً لا قَيْدَ لا ـــ إِرْهابَ لا اْسْتِخْفافَ بِالإنْسانِ فَإذا سَقَطْتُ سَقَطْتُ أَحْمِلُ عِزَّتي ـــ يَغْلي دَمُ الأَحْرارِ في شِرياني أَبَتاهُ إِنْ طَلَعَ الصَّباحُ عَلَى الدُّنى ـــ وَأَضاءَ نُورُ الشَّمْسِ كُلَّ مَكانِ وَاسْتَقْبَلُ الْعُصْفُورُ بَيْنَ غُصُونِهِ ـــ يَوْماً جَديداً مُشْرِقَ الأَلْوانِ وَسَمِعْتَ أَنْغامَ التَّفاؤلِ ثَرَّةً ـــ تَجْري عَلَى فَمِ بائِعِ الأَلبانِ وَأتى يَدُقُّ- كما تَعَوَّدَ- بابَنا ـــ سَيَدُقُّ بابَ السِّجْنِ جَلاَّدانِ وَأَكُونُ بَعْدَ هُنَيْهَةٍ مُتَأَرْجِحَاً ــ في الْحَبْلِ مَشْدُوداً إِلى العِيدانِ لِيَكُنْ عَزاؤكَ أَنَّ هَذا الْحَبْلَ ما ــ صَنَعَتْهُ في هِذي الرُّبوعِ يَدانِ نَسَجُوهُ في بَلَدٍ يَشُعُّ حَضَارَةً ـــ وَتُضاءُ مِنْهُ مَشاعِلُ الْعِرفانِ أَوْ هَكذا زَعَمُوا! وَجِيءَ بِهِ إلى ـــ بَلَدي الْجَريحِ عَلَى يَدِ الأَعْوانِ أَنا لا أُرِيدُكَ أَنْ تَعيشَ مُحَطَّماً ـــ في زَحْمَةِ الآلامِ وَالأَشْجانِ إِنَّ ابْنَكَ المَصْفُودَ في أَغْلالِهِ ـــ قَدْ سِيقَ نَحْوَ الْمَوْتِ غَيْرَ مُدانِ فَاذْكُرْ حِكاياتٍ بِأَيَّامِ الصِّبا ـــ قَدْ قُلْتَها لي عَنْ هَوى الأوْطانِ وَإذا سَمْعْتَ نَحِيبَ أُمِّيَ في الدُّجى ـــ تَبْكي شَباباً ضاعَ في الرَّيْعانِ وتُكَتِّمُ الحَسراتِ في أَعْماقِها ـــ أَلَمَاً تُوارِيهِ عَنِ الجِيرانِ فَاطْلُبْ إِليها الصَّفْحَ عَنِّي إِنَّني ـــ لا أَبْتَغي مِنَها سِوى الغُفْرانِ مازَالَ في سَمْعي رَنينُ حَديثِها ــ وَمقالِها في رَحْمَةٍ وَحنانِ: أَبُنَيَّ: إنِّي قد غَدَوْتُ عليلةً ــ لم يبقَ لي جَلَدٌ عَلى الأَحْزانِ فَأَذِقْ فُؤادِيَ فَرْحَةً بِالْبَحْثِ عَنْ ـــ بِنْتِ الحَلالِ وَدَعْكَ مِنْ عِصْياني كانَتْ لها أُمْنِيَةً رَيَّانَةً ـــ يا حُسْنَ آمالٍ لَها وَأَماني وَالآنَ لا أَدْري بِأَيِّ جَوانِحٍ ـــ سَتَبيتُ بَعْدي أَمْ بِأَيِّ جِنانِ هذا الذي سَطَرْتُهُ لكَ يا أبي ـــ بَعْضُ الذي يَجْري بِفِكْرٍ عانِ لكنْ إذا انْتَصَرَ الضِّياءُ وَمُزِّقَتْ ـــ بَيَدِ الْجُموعِ شَريعةُ القُرْصانِ فَلَسَوْفَ يَذْكُرُني وَيُكْبِرُ هِمَّتي ـــ مَنْ كانَ في بَلَدي حَليفَ هَوانِ وَإلى لِقاءٍ تَحْتَ ظِلِّ عَدالَةٍ ــــ قُدْسِيَّةِ الأَحْكامِ والمِيزانِ |
| الساعة الآن 07:17 PM. |
Powered by vBulletin
قوانين المنتدى