![]() |
طرفة في معرض الكتاب
طرفة في معرض الكتاب.. كانت الكتب القيّمة في الثمانينيات رخيصة الثمن لكنّها نادرة الوجود..وكنّا نبحث عنها بجهد جهيد حتى إذا ظفرنا بها كأنّما بلّت الشفاه من صدى وشبعت البطون من مسغبة... سمعت يوما أنّه أقيم معرض للكتاب في قاعة الاجتماعات بحمّام الصالحين، فخففت نحوه مهرولا بل طرت مشتاقا ومتلهفا، فلمّا وصلت انفتحت أمامي مغارة كنوز علي بابا الخفيّة ورحت أطوف بين نفائس الكتب كالنّحلة تنتقي من الأزهار عذب الرحيق وصافي الرضاب، وجمعت من الكتب كلّ ما استطعت حمله وجيبي احتماله.. وبينا أنا أطوف هنا وهناك مستزيدا ومنقبا إذ بي ألمح عن بعد، كتاب الصّناعتين لأبي هلال العسكري..كان مجلّدا جميلا مرميّا على الأرض كاليتيم أو كالطفل الفرد وحيد أبويه، ليس له إخوة .. فخففت نحوه وحال بيني وبينه حاجز من طاولة خشبيّة كبيرة، فقلت للواقف على المعرض يحرسه ولمال الكتب يحصله – وأنا أخشى أن يطلبه غيره فيحرمني منه ولطالما تشوقت للقائه – ناولني كتاب الصّناعتين( ونطقتها بكسر الصّاد كما ينبغي ) من فضلك هناك هو على الأرض ملقى.. فقال متفيهقا وقد رأى كسرة الصّاد تحت الشدّة: -تقصد كتاب الصّناعتين ( ونطقها بفتح الصّاد )..؟ فقلت: - كتاب ( الصّناعتين ).. وتعمّدت الضغط على كسر الصّاد لعلّه ينتبه أو يفطن، فلم يبال وقال مرّة أخرى: -الصناعتين ( بفتح الصّاد ).. فقلت وكاد عقلي يطيش لهفة للفوز بالكتاب قبل أن تناله يد غيري: -هاته فقط ..هاته بارك الله فيك .. كان الموقف لا يحتمل عندي أن أدخل في جدل مع رجل يبدو أنّه نصف أمّي، وحقيقة كان مثقفو بسكرة يختطفون الكتب القيّمة كما يختطف الفارس عروسه ويطير بها على جواد من أحلام ورديّة.. كان كتاب ( الصناعتين ) بالنسبة لي بغية طالما بحثت عنها، وها قد واتت الفرصة للحصول عليها بثمن زهيد، وكان الذي عرّفني بهذا الكتاب القيّم – صراحة – هوامش الكتب الأخرى.. وما أدراك ما هو هوامش الكتب..كلّ مثقف جادّ محبّ للمعرفة حريص على تحصيل العلم التحصيل الوافي والشامل لا يفرط أبدا في هوامش الكتب، وفي هذا المقام تصدق مقولة: " يوجد في النهر ما لا يوجد في البحر.." وقد ذكرت من قبل أنّ كتاب ( رسالة الغفران ) الذي لا يتجاوز مئة صفحة ، جعلته هوامش بنت الشاطئ ( عائشة عبد الرحمن ) في ما يزيد عن خمسمائة صفحة من القطع الكبير، وكانت تلك الهوامش – عندي – أكثر فائدة وأفضل نفعا من رسالة الغفران نفسها.. وكنت كلما قرأت دراسة أدبيّة أو طالعت فصلا من كتاب لغويّ أو نقديّ إلا ويذكر كتاب الصّناعتين – بكسر الصّاد وليس بفتحها – لأبي هلال العسكري..يتناول فيه صناعة النثر وصناعة الشعر ..وكلّه حديث عن البلاغة وفنونها وجمال الكلام وحسن سبكه وما يحسن منه وما يترك، في حكمة نادرة وعبارة سلسلة كأنّه يكتب لجيلنا المعاصر بأسلوب قريش وألفاظ هذيل.. وقد ضاع منّي الكتاب أو بعته فيما بعته من نوادر مكتبتي ذات يوم جنون، وفورة يأس قانط أو قنوط يائس كما يقول طه حسين.. ولذلك قصّة أخرى لها يومها إن شاء الله.. |
رد: طرفة في معرض الكتاب
بارك الله فيك ..فعلا عشق الكتاب المتميز عشق له أسراره الخفية لا يدركها إلا أمثالك |
رد: طرفة في معرض الكتاب
السلام عليكم شكرا على الموضوع الجميل لكل كتاب حكاية نتطلع لجديدكم معنا |
رد: طرفة في معرض الكتاب
بارك الله فيك ..........خير جليس في الانام كتاب
|
| الساعة الآن 07:46 AM. |
Powered by vBulletin
قوانين المنتدى