منتديات الشروق أونلاين

منتديات الشروق أونلاين (http://montada.echoroukonline.com/index.php)
-   منتدى القرآن الكريم (http://montada.echoroukonline.com/forumdisplay.php?f=43)
-   -   درر ذهبية من سورة ال عمران/الثبات على المنهج (http://montada.echoroukonline.com/showthread.php?t=220386)

مُسلِمة 26-11-2012 07:41 PM

درر ذهبية من سورة ال عمران/الثبات على المنهج
 
بسم الله الرحمان الرحيم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

مفاهيم رائعة من سورة ال عمران تدور حول الثبات على المنهج


فالهدف الذي تدور حوله السورة وثيق الصلة بهدف سورة البقرة التي كانت تخبر المسلمين بأنهم مسؤولون عن الأرض، والتي عرضت منهج الاستخلاف. فسورة آل عمران تؤكد الثبات على هذا المنهج، والكثير من الأشخاص - بعد أن يقرأوا المنهج ويتحملوا المسؤولية - يزيغون ويسقطون، ويبتعدون عن المنهج القويم، كالذي يتعبد في شهر رمضان ثم يغلق أبواب الطاعة والعبادة بعده. فالسورة تخاطب المتدينين منذ أكثر من 20 سنة وتثبتهم على الدين، كما تخاطب الشباب الذين تديّنوا بالأمس وتقول لهم أثبتوا على دينكم ومنهجكم لتحقيق استخلاف المسلم في الأرض.
للإجابة على هذا السؤال يجب أن نعرف كيف يزيغ الناس، فالناس يضللون إما بالأفكار التي تشوش عقائدهم، أو يتيهون وسط مشاغل الحياة فتضعف عزائمهم. وبالتالي فأسباب الهلاك فكرية (داخلية) أو عملية (خارجية)، والسورة تحث المؤمن على الثبات في المجالين وتحذره مما قد يكون سبباً في زلته.
لذلك تقسم السورة إلى قسمين:

. القسم الأول: الآيات (1 - 120)
لثبات على الحق فكرياً أمام المؤثرات الخارجية، من خلال الحديث عن أهل الكتاب والحوار معهم، وهو أول حوار بين العقائد في القرآن.
. القسم الثاني: الآيات (120 - 200)
تتحدث عن الثبات على الحق عملياً أمام المؤثرات الداخلية من خلال الحديث عن غزوة أحد، كنموذج للأخطاء التي قد تقع وكيفية تفاديها.
وقد بَدَأْتُ بالخارج حتى تجهّز للمسلم البيئة المحيطة، وبعد ذلك بدأت بالتكلم على الداخل. والواقع أن السورة تناولت هذين المحورين من خلال التعليق على حادثتين حصلتا على عهد النبي صلى الله عليه وسلم:


- الحادثة الأولى: لقاء وفد نصارى نجران مع النبي، حين استضافهم في المسجد النبوي وحاورهم لمدة ثلاثة أيام.

- الحادثة الثانية: غزوة أحد والهزيمة أمام المشركين، فتأتي 80 آية للتعقيب عليها، لأن أكثر المؤمنين لم يثبتوا في الغزوة ولم يطيعوا أوامر نبيهم صلى الله عليه وسلم (وخاصة الرماة)

الآيات تعلق على حوادث مضى عليها أكثر من 1400 سنة، لكنها تخاطب المسلمين في كل العصور لتعلمهم كيف يثبتوا

خارجياً وداخلياً، فكرياً وعملياً.

http://upload.arabia4serv.com/images...4827587308.gif

البداية والنهاية

http://upload.arabia4serv.com/images...4827587308.gif

بدأت السورة بما يساعد المسلم على الثبات، وختمت أيضاً بما يثبته على الحق.

اقرأ في بداية السورة:}الم  ٱلله لا إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ ٱلْحَىُّ ٱلْقَيُّومُ  نَزَّلَ عَلَيْكَ ٱلْكِتَـٰبَ بِٱلْحَقّ مُصَدّقاً لّمَا بَيْنَ يَدَيه{ (1-3).
فإلهكم إله واحد وهو المعين على الثبات، والكتاب حقّ، وهو طريقك إلى الثبات على هذا الدين.

والآية الأخيرة تقول للمؤمنين }يَـأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ ٱصْبِرُواْ وَصَابِرُواْ وَرَابِطُواْ وَٱتَّقُواْ ٱلله لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ{ (200).
اصبروا أي اصبر نفسك، أما صابروا فمعناها أن تساعد غيرك على الصبر، وأما رابطوا فمعناها أن يبقى المسلم مستعداً لمواجهة أي خطر يأتي من الخارج. والرباط يكون على الثغور لدفع وصد العدو الخارجي سواء كان هذا العدو جيشاً أو فكرة وشبهة.
وذكر القرآن كعامل من عوامل الثبات قد تكرر كثيراً في السورة.


فتأتي الآية (7) لتوضح}هُوَ ٱلَّذِى أَنزَلَ عَلَيْكَ ٱلْكِتَـٰبَ مِنْهُ آيَـٰتٌ مُّحْكَمَـٰتٌ هُنَّ أُمُّ ٱلْكِتَـٰبِ وَأُخَرُ مُتَشَـٰبِهَـٰتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فى قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَـٰبَهَ مِنْهُ ٱبْتِغَاء ٱلْفِتْنَةِ وَٱبْتِغَاء تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ ٱلله وَٱلرسِخُونَ فِي ٱلْعِلْمِ يَقُولُونَ ءامَنَّا بِهِ كُلٌّ مّنْ عِندِ رَبّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ ٱلالْبَـٰبِ{.
فالفهم الصحيح للقرآن من أهم عوامل الثبات الفكري والكثير من الناس قد يزيغون ويقعون في الباطل عن طريق اتباع المتشابه من القرآن. فالسورة تحذرنا من هذا الضلال وتحثنا على أن نكون من الراسخين في العلم، وان ندعو بدعاء الثبات:}رَبَّنَا لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنتَ ٱلْوَهَّابُ{ (8).
http://upload.arabia4serv.com/images...4827587308.gif
ايات تدعو إلى الثبات
http://upload.arabia4serv.com/images...4827587308.gif

وهذه الآيات كثيرة جداً في السورة. فمرة يكون ذلك عبر التذكير بأشخاص ثبتوا عند لقاء العدو.
(في معرض الحديث عن غزوة بدر) }َقدْ كَانَ لَكُمْ ءايَةٌ فِي فِئَتَيْنِ ٱلْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَـٰتِلُ فِى سَبِيلِ ٱلله وَأُخْرَىٰ كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مّثْلَيْهِمْ رَأْىَ ٱلْعَيْنِ وَٱلله يُؤَيّدُ بِنَصْرِهِ مَن يَشَاء إِنَّ فِى ذٰلِكَ لَعِبْرَةً لاِوْلِى ٱلاْبْصَـٰرِ{ (13).
ومرة تذكّرنا السورة بالحواريين حين ثبتوا على نصرة دين الله تعالى وعدم الكفر به.
}فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَىٰ مِنْهُمُ ٱلْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنصَارِى إِلَى ٱلله قَالَ ٱلْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ ٱلله ءامَنَّا بِٱلله وَٱشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ{ (52).
وبمناسبة الحديث عن الأمم السابقة، يذكّرنا الله تعالى بعهد الأنبياء وثباتهم على نصرة الإسلام.
}وَإِذْ أَخَذَ ٱلله مِيثَـٰقَ ٱلنَّبِيّيْنَ لَمَا ءاتَيْتُكُم مّن كِتَـٰبٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءكُمْ رَسُولٌ مُّصَدّقٌ لّمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنصُرُنَّهُ...{(81).
وفي سورة آل عمران تجد آيات تحثّك على التقوى والثبات على الدين حتى الممات.
}يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱلله حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ{ (102) الآية تقول لك: إياك أن تموت إلا وأنت مسلم.
ولكن كيف ونحن لا نعرف متى نموت؟ الجواب: اتق الله واثبت على طاعته تموت على الإسلام وتضمن حسن الخاتمة إن شاء الله.

وتأتي الآية التي بعدها مباشرة }وَٱعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ ٱلله جَمِيعاً وَلاَ تَفَرَّقُواْ{(103).
فإذا أردت الثبات على الحق فاعتصم بالقرآن والزم المتدينين والصحبة الصالحة وإياك والاختلاف.
(وَلاَ تَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ تَفَرَّقُواْ وَٱخْتَلَفُواْ مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ ٱلْبَيّنَـٰتُ)
الله تعالى ذكر هذين الرمزين في السورة التي تناقش أهل الكتاب وهذه طريقة مميّزة للقرآن في تقريب الناس كما مرّ معنا. فمع أنه ينكر على ما يعتقده أهل الكتاب لكنه يثني على شخصيات عظيمة يؤمنون بها كزوجة عمران والسيدة مريم.
واللطيف أيضاً في السورة التي تتحدث عن الثبات أن الله تعالى قد جعل نموذج الثبات سيدتين فالسورة مع أن اسمها آل عمران، لم تذكر عمران نفسه بل ركزت على زوجته ونيتها المخلصة في نصرة دين الله التي كانت سبباً بعد ذلك في ولادة السيدة مريم ومن بعدها سيدنا عيسى. لاحظ أيضاً أن سيدنا زكريا على ما له من قيمة في أنبياء بني إسرائيل قد تعلّم من السيدة مريم.

http://upload.arabia4serv.com/images...4827587308.gif
قيمة المرأة في السورة
http://upload.arabia4serv.com/images...4827587308.gif

}كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا ٱلْمِحْرَابَ وَجَدَ عِندَهَا رِزْقًا قَالَ
يٰمَرْيَمُ أَنَّىٰ لَكِ هَـٰذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِندِ ٱلله...{ و}هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ...{(37-38).

فرمز الثبات في السورة هو النساء، والسورة التالية بعد آل عمران هي أيضاً سورة النساء، وهذا أوضح دليل على تكريم الإسلام للمرأة ورفع قدرها.



فالثبات الثبات على الحق فكراً وعملاً، واجعل لك مبدا وهدفا فى حياتك واثبت عليه ، وتعلّموا من السيدتين اللتين ذكرتا في هذه السورة: امرأة عمران، ومريم بنت عمران.


http://upload.arabia4serv.com/images...4827587308.gif
الثبات في مواطن كثيرة
http://upload.arabia4serv.com/images...4827587308.gif


الآيات في السورة لتحث على الثبات في مواطن مختلفة. فتأمل معي قول الله تعالى في الثبات عند لقاء العدو:
}وَكَأَيّن مّن نَّبِىّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُواْ لِمَا أَصَابَهُمْ فِى سَبِيلِ ٱلله وَمَا ضَعُفُواْ وَمَا ٱسْتَكَانُواْ وَٱلله يُحِبُّ ٱلصَّـٰبِرِينَ {(146).
وتأمّل قول الله تعالى: }ٱلَّذِينَ قَالَ لَهُمُ ٱلنَّاسُ إِنَّ ٱلنَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ
لَكُمْ فَٱخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَـٰناً وَقَالُواْ حَسْبُنَا ٱلله وَنِعْمَ ٱلْوَكِيلُ  فَٱنْقَلَبُواْ بِنِعْمَةٍ مّنَ ٱلله وَفَضْلٍ لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوء وَٱتَّبَعُواْ رِضْوٰنَ ٱلله وَٱلله ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ{ (173-174).

آيات كثيرة تدعو المسلمين للثبات وعدم الضعف والتخاذل تحت أي ظرف. ولأن الثبات أمر خطير ومصيري، فالسورة تحذر من عوامل تزلزل إيمان المؤمن وتقلّل من مقدرته على الثبات.



http://upload.arabia4serv.com/images...4827587308.gif
عقبات الثبات: (الشهوات والمعاصي)

http://upload.arabia4serv.com/images...4827587308.gif

السورة نقرأ الآية }زُيّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ ٱلشَّهَوٰتِ مِنَ ٱلنّسَاء وَٱلْبَنِينَ وَٱلْقَنَـٰطِيرِ ٱلْمُقَنطَرَةِ مِنَ ٱلذَّهَبِ وَٱلْفِضَّةِ وَٱلْخَيْلِ ٱلْمُسَوَّمَةِ وَٱلانْعَـٰمِ وَٱلْحَرْثِ ذٰلِكَ مَتَـٰعُ ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا وَٱلله عِندَهُ حُسْنُ ٱلْمَأَبِ{(14).
فالتعلق بمتاع الدنيا الزائل وشهوتها الفانية عامل خطير ضد ثبات الأمة.
ويقول تعالى: }إِنَّ ٱلَّذِينَ تَوَلَّوْاْ مِنكُمْ يَوْمَ ٱلْتَقَى ٱلْجَمْعَانِ إِنَّمَا ٱسْتَزَلَّهُمُ ٱلشَّيْطَـٰنُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُواْ{(155).
فهذه الآية تقول بأن الذين تولوا من الصحابة يوم غزوة أحد كان عندهم ذنوب في الماضي، فاستزلّهم بها الشيطان فلم يثبتوا.
ونرى آية أخرى في نفس المعنى:
}أَوَ لَمَّا أَصَـٰبَتْكُمْ مُّصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مّثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّىٰ هَـٰذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنْفُسِكُمْ{ (165).

http://upload.arabia4serv.com/images...4827587308.gif
الحل: (التوبة)
http://upload.arabia4serv.com/images...4827587308.gif

لذلك تتكرّر الآيات التي تدعو إلى التوبة والمسارعة فيها.
فيقول تعالى:}ٱلَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا ءامَنَّا فَٱغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ ٱلنَّارِ{ (16).
}إِلاَّ ٱلَّذِينَ تَابُواْ مِن بَعْدِ ذٰلِكَ وَأَصْلَحُواْ فَإِنَّ ٱلله غَفُورٌ رَّحِيمٌ{(89).

وتأتي الآية }وَسَارِعُواْ إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مّن رَّبّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا ٱلسَّمَـٰوٰتُ وَٱلاْرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ{ (133).

فلتكن هذه الآية شعاراً للشباب الذين يقعون في المعاصي، المسارعة بالاستغفار والتوبة لنثبت على الحق ونضمن جنة عرضها السماوات والأرض.

مما سبق تبيّن لنا أن الثبات على الحق أمر مهم وخطير وأن العقبات دونه كثيرة مما يوصلنا إلى السؤال المهم: ما هي العوامل التي تساعدنا على الثبات على الحق؟

http://upload.arabia4serv.com/images...4827587308.gif
خمسة عوامل: أتت بها السورة وركّزت عليها:
http://upload.arabia4serv.com/images...4827587308.gif

1. اللجوء إلى الله: فالثبات من الله تعالى وهو القادر على تثبيتنا على منهجه.
لذلك فالسورة تحثّ على الدعاء كثيراً من أولها:
}رَبَّنَا لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنتَ ٱلْوَهَّابُ{ (8).
}رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ ٱلنَّاسِ لِيَوْمٍ لاَّ رَيْبَ فِيهِ إِنَّ ٱلله لاَ يُخْلِفُ ٱلْمِيعَادَ{ (9).

}قُلِ ٱللهمَّ مَـٰلِكَ ٱلْمُلْكِ تُؤْتِى ٱلْمُلْكَ مَن تَشَاء وَتَنزِعُ ٱلْمُلْكَ مِمَّن تَشَاء وَتُعِزُّ مَن تَشَاء وَتُذِلُّ مَن تَشَاء بِيَدِكَ ٱلْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَىٰ كُلّ شَىْء قَدِيرٌ{ (26).

إلى أن يصوِّر لنا القرآن نماذج مضيئة وكيف كانت تلجأ إلى الله.
فهذه زوجة عمران تدعو الله قائلة: }رَبّ إِنّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا{ (35).
وزكريا }هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبّ هَبْ لِي مِن لَّدُنْكَ ذُرّيَّةً طَيّبَةً{ (38).
وتمضي الآيات في السورة لتحثّ على الدعاء وترغب فيه، فهذا
دعاء الأمم السابقة في الثبات عند لقاء العدو }وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلاَّ أَن قَالُواْ ربَّنَا ٱغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِى أَمْرِنَا وَثَبّتْ أَقْدَامَنَا وٱنصُرْنَا عَلَى ٱلْقَوْمِ ٱلْكَـٰفِرِينَ{ (147).
وهذا دعاء أولي الألباب }رَّبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِياً يُنَادِى لِلإِيمَـٰنِ أَنْ ءامِنُواْ بِرَبّكُمْ فَـئَامَنَّا رَبَّنَا فَٱغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفّرْ عَنَّا سَيّئَـٰتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ ٱلاْبْرَارِ  رَبَّنَا وَءاتِنَا مَا وَعَدتَّنَا عَلَىٰ رُسُلِكَ وَلاَ تُخْزِنَا يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ إِنَّكَ لاَ تُخْلِفُ ٱلْمِيعَادَ  فَٱسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنّى لاَ أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مّنْكُمْ مّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ بَعْضُكُم مّن بَعْضٍ فَٱلَّذِينَ هَـٰجَرُواْ وَأُخْرِجُواْ مِن دِيَـٰرِهِمْ وَأُوذُواْ فِى سَبِيلِى وَقَـٰتَلُواْ وَقُتِلُواْ لاكَفّرَنَّ عَنْهُمْ سَيّئَـٰتِهِمْ وَلاَدْخِلَنَّهُمْ جَنَّـٰتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلاْنْهَـٰرُ ثَوَاباً مّن عِندِ ٱلله وَٱلله عِندَهُ حُسْنُ ٱلثَّوَابِ{ (193 - 195).

2. العبادة: وتقرأ في ذلك قوله تعالى: }كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا{ (37) فكانت السيدة مريم عاكفة على المحراب، فتعلم منها سيدنا زكريا لذلك عندما نادته الملائكة لتبشره بيحيى:
{ فَنَادَتْهُ ٱلْمَلَـئِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلّى فِى ٱلْمِحْرَابِ{(39).
وهكذا نرى أن أجواء العبادة في السورة كثيرة ونصل إلى صفات أولي الألباب في آخر السور لنقرأ قوله تعالى: }ٱلَّذِينَ يَذْكُرُونَ ٱلله قِيَـٰماً وَقُعُوداً وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمْ...{ (191).

3. الدعوة إلى الله: توجد منطقة في مخ الإنسان هي منطقة القناعات، وهناك منطقة أبعد وأقوى هي منطقة الهوية والإنتماء، ولكي ننقل فكرة في المخ من منطقة القناعات إلى منطقة الهوية والإنتماء لا بد أن نتحدّث عنها. فقد يكون المرء مقتنعاً بالإسلام، لكن الإسلام لم يصبح هوية له. فإذا أراد الإنسان أن يكمل انتمائه إلى دينه فينبغي أن يكثر الحديث عنه، فيقوى انتماءه للفكرة ويثبت عليها. فالدعوة إلى الله من أهم عوامل الثبات لأن الداعي حين يأخذ بيد الناس فإنه سيكون أول من يثبت على ما يدعو الناس إليه. لذا فإن السورة تحتوي على الكثير من الآيات التي تحثّ المؤمن على الدعوة إلى الله:
}وَلْتَكُن مّنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى ٱلْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِٱلْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْمُنْكَرِ وَأُوْلَـئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ (104).
}كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِٱلْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِٱلله وَلَوْ ءامَنَ أَهْلُ ٱلْكِتَـٰبِ لَكَانَ خَيْراً لَّهُمْ مّنْهُمُ ٱلْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ ٱلْفَـٰسِقُونَ{ (110).

4. وضوح الهدف: ومن عوامل الثبات أن يكون لك هدف واضح في حياتك.

يقول تعالى: }ٱلَّذِينَ يَذْكُرُونَ ٱلله قِيَـٰماً... رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذا بَـٰطِلاً سُبْحَـٰنَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ{ (191).

فلا بدّ أن نفهم أن هذا الكون قد أنشئ لهدف ولم ينشأ عبثاً، والهدف هو عبادة الله ومعرفته وأن نكون مسؤولين عن الأرض (كما وضحت سورة البقرة).


5. الأخوة: }وَٱعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ ٱلله جَمِيعاً وَلاَ تَفَرَّقُواْ{ (103).

فالأخوة في الله تؤمن للمسلم الصحبة الصالحة وهي من أهم نعم الله على الإنسان }فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً{ (103).

لذلك تحذّرنا السورة من تضييع الأخوة والتفرق }وَلاَ تَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ تَفَرَّقُواْ وَٱخْتَلَفُواْ مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ ٱلْبَيّنَـٰتُ{ (105).

الثبات الفكري



http://upload.arabia4serv.com/images...7839198439.gif
سبق وذكرنا أن السورة تنقسم إلى قسمين:


والقسم الأول من الآية (1 - 120) يناقش عقيدة أهل الكتاب مناقشة راقية وعلمية ومؤدبة. إنها لا تهدف إلى تسفيه أفكارهم بل تهدف إلى تثبيت المؤمنين فكرياً وتنقية أفكارهم من الشبهات.
لذلك إذا عدنا إلى جو هذه المناقشة، نجد أحداثها تدور في المسجد النبوي مع وفد نصارى نجران الذين مكثوا ثلاثة أيام في المدينة ليتحاوروا مع رسول اللهصلى الله عليه وسلم حواراً هو الأول من نوعه بين المسلمين والمسيحيين. ومن المهم هنا أن نوضح أن الحوار والتفاهم مع الآخر لا يعني أبداً التنازل عن جزء من العقيدة أو القيم والمبادئ، وهذا ما سنراه بوضوح من خلال الحوار الموجود في السورة وتقسيم القرآن الرائع والمنطقي لمراحله:

http://upload.arabia4serv.com/images...4827587308.gif
تقوية عقيدة المسلمين قبل النقاش

http://upload.arabia4serv.com/images...4827587308.gif
تبدأ السورة قبل النقاش بتقوية عقيدة المسلمين:
}شَهِدَ ٱلله أَنَّهُ لا إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ وَٱلْمَلَـٰئِكَةُ وَأُوْلُواْ ٱلْعِلْمِ قَائِمَاً بِٱلْقِسْطِ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ{ (18).
}إِنَّ الدّينَ عِندَ ٱلله ٱلإِسْلَـٰمُ(19).
}أَفَغَيْرَ دِينِ ٱلله يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَن فِى ٱلسَّمَـٰوٰتِ وَٱلاْرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا{ (83).
}وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ ٱلإسْلَـٰمِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ{ (85).
}فَإنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِىَ لله وَمَنِ ٱتَّبَعَنِ{ (20).



http://upload.arabia4serv.com/images...4827587308.gif
إيجاد نقاط اتفاق
http://upload.arabia4serv.com/images...4827587308.gif



لا بد من إيجاد أرضية مشتركة قبل البدء بأي حوار، وهو ما بيّنه القرآن في قوله تعالى:}قُلْ يٰأَهْلَ ٱلْكِتَـٰبِ تَعَالَوْاْ إِلَىٰ كَلِمَةٍ سَوَاء بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ ٱلله وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مّن دُونِ ٱلله فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقُولُواْ ٱشْهَدُواْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ{(64).
وتذكر السورة الإيمان بأنبياء الله تعالى كلهم (بما في ذلك أنبياء أهل الكتاب) كنقطة أخرى من النقاط المشتركة معهم:
(قُلْ ءامَنَّا بِٱلله وَمَا أُنزِلَ عَلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ عَلَىٰ إِبْرٰهِيمَ وَإِسْمَـٰعِيلَ وَإِسْحَـٰقَ وَيَعْقُوبَ وَٱلاْسْبَاطِ وَمَا أُوتِىَ مُوسَىٰ وَعِيسَىٰ وَٱلنَّبِيُّونَ مِن رَّبّهِمْ لاَ نُفَرّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ )(84).


http://upload.arabia4serv.com/images...4827587308.gif
الحجج والبراهين وسيلة القرآن للتثبيت
http://upload.arabia4serv.com/images...4827587308.gif



}إِنَّ مَثَلَ عِيسَىٰ عِندَ ٱلله كَمَثَلِ ءادَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ{ (59).
}يٰأَهْلَ ٱلْكِتَـٰبِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِى إِبْرٰهِيمَ وَمَا أُنزِلَتِ ٱلتَّورَاةُ وَٱلإْنْجِيلُ إِلاَّ مِن بَعْدِهِ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ{(65).
}هأَنتُمْ هَـٰؤُلاء حَـٰجَجْتُمْ فِيمَا لَكُم بِهِ عِلمٌ فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ{(66).
}مَا كَانَ إِبْرٰهِيمُ يَهُودِيّا وَلاَ نَصْرَانِيّا وَلَكِن كَانَ حَنِيفًا مُّسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ{ (67).



آيات كثيرة في الإقناع العقلي والمنطقي
http://upload.arabia4serv.com/images...7839198439.gif
}مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُؤْتِيهُ ٱلله ٱلْكِتَـٰبَ وَٱلْحُكْمَ وَٱلنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُواْ عِبَادًا لّى مِن دُونِ ٱلله وَلَـٰكِن كُونُواْ رَبَّـٰنِيّينَ بِمَا كُنتُمْ تُعَلّمُونَ ٱلْكِتَـٰبَ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ{ (79).
(وَلاَ يَأْمُرَكُمْ أَن تَتَّخِذُواْ ٱلْمَلَـٰئِكَةَ وَٱلنَّبِيّيْنَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُم بِٱلْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنتُم مُّسْلِمُونَ(80).



تحذير أهل الكتاب من التكذيب

http://upload.arabia4serv.com/images...7839198439.gif
وبعد أن عرضت الآيات الأدلّة العقلية والمنطقية، تنتقل إلى جانب آخر من النقاش وهو التحذير والترهيب.
}يأَهْلَ ٱلْكِتَـٰبِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِأَيَـٰتِ ٱلله وَأَنتُمْ تَشْهَدُونَ{ (70).
}يٰأَهْلَ ٱلْكِتَـٰبِ لِمَ تَلْبِسُونَ ٱلْحَقَّ بِٱلْبَـٰطِلِ وَتَكْتُمُونَ ٱلْحَقَّ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ{ (71).
}فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَـٰهُمْ لِيَوْمٍ لاَّ رَيْبَ فِيهِ وَوُفّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ{ (25).


ثم يشتدّ التحدي
http://upload.arabia4serv.com/images...7839198439.gif
}َمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِن بَعْدِ مَا جَاءكَ مِنَ ٱلْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْاْ نَدْعُ أَبْنَاءنَا وَأَبْنَاءكُمْ وَنِسَاءنَا وَنِسَاءكُمْ وَأَنفُسَنَا وأَنفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَل لَّعْنَتُ ٱلله عَلَى ٱلْكَـٰذِبِينَ{(61).
تسمّى هذه الآية بآية المباهلة: أي أن يجتمع الفريقان المتناقشان ويبتهلون إلى الله بأن ينصر الفئة المحقة ويلعن الفئة الكاذبة، وطبعاً لم يقبل نصارى نجران هذا التحدي الشديد.


العدل والتوازن في النقاش

http://upload.arabia4serv.com/images...7839198439.gif
ولأن الإسلام دين راق جداً، هذا الحوار لا يختم إلا بذكر حسنات
بعض أهل الكتاب ويحثّ المسلمين على العدل في النظرة إليهم:
}لَيْسُواْ سَوَاء مّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَـٰبِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ ءايَـٰتِ ٱلله ءانَاء ٱلَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ{ (113).
}وَمِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَـٰبِ مَنْ إِن تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَّنْ إِن تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لاَّ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلاَّ مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا{ (75).

فالقرآن يعلّمنا أن كونهم غير مسلمين لا يعني أن كل تصرفاتهم خطأ وكل معاملاتهم غش.
يا مسلمون تعلّموا من سورة آل عمران التوازن في التعامل مع غير المسلمين.
والقرآن يثني أيضاً على أنبياء أهل الكتاب:} إِنَّ ٱلله ٱصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَءالَ إِبْرٰهِيمَ وَءالَ عِمْرٰنَ عَلَى ٱلْعَـٰلَمِينَ{ (33).
ويمتدح السيدة مريم باصطفائها على نساء العالمين: }وَإِذْ قَالَتِ ٱلْمَلَـئِكَةُ يٰمَرْيَمُ إِنَّ ٱلله ٱصْطَفَـٰكِ... عَلَىٰ نِسَاء ٱلْعَـٰلَمِينَ{(42).
إنه مبدأ رائع في التوازن والعدل، فلم تأت هذه الآية في مدح زوجة النبي ولا ابنته بل أتت في الثناء على السيدة مريم
عليها السلام.


وبالمقابل يحذّرنا القرآن من الاتباع الأعمى لأهل الكتاب بعد أن بيّن لنا عقائدهم:
}ٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ إِن تُطِيعُواْ فَرِيقاً مّنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَـٰبَ يَرُدُّوكُم بَعْدَ إِيمَـٰنِكُمْ كَـٰفِرِينَ{(100).
}وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ ءايَـٰتُ ٱلله وَفِيكُمْ رَسُولُهُ وَمَن يَعْتَصِم بِٱلله فَقَدْ هُدِىَ إِلَىٰ صِرٰطٍ مّسْتَقِيمٍ{ (101).
}هَاأَنتُمْ أُوْلاء تُحِبُّونَهُمْ وَلاَ يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِٱلْكِتَـٰبِ كُلّهِ وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُواْ ءامَنَّا وَإِذَا خَلَوْاْ عَضُّواْ عَلَيْكُمُ ٱلاْنَامِلَ مِنَ ٱلْغَيْظِ{(119).
}وَلاَ تَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ تَفَرَّقُواْ وَٱخْتَلَفُواْ مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ ٱلْبَيّنَـٰتُ وَأُوْلَـئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ{ (105).

والملاحظ أن محاور هذا النقاش تأتي ضمن آيات متشابكة متتالية: ثناء عليهم، ثم برهان، ثم نقطة اتفاق، ثم تقوية عقيدة (وهو ما يظهر بوضوح في بعض المقاطع مثل الآيات 79 - 83).
ولا ننسى في خضم هذا النقاش آل عمران هذه العائلة المباركة التي سمى الله تعالى السورة باسمها. من امرأة عمران ودعائها إلى السيدة مريم عليها السلام وتبتّلها، ثم زكريا عليه السلام ودعائه، إلى سيدنا عيسى ووالدته ثم رفعه إلى السماء. آيات رائعة في اصطفائهم وفضلهم على العالمين.

[COLOR=Purple]

http://upload.arabia4serv.com/images...4827587308.gif
ختام أقسام السورة بالثبات

http://upload.arabia4serv.com/images...4827587308.gif


ومن الإشارات الواضحة أن يختم القسم الأول بالثبات }وَإِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ لاَ يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً{ (120).
كما ختم القسم الثاني بالثبات } يَـأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ ٱصْبِرُواْ وَصَابِرُواْ وَرَابِطُواْ وَٱتَّقُواْ ٱلله لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ{ (200).

http://upload.arabia4serv.com/images...4827587308.gif
الثبات العملي بعد الثبات الفكري

http://upload.arabia4serv.com/images...4827587308.gif
بعدما ثبت البناء الخارجي ضد الأفكار والشبهات ينتقل القرآن إلى تثبيت البناء الداخلي، ويعالج القرآن هذا الموضوع بالتعقيب على غزوة أُحد. فالمسلمون خرجوا من الغزوة منكسرين، خجلين من عصيان أمر النبي صلى الله عليه وسلم ومن هروبهم وخذلانهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم . فكان أن عالجهم القرآن علاجاً راقياً من خلال:

1. التذكير بفضل الله عليهم: وأن النصر من عند الله، فذكّرهم بغزوة بدر:
}إِذْ هَمَّتْ طَّائِفَتَانِ مِنكُمْ أَن تَفْشَلاَ{(أي أن لا تثبتا على الحق) }وَٱلله وَلِيُّهُمَا{(122) (هو الذي ثبتهما).
}وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ ٱلله بِبَدْرٍ وَأَنتُمْ أَذِلَّةٌ{ (123).
ونرى في نفس السياق التأكيد على أن النصر من عند الله:
}بَلَى إِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ وَيَأْتُوكُمْ مّن فَوْرِهِمْ... مُسَوّمِينَ{ (125).
لاحظ أن الصبر والتقوى قد تكرر ذكرهما في ختام أقسام السورة، كما ذكرا هنا أيضاً كسبب لنزول الملائكة ونصر المؤمنين.
2. الأمر بالتوبة والعودة إلى الله: هنا مظهر آخر من روعة القرآن في التربية والتثبيت، فقبل أن يذكر أخطائهم أو يؤنبهم، يدعوهم للعودة والإنابة إلى الله: }وَسَارِعُواْ إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مّن رَّبّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا ٱلسَّمَـٰوٰتُ وَٱلاْرْضُ{ (133).
}وَٱلَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَـٰحِشَةً أَوْ ظَلَمُواْ أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُواْ ٱلله فَٱسْتَغْفَرُواْ لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ ٱلذُّنُوبَ إِلاَّ ٱلله وَلَمْ يُصِرُّواْ عَلَىٰ مَا فَعَلُواْ وَهُمْ يَعْلَمُونَ{ (135).
3. المواساة: رفع الروح المعنوية بين الصحابة، آيات رائعة تخاطب المسلمين في كل زمان ومكان لتثبيتهم رغم كل الآلام وكل المصائب: }وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الاْعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ{ (139).
}إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ ٱلْقَوْمَ قَرْحٌ مّثْلُهُ وَتِلْكَ ٱلاْيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ ٱلنَّاسِ{(140).

فتمسح الآيات بحنان على آلام الصحابة، فالكفار قد تألموا مثلكم وفقدوا الأرواح مثلكم.
ثم تأتي الآية الرائعة في التثبيت: }أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ ٱلْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ ٱلله ٱلَّذِينَ جَـٰهَدُواْ مِنكُمْ وَيَعْلَمَ ٱلصَّـٰبِرِينَ{ (142).
فالجنة غالية، ولا بد لمن يطلبها أن يجاهد ويصبر لينالها.
4. لوم رقيق: بعد رفع الروح المعنوية يبدأ اللوم الرقيق.
}وَلَقَدْ كُنتُمْ تَمَنَّوْنَ ٱلْمَوْتَ مِن قَبْلِ أَن تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ{ (143).
}وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ ٱلرُّسُلُ أَفإِيْن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ ٱنقَلَبْتُمْ عَلَىٰ أَعْقَـٰبِكُمْ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ ٱلله شَيْئاً وَسَيَجْزِى ٱلله ٱلشَّـٰكِرِينَ{ (144).
ويلومهم لوماً آخر: }إِذْ تُصْعِدُونَ وَلاَ تَلْوُونَ عَلَىٰ أحَدٍ وَٱلرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِى أُخْرَاكُمْ{ (153).

تخيل هذا المشهد: المسلمون يركضون ولا يستمعون لأحد والرسول ثابت في أرض المعركة يناديهم ويذكّرهم بالآخرة. ثم ذكّرهم بأحوال السابقين وثباتهم:
(وَكَأَيّن مّن نَّبِىّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُواْ لِمَا أَصَابَهُمْ فِى سَبِيلِ ٱلله وَمَا ضَعُفُواْ وَمَا ٱسْتَكَانُواْ وَٱلله يُحِبُّ ٱلصَّـٰبِرِينَ)




وصلي اللهم على سيدنا محمد وعلى اله وصحبه أجمعين


arrij 27-11-2012 06:40 PM

رد: درر ذهبية من سورة ال عمران/الثبات على المنهج
 
بارك الله فيك أستاذتي مسلمة

ما أجمل هاته المعاني التي تحملها سورة ال عمران في الحقيقة هي أول مرة أقرأ تفسيرا عميقا لها بهذا الشكل جعله الله في ميزان حسناتك

مُسلِمة 27-11-2012 08:19 PM

رد: درر ذهبية من سورة ال عمران/الثبات على المنهج
 
وفيك بارك أريجو نفعنا الله بها وأياك

Abd El Kader 29-11-2012 09:15 PM

رد: درر ذهبية من سورة ال عمران/الثبات على المنهج
 

السلام عليكم
حقا موضوعك يتطلب جهدا علميا كبيرا لربط هذه المعاني بعد استخراجها من سورة طويلة
لعلي اتدبر السورة لاحقا وأحاول الاستفادة من دررك

لكن لفت انتباهي قولك في المقدمة
اقتباس:

سورة البقرة التي كانت تخبر المسلمين بأنهم مسؤولون عن الأرض، والتي عرضت منهج الاستخلاف.
كيف قلت أن المسلم مسئول عن الأرض ؟! ما أعرفه من حديث المسؤولية (كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته) غير هذا، فما وجه هذا الكلام ؟
وما معنى منهج الاستخلاف في البقرة؟

بورك فيك وفي علمك وفي قلمك
وجعلك هادية مهدية وهدى بك

مُسلِمة 30-11-2012 02:30 PM

رد: درر ذهبية من سورة ال عمران/الثبات على المنهج
 
وعليكم السلام

نعم المسلم مسئول عن الأرض ومسؤوليته فيها هي أن يعبد الله كما شاء الله وأن يتبع أوامره ويدع نواهيه وقد جرب المسؤولية قبله بنو إسرائيل بل كانت في أقوام من قبل أن تصل إلى أدام لكن هؤلاء كلهم فشلوا في مهمة الاستخلاف لأنهم أرادو أن يسيروا ملكا ليس لهم وفق إرادتهم ونسوا أن الله ملك الأرض وخالقها و يريد آن تسير وفق إرادته
سورة البقرة جاءت لتضع أسس دولة الإسلام أو الخلافة الإسلامية في الأرض

كيف قلت أن المسلم مسئول عن الأرض ؟
الدارسون لسورة البقرة وجدوها تنقسم إلى أربعة أقسام
القسم الأول

وهو مقدمة يصف الله عز وجل فيها أصناف الناس ويمتد من أول السورة إلى الآية رقم فنجد فيها صفات المؤمنين والكافرين والمنافقين وتوضيح رائع لحقيقة الإِيمان وحقيقة الكفر والنفاق للمقارنة بين أهل السعادة وأهل الشقاء

القسم الثاني


عرض لنماذج الاستخلاف في الأرض وهي ثلاث
نموذج تمهيدي في قصة ادم مع إبليس و التي توضح أن المعصية هي سبب الاستبدال أي فقدا الخلافة
نموذج فاشل في قصة بنو إسرائيل وفيه عرض لنعم الله عليهموكذا أخطائهم وأبرزها الجدل الشديد (قصة البقرة) عدم تنفيذ شرع الله تعالى – المادية– عدم طاعة رسل الله – التحايل على شرع الله – عدم الإيمان بالغيب.
وهدا لتتجنبها الأمة التي ستستخلفهم من بعد أي أمنتنا

ونموذج ناجح في قصة ابراهيم عليه السلام وهي تجربة ناجحة جاءت في نهاية الجزء للتحفيز على النجاح في امتحان الاستخلاف


القسم الثالث

وما معنى منهج الاستخلاف في البقرة؟


ونجد فيه إطار عام للمنهج كإصلاح شامل والذي يقوم على الطاعة و التميز و التقوى
فالطاعة هي إتباع الأوامر واجتناب النواهي و هذه الأوامر و النواهي هي شريعة الله في الأرض و قد بينها الله عز وجل في هذا القسم من خلال تبيان

التشريع الجنائي في القصاص
المواريث
تشريع تعبدي
أركان الإسلام
أحكام الأسرة
النظام المالي و الاقتصادي


أما التميز هو ما يجعلنا أمة شهيدة على باقي الأمم و قد حدده لنا الله عز وجل في ثلاث مواضع التميز في القبلة التميز في المصطلحات و التميز في المنهج
الركن الثالث في الإصلاح الشامل هو التقوى ونجده ملازما للركنيين السابقين إد لا بد لتطبيق هذا المنهج من أناس طائعين متميزين لا هم لهم سوى إرضاء ربهم


القسم الرابع


ختمة رائعة فيها يمدح الله عز وجل المؤمنين لما أدركوا مفتاح المسؤولية على الأرض في قولهم(سمِعْنَا وَأَطَعْنَا) وختمها بالدعاء لأن الإنسان يخطئ في حياته أثناء قيامه بهذا المنهج وقد يضعف والصراط المستقيم هو هداية من الله لذلك يحتاج إلى العون الرباني بأن يدعو بالعفو والغفران والرحمة فإذا قام المسلم بقتال من أراد محاربة المنهج وأهله فهو يسأل الله النصر على القوم الكافرين


إن أخطأنا يا أخي فلا تبخل علينا من جميل نصائحك بارك الله فيك


Abd El Kader 01-12-2012 12:36 PM

رد: درر ذهبية من سورة ال عمران/الثبات على المنهج
 
اقتباس:

إن أخطأنا يا أخي فلا تبخل علينا من جميل نصائحك بارك الله فيك

وفيك بارك الله

إنما مادفعني لهذا هو حب معرفة لمصطلحات غريبة عني نوعا ما، ومن ثم فهم مابعد ذلك

بورك فيك وسددك الله

عمر القبي 01-12-2012 01:04 PM

رد: درر ذهبية من سورة ال عمران/الثبات على المنهج
 
اقتباس:

المشاركة الأصلية كتبت بواسطة abd el kader (المشاركة 1496276)
وفيك بارك الله

إنما مادفعني إلى لـ (mots de passe !!!!!!) ليس لأني أفلاطوني الإستدلال (في حياتي ماقرأت فلسفة إلا في النهائي وكنت حريصا على 8 من 20 التي لم تتغير، فما أعرف أفلاطون حتى أعرف استدلاله) إنما هو حب معرفة لمصطلحات غريبة عني نوعا ما، ومن ثم فهم مابعد ذلك

اللقب (ابن تيمية الشروق) الذي لا أحل لك أن تناديني به ربما نتج عما تابعتيه في حواري الأول في حياتي فيما أذكر مع المناصر للعلمانية أوغيرها (تلك أول مرة أشاهد معرفك)، فلا تهولنك أخيتي الجعجعة فما أنا إلا شاب محب لدينه وفقط ولاتواضع فيما اقول

ولك جزيل الشكر وربما الأجر لأن موضوعك حثني على مرور سريع على آل عمران مرتين، مع استعانة بتفسيرين موجودين في خزانتي (ابن كثير وآخر مبسط)، وتلك اول مرة تكون في حياتي، وقلت لعلي أعود لكلام الاخت المكرمة واتابع ماكانت قد جادت به قريحتها
وذلك بخلاف سورة البقرة التي أستحضر معانيها جيدا، فما قصدت جرك للبقرة ولاشيء من ذلك، وإنما حتى أتابع ماتكتبون يجب أن يكون عندي استحضار لآل عمران ومعانيها وفهم لمصطلحات تكتبينها، ومن ثم الاستمتاع بالدرر أو الاستفسار عن المشكل

وعذرا إن كنت قد (صمطت) عليك بدخولي لموضوعك بمثل تلك passwords !!!

بورك فيك وسددك الله


مزالك في عوايدك عمي ياخي قلنا "أسلوب مباشر" رفقا بنا عمي. "عجبني اسم بن تيمية الشروق"

مُسلِمة 01-12-2012 07:13 PM

رد: درر ذهبية من سورة ال عمران/الثبات على المنهج
 
وفيك بارك الله






مُسلِمة 01-12-2012 07:17 PM

رد: درر ذهبية من سورة ال عمران/الثبات على المنهج
 
اقتباس:

المشاركة الأصلية كتبت بواسطة عمر القبي (المشاركة 1496291)
مزالك في عوايدك عمي ياخي قلنا "أسلوب مباشر" رفقا بنا عمي. "عجبني اسم بن تيمية الشروق"

تذخلك يا أخي الكريم زاذني إحراجا أمام أخينا
لكن ما خفف عني أنك تشاطرني في ذلك اللقب
بارك الله فيك

Abd El Kader 04-12-2012 11:21 AM

رد: درر ذهبية من سورة ال عمران/الثبات على المنهج
 
اقتباس:

المشاركة الأصلية كتبت بواسطة عمر القبي (المشاركة 1496291)
مزالك في عوايدك عمي ياخي قلنا "أسلوب مباشر" رفقا بنا عمي. "عجبني اسم بن تيمية الشروق"

لا أخي عمر
أذكر لك قصة تعرفها، قصة الراعي الذي كان يتظاهر بهجوم الذئب عليه ويستصرخ الناس، لما رأى الذئب حقا لا أحد صدّقه

لقد تركت تلك العوائد والحمد لله


الساعة الآن 06:48 AM.

Powered by vBulletin
قوانين المنتدى