![]() |
الاحتفال بالمولد النبوي :لفضيلة الشيخ محمد سعيد رسلان
بسم الله الرحمن الرحيم إنَّ الْحَمْدَ للهِ، نَحْمَدُهُ، وَنَسْتَعِينُهُ، وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا، ومِنْ َسَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلاَ مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلاَ هَادِيَ له، وَأَشْهَدُ أَنْ لاَ إلَهَ إلاَّ اللهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ, وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ صلي الله عليه وعلى آله وسلم.الاحتفال بالمولد النبوي http://www.rslan.com/vad/items_details.php?id=1146 المحاضرة مفرغة أَمَّا بَعْدُ: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم, وشر الأمور محدثاتها, وكل محدثة بدعة, وكل بدعة ضلالة, وكل ضلالة في النار. أَمَّا بَعْدُ: فإنّ مبنى دينِ الإسلام العظيم على أصلين: -ألّا يُعبدَ إلا الله. -وألّا يُعبدَ اللهُ إلّا بما شَرَعَ. فالأول: تجريدُ التوحيد للعزيز المجيد. والثاني: تجريد المتابعة للمعصوم صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. ولا يُقبل عملٌ حتى يتحقق فيه هذان الأصلان، ويتوفر فيه هذا الشرطان: «ألا يُعبد إلا الله، وألا يُعبد اللهُ إلا بما شَرَع»، تجريدُ التوحيدِ لله العزيز المجيد، وتجريد المتابعةِ للمعصوم صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. قال تعالى:{فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً} [الكهف : 110]. قال الإمام ابن كثير رحمه الله: «{فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ} أي: ثوابَهُ وجزاءه الصالح، {فَلْيَعْمَلْ عَمَلا صَالِحًا}، والعمل الصالح ما كان موافقًا لشرع الله, {وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا} وهو الذي يُراد به وجهُ اللهِ وحدَه لا شريك له، وهذان ركنا العمل المُتَقَبَّل، لا بد أنْ يكون خالصًا لله، صوابًا على شريعةِ رسولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ». ركنا العمل المُتَقَبَّل، والأصلانِ والشّرطانِ اللذان ينبغي أنْ يتوفرا في العمل حتى يكون هذا العمل مقبولًا عند الله تبارك وتعالى: أنْ يكون خالصًا, وأنْ يكون صوابًا، فأمَّا الخالصُ فأنْ يكون لله، وأمَّا الصّوابُ فأنْ يكون على شريعة رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، {فَلْيَعْمَلْ عَمَلا صَالِحًا} فهذا هو العملُ الصّواب، {وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا} هذا هو العملُ الخالص للهِ ربِّ العالمـــين. فَجَمَعَ اللهُ تبارك وتعالى في هذه الآية الكريمة شَرْطَي قبولِ العمل وهما: الإخلاصُ والمتابعة. فأمَّا الأصل الأول وهو الإخلاص - إخلاص العمل لله تبارك وتعالى -: فقد تَقَرَّرَ في الشريعةِ أنَّ الله تعالى لا يقبل مِنْ العمل إلّا ما كان خالصًا وأُرِيدَ به وجهُهُ. لا يقبل الله رب العالمـــين من العمل إلّا ما كان خالصًا وأُرِيدَ به وجهه، والأدلة على ذلك من الكتاب والسُّنَّة كثيرةٌ جدًّا: فَمِنَ الكتاب: قولُهُ تعالى:{وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ} [البينة : 5]، وكذلك قولُهُ تعالى:{لَن يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِن يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنكُمْ} [الحج : 37]. وَمِنَ السُّنَّةِ: قولُ رسولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّات, وَإنّما لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى, فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ فَهِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ, وَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ لدُنْيَا يُصِيبُهَا أَوْ امْرَأَةٍ يَنْكِحُهَا فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ». وهذا حديث متفق عليه. وكذلك قولُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آله وَسَلَّمَ: «بَشِّرْ هَذِهِ الأُمَّةَ بِالسَّنَاءِ وَالتَّمْكِينِ فِي الْبِلاَدِ, وَالنَّصْرِ وَالرِّفْعَةِ فِي الدِّينِ, وَمَنْ عَمِلَ مِنْهُمْ بِعَمَلِ الآخِرَةِ لِلدُّنْيَا فَلَيْسَ لَهُ فِي الآخِرَةِ نَصِيبٌ», وهذا حديث صحيح أخرجه الإمام أحمد وابن حبان والحاكم في المستدرك - «وَمَنْ عَمِلَ مِنْهُمْ بِعَمَلِ الآخِرَةِ لِلدُّنْيَا فَلَيْسَ لَهُ فِي الآخِرَةِ نَصِيبٌ» -. وقولُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آله وَسَلَّمَ: «قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: أَنَا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنِ الشِّرْكِ, فَمَنْ عَمِلَ لِي عَمَلاً أَشْرَكَ فِيهِ غَيْرِي فَأَنَا مِنْهُ بَرِيءٌ وَهُوَ لِلَّذِي أَشْرَكَ». وهذا حديث صحيح أخرجه ابن ماجه في سُنَنِهِ. وعن أبي أُمَامَةَ رضي الله عنه قال: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آله وَسَلَّمَ فَقَالَ: أَرَأَيْتَ رَجُلاً غَزَا - مجاهدًا في سبيل الله - يَلْتَمِسُ الأَجْرَ وَالذِّكْرَ مَا لَهُ؟ فَقَالَ النّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لاَ شَيْءَ لَهُ». فَأَعَادَهَا ثَلاَثَ مَرَّاتٍ يَقُولُ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في كل مرة - «لاَ شَيْءَ لَهُ». ثُمَّ قَالَ النّبيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ اللَّهَ لاَ يَقْبَلُ مِنَ الْعَمَلِ إِلاَّ مَا كَانَ لَهُ خَالِصًا وَابْتُغِيَ بِهِ وَجْهُهُ». وهذا الحديث أخرجه النسائي بإسناد جيد. فهذه الآيات الكريمات, وهذه الأحاديث الشريفة قاضيةٌ بأنَّ العملَ لا يُقبل حتى يكون خالصًا لله. وأمّا الأصل الثاني وهو تجريدُ متابعةِ المعصومِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آله وَسَلَّمَ: فقد دلّت الآياتُ والأحاديثُ على وجوبِ طاعةِ رسولِ الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ومتابعتِهِ، قال تعالى:{وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا} [الحشر : 7]. وقال سبحانه:{مَّنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللّهَ} [النساء : 80]. وقال تعالى:{فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [النور : 63]. وقال سبحانه:{فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجاً مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيماً} [النساء : 65]. وقال ربُّنَا جَلَّتْ قدرتُهُ:{قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} [آل عمران : 31]. فهذه الآيات دَالَّةٌ على وجوبِ طاعةِ سيدِ الكائناتِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آله وَسَلَّمَ. وأمّا الأحاديثُ فكثيرةٌ جدًّا منها: حديث البخاري عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ : قَالَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «كُلُّ أُمَّتِي يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ، إِلاَّ مَنْ أَبَى» - «أَبَى» يعني: امتنع ورفض - . قيل وَمَنْ يَأْبَى يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: «مَنْ أَطَاعَنِي دَخَلَ الْجَنَّةَ، وَمَنْ عَصَانِي فَقَدْ أَبَى». ومنها: حديثُ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - الذي أخرجه الشيخان - قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ منه فَهُوَ رَدٌّ». يعني: فهو مردود عليه، يعني: من أحدثَ في الإسلامِ ما ليس من الإسلام في شيء، ولم يشهد له أصلٌ من أصولِ دينِ اللهِ فهو مردودٌ ولا يُلْتَفَتُ إليه، وفي روايةٍ لمسلم: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ» يعني: فهو مردودٌ عليه، وفي هذا دلالةٌ قاطعةٌ على أنَّ العملَ إذا لم يكن صوابًا مُوافقًا لشريعَةِ رسولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فإنَّه لا يُقْبَلُ. فعندنا أصلان من أَجْلِ أنْ يَتَقَبَّلَ اللهُ تبارك وتعالى العمل, وهذان الأصلان الشرطان: أنْ يكون العملُ خالصًا لوجْهِ الله تبارك وتعالى, وأنْ يكون على ما جاءَ به النّبيُّ الأكرمُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. المتابعةُ للنبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كيف تتحقق؟ كيف تتحقق موافقةُ الشريعة ومتابعةُ رسولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آله وَسَلَّمَ؟ والجواب: أنَّ المتابعةَ لا تتحققُ إلا بستَةِ أوصاف، المتابعةُ لرسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لا تتحقق إلا بستة أوصاف، فهذه العبادة التي تكون خالصةً لله تبارك وتعالى تستوفي الشرطَ الأول لا تُقبل عند الله تبارك وتعالى حتى تكون على قَدَمَي رسولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آله وَسَلَّمَ، وتكون هذه العبادة موافقةً للشريعةِ التي جاء بها النّبيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آله وَسَلَّمَ في: سببِها، وجنسِها، وقدرِها، وكيفِيَّتِها، وزمانِهَا، ومكانِها، فهذه ستةُ أوصاف، لا بدّ أنْ تتوفر وأنْ تتحقق, وأنْ يتصف بها العملُ الصالحُ الخالصُ لله تبارك وتعالى؛ حتى يكون هذا العملُ متوفرًا فيه شرطُ المتابعةِ لرسولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آله وَسَلَّمَ. الأولُ من هذه الأوصاف: أنْ تكونَ العبادةُ موافقةً للشريعةِ في سببِها: فأيُّ إنسانٍ يَتَعَبَّدُ لله تبارك وتعالى بعبادةٍ مبنيةٍ على سببٍ لم يَثبُت بالشرعِ فهو عبادةٌ مردودةٌ ليس عليها أمرُ اللهِ ورسولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. ومثال ذلك - يعني: في اختلالِ هذا الوصفِ - وهو السبب - الذي لأجلِهِ تكونُ العبادةُ عبادةً, وتكونُ على قدمِ رسولِ الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مثال ذلك في اختلال هذا الوصف: الاحتفالُ بمولدِ النّبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. الثاني من الأوصاف: أن تكونَ العبادةُ موافقةً للشريعةِ في جنسِها: مثل: أنْ يُضحّي المسلم بفرس مثلًا، فإنه لو ضَحَّى بفرسٍ كان مخالفًا لجنس ما يُضحّى به وهو بهيمة الأنعام، وحينئذ لا يُقبل منه هذا ولا يكونُ عبادةً على النحوِ الذي أراد. وأما الثالثُ: فأنْ تكونَ العبادةُ موافقةً للشريعةِ في قَدْرِها: فلو أنَّ إنسانًا صَلَّى الظهر سِتًّا، أو المغرب أربعًا، فإنَّه لا يكونُ قد أتى بما يوافق شريعةَ النّبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آله وَسَلَّمَ، ويكونُ هذا العملُ مردودًا غيرَ مقبولٍ؛ لأنَّ النّبيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آله وَسَلَّمَ لم يأتِ بهذا. وأما الوصف الرابع: فأن تكونَ العبادةُ موافقةً للشريعةِ في كيفِيَّتِها: فلو أنَّ إنسانًا فَعَلَ العبادة بجنسِها وسببِها وقدرِها لكنه خالفَ الشَّرْعَ في كيفِيَّتِها فإنَّ ذلك لا يصح، كرجلٍ أَحْدَثَ حدثًا أصغر، وتوضأ لكنه غَسَلَ رجليه, ثم مسحَ رأسَهُ, ثم غسلَ يديه، ثم غسلَ وجهَه، فهذا لا يصح وُضُوؤُهُ؛ لاختلالِ شرطِ الترتيبِ فيه، وهذا خالفَ الشرعَ في الكيفية. ومثاله أيضًا أنْ يقوم مُصَلِّيًا، فَيُقَدِّمَ السجودَ على الركوعِ، أو يقرأ التشهدَ بَدَلَ الفاتحة، ويأتي بالفاتحةِ بَدَلَ التشهد، فهذا خالفَ العبادةَ في كيفيتها التي جاء بها النّبيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. والخامس من الأوصاف: أنْ تكونَ العبادةُ موافقةً للشريعةِ في الزمان: فلو أنَّ إنسانًا صامَ الشهرَ الواجبَ صومُهُ في شعبان، أو شوال، أو ذَهَبَ للحجِّ في رمضان، أو صَلَّى الظهر قبل الزوال، فخالف في الزمان, فإنَّ هذا العمل لا يكون مقبولًا عند ربِّنَا تبارك وتعالى. وكذلك أنْ تكونَ العبادةُ موافقةً للشريعةِ في مكانها: فلو أنَّ إنسانًا وقفَ يومَ عرفة بمزدلفة، لم يصح وقوفُه؛ لعدمِ موافقةِ العبادةِ للشرعِ في مكانها. فهذه ستةُ أوصاف: السَّبب والجنس والكمّ والكيف والزَّمان والمكان. إذا اختل شرطٌ من هذا الشروط في العبادةِ التي يَتَقَرَّبُ بها العبدُ إلى الله تبارك وتعالى لم تكن العبادةُ مقبولةً عند الله تبارك وتعالى، فلا بد من أَجْلِ أنْ تُحققَ المتابعةَ للمعصومِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آله وَسَلَّمَ أنْ تأتيَ بهذه الأوصاف على النّحو الذي جاء به نبيُّنا محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آله وَسَلَّمَ. فهذا كلُّه أصل المتابعة، وأما الأصل الأول: فهو تجريدُ التوحيدِ لله العزيز المجيد بإخلاص العلم لله ربِّ العالمـــين, وأنْ تأتيَ بالعمل خالصًا لله ربِّ العالمـــين لا رياءَ فيه ولا سُمْعَة، ولا اختلالَ فيه لشرطِ الإخلاص بحالٍ من الأحوال، أنْ يكون العمل خالصًا, وأنْ يكون صوابًا، الخالصُ لله, والصوابُ على شريعةِ رسولِ الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. إذا كان العملُ خالصًا لله تبارك وتعالى وتوفرت فيه شروطُ المتابعة كان مُسْتَكْمِلًا لشَرْطَي قَبُولِهِ، فيكون مقبولًا عند الله تبارك وتعالى. العمل الذي لم يَشْرَعْهُ اللهُ تبارك وتعالى لا يؤثرُ في النفس بالتزكية والتطهير؛ لِخُلُوِّهِ مِنْ مادة التطهير والتزكية التي يُوجِدُها اللهُ ربُّ العالمـــين في الأعمال التي يَشْرَعُها ويَأذنُ بفعلها. الشرعُ الذي جاء به النّبيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آله وَسَلَّمَ ما فيه ممّا أمر اللهُ ربُّ العالمـــين به أمرَ إيجابٍ أو أمر استحباب، ما نهى اللهُ ربُّ العالمـــين عنه أمرًا لازمًا واجبًا فكان حرامًا، أو غير لازمٍ فكان مكروهًا، هذه الشريعة بأوامرِها ونواهيها وما جاء به محمدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آله وَسَلَّمَ, إذا أخذ بها الإنسانُ كانت سببًا في تزكيته، وفي طهارة قلبه واستقامة حياته، ونَفْي القلق والوساوسِ عن ذهنِهِ وعن قلبِهِ وعن ضميرِهِ، واستقامت قدماه على الصراطِ المستقيمِ، لماذا؟ لأنَّ ما شَرَعَهُ اللهُ ربُّ العالمـــين من أوامرِ العبادات فيه مادةُ التطهير ومادةُ التزكية، وأما العبادات التي يخترعها العبادُ، فإنها تخلو من مادة التطهير ومن مادة التزكية. انظر مثلًا إلى مادةِ التغذية, كيف أَوجَدَها اللهُ ربُّ العالمـــين في الحبوبِ والثّمارِ واللحومِ، فكان في أكلِ هذه الأنواعِ غذاءٌ للجسمِ ينمو عليها ويحتفظُ بقُوَاه، لو أنَّ إنسانًا أَهْمَلَ هذه المادة التي جعلها اللهُ ربُّ العالمـــين سببًا لتغذية الجسم وذهب يأكل الحطب ويأكل التبن ويأكل الخشب ويأكل العظام ويأكل البرسيم، لو أنَّه فعل ذلك فإنَّه يكون مؤدِّيًا بجَسَدِهِ إلى الهلاك؛ لأنَّ هذا الذي أَتَى به لم يَجْعَلْهُ اللهُ تبارك وتعالى سببًا لتغذيةِ الأبدانِ، وهو حَادَ عمَّا جَعَلَهُ اللهُ ربُّ العالمـــين سببًا لتغذيةِ جَسَدِهِ، وحينئذٍ لابدَّ أنْ يَعْطَبَ هذا الجسدُ ولا بد أن يَهْلِكَ عليه. العملُ بالبدعةِ كالتغذية بالتراب والحطب والخشب والتبن، العملُ بالبدعةِ عملٌ بمادةٍ تخلُو من التطهيرِ والتزكيةِ ومِنْ سببِ ذلك، العملُ بالبدعةِ يساوي أنْ يغذيَ الإنسانُ بَدَنَهُ بالتبن مثلًا، بالحطب, بالتراب، فالعملُ بالبدعةِ كالتغذية بالتراب والحطب والخشب، فإذا كان آكلُ هذه المواد لا يتغذى فكذلك العاملُ بالبدعة لا تَطْهُرُ رُوحُهُ ولا تزكو نفسُهُ حتمًا؛ لأنَّ اللهَ تبارك وتعالى لم يجعل في البدعة التي يخترعُها الناس, لم يجعل اللهُ ربُّ العالمـــين فيما لم يُنْزِلِ اللهُ تبارك وتعالى به سلطانا لم يجعل اللهُ ربُّ العالمـــين في ذلك سببًا للتزكيةِ ولا سببًا للتطهير، فمن أتى بذلك محاولًا أن يزكي نفسَهُ وأنْ يطهرَها فإنها لا يزيدُها إلا خسارًا ولا يزيدُها إلا هلاكًا ودمارًا. كلُّ عمل يُراد به التَّقَرُّبُ إلى اللهِ تبارك وتعالى للحصولِ على الكمالِ والسعادة بعد النجاةِ من الشقاءِ والخُسران ينبغي أنْ يكونَ خالصًا لله تعالى، وأنْ يكون مشروعًا موافقًا لما جاء به النّبيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آله وَسَلَّمَ في جنسِهِ وسبَبِهِ وكَمِّهِ وكَيفِهِ وزَمَنِهِ ومَكَانِهِ, فإنْ فعلتَ ذلك طهُرت رُوحك، وزَكَتْ نفسُك، واستقامت حياتُك، واتسع سبيلُك الذي يُفْضِي بك إلى رِضوان الله في جَنَّةِ الخُلد، نسألُ اللهَ أنْ يجمعنا جميعًا فيها في الفردوسِ الأعلى مع النّبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. الأصلُ في العباداتِ الحظرُ والمنع، فلا يُشْرَعُ من العباداتِ إلا ما شَرَعَهُ اللهُ ورسولُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، والأصلُ في غيرِ العباداتِ الإباحةُ, فلا يَحْرُمُ في غيرِ العباداتِ إلا ما حَرَّمَهُ اللهُ ورسولُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. هذه قاعدةٌ مهمةٌ جدًّا. الأصلُ في العباداتِ الحظرُ والمنع حتى يأتيَ النصُّ والدَّليل، فلا عبادةَ إلا بنص وهو معنى أن العبادات تَوقِيفِيَّة، يعني يُتَوَقَّفُ بها عند حدودِ ما أنْزَلَ اللهُ ربُّ العالمـــين على نبيِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وأمَّا الأصلُ في غير العبادات فعلى الإباحة وعدمِ المنع حتى يأتيَ الدّليلُ الحاظر المانع. الأصل في العبادات الحظرُ والمنع، والأصل في غير العبادات الحِلُّ والإباحة حتى يأتيَ الدليلُ الحاظرُ المانع، قال تعالى:{أَمْ لَهُمْ شُرَكَاء شَرَعُوا لَهُم مِّنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَن بِهِ اللَّهُ} [الشورى : 21]، وغيرُ هذه الآيات، وكذلك قولُ رسولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ» وهذا متفق على صحته. العلماءُ مُجْمِعُونَ على أنَّ العبادةَ: ما أَمَرَ اللهُ ربُّ العالمـــين به في كتابِهِ أو على لسانِ رسولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمْرَ إيجابٍ أو أَمْرَ استحباب، فالعبادة: ما أَمَرَ به الشَّرعُ أَمْرَ إيجابٍ أو أَمْرَ استحباب. فالأصلُ في العبادات المنع والحظر إلا بدليلٍ ونص - لا تنسها, ولتكن منك دائمًا على ذُكْر -، وأمّا غيرُ العباداتِ فالأصلُ فيها الإباحة إلا بنصٍ ودليل. قال تعالى:{هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً} [البقرة : 29] أي: تنتفعون بتلك المخلوقاتِ بجميعِ ألوانِ الانتفاعاتِ إلّا ما نصَّ النصُّ على المنعِ منه. وقال تعالى:{قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللّهِ الَّتِيَ أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالْطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ} [الأعراف : 32]، فأنكرَ اللهُ تعالى على من حَرَّمَ ما خَلَقَ اللهُ لعبادِهِ من المآكل والمشارب والملابس ونحوِها حتى يأتي الحاظرُ, وحتى يأتي الدليلُ والنص، وأمَّا العبادات فعلى الضِّدِّ والعكس، الأصل فيها المنع، لا عبادةَ إلا بِنَصٍ، ولا عبادةَ إلا بدَليل، فكلُّ واجبٍ أَوْجَبَهُ اللهُ ورسولُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أو مستحبٌ فهو عبادةٌ يُعبَدُ اللهُ بها وحدَه، فمَنْ أَوجَبَ أو استحبَّ شيئًا لم يدَّلَ عليه الكتابُ والسُّنَّة فقد ابتدع، ابتدع دينًا لم يأذن به الله، ولم يُنْزِلِ اللهُ تبارك وتعالى به سلطانًا؛ لأنَّ العبادةَ لا تكونُ إلا بنصٍ ودليل، فمهما أَتَى الإنسانُ بشيءٍ جعلَهُ عبادةً يتقربُ بذلك إلى اللهِ تبارك وتعالى فقد اخترعَ دينًا لم يأذن به الله، ولم ينزِّل به اللهُ تبارك وتعالى على النّبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سُلطانًا ولا حُجَّةً، وحينئذٍ يكونُ مردودًا على صاحبِهِ كما أخبرَ النّبيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ» وهذا متفق على صحته. البدعُ التي تقعُ في العبادات على قسمين: إمَّا أنْ يبتدع عبادةً لم يَشْرَعِ اللهُ ورسولُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جنسَها أصلًا، يعني: يأتي بعبادة لم يَشْرَع الشَّارعُ جنسَها، وإنما اخترعها، أَتَى بها من كِيسِهِ هو! اخترعها اختراعًا وأَلَّفَها تأليفًا، مثلُ الرهبانية مثلًا، مثلُ التقبيح والتحسين العقلِيَّين، هذا ليس له أصلٌ في الشرع مطلقًا، ولذلك يُقال لِمَا كان كذلك: «هذه بدعةٌ أصلية»، فهذا هو الصِّنف الأول من أصناف الابتداع في العبادات: أنْ يبتدع المبتدعُ بدعةً لم يَشْرَعِ اللهُ ورسولُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جنسَها أصلًا. وإمَّا أنْ يبتدعها - وهذا هو الصِّنف الثاني - على وجه يُغَيِّرُ ما شَرَعَهَا اللهُ ربُّ العالمـــين ورسولُهُ، يكونُ أصلُ العبادةِ مشروعًا ولكن يُغَيِّرُ في شيءٍ من أوصافِها السِّتَةِ التي مَرَّ ذكرُها، يكونُ هذا العمل مشروعًا ولكن يُغَيِّرُ في وَصْفِهِ فلا يكونُ على ما جاءَ به النّبيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. مثالُ الأول - البدعة الأصلية التي ليس لها أصل في الشريعة -: ما أحدثه الناسُ في هذا الشهرِ من بدعةِ الميلاد، في الاحتفال بعيد ميلاد النّبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فهذه لم ترد أصلًا لا في القرآن, ولا في السُّنَّة, ولا في عمل الصحابة, ولا في عمل التابعين, ولا في عمل تابعي التابعين، كل القرون المفضلة مضت وليس فيها عيدُ ميلادٍ للنبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، لكن حدثت في القرن الرابع من الهجرة, أحدثها الروافضُ العُبَيدِيُّون الذين انتمَوا زُورًا وإفكًا وبهتانًا إلى فاطمةَ الزهراء فَتَسَمَّوا بـ(الفاطميين)، فهؤلاء هم الذين أدخلوا هذا الأمرَ أولَ ما أُدْخِلَ على دين اللهِ ربِّ العالمـــين، وتتابع الناسُ عليها لأنها كُسِيت بما يَدُلُّ على العاطفة وعلى التقدمِ على هذا الأمر, وهو: محبةُ رسولِ الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وهل هنالك مسلمٌ لا يحبُّ رسولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آله وَسَلَّمَ؟! والحقيقةُ أنَّ محبةَ الرَّسولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آله وَسَلَّمَ علامتُها التأدبُ مع رسولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وألّا يُجرى في شريعتِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ, ولا يُدخل في شريعة النّبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ما ليس منها. فنقولُ مثلًا: الاحتفال بعيد ميلاد النّبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آله وَسَلَّمَ هل كان الرّسولُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يعلمُ أنَّه مما يُقَرِّبُ إلى الله أو لا؟ الاحتفال بعيد ميلاد الرسولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، تسأل: هل كان النّبيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يعلمُ أنَّ هذا الاحتفال يُقَرِّبُ إلى الله أو لا يعلم؟ إنْ قالوا لا يعلم, فأمرٌ عظيم؛ لأنهم عَلِمُوا ما لم يَعْلَمْهُ رسولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وإن قالوا يعلم، قلنا: إذن؛ تَرَكَها وهو يعلمُ أنها مشروعة دون أنْ يُبَلِّغَ رسالةَ ربِّه؟! فإن لم يفعل فما بَلَّغَ رسالةَ ربِّه! يعني أنت تسأل تقول: عيد المولد، عيد ميلادُ الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آله وَسَلَّمَ هل كان النّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آله وَسَلَّمَ يَعْلَمُهُ أو لا يَعْلَمُهُ؟ إن قالوا: كان النّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لا يعلمه، نقول: اهتديتم إلى ما لم يهتدِ إليه رسولُ الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آله وَسَلَّمَ وهو الناطق بالوحي؟! وإنْ قالوا: كان يعلم. كان يعلم وكتم؟! هل هنالك مسلمٌ يتَّهمُ النّبيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بمثل هذا الاتهام؟! فأنتم إنْ قلتم ذلك تقدحون في رسولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آله وَسَلَّمَ، فأين هو صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من هذا المُبْتَدَع - وهو الاحتفال بعيد ميلاد الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-؟! هذا جميعُه إذا لم تشتمل هذه البدعة على أمورٍ أخرى مُحرَّمة، فكيف إذا اشتملت على محرماتٍ أخرى لا تُحصى؟!! حينئذٍ تزداد نُكرًا، مثل الاختلاط بين الرِّجال والنِّساء، والأذكار المحرَّفة التي يقع فيها الرَّقصُ والتصفيقُ وأعمالٌ تشبه الجنون، ويقولون إنهم يجتمعون ثم يَفِزُّونَ فَزَّةَ رجلٍ واحد لماذا؟! قالوا لأنَّ الرَّسولَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قد حَضَر!! ويأتون بأشعارٍ وحكايات فيها مخالفاتٌ صارخةٌ للعقيدةِ الصحيحةِ، فهذه بدعةٌ لم يَشْرَعِ اللهُ ورسولُه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جنسَها أصلًا، وتسمى: «بدعةٌ أصلية»، تسمى هذه: «بدعة أصلية». وأمَّا ما ابتُدِعَ على وجهٍ يُغَيِّرُ ما شَرَعَ اللهُ ورسولُهُ فمثل الأذكار التي تقال, فيُزاد فيها أو يُنقَص منها تَعَبُّدًا للهِ تبارك وتعالى بذلك، هذا أصل مشروع، لكن وصفَهُ أو عددَهُ غيرُ مشروع، وهذه هي: «البدعة الإضافية». النّبيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آله وَسَلَّمَ أَمَرَ أنَّه إذا سمعتَ المؤذنَ فقلت مثلما يقول ثم صليت عليهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آله وَسَلَّمَ - فإنك على رجاءِ تحقيقِ الشفاعة يوم القيامة، هذه الصلاة التي حضَّ عليها رسولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، الصلاة والسلام عليه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بعقبِ الأذان، هي للمؤذن أم للسامع المُرَدِّد؟ العلماءُ يقولون: هذه للسَّامعِ المُرَدِّد. المؤذِّن يأتي بالصلاةِ على النّبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جهرًا بعد أن يفرُغَ من الإتيان بألفاظ الأذان يأتي بها جهرًا كما كان يأتي بألفاظ الأذان!! فإذا كلمتَهُ وقلتَ له: هذا لا يُشرعُ في دينِ اللهِ تبارك وتعالى، يقول لك: أنت تكره النّبيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ! لماذا؟ لأنك تقولُ إنَّ الصلاةَ على النّبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حرام!! هذا أصلُه مشروع، والصلاةُ على النّبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آله وَسَلَّمَ مِنْ أعظمِ القُرُبَاتِ, ومِنْ أَجَلِّ الطاعاتِ إلى ربِّ الأرضِ والسماواتِ الصلاة والسلام على سيدِ الكائنات صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ولكن لا بد أنْ تكونَ منضبطةً بتلك الأُطُر، موصوفةً بتلك الأوصاف التي مرّ ذكرُها، فإذا ما غَيَّرَ الإنسانُ ذلك فإنه يكون مبتدعًا بدعةً إضافية، فَغَيَّرَ في الوصف أو في الكمية أو في الكيفية أو في الزمان أو في المكان أو في الجنس. العاداتُ كلُُّها كالمآكلِ والمشاربِ والثيابِ والأعمالِ العادية والمعاملات والصنائع الأصلُ فيها الإباحة والإطلاق, فمَنْ حَرَّمَ شيئًا منها لم يُحَرِّمْهُ اللهُ ولا رسولُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فهو مبتدع، كما حَرَّمَ المشركون بعضَ الأنعامِ التي أباحها اللهُ ورسولُهُ، وكمن يريدُ - بِجَهْلِهِ - أنْ يُحَرِّمَ بعضَ أنواعِ اللباس - أي: الثياب - أو الصنائع والمخترعات الحادثة بغيرِ دليلٍ شرعي ويُحَرِّمُهَا. يعني يقولُ لك - مثلًا -: إنَّ وضع مثل هذه - يعني: نَظَّارَةَ العين - هكذا بدعة، هي بدعة بالمعنى اللغوي؛ لأن ذلك لم يكن على عهدِ رسولِ الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آله وَسَلَّمَ. وعندما أرادوا أن يُدخلوا في الحرمِ قديمًا مكبرات الصوت اعترضَ بعضُ الشيوخ وقال هذه بدعة، وهذا لم يكن على عهد النّبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ, ولا على عهد السلف الصالحين، وكان يضع على عينيه نَظَّارَةً فقال له من كان يجادله: ما تقول في هذه، هل هذه بدعة؟ قال: لا, هذه تقرب لي المناظر والمَرَائِيَ. قال: وهذه إنما تقرب إلى السامع الصوت، فأيُّ فرق؟! فالأصل في مثل هذه الأشياء إنما هو الحِل، لا حظْرَ في تلك الأشياءِ إلا بدليلٍ ونص. يعني يقول لك: إنَّ ركوبَ القطار أو الطائرة بدعة، فحذارِ ثم حذارِ أنْ تبتدع، فإنَّ النّبيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لم يصنع ذلك!! هذا تركٌ عدمي - يعني: - لم يكن ذلك موجودًا على عهد رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَتَرَكُهُ مع قيام المقتضي له وانتفاء المانع من فعله حتى يكون التَّرْكُ سُنَّة، فأمثال هذه الأشياء الأصلُ فيها الحِلُّ والإباحة حتى يأتيَ الدليلُ الحاظرُ المانعُ من مثلِ ذلك. المُحَرَّمُ من هذه الأشياء هو الخبيثُ والضار، وقد فُصِّلَت تلك الأمورُ في الكتاب والسُّنَّةِ, - يعني: - الخبائث والأمور التي تضر فُصِّلَت في كتاب الله وفي سُنَّةِ رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آله وَسَلَّمَ، ومَنْ تتبعَ المحرمات وجدها تشتملُ على أنواعِ المفاسد، وجدها تشتمل على المفاسدِ المتنوعة، المحرمات لو تتبعتها فسوف تجدُ أنها تنطوي وتتضمن وتشتمل على كثيرٍ جدًّا من المفاسد تتنوع وتختلف. الحاصلُ: أنَّ الله تعالى لم يطلب منا أن نعبده كما نرى، لم يترك لنا الحرية في أن نعبدَه بالذي نراه، ليس لنا حرية في اختيار ألوان العبادات التي نَعبدُ بها الربَّ الجليل الأعلى سبحانه وتعالى، لم يترك لنا ربُّنا تبارك وتعالى الحريةَ في اختيارِ الطريقةِ على ما نحبُّ ونستحسن، ولكن طَلَبَ منَّا أن نعبدَهُ بما أَمَرَنَا أن نعبدَه به، وبالكيفية التي يريد, وبالكمية التي يريد, وفي الزمان والمكان المُرَادَين, كما فَصَّلَ لنا ذلك في كتابِهِ وعلى لسانِ رسولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فلا مجالَ للإنسان في أن يخترعَ من العباداتِ ما لم يأذن به اللهُ تعالى. سُنَّةُ النّبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كما تكونُ بالفعلِ تكون بالتَّرْكِ، والتَّرْكُ المراد هاهنا هو التَّرْكُ الوجودي، وهو: أنْ يقعَ الشيء في زمنِ النّبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ, ويوجد المقتضِي لفعلِهِ - الدافع والباعث - الذي يدفع ويبعثُ لفعله والشيء موجود, ومع وجودِ هذا المقتضي وانتفاءِ المانع الذي يمنع من فعلِهِ، مع ذلك يتركه رسولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، إذا كان ذلك كذلك؛ فالتَّرْكُ سُنَّةٌ والفعلُ بدعة، التَّرْكُ المراد هو التَّرْكُ الوجودي أنْ يقع الشيء ويوجد المقتضي الدافع لفعلِهِ وينتفي المانعُ من فعله، ومع ذلك يترُكُهُ رسولُ الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آله وَسَلَّمَ، فالتَّرْكُ الذي هو سُنَةٌ وقُرْبَةٌ هو التَّرْكُ في ما لم يكن مانعٌ من فعلِهِ مع وجودِ المقتضي لفعلِ ذلك الأمر الذي تَرَكَهُ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وهو التَّقَرُّبُ إلى اللهِ تبارك وتعالى، والوقتُ وقتُ تشريعٍ وتنزيل وبيان للأحكام، لأن النّبيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لا يؤخرُ البيانَ عن وقت الحاجة، فلو كان ذلك جائزًا على هذا النحو: قام المقتضي لفعله، الدافع لفعله موجود, والمانع الذي يمنع من فعله منتفٍ لا وجود له, ومع ذلك يتركه رسولُ الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آله وَسَلَّمَ, حينئذٍ يكون التَّرْكُ سُنَّةً ويكونُ الفعلُ بدعةً. كما تَرَكَ الأذان للعيدين، وكما تَرَكَ الغُسْلَ لكل صلاة, وكما ترك الاحتفالَ بعيد مولده أو عيد ميلاده -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- ، وكما ترك الأذان للتراويح، وكما ترك صلاة النصف من شعبان، وكما ترك القراءة على الموتى وغير ذلك، فهذه أمورٌ تُرِكَتْ على عهدِ النّبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ السنينَ الطُّوَال مع عدمِ المانعِ من فعلِها, وقيامِ المقتضي الدافع الذي يدفعُ لفعلها, ومع ذلك تركها رسولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ, والوقتُ وقتُ تشريعٍ للأحكام, فظهرَ من ذلك أنَّ هذا التَّرْكَ سُنَّةٌ, وأنَّ الفعلَ - الذي ينافي هذا التَّرك - بدعةٌ في دين اللهِ ربِّ العالمـــين. لو كانت مشروعة وكان فعلُها ينطوي على شيءٍ من الخير لفعلها النّبيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَتَرْكُ الرسولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لهذه الأمور ومواظبتُه على الترك مع عدم المانع ومع وجود المقتضي الدافع لفعل الفعل, وهو التقرب إلى الله تبارك وتعالى، تَرْكُ النّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لذلك وهو كذلك والوقت وقت تشريع وتنزيل وبيان للأحكام دليل على أنَّ المشروع في هذه الأمور هو التَّرْك، وأنَّ الفعلَ خلافُ المشروع، فلا يُتَقَرَّبُ بفعل مثل ذلك؛ لأن القُرْبَةَ لابد أنْ تكونَ مشروعة. العملُ لا بد أنْ يكون خالصًا وأنْ يكون صوابًا، والصواب أنْ يكونَ على قدمي رسولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وأنْ يتوفرَ فيه شرطُ المتابعة لدينِ اللهِ ربِّ العالمـــين الذي جاء به النّبيُّ الأمين صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آله وَسَلَّمَ. وهذه قاعدة من القواعد الجليلة جدًّا يحتاجُها المسلمُ المُتَسَنِّنُ بسُنَّةِ رسولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ويحتاجُها طالبُ العلم من أجل التمييزِ بين ما هو سُنَّة وما هو بدعة, ويحتاجها العالم الداعية من أَجْلِ أنْ تكونَ غُصَّةً وحجرًا يُلْقَمُ في أفواه وحُلُوقِ المبتدعة, ما يسمى بـ «السُّنَّة التَّرْكية» هو: ما تَرَكَهُ رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مع قيام المقتضي لفعله وانتفاء المانع من فعله - مع أنَّ الزمانَ زمانُ تشريع وبيان للأحكام -, فالحكم في ذلك أنَّ التَّرْكَ سُنَّة وأنَّ الفعل بدعة - قاعدة مهمة في غاية الأهمية ذكرها العلماء رحمةُ اللهِ عليهم -. وكيف يُعقل أنْ يتركَ الرسولُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شيئًا نافعًا يعودُ على الأمةِ بالرحمة وهو من بَيَّنَ لنا ربُّنا تبارك وتعالى أنَّه {بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ}[التوبة : 128] - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -؟ كيف يُعقل أنْ يترك النّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مثلَ هذا؟! وهل يُعقل أنْ يكونَ النّبيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آله وَسَلَّمَ قد رأى في ذلك بابًا من أبوابِ الرحمة ثم يتركُه حياتَه كلَّها -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آله وَسَلَّمَ- ولا يفعلُه ولو مرةً واحدةً لبيان الجواز حتى ولو كان لبيان الجواز؟ مثال ذلك أنَّ الناسَ إذا ماتَ لهم ميت جمعوا بعضَ أحبَّائِهِم وأودَّائِهِم وأصفيائِهِم وصنعوا للميتِ (عِتَاقَة كبرى!) أو (عِتَاقَة صغرى!)، فيجلسون يقرؤون سورةَ الإخلاصِ عددًا، ألف مرة أو مائة ألف مرة في العتاقة الصغرى والعتاقة الكبرى! ويقولون إننا إذا قرأنا هذا القدر ثم وهبنا ثوابَه للمتوفَّى فإنه تُعْتَقُ رقبتُهُ من النار!! فيُقال: هذا المقصد هو الذي لأَجْلِهِ أرسلَ اللهُ رسولَهُ، من أجل عِتْقِ الناس من النار، أنْ يوحدوا اللهَ وأن يعبدوه حتى ينجوَ هؤلاءِ من النار، فهذا هو المقصد الذي لأَجْلِهِ أَرْسَلَ اللهُ ربُّ العالمـــين رسولَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آله وَسَلَّمَ. ما المانع الذي كان يمنعُ النّبيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من أنْ يُكَلِّفَ بعضَ أصحابِهِ رضوان الله عليهم بعد موتِ واحدٍ من الصحابةِ رضوان الله عليهم أنْ يجتمعوا ناحيةً, وأن يقرؤوا سورةَ الإخلاصِ هذا القَدْرَ, ثم يَهَبُوا ثوابَ تلك القراءةِ للميت، ما الذي كان يمنع؟ لا شيء. إذن؛ ليس هنالك مانع، والدَّافع المقتضي لوجود الفعل قائم - وهو عِتْقُ هذا المتوفَّى من النار -, والزمانُ زمان تشريع وتنزيل للأحكام على قلبِ النّبيِّ الهُمَام صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ومع ذلك لم يفعلْه, فيكون التَّرْكُ سُنَّةً, ويكونُ الفعلُ بدعة. قد يقول قائل: لقد ظهرت بدعٌ كثيرةٌ حَسَنَة وقد رَضِيَ بها العلماءُ وسار عليها المسلمون إلى يومنا هذا، مثل جَمْع عمر بن الخطاب رضي الله عنه المسلمينَ في صلاة التراويح على إمامٍ واحدٍ, وكان النّبيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آله وَسَلَّمَ قد ترك ذلك وتركه أبو بكر وتركه عمر صدرًا من خِلافته, ثم جمع المسلمين بعد ذلك على أُبَي بن كعب رضي الله تبارك وتعالى عنه - قد يُقال هذا -. فالجواب: ما رواه البخاريُّ ومسلمٌ بسنديهما عن عُرْوَةَ بن الزبير أَنَّ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَخْبَرَتْهُ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَرَجَ لَيْلَةً مِنْ جَوْفِ اللَّيْلِ - تعني: في رمضان - فَصَلَّى فِي الْمَسْجِدِ وَصَلَّى رِجَالٌ بِصَلَاتِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ, فَأَصْبَحَ النَّاسُ فَتَحَدَّثُوا, فَاجْتَمَعَ أَكْثَرُ مِنْهُمْ فَصَلَّوْا مَعَهُ - يعني: في الليلة التالية -, فَأَصْبَحَ النَّاسُ فَتَحَدَّثُوا فَكَثُرَ أَهْلُ الْمَسْجِدِ مِنْ اللَّيْلَةِ الثَّالِثَةِ, فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَصَلَّى فَصَلَّوْا بِصَلَاتِهِ, فَلَمَّا كَانَتْ اللَّيْلَةُ الرَّابِعَةُ عَجَزَ الْمَسْجِدُ عَنْ أَهْلِهِ - غَصَّ المسجدُ بأهلِهِ، عَلِمَ الناسُ جميعًا أنَّ النّبيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يصلي التراويح - قيام الليل في رمضان في المسجد جماعة -, فأتى الصحابة رضوان الله عليهم لكي يُصَلُّوا خلف النّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فماذا حدث؟ لم يخرج النّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آله وَسَلَّمَ في تلك الليلة وظَلُّوا في المسجد - حَتَّى خَرَجَ لِصَلَاةِ الصُّبْحِ, فَلَمَّا قَضَى الْفَجْرَ أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ فَتَشَهَّدَ ثُمَّ قَالَ: «أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّهُ لَمْ يَخْفَ عَلَيَّ مَكَانُكُمْ وَلَكِنِّي خَشِيتُ أَنْ تُفْتَرَضَ عَلَيْكُمْ فَتَعْجِزُوا عَنْهَا» فَتُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْأَمْرُ عَلَى ذَلِكَ». هنا وُجِدَ مانعٌ، المقتضي للفعلِ موجود ولكن وُجِدَ المانعُ، فإذا زالَ المانعُ يُرْجعُ إلى الأصل، ولا يُقال إنَّ هذه سُنَّةٌ تَرْكِيَّةٌ؛ لأن السُّنة التركية: أنْ يوجد الدافع وأنْ ينتفي أنْ يزول أنْ لا يكون للمانع وجود, والزمانُ زمانُ تشريع وتنزيل للأحكام على قلبِ الرسولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، هنا وُجِدَ الدافعُ والباعث والمقتضي لاجتماعِ الناسِ خلفَ النّبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في صلاة قيام الليل في رمضان، في صلاة التراويح، ولكن هنالك مانع وهو: خشيةُ النّبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنْ يُفْرَضَ ذلك على المسلمين فَيَعْجِزُوا عنه، فلمَّا خافَ النّبيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذلك الأمرَ على الأمة امتنعَ عن الخروج لصلاةِ قيامِ الليل في رمضان في المسجد جماعةً -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-. فالمانعُ من صلاة التراويح في جماعةٍ على عهدِ رسولِ الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هو خشيةُ أنْ تُفْرَضَ على الأمة، والزمان زمان تشريع وتنزيل، والرسولُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يخشى أنْ تُفرضَ فيقع العَجْزُ عنها، وتتورطُ الأمةُ في الإثم، فَتُوفِّيَ الرسولُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ والأمرُ على ذلك، ثم كان الأمرُ على ذلك خلافةَ أبي بكر رضي الله عنه؛ لأنَّ خلافة أبي بكر كانت قصيرة، سَنَتَان وشيء يسير من الزمان، وكان مشغولًا -رضوان الله عليه- بحروب الرِّدَّةِ وبالحرب مع مانعي الزكاة، وبتسيير الجيوش للجهاد والفتح، فلم يتفرغ لذلك، وكذلك كان الأمرُ صدرًا - يعني: قدرًا متقدمًا - في خلافة عمر رضوان الله عليه لانشغاله -رضي الله عنه- والمسلمون معه بحربِ فارسَ والروم. فلما أنْ استقر الأمرُ جمعهم عمرُ رضوان الله عليه على أُبَي بن كعب في مسجدِ النّبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آله وَسَلَّمَ، زال المانع؛ لأنها لا يمكن أنْ تُفْرَضَ بعد موتِ رسولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آله وَسَلَّمَ. أخرجَ البخاريُّ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدٍ الْقَارِيِّ أَنَّهُ قَالَ: خَرَجْتُ مَعَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لَيْلَةً فِي رَمَضَانَ إِلَى الْمَسْجِدِ فَإِذَا النَّاسُ أَوْزَاعٌ - يعني: جماعات - مُتَفَرِّقُونَ, يُصَلِّي الرَّجُلُ لِنَفْسِهِ, وَيُصَلِّي الرَّجُلُ فَيُصَلِّي بِصَلَاتِهِ الرَّهْطُ - من الثلاثة إلى التسعة -, فَقَالَ عُمَرُ: إِنِّي أَرَى لَوْ جَمَعْتُ هَؤُلَاءِ عَلَى قَارِئٍ وَاحِدٍ لَكَانَ أَمْثَلَ - أي: كان أفضل -, ثُمَّ عَزَمَ فَجَمَعَهُمْ عَلَى أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ رضي الله عنه, ثُمَّ خَرَجْتُ مَعَهُ لَيْلَةً أُخْرَى وَالنَّاسُ يُصَلُّونَ بِصَلَاةِ قَارِئِهِمْ قَالَ عُمَرُ: نِعْمَ الْبِدْعَةُ هَذِهِ, وَالَّتِي يَنَامُونَ عَنْهَا أَفْضَلُ مِنْ الَّتِي يَقُومُونَ إليها. يُرِيدُ آخِرَ اللَّيْلِ, وَكَانَ النَّاسُ يَقُومُونَ أَوَّلَ الليل» هذا حديثُ البخاريِّ رحمةُ اللهِ عليه. استنبط عمر رضي الله عنه أنَّ جمعَهُم على إمامٍ واحدٍ أفضلُ - من تقرير النّبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آله وَسَلَّمَ مَنْ صَلَّى معه في تلك الليلة -، استنبطه من أي شيء؟ من تقرير النّبي، لا أنَّه أفضلُ من تقرير النّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ! يعني: لمَّا خرجَ النّبيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في رمضان فصَلَّى وصلَّى بصلاته أُنَاسٌ، ثم في الليلة الثانية ثم في الليلة الثالثة، لم يمنعهم النّبيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنَ الصلاة ذاتها على هذا النحو، وإنما امتنع خشيةَ أنْ تُفْرَضَ على الأمة، ولكن لم يمنع النّبيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من الاجتماعِ خلفَ إمام واحد، وإنما خَشِيَ النّبيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آله وَسَلَّمَ مِنْ أنْ تُفْرَضَ الصلاةُ على أُمَّةِ النّبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آله وَسَلَّمَ وحينئذٍ يَعْجِزُونَ عنها، اللهم صلِّ وسَلِّم وبارك عليه. فَلَمَّا ماتَ النّبيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آله وَسَلَّمَ حَصَلَ الأمنُ من ذلك؛ لأنَّه لا يمكن أنْ يُفرضَ شيءٌ على الأمة بعد موتِ رسولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آله وَسَلَّمَ, ولم يفعل ذلك أبو بكر رضوان الله عليه؛ لانشغاله في حروب الرِّدَّةِ وحروبِ مانعي الزكاة, وكذلك لم يفعلْه عمرُ رضوان الله عليه صدرًا من خلافته -رضوان الله عليه-؛ لانشغاله بحربِ فارسَ والروم، فَلَمَّا أنْ استقرَ الأمرُ رَاجَعَ عمرُ رضوان الله عليه سُنَّةَ رسولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آله وَسَلَّمَ. فَلَمَّا قال عمر رضوان الله عليه: «نِعْمَ الْبِدْعَةُ هَذِهِ», بدعةٌ هي؟! يقولُ النّبيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «عليكم بسُنَّتِي وسُنَّةِ الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي, عَضُّوا عليها بالنَّوَاجِذِ, وإيَّاكم ومحدثاتِ الأمور», هذا أولًا. وثانيًا: لأنَّ هذه مشروعة فكيف تكونُ بدعة؟! يعني الذي قال -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آله وَسَلَّمَ-: «إِنِّي أخشى أنْ تُفْرَضَ عليكم»، هو الذي قال -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آله وَسَلَّمَ- «كُلُّ بدعةٍ ضلالة», فلا تناقضَ بين قولِ النّبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آله وَسَلَّمَ في الحالتين. النّبيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آله وَسَلَّمَ إنما قَرَّرَ ذلك سُنَّةً مِنْ سُنَنِهِ، وإنما امتنعَ عن الإتيانِ بها لِعِلَّةٍ بَيَّنَها الرسولُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فلما انتفى المانعُ نعودُ إلى الأصل الذي أصَّلَهُ لنا نبيُّنا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آله وَسَلَّمَ. فإذا قال عمر: «نِعْمَ الْبِدْعَةُ هَذِهِ» يعني: أنها لم تكن مستفيضةً على عهدِ النّبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ, ولم تكن في خلافةِ أبي بكر رضوان الله عليه, فأَتَى بالمعنى اللُّغوي للبدعة، والبدعةُ في اللغة تَعُمُّ كلَّ ما فُعِلَ ابتداءً من غير مثالٍ سابق، وأمَّا البدعة الشرعية: فما لم يدل عليه دليلٌ شرعيٌ مِنْ كتابِ اللهِ ولا مِنْ سُنَّةِ رسولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آله وَسَلَّمَ. إذا كان ذلك كذلك فقولُ عمر رضوان الله عليه من قَبِيلِ الأخذِ بالأخذ اللُّغوي الأول على شُمُولِهِ. وإطلاق معنى البدعة بالمعنى اللغوي أشملُ وأعم من إطلاقها بالمعنى الشرعي، قال ابن رجب رحمه الله : «ما وقع في كلام السَّلف من استحسان بعض البدع, فإنما ذلك في البدع اللغوية لا الشرعية». «في البدع اللغوية» يعني: بالمعنى اللغوي لا في المعنى الشرعي. بعضُ البدع تشبه ما يسمى عند العلماء بـ (المصالح المُرْسَلَة)، وشتّان ما بينهما، المصلحة المرسلة: هي المعنى الملائم لتصرفاتِ الشرعِ الذي لم يأتِ دليلٌ معينٌ باعتبارِهِ ولا بإلغائِهِ، ولذلك سُمِّيت - هي موافقةٌ لمقاصد الشرع, ولم يأتِ دليلٌ بالإلغاء ولم يأتِ دليل بالإثبات، ومن هنا قيل لها - (مُرْسَلَة)، يعني: لا هي مَلْغِيَّة ولا هي مُثْبَتَة, وإنما هي مُرْسلة. مثل: جمعُ الأصحابِ رضوان الله عليهم لكتابِ اللهِ تبارك وتعالى بعد موتِ النّبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ, فهذه لا يُقال إنها بدعة، ولكنها من قَبِيلِ ما يُسَمَّى بـ (المصالح المرسلة). قد يُقال في المسائل المتعلقة بعيد ميلاد النّبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: هل تمنعون ذكرَ اللهِ وقراءةَ سيرةِ رسولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ والجواب: ذكرُ اللهِ ومعرفةُ سيرة النّبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من أعظمِ القُرُبَاتِ وأفضلِ الطاعاتِ، وذلك يُحَضُّ عليه ويُرَغَّبُ فيه, وموطنُ النزاع إنما هو تخصيصُ ذلك بيومٍ في السَّنَةِ من غير ما مُخَصِّص، مع الكيفيةِ المُحْدَثَةِ والمخالفاتِ المبتدعة. وقد يُقال : قال ابن الجزري: «رُئِيَ أبو لهب في المنام فقيل له: كيف حالُك؟ قال في النار، ولكنه يُخفف عنه كل ليلة اثنين؛ لأنه فَرِح بِمَولِدِ رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وأعتقَ جاريتَهُ ثُوَيْبَة», فيقولون: مادام هذا حال الكافر استفاد بسبب فَرَحِهِ برسولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ, فكيف حالُ من يفرح ويحتفلُ بعيدِ ميلادِهِ كلَّ عام وهو مسلمٌ يعبدُ اللهَ تبارك وتعالى؟ الجواب: هذا الدليلُ أوهنُ من بيت العنكبوت، بل هو هباء، الرائي الذي حَكَى عنه ابنُ الجزري مجهول! والمرويُّ عنه كافر! فأيُّ إسناد هذا؟! ومتى كانت الأحلامُ دليلًا على إثباتِ حكمٍ شرعي؟! وأيضًا: هذا الفرح الذي أتى من أبي لهب فَرَحٌ جِبِلِّي؛ لأنه فَرِحَ بأن رُزِقَ أخوه - الذي مات وترك امرأته حاملًا أنْ رزق - بمولودٍ ذَكَر، فهذا فَرَحٌ جِبِلِّي، ولذلك لم يَفرح بِبَعْثَةِ رسولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، بل حاربَهُ أشدَّ المحاربة, وعانده أشدَّ المعاندة -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آله وَسَلَّمَ-. قد يُقال أيضًا: إنَّ النّبيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آله وَسَلَّمَ صامَ يومَ الاثنين, فلمَّا سُئِلَ قال-صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آله وَسَلَّمَ-: «ذلك يومٌ وُلِدتُ فيه»، فقالوا: إذن؛ ينبغي أنْ نحتفل بعيدِ ميلادِ النّبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آله وَسَلَّمَ! والجواب: مشروعيةُ صوم الاثنين لا تُنكر، وكذلك فضلُ صيامِهِ، وكذلك يومُ الخميس, فصومُهما مستحبٌ على طول العام، لا في وقت دون وقت، ولكن أنْ تقيس ما هو مشروع - وهو الصيام - على ما لم يُشرع - وهو الاحتفال - قياسٌ مع الفارق, وهو قياس باطل. وأيضًا: صَحَّ عن النّبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آله وَسَلَّمَ في تَعْلِيلِ صيامِ الاثنين والخميس أنَّه قال: «إنَّ الأعمال تُعرض على الله -ربِّ العالمـــين- كلَّ اثنين وخميس، فَأُحِبُّ أنْ يُعرض عملي وأنا صائم». -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آله وَسَلَّمَ-. شيءٌ آخر وهو: أنَّ النّبيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آله وَسَلَّمَ حُبُّهُ من أعظمِ أصولِ الدِّينِ، قال ربُّنا تبارك وتعالى: {قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَآؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُواْ حَتَّى يَأْتِيَ اللّهُ بِأَمْرِهِ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ} [التوبة : 24]، فكفى بهذا حَضًّا وتنبيهًا ودلالةً وحجةً على إلزامِ محبةِ النّبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ووجوبِ ذلك وعِظَمِ خَطَرِهِ واسْتِحْقَاقِهِ للنبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؛ لأنَّ الله تبارك وتعالى قَرَّعَ من كان مالُهُ وأهلُهُ وولدُهُ أحبَّ إليه من اللهِ ورسولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وتَوَعَّدَهُم بقولِهِ تعالى: {فَتَرَبَّصُواْ حَتَّى يَأْتِيَ اللّهُ بِأَمْرِهِ}, ثم فَسَّقَهُم بتمامِ الآية، وأَعْلَمَهُم أنَّهم ممن ضَلَّ عن سبيلِ اللهِ ربِّ العالمـــين، فاللهمَّ اجعل نبيَّك صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أحبَّ إلينا من أنفسِنَا إنَّك على كل شيءٍ قدير. قال النّبيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَا مِنْ مُؤْمِنٍ إِلَّا وَأَنَا أَوْلَى النَّاسِ بِهِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ اقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ {النّبي أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ}». وقال -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: «أَنَا أَوْلَى بِكُلِّ مُؤْمِنٍ مِنْ نَفْسِهِ». وقال: «لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ وَالِدِهِ وَوَلَدِهِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ». ولمَّا قال عمر رضوان الله عليه للنبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لَأَنْتَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِلَّا نَفْسِي, قَالَ: «ولَا هذه يا عمر»، قَالَ: الْآنَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنْتَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ كلِّ شيء حتى نفسي, قَالَ: «الْآنَ يَا عُمَرُ». فَمَحَبَّةُ النّبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ واجبةٌ وأَصْلٌ عظيمٌ من أصولِ الدِّينِ، ولكن الدَّليلُ على صدقِ المحبةِ التأدبُ مع رسول الله، وعدمُ التقديم بين يدي رسول الله. أسألُ الله تبارك وتعالى أنْ يرزقنا مَحَبَّتَهُ ومَحَبَّةَ نبيِّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وأنْ يرزقنا الاتباع، وأنْ يُجَنِّبَنَا الابتداع، إنَّه على كل شيءٍ قدير. وصَلَّى الله وسلم على نبيِّنا محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آله وَسَلَّمَ. http://www.rslan.com/tafre31/Mawoled.php |
رسالة " حكم الاحتفال بالمولد النبوي..الشيخ ابن عثيمين ..رحمة الله ..
الشيخ محمد بن عثيمين ـ رحمه الله ـ
سئل فضيلة الشيخ العلامة محمد بن صالح بن عثيمين رحمه الله كما في " فتاوى الشيخ محمد الصالح العثيمين " إعداد وترتيب أشرف عبد المقصود ( 1 / 126 ) : ما الحكم الشرعي في الاحتفال بالمولد النبوي ؟ فأجاب فضيلته : ( نرى أنه لا يتم إيمان عبد حتى يحب الرسول صلى الله عليه وسلم ويعظمه بما ينبغي أن يعظمه فيه ، وبما هو لائق في حقه صلى الله عليه وسلم ولا ريب أن بعثة الرسول عليه الصلاة والسلام ولا أقول مولده بل بعثته لأنه لم يكن رسولاً إلا حين بعث كما قال أهل العلم نُبىءَ بإقرأ وأُرسل بالمدثر ، لا ريب أن بعثته عليه الصلاة والسلام خير للإنسانية عامة ، كما قال تعالى : ( قل يأيها الناس إني رسول الله إليكم جميعاً الذي له ملك السموات والأرض لا إله إلا هو يحيي ويميت فآمنوا بالله ورَسُولِهِ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ) ( الأعراف : 158 ) ، وإذا كان كذلك فإن من تعظيمه وتوقيره والتأدب معه واتخاذه إماماً ومتبوعاً ألا نتجاوز ما شرعه لنا من العبادات لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم توفى ولم يدع لأمته خيراً إلا دلهم عليه وأمرهم به ولا شراً إلا بينه وحذرهم منه وعلى هذا فليس من حقنا ونحن نؤمن به إماماً متبوعاً أن نتقدم بين يديه بالاحتفال بمولده أو بمبعثه ، والاحتفال يعني الفرح والسرور وإظهار التعظيم وكل هذا من العبادات المقربة إلى الله ، فلا يجوز أن نشرع من العبادات إلا ما شرعه الله ورسوله وعليه فالاحتفال به يعتبر من البدعة وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم : " كل بدعة ضلالة " قال هذه الكلمة العامة ، وهو صلى الله عليه وسلم أعلم الناس بما يقول ، وأفصح الناس بما ينطق ، وأنصح الناس فيما يرشد إليه ، وهذا الأمر لا شك فيه ، لم يستثن النبي صلى الله عليه وسلم من البدع شيئاً لا يكون ضلالة ، ومعلوم أن الضلالة خلاف الهدى ، ولهذا روى النسائي آخر الحديث : " وكل ضلالة في النار " ولو كان الاحتفال بمولده صلى الله عليه وسلم من الأمور المحبوبة إلى الله ورسوله لكانت مشروعة ، ولو كانت مشروعة لكانت محفوظة ، لأن الله تعالى تكفل بحفظ شريعته ، ولو كانت محفوظة ما تركها الخلفاء الراشدون والصحابة والتابعون لهم بإحسان وتابعوهم ، فلما لم يفعلوا شيئاً من ذل علم أنه ليس من دين الله ، والذي أنصح به إخواننا المسلمين عامة أن يتجنبوا مثل هذه الأمور التي لم يتبن لهم مشروعيتها لا في كتاب الله ، ولا في سنة رسوله صلى الله عليه وسلم ، ولا في عمل الصحابة رضي الله عنهم ، وأن يعتنوا بما هو بيّن ظاهر من الشريعة ، من الفرائض والسنن المعلومة ، وفيها كفاية وصلاح للفرد وصلاح للمجتمع . وإذا تأملت أحوال هؤلاء المولعين بمثل هذه البدع وجدت أن عندهم فتوراً عن كثير من السنن بل في كثير من الواجبات والمفروضات ، هذا بقطع النظر عما بهذه الاحتفالات من الغلو بالنبي صلى الله عليه وسلم المودي إلى الشرك الأكبر المخرج عن الملة الذي كان رسول الله صلى الله عليه وسلم نفسه يحارب الناس عليه ، ويستبيح دماءهم وأموالهم وذراريهم ، فإننا نسمع أنه يلقى في هذه الاحتفالات من القصائد ما يخرج عن الملة قطعاً كما يرددون قول البوصيري : يا أكرم الخلق ما لي من ألوذ به سواك عند حدوث الحادث العمم مثل هذه الأوصاف لا تصح إلا لله عز وجل ، وأنا أعجب لمن يتكلم بهذا الكلام إن كان يعقل معناه كيف يسوغ لنفسه أن يقول مخاطباً النبي عليه الصلاة والسلام : ( فإن من جودك الدنيا وضرتها ) ومن للتبعيض والدنيا هي الدنيا وضرتها هي الآخرة ، فإذا كانت الدنيا والآخرة من جود الرسول عليه الصلاة والسلام ، وليس كل جوده ، فما الذي بقي لله عز وجل ، ما بقي لله عز وجل ، ما بقي له شيء من الممكن لا في الدنيا ولا في الآخرة . إن لم تكن آخذاً يوم المعاد يدي صفحاً وإلا فقل يا زلة القدم فإن من جودك الدنيا وضرتها ومن علومك علم اللوح والقلم وكذلك قوله : ( ومن علومك علم اللوح والقلم ) ومن : هذه للتبعيض ولا أدري ماذا يبقى لله تعالى من العلم إذا خاطبنا الرسول عليه الصلاة والسلام بهذا الخطاب . ورويدك يا أخي المسلم .. إن كنت تتقي الله عز وجل فأنزل رسول الله صلى الله عليه وسلم منزلته التي أنزله الله .. أنه عبد الله ورسوله فقل هو عبدالله ورسوله ، واعتقد فيه ما أمره ربه أن يبلغه إلى الناس عامة : ( قل لا أقول لكم عندي خزائن الله ولا أعلم الغيب ولا أقول لكم إني ملك إن أتبع إلا ما يوحى إلي ) ( الأنعام : 50 ) ، وما أمره الله به في قوله : ( قل إني لا أملك لكم ضراً ولا رشداً ) ( الجن : 21 ) ، وزيادة على ذلك : ( قل إني لن يجيرني من الله أحد ولن أجد من دونه ملتحداً ) ( الجن : 22 ) ، حتى النبي عليه الصلاة والسلام لو أراد الله به شيئاً لا أحد يجيره من الله سبحانه وتعالى . فالحاصل أن هذه الأعياد أو الاحتفالات بمولد الرسول عليه الصلاة والسلام لا تقتصر على مجرد كونها بدعة محدثة في الدين بل هي يضاف إليها شئ من المنكرات مما يؤدي إلى الشرك . وكذلك مما سمعناه أنه يحصل فيها اختلاط بين الرجال والنساء ، ويحصل فيها تصفيق ودف وغير ذلك من المنكرات التي لا يمتري في إنكارها مؤمن ، ونحن في غِنَى بما شرعه الله لنا ورسوله ففيه صلاح القلوب والبلاد والعباد ) " فتاوى الشيخ محمد الصالح العثيمين " إعداد وترتيب أشرف عبد المقصود ( 1 / 126 ) |
رسالة " حكم الاحتفال بالمولد النبوي " الامام ابن باز .. رحمة الله..
الشيخ الإمام عبدالعزيز بن عبدالله بن باز رحمه الله
الحمد لله ، والصلاة والسلام على رسول الله ، وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهداه . أما بعد : فقد تكرر السؤال من كثير عن حكم الاحتفال بمولد النبي صلى الله عليه وسلم ، والقيام له في أثناء ذلك ، وإلقاء السلام عليه ، وغير ذلك مما يفعل في الموالد . والجواب أن يقال : لا يجوز الاحتفال بمولد الرسول صلى الله عليه وسلم ، ولا غيره ؛ لأن ذلك من البدع المحدثة في الدين ؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يفعله ، ولا خلفاؤه الراشدون ، ولا غيرهم من الصحابة ـ رضوان الله على الجميع ـ ولا التابعون لهم بإحسان في القرون المفضلة ، وهم أعلم الناس بالسنة ، وأكمل حباً لرسول الله صلى الله عليه وسلم ومتابعة لشرعه ممن بعدهم . وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد " ، أي : مردود عليه ، وقال في حديث آخر : " عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي ، تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ ، وإياكم ومحدثات الأمور ، فإن كل محدثة بدعة ، وكل بدعة ضلالة " . ففي هذين الحديثين تحذير شديد من إحداث البدع والعمل بها . وقد قال الله سبحانه في كتابه المبين : ( ومآ ءاتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا ) ( سورة الحشر : 7 ) ، وقال عز وجل : ( فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم ) ( سورة النور : 63 ) ، وقال سبحانه : ( لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجوا الله واليوم الآخر وذكر الله كثيراً ) ( سورة الأحزاب : 21 ) ، وقال تعالى : ( والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه وأعد لهم جنات تجري تحتها الأنهار خالدين فيها أبداً ذلك الفوز العظيم ) ( سورة التوبة : 100 ) ، وقال تعالى : ( اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام ديناً ) ( سورة المائدة : 3 ) . والآيات في هذا المعنى كثيرة . وإحداث مثل هذه الموالد يفهم منه : أن الله سبحانه لم يكمل الدين لهذه الأمة ، وأن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يبلغ ما ينبغي للأمة أن تعمل به ، حتى جاء هؤلاء المتأخرون فأحدثوا في شرع الله ما لم يأذن به ، زاعمين : أن ذلك مما يقربهم إلى الله ، وهذا بلا شك فيه خطر عظيم ، واعتراض على الله سبحانه ، وعلى رسوله صلى الله عليه وسلم ، والله سبحانه قد أكمل لعباده الدين ، وأتم عليهم النعمة . والرسول صلى الله عليه وسلم قد بلغ البلاغ المبين ، ولم يترك طريقاً يوصل إلى الجنة ويباعد من النار إلا بينه للأمة ، كما ثبت في الحديث الصحيح ، عن عبدالله بن عمرو رضي الله عنهما ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ما بعث الله من نبي إلا كان حقاً عليه أن يدل أمته على خير ما يعلمه لهم ، وينذرهم شر ما يعلمه لهم " رواه مسلم في صحيحه . ومعلوم أن نبينا صلى الله عليه وسلم هو أفضل الأنبياء وخاتمهم ، وأكملهم بلاغاً ونصحاً ، فلو كان الاحتفال بالموالد من الدين الذي يرضاه الله سبحانه لبيَّنه الرسول صلى الله عليه وسلم للأمة ، أو فعله في حياته ، أو فعله أصحابه رضي الله عنهم ، فلما لم يقع شيء من ذلك علم أنه ليس من الإسلام في شيء ، بل هو من المحدثات التي حذر الرسول صلى الله عليه وسلم منها أمته ، كما تقدم ذكر ذلك في الحديثين السابقين .وقد جاء في معناهما أحاديث أُُخر ، مثل قوله صلى الله عليه وسلم في خطبة الجمعة : " أما بعد : فإن خير الحديث كتاب الله ، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم ، وشر الأمور محدثاتها ، وكل بدعة ضلالة " رواه الإمام مسلم في صحيحه . والآيات والأحاديث في هذا الباب كثيرة . وقد صرح جماعة من العلماء بإنكار الموالد والتحذير منها ؛ عملاً بالأدلة المذكورة وغيرها . وخالف بعض المتأخرين فأجازها إذا لم تشتمل على شيء من المنكرات ؛ كالغلو في رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وكاختلاط النساء بالرجال ، واستعمال آلات الملاهي ، وغير ذلك مما ينكره الشرع المطهر ، وظنوا أنها من البدع الحسنة . والقاعدة الشرعية : رد ما تنازع فيه الناس إلى كتاب الله ، وسنة رسوله محمد صلى الله عليه وسلم . كما قال الله عز وجل : ( يآأيها الذين ءامنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلاً ) ( سورة النساء : 59 ) ، وقال تعالى : ( وما اختلفتم فيه من شيء فحكمه إلى الله ) ( سورة الشورى : 10 ) . وقد رددنا هذه المسألة ـ وهي الاحتفال بالموالد ـ إلى كتاب الله سبحانه ، فوجدنا يأمرنا باتباع الرسول صلى الله عليه وسلم فيما جاء به ويحذرنا عما نهى عنه ، ويخبرنا بأن الله سبحانه قد أكمل لهذه الأمة دينها ، وليس هذا الاحتفال مما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم ، فيكون ليس من الدين الذي أكمله الله لنا وأمرنا باتباع الرسول فيه ، وقد رددنا ذلك ـ أيضاً ـ إلى سنة الرسول صلى الله عليه وسلم فلم نجد فيها أنه فعله ، ولا أمر به ولا فعله أصحابه رضي الله عنهم ، فعلمنا بذلك أنه ليس من الدين ، بل هو من البدع المحدثة ، ومن التشبه بأهل الكتاب من اليهود والنصارى في أعيادهم . وبذلك يتضح لكل من له أدنى بصيرة ورغبة في الحق وإنصاف في طلبه أن الاحتفال بالموالد ليس من دين الإسلام ، بل هو من البدع المحدثات التي أمر الله سبحانه ورسوله صلى الله عليه وسلم بتركها والحذر منها . ولا ينبغي للعاقل أن يغتر بكثرة من يفعله من الناس في سائر الأقطار ، فإن الحق لا يعرف بكثرة الفاعلين ، وإنما يعرف بالأدلة الشرعية ، كما قال تعالى عن اليهود والنصارى : ( وقالوا لن يدخل الجنة إلا من كان هوداً أو نصارى تلك أمانيهم قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين ) ( سورة البقرة : 111 ) ، وقال تعالى : ( وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله ) ( سورة الأنعام : 116 ) . ثم إن غالب هذه الاحتفالات بالموالد مع كونها بدعة لا تخلو من اشتمالها على منكرات أخرى ؛ كاختلاط النساء بالرجال ، واستعمال الأغاني والمعازف ، وشرب المسكرات والمخدرات ، وغير ذلك من الشرور ، وقد يقع فيها ما هو أعظم من ذلك وهو الشرك الأكبر ، وذلك بالغلو في رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أو غيره من الأولياء ، ودعائه والاستغاثة به وطلبه المدد ، واعتقاد أنه يعلم الغيب ، ونحو ذلك من الأمور الكفرية التي يتعاطاها الكثير من الناس حين احتفالهم بمولد النبي صلى الله عليه وسلم وغيره ممن يسمونهم بالأولياء . وقد صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : " إياكم والغلو في الدين ، فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو في الدين " ، وقال صلى الله عليه وسلم : " لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى ابن مريم إنما أنا عبده ، فقولوا : عبد الله ورسوله " أخرجه البخاري في صحيحه من حديث عمر رضي الله عنه . ومن العجائب والغرائب : أن الكثير من الناس ينشط ويجتهد ي حضور هذه الاحتفالات المبتدعة ، ويدافع عنها ، ويتخلف عما أوجب الله عليه من حضور الجمع والجماعات ، ولا يرفع بذلك رأساً ، ولا يرى أنه أتي منكراً عظيماً ، ولا شك أن ذلك من ضعف الإيمان وقلة البصيرة ، وكثرة ما ران على القلوب من صنوف الذنوب والمعاصي ، نسأل الله العافية لنا ولسائر المسلمين . ومن ذلك : أن بعضهم يظن أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يحضر المولد ؛ ولهذا يقومون له محيين ومرحبين ، وهذا من أعظم الباطل وأقبح الجهل ، فإن الرسول صلى الله عليه وسلم لا يخرج من قبره قبل يوم القيامة ، ولا يتصل بأحد من الناس ، ولا يحضر اجتماعاتهم ، بل هو مقيم في قبره إلى يوم القيامة ، وروحه في أعلى عليين عند ربه في دار الكرامة ، كما قال الله تعالى في سورة المؤمنون ( 15 ـ 16 ) : ( ثم إنكم بعد ذلك لميتون * ثم إنكم يوم القيامة تبعثون ) . وقال النبي صلى الله عليه وسلم : " أنا أول من ينشق عنه القبر يوم القيامة ، وأنا أول شافع ، وأول مُشَفَّعٍ " عليه من ربه أفضل الصلاة والسلام . فهذه الآية الكريمة والحديث الشريف وما جاء في معناهما من الآيات والأحاديث ، كلها تدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم وغيره من الأموات إنما يخرجون من قبورهم يوم القيامة ، وهذا أمر مجمع عليه بين علماء المسلمين ليس فيه نزاع بينهم ، فينبغي لكل مسلم التنبه لهذه الأمور ، والحذر مما أحدثه الجهال وأشباههم من البدع والخرافات التي ما أنزل الله بها من سطان . والله المستعان وعليه التكلان ولا حول ولا قوة إلا به . أما الصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم فهي من أفضل القربات ، ومن الأعمال الصالحات ، كما قال تعالى : ( إن الله وملائكته يصلون على النبي يآ أيها الذين ءامنوا صلوا عليه وسلموا تسليماً ) ( سورة الأحزاب : 56 ) . وقال النبي صلى الله عليه وسلم : " من صلى عليَّ واحدة صلى الله عليه بها عشراً " ، وهي مشروعة في جميع الأوقات ، ومتأكدة في آخر كل صلاة ، بل واجبة عند جمع من أهل العلم في التشهد الأخير من كل صلاة ، وسنة مؤكدة في مواضع كثيرة ، منها بعد الأذان ، وعند ذكره عليه الصلاة والسلام ، وفي يوم الجمعة وليلتها ، كما دلت على ذلك أحاديث كثيرة . والله المسؤول أن يوفقنا وسائر المسلمين للفقه في دينه والثبات عليه ، وأن يمن على الجميع بلزوم السنة والحذر من البدعة ، إنه جواد كريم . وصلى الله وسلم على نبينا محمد ، وآله وصحبه |
رسالة " حكم الاحتفال بالمولد النبوي..الشيخ عبدالله بن محمد بن حميد رحمه الله
الشيخ عبدالله بن محمد بن حميد رحمه الله جاء في كتاب " الرسائل الحسان في نصائح الإخوان " للشيخ عبدالله بن محمد بن حميد رحمه الله ( ص 39 ) نقلاً عن نشرة قم بنشرها مركز الدعوة والإرشاد بجدة " ما يلي : الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم أما بعد : لقد اعتاد كثير من الناس في مثل هذا الشهر شهر ربيع الأول من كل سنة إقامة الحفلات الرائعة لذكرى مولد الرسول صلى الله عليه وسلم ، وذلك ليلة الثانية عشر منه قائلين : إنه عبارة عن إظهار الشكر لله عز وجل على وجود خاتم النبيين وأفضل المرسلين ، بإظهار السرور بمثل اليوم الذي ولد فيه صلى الله عليه وسلم ، وبما يكون فيه من الصدقات والأذكار ، فنقول : لا شك أنه سيد الخلق ، وأعظمهم ، وأفضل من طلعت عليه الشمس ، ولكن لماذا لم يقم بهذا الشكر أحد من الصحابة والتابعين ، ولا الأئمة المجتهدين ، ولا أهل القرون الثلاثة الذين شهد لهم الرسول صلى الله عليه وسلم بالخيرية ؟ مع أنهم أعظم محبة له منا ، وهم على الخير أحرص ، وعلى اتباعه اشد ، بل كمال محبته وتعظيمه في متابعته وطاعته ، واتباع أمره ، واجتناب نهيه ، وإحياء سنته ظاهراً وباطناً ، ونشر ما بعث به ، والجهاد على ذلك بالقلب واليد واللسان ، فإن هذه طريقة السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار والذين ابعوهم بإحسان ، لا في إقامة الحفلات المبتدعة التي هي من سنن النصارى ، فإنه إذا جاء الشتاء في اثناء ( كانون الأول ) لأربع وعشرين خلت منه بزعمهم أنه ميلاد عيسى عليه الصلاة والسلام اضاءوا في ذلك الأنوار ، ووضعوا الطعام ، وصار يوم سرور وفرح عندهم ، وليس في الإسلام اصل لهذا ، بل الإسلام ينهى عن مشابهتهم ، ويأمر بمخالفتهم ، وقد قيل إن أول من احتفل بالمولد النبوي ( كوكبري أبو سعيد بن أبي الحسن علي بن بكتكين التركماني صاحب إربل ) أحدث ذلك في أواخر القرن السادس أو أوائل القرن السابع ، فإنه يقيم ذلك الاحتفال ليلة التاسعة على ما أختاره المحدثون من ولادته صلى الله عليه وسلم تلك الليلة ، وفارق ليلة الثانية عشر على ما قاله الجمهور ، فهل كان الرتكماني ومن تبعه أعلم وأهدى سبيلاً من خيار هذه الأمة وفضلائها من الصحابة ومن بعدهم ، في حين أنه لو قيل إن يوم البعثة أولى بهذا الشكر من يوم الولادة لكان أحرى ، لأن النعمة والرحمة والخير والبركة إنما حصلت برسالته بنص قوله تعالى : ( وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين ) ( الأنبياء : 107 ) ، ومعلوم أن كل بدعة يتعبد بها أصحابها أو تجعل من شعائر الدين فهي محرمة ممنوعة ، لأن الله عز وجل أكمل الدين ، وأجمعت الأمة على أن أهل الصدر الأول أكمل الناس إيماناً وإسلاماً ، فالمقيمون لتلك الحفلات وإن قصدوا بها تعظيمه صلى الله عليه وسلم فهم مخالفون لهديه ، مخطئون في ذلك ، إذ ليس من تعظيمه أن تبتدع في دينه بزيادة أو نقص أو تغيير أو تبديل ، وحسن النية وصحة القصد لا يبيحان الابتداع في الدين ، فإن جلّ ما أحدثه من كان قبلنا من التغيير في دينهم عن حسن نية وقصد ، وما زالوا يزيدون وينقصون بقصد التعظيم وحسن النية ، حتى صارت أديانهم خلاف ما جاءتهم به رسلهم والله أعلم |
رسالة " حكم الاحتفال بالمولد النبوي..الشيخ الفوزان .. حفظه الله
فضيلة الشيخ صالح بن فوزان الفوزان
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين، وبعد : فلا يخفى ما ورد في الكتاب والسنة مــن الأمـــر باتباع ما شرعه الله ورسوله، والنهي عن الابتداع في الدين، قال - تعالى - :(( قُلْ إن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ ويَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ)) [آل عمران : 31]، وقال - تعالـى - : ((اتَّـبـِعُوا مَا أُنزِلَ إلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ ولا تَتَّبِعُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ)) [الأعراف : 3]،، وقــال - تعالى - :(( وأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ ولا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ)) [ الأنعـام : 153]، وقال -صلى الله عليه وسلم- : إن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هـدي محمد، وشر الأمور محدثاتها، وقال -صلى الله عليه وسلم- : من أحدث في أمرنا هـــــذا ما ليس منه فهو رد(1)، وفي رواية لمسلم : من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد.. وإن مـــــن جملة ما أحدثه الناس من البدع المنكرة الاحتفال بذكرى المولد النبوي في شهر ربيع الأول؛ وهم في هذا الاحتفال على أنواع : فمنهم من يجـعـلـه مجرد اجتماع تقرأ فيه قصة المولد، أو تقدم فيه خطب وقصائد في هذه المناسبة. ومنهم من يصنع الطعام والحلوى وغير ذلك ويقدمه لمن حضر. ومنهم من يقيمه في المساجد، ومنهم من يقيمه في البيوت. ومـنـهــم من لا يقتصر على ما ذكر، فيجعل هذا الاجتماع مشتملاً على محرمات ومنكرات من اخـتلاط الرجال بالنساء والرقص والغناء، أو أعمال شركية كالاستغاثة بالرسول -صلى الله عـلـيــه وسلم- ونـدائـــه والاستنصار به على الأعداء وغير ذلك، وهو بجميع أنواعه واختلاف أشكاله واختلاف مـقـاصد فاعليه لا شك ولا ريب أنه بدعة محرمة محدثة بعد القرون المفضلة بأزمان طويلة؛ فأول من أحدثه الملك المظفر أبو سعيد كوكبوري ملك إربل في آخر القرن السادس أو أول الـقـــــرن السابع الهجري، كما ذكره المؤرخون كابن كثير وابن خلكان وغيرهما. وقال أبو شامة : وكان أول من فعل ذلك بالموصل الشيخ عمر بن محمد الملا أحد الصالحين المشهورين، وبه اقتدى في ذلك صاحب إربل وغيره. قـال الـحـافــظ ابن كثير في البداية (2) في ترجمة أبي سعيد كوكبوري : وكان يعمل المولد الشريف في ربيع الأول ويحتفل به احتفالاً هائلاً... إلى أن قال : قال السبط : حكى بعض من حضر سـمـــــــاط المظفر في بعض الموالد أنه كان يمد في ذلك السماط خمسة آلاف رأس مشوي، وعـشــرة آلاف دجاجة، ومائة ألف زبدية، وثلاثين ألف صحن حلوى... إلى أن قال : ويعمل للصوفية سماعاً من الظهر إلى الفجر ويرقص بنفسه معهم ا. هـ. وقال ابن خلـكـــــان في وفيات الأعيان (3) : فإذا كان أول صفر زينوا تلك القباب بأنواع الزينة الفاخرة المتجملة، وقعد في كل قبة جوق من الأغاني، وجوق من أرباب الخيال ومن أصحاب الملاهي، ولم يـتـركــــوا طبقة من تلك الطبقات (طبقات القباب) حتى رتبوا فيها جوقاً. وتبطل معايش الناس في تلك المدة، وما يبقى لهم شغل إلا التفرج والدوران عليهم... إلى أن قال : فإذا كان قبل يوم المولد بيومين أخرج من الإبل والبقر والغنم شيئاً كثيراً زائداً عن الوصف وزفها بجميع ما عنده من الطبول والأغاني والملاهي، حتى يأتي بها إلى الميدان... إلى أن قال : فإذا كانت ليلة المولد عمل السماعات بعد أن يصلي المغرب في القلعة. ا. هـ. فهــذا مبدأ حدوث الاحتفال بمناسبة ذكرى المولد، حدث متأخراً ومقترناً باللهو والسرف وإضاعة الأموال والأوقات، وراء بدعة ما أنزل الله بها من سلطان. والـــذي يليق بالمسلم إنما هو إحياء السنن وإماتة البدع، وأن لا يقدم على عمل حتى يعلم حكم الله فيه. هذا ؛ وقد يتعلق من يرى إحياء هذه البدعة بشبه أوهى من بيت العنكبوت، ويمكن حصر هذه الشبه فيما يلي : 1- دعواهم أن في ذلك تعظيماً للنبي -صلى الله عليه وسلم- . والجواب عن ذ لك أن نقول : إنما تعظيمه -صلى الله عليه وسلم- بطاعته وامتثال أمره واجـتـنــاب نهـيـــــه ومحبته -صلى الله عليه وسلم-، وليس تعظيمه بالبدع والخرافات والمعاصي، والاحتفال بذكـــــــرى المولد من هذا القبيل المذموم، لأنه معصية. وأشد الناس تعظيماً للنبي -صلى الله عليه وسلم- هم الصحابة - رضي الله عنهم -، كما قال عروة بن مسعود لقريش : يا قوم! والله لـقــــــد وفدت على كسرى وقيصر والملوك، فما رأيت ملكاً يعظمه أصحابه ما يعظم أصحاب محـمــد محمداً -صلى الله عليه وسلم-، والله ما يمدون النظر إليه تعظيماً له، ومع هذا التعظيم مـا جعلوا يوم مولده عيداً واحتفالاً، ولو كان ذلك مشروعاً ما تركوه. 2- الاحتجاج بأن هذا عمل كثير من الناس في كثير من البلدان. والجــواب عن ذلك أن نقول : الحجة بما ثبت عن الرسول -صلى الله عليه وسلم- . والثابت عــن الـرسـول -صلى الله عليه وسلم- النهي عن البدع عموماً، وهذا منها. وعمل الناس إذا خالف الدلـيـــل فـلـيــس بحجة، وإن كثروا :(( وإن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ)) [الأنعام : 116]، مع أنه لا يزال - بحمد الله - في كل عصر من ينكر هذه البدعة ويبين بطلانها، فـلا حجة بعمل من استمر على إحيائها بعد ما تبين له الحق. فممن أنكر الاحتفال بـهـــــذه المناسبة شيخ الإسلام ابن تيمية في " اقتضاء الصراط المستقيم "، والإمام الشاطبي في "الاعتصام"، وابن الحاج في "المدخل"، والشيخ تاج الدين علي بن عمر اللخمي ألف في إنكاره كتاباً مستقلاً، والشيخ محمد بشير السهسواني الهندي في كتابه "صيانة الإنسان"، والسيد محـمـــــد رشيد رضا ألف فيه رسالة مستقلة، والشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ ألف فيه رسالة مستقـلـة، وسماحة الشيخ عبد العزيز بن باز، وغير هؤلاء ممن لا يزالون يكتبون في إنكار هذه البدعــــة كــل سـنــة في صفحات الجرائد والمجلات، في الوقت الذي تقام فيه هذه البدعة. 3- يقولون : إن في إقامة المولد إحياء لذكر النبي -صلى الله عليه وسلم- . والجواب عن ذلك أن نقول : إحياء ذكر النبي -صلى الله عليه وسلـم- يكــون بما شرعه الله من ذكره في الأذان والإقامة والخطب والصلوات وفي التشهد والصلاة عليه وقراءة سنته واتباع ما جاء به، وهذا شيء مستمر يتكرر في اليوم والليلة دائماً، لا في السنة مرة. 4- قد يقولون : الاحتفال بذكرى المولد النبوي أحدثه ملك عادل عالم، قصد به التقرب إلى الله! والجواب عن ذلك أن نقول : البدعة لا تقبل من أي أحد كان، وحسن القصد لا يسوغ العمل السيء، وكونه عالماً وعادلاً لا يقتضي عصمته. 5- قولهم : إن إقامة المولد من قبيل البدعة الحسنة؛ لأنه ينبئ عن الشكر لله على وجود النبي الكريم! ويجاب عن ذلك بأن يقال : ليس في البدع شيء حسن، فقد قال -صلى الله عليه وسلم-: مــن أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد، ويقال أيضاً : لماذا تأخر القيام بهذا الشكر - على زعمكم - إلى آخر القرن السادس، فلم يقم به أفضل القرون من الصحابة والتابعين وأتباع التابعين، وهم أشد محبة للنبي -صلى الله عليه وسلم- وأحرص على فعل الخير والقيام بالشكر، فهل كان من أحدث بدعة المولد أهدى منهم وأعظم شكراً لله - عز وجل- ؟ حاشا وكلا. 6- قد يقولون : إن الاحتفال بذكرى مولده -صلى الله عليه وسلم- ينبئ عن محبته -صلى الله عليه وسلم- فهو مظهر من مظاهرها وإظهار محبته -صلى الله عليه وسلم- مشروع والجواب أن نقول : لا شك أن محبته -صلى الله عليه وسلم- واجبة على كل مسلم أعظم من محبة النفس والولد والوالد والناس أجمعين - بأبي هو وأمي صلوات الله وسلامه عليه -، ولكن ليس معنى ذلك أن نبتدع في ذلك شيئاً لم يشرعه لنا، بل محبته تقتضي طاعته واتباعه، فإن ذلك من أعظم مظاهر محبته، كما قيل : لو كان حبك صادقاً لأطعته إن المحب لمن يحب مطيع فمحبته -صلى الله عليه وسلم- تقتضي إحياء سنته والعض عليها بالنواجذ ومجانبة ما خالفها من الأقوال والأفعال، ولا شك أن كل ما خالف سنته فهو بدعة مذمومة ومعصية ظاهرة، ومن ذلك الاحتفال بذكرى مولده وغيره من البدع. وحسن النية لا يبيح الابتداع في الدين؛ فإن الدين مبني على أصلين : الإخلاص، والمتابعة، قال - تعالى - :(( بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وجْهَهُ لِلَّهِ وهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِندَ رَبِّهِ ولا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هُمْ يَحْزَنُونَ)) [البقرة : 112]، فإسلام الوجه هو الإخلاص لله، والإحسان هو المتابعة للرسول وإصابة السنة. وخلاصة القول : أن الاحتفال بذكرى المولد النبوي بأنواعه واختلاف أشكاله بدعة منكرة يجب على المسلمين منعها ومنع غيرها من البدع، والاشتغال بإحياء السنن والتمسك بها، ولا يغتر بمن يروج هذه البدعة ويدافع عنها، فإن هذا الصنف يكون اهتمامهم بإحياء البدع أكثر من اهتمامهم بإحياء السنن، بل ربما لا يهتمون بالسنن أصلاً، ومن كان هذا شأنه فلا يجوز تقليده والاقتداء به، وإن كان هذا الصنف هم أكثر الناس، وإنما يقتدي بمن سار على نهج السنة من السلف الصالح وأتباعهم وإن كانوا قليلاً، فالحق لا يعرف بالرجال، وإنما يعرف الرجال بالحق. قال -صلى الله عليه وسلم- : فإنه من يعش منكم فسيرى اختلافاً كثيراً، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، عضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل بدعة ضلالة(4)، فبين لنا -صلى الله عليه وسلم- في هذا الحديث الشريف بمن نقتدي عند الاختلاف، كما بين أن كل ما خالف السنة من الأقوال والأفعال فهو بدعة وكل بدعة ضلالة. وإذا عرضنا الاحتفال بالمولد النبوي لم نجد له أصلاً في سنة رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، ولا في سنة خلفائه الراشدين، إذاً فهو من محدثات الأمور ومن البدع المضلة، وهذا الأصل الذي تضمنه هذا الحديث قد دل عليه قوله تعالى: ((فَإن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إلَى اللَّهِ والرَّسُولِ إن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ والْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وأَحْسَنُ تَأْوِيلاً)) [النساء:59]. والرد إلى الله هو الرجوع إلى كتابه الكريم، والـــرد إلى الرسول -صلى الله عليه وسلم- هو الرجوع إلى سنته بعد وفاته، فالكتاب والسنة هـمــــا المرجع عند التنازع، فأين في الكتاب والسنة ما يدل على مشروعية الاحتفال بالمولد الـنـبــوي؟ فالواجب على من يفعل ذلك أو يستحسنه أن يتوب إلى الله - تعالى - منه ومن غيره من البدع؛ فهذا هو شأن المؤمن الذي ينشد الحق، وأما من عاند وكابر بعد قيام الحجة فإنما حسابه عند ربه. هذا؛ ونسأل الله - سبحانه وتعالى - أن يرزقنا التمسك بكتابه وسنة رسوله إلى يوم نلقاه، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وآله وصحبه. ======= الهوامش : (1) رواه البخاري، ح/2697، ومسلم، ح /1718. (2) البداية والنهاية، (13 /137).. (3) وفيات الأعيان، (3/ 274). (4) أحمد، ح /16692، والترمذي، ح /2676. |
شبهــــات وردود (بدعة المولد النبوي)
كيف، لا أدري، لماذا؟ ربمـا *** أنني يومـاً عرفـــت السببـــا
عالِم يدعو بدعــوى جاهــل *** وليوث الحرب ترجو الأرنبا الشبهة الأولى: أن إقامة مثل هذا المولد من قبيل البدعة الحسنة الجائزة في دين الإسلام. ويجاب عن هذه الشبة بأن يقال: ليس في دين الإسلام بدعة تسمى بدعة حسنة، فإنه صلى الله عليه وسلم كما في الحديث الذي مرّ بنا مراراً يقول: "وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة"، وزاد النسائي "وكل ضلالة في النار". وقد ذكر الشاطبي في كتابه "الاعتصام" (1/28) أن "ابن الماجشون" قال: سمعت مالكاً يقول: "من ابتدع في الإسلام بدعة يراها حسنة فقد زعم أن محمداً خان الرسالة؛ لأن الله يقول {اليوم أكملت لكم دينكم} فما لم يكن يومئذ ديناً فلا يكون اليوم ديناً". ثم إنه صلى الله عليه وسلم يقول في الحديث المتفق عليه: "من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد" وفي لفظ مسلم "من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد". فهل عمل بدعة الاحتفال بالمولد النبوي من دين الإسلام الذي ذكره الله أو رسوله صلى الله عليه وسلم لنا، وهل فعل هذه البدعة كان عليه أمر الرسول صلى الله عليه وسلم. وذكر الإمام ابن بطة في كتاب "الإبانة" (1/339) عن نافع عن ابن عمر رضي الله عنهما قوله: "كل بدعة ضلالة وإن رآها الناس حسنة" وذكره محمد بن نصر المروزي في كتاب السنة بسند صحيح. ورحمة الله على الإمام مالك الذي كان كثيراً ما ينشد: وخير أمور الدين ما كان سنة *** وشر الأمور المحدثات البــدع ذكره الشاطبي في كتابه "الاعتصام" (1/115). الشبهة الثانية: يستند بعضهم إلى ما ورد عن ابن مسعود رضي الله عنه أن قال: "ما رآه المسلمون حسناً فهو عند الله حسن، وما رآه المسلمون قبيحاً فهو عند الله قبيح"، ثم يقولون وكثير من المسلمين يستحسن فعل الاحتفال بذكرى مولد محمد صلى الله عليه وسلم. والجواب عن ذلك: 1ـ أن هذا الكلام المنسوب لابن مسعود رضي الله عنه إنما أراد أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم يرد كل من هب ودب من المسلمين والمنتسبين إلى الإسلام، وكلامه صريح في ذلك، وهذا لفظه عند الإمام أحمد رحمه الله تعالى: "إن الله نظر في قلوب العباد فوجد قلب محمد صلى الله عليه وسلم خير قلوب العباد فاصطفاه لنفسه فابتعثه برسالته، ثم نظر في قلوب العباد بعد قلب محمد فوجد قلوب أصحابه خير قلوب العباد فجعلهم وزراء نبيه يقاتلون على دينه، فما رأى المسلمون حسناً فهو عند الله حسن، وما رأوا سيئاً فهو عند الله سيئ". وهذا مثل ما رآه الصحابة حسن من العلم بالتاريخ والابتداء به بالهجرة، ومثل وضع ديوان العطاء زمن عمر بن الخطاب، ومثل جمع المصحف في عهد أبي بكر، وأما ما رأوه سيئاً مثل التحلق والاجتماع على عد التسبيح والتحميد والتكبير، وقد أنكر ذلك ابن مسعود وأبي موسى الأشعري، ومثل إنكار الصحابة لبدعة الخوارج، ومثل إنكار علي رضي الله عنه على الرافضة في غلوهم فيه وإنكار الصحابة معه. [الرد القوي على الرفاعي والمجهول وابن علوي لحمود التويجري (163ـ166)بتصرف]. 2ـ أن يقال إن أهل الإسلام يستقبحون البدع ويعتبرونها ضلالة، ومن ضمنها بدعة المولد النبوي. 3ـ أن هذا الكلام الوارد عن ابن مسعود المراد به ما أجمع عليه المسلمون ورأوه حسناً لا ما رآه بعضهم واستحسنه وقد ذكر هذا الجواب أربعة من أئمة العلم، وهم ابن القيم والشاطبي وابن قدامة وابن حزم. [القول الفصل، الأنصاري (2/591)]. ومن أراد التفصيل فليرجع إلى كتبهم أو إلى المرجع السابق ذكره فقد ذكر الشيخ إسماعيل جميع أقوالهم. الشبهة الثالثة: أن الاحتفال بالمولد يفعله الكثير من الناس بل يراه بعض المشايخ، ولو كان منكراً ما فعله هؤلاء. والجواب عن هذه الشبهة: 1ـ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لا تجتمع أمتي على ضلالة"، رواه أهل السنن إلا النسائي وهو حسن لغيره. (سلسلة الأحاديث الصحيحة، رقم 1331). 2ـ ذكر العلامة محمد ابن إبراهيم ـ رحمه الله ـ عن الإمام الشاطبي في كتاب "الاعتصام" أنه قال نقلاً عن بعض مشايخه: "إن الاحتجاج على تحسين البدع بهذه الدعوى ليس بشيء في أمر تركته القرون الثلاثة المقتدى بهم"، ثم قال الإمام الشاطبي ـ رحمه الله ـ "ولما كانت البدع والمخالفات وتواطأ الناس عليها صار الجاهل يقول: "ولو كان هذا منكراً لما فعله الناس"، ثم قال ما ذكره ابن تيمية في اقتضاء الصراط المستقيم: "من اعتقد أن أكثر هذه العادات المخالفة للسنن مجمع عليها بناء على أن الأمة أقرتها ولم تنكرها فهو مخطئ في هذا الاعتقاد، فإنه لم يزل ولا يزال في كل وقت من ينهى عن عامة العادات المستحدثة المخالفة للسنة..". [رسائل في حكم الاحتفال بالمولد، رسالة الشيخ محمد ابن إبراهيم]. 3ـ أن فعل الكثير من الناس لأي شيء لا يدل على أنه حق بل إن الله ذم الكثرة في القرآن فقال {وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله} [الأنعام: 116]، وقال {وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين} [يوسف: 103]، وقال {وإن كثيراً ليضلون بأهوائهم بغير علم} [الأنعام: 119]، وقال تعالى {وإن كثيراً من الخلفاء ليبغي بعضهم على بعض إلا الذين آمنوا أو قليل ما هم} [ص: 24]. 4ـ ويرد على من قال إن بعض المشايخ يقول بجوازه بل يفعله، بأن رسول الهدى يقول: "وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار"، ووالله إن قول رسول الله أحب إلينا من قول أمة كلها، وقد قال أبو بكر بن أبي داود: ودع عنك آراء الرجال وقولهم *** فقول رسول الله أزكى وأشرح ويقال لمن استدل بقول شيوخه، أيهما أحب إليك قول رسول الهدى صلى الله عليه وسلم أم قول مشايخك؟ فإن قال بل قوله عليه الصلاة والسلام أحبُّ إليّ، فيقال له: إن الله عز وجل يقول {قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم}، وقد ذكر ابن تيمية في كتاب العبودية قول الحسن البصري: "ادعى قوم محبة الله ورسوله فأنزل الله عليهم آية الممتحنة {قل إن كنتم تحبون الله..}، فامتحنهم الله بهذه الآية. وقد قال الإمام الشافعي: "أجمع المسلمون على أن من استبانت له سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن له أن يدعها لقول أحد من الناس. [الرسالة (104)]. إن قال إن قول شيخي أحب إلي من قول رسول الهدى صلى الله عليه وسلم، فإني أبشره بآية عظيمة {ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيراً}. [النساء: 115]. وقد قال ابن تيمية: "ومن نصب شخصاً كائناً من كان فوالى وعادى على موافقته في القول والفعل فهو من الذين فرقوا بدينهم وكانوا شيعاً". [الفتاوى (2/239ـ240)]. الشبهة الرابعة: دعوى بعضهم أن من لم يحتفل بمولده صلى الله عليه وسلم فإنه يكره الرسول صلى الله عليه وسلم ولا يحبه ولا يعظمه. والجواب عن هذه الشبهة أن يقال: 1ـ بل إنكم أنتم يا من تدعون محبة الرسول صلى الله عليه وسلم لا تعظموه ولا توقروا شرعه، والدليل على ذلك أنكم لا تقرؤون في الشمائل المحمدية ولا تكثرون الصلاة عليه ولا تتذكرونه إلا في هذا اليوم المبتدع. 2ـ ويقال كذلك أنتم الذين تنقصتم محمداً صلى الله عليه وسلم، ورميتموه بالتقصير فقد قال صلى الله عليه وسلم: "ما بعث الله من نبي إلا كان حقاً عليه أن يدل أمته على خير ما يعلمه لهم وينهاهم عن شر ما يعلمه لهم" (أخرجه مسلم من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص (1844) في كتاب الإمارة). وقد نهانا محمد صلى الله عليه وسلم وحذرنا عن البدع كلها، فقال: "وكل بدعة ضلالة". قال ابن القيم في "إغاثة اللهفان" (1/102): "وكما أنك لا تجد مبتدعاً إلا وهو متنقص للرسول صلى الله عليه وسلم، وإن زعم أنه معظم له بتلك البدعة فإن يزعم أنها خير من السنة وأولى بالصواب، أو يزعم أنها هي السنة إن كان جاهلاً مقلداً، وإن كان مستبصراً في بدعته فهو مشاق لله ورسوله". وإني أبشر السني بكلام عظيم لابن القيم قاله كذلك في إغاثة اللفهان (1/111) "وهذا المبتدع إنما ينقم على السني تجريده متابعة الرسول صلى الله عليه وسلم وأنه لم يشبها بآراء الرجال ولا بشيء مما خالفها. فصبر الموحد المتبع للرسل على ما ينقمه عليه أهل الشرك والبدعة خير له وأنفع، وأسهل عليه من صده على ما ينقمه الله ورسوله عليه من موافقة أهل الشرك والبدعة. إذا لم يكن بد من الصبــر، فاصطبر *** على الحق، ذاك الصبر تحمد عقباه وأختم بما ذكره أبو داود في سننه عن حذيفة رضي الله عنه قال: " كل عبادة لا يتعبدها أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم فلا تعبدوها، فإن الأول لم يترك للآخر مقال". وقد أخرج عبد الرزاق في مصنفه (20750) واللفظ له، وأخرجه كذلك أبو داود (4611) من حديث معاذ بن جبل رضي الله عنه قال: "فيوشك قائل أن يقول: ما هم بمتبعي فيتبعوني وقد قرأت القرآن؟! ثم يقول: ما هم بمتبعي حتى أبتدع لهم غيره! فإياكم وما ابتدع، فإن ما ابتدع ضلالة..". هذا وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى أهل بيته الطيبين الطاهرين |
| الساعة الآن 12:39 PM. |
Powered by vBulletin
قوانين المنتدى