![]() |
الجماعات الضاغطة والرأي العام
الرأي العام و الجماعات الضاغطة : تمثل دراسات الرأي العام في الوقت الحالي موضوعا هاما في الأنظمة السياسية المعاصرة . فالرأي العام هو رأي جماهير بكافة فئاته و طبقاته و التي تعد عنصرا أساسيا من عناصر تكوين الدولة . و لا يخفي على احد الدور الهام الذي يلعبه الرأي العام في صياغة سياسة الحكومة و التأثير في اتجاهاتها . ومن تم تحاول الدول المختلفة التعرف على اتجاهاته عن طريق أجهزتها الحكومية و أحزابها . و أيضا بواسطة مراكز البحث في جامعاتها أو مراكز قياس الرأي العام و غير ذلك من الأجهزة المختلة . وتحاول الأنظمة الحكومية دائما الحصول على تأييد الرأي العام حتى يكون دعما لها في شرعيتها ، وبدون هذا التأييد يفقد النظام شرعيته و يحكم عليه بالعزلة التي تكون سببا في انهياره و اختفائه مهما استعان بوسائل القهر و الجبر لفرض وجدوه خلال أي فترة من الزمن . و الرأي العام قد يكون دوليا بحيث يشمل رأي جماهير دول متعددة في بعض المشاكل العالمية مثل مشكلة الحرب و السلام و حقوق الإنسان ، وفد يكون داخليا داخل نطاق دولة معينة و يهتم بمصالحها. عوامل الاهتمام بدراسة الرأي العام : توجد مجموعة من العوامل التي أدت إلى زيادة الاهتمام بدراسة الرأي العام منها : نمو و انتشار التعليم . تطور وسائل الإعلام و الاتصال. ازدياد الرغبة في الحصول على تأييد الرأي العام . زيادة ارتباط الرأي العام بالسياسة الخارجية، خاصة في أوقات الأزمات و الحروب. تقسيمات الرأي العام : هناك تقسيمات كثيرة للرأي العام ، فيذهب بعض الباحثين إلى تقسيمه من حيث : حسب ارتباطه بالاتجاهات و إثارتها أو عدم إثارتها : و يشمل هذا التقسيم الرأي العام الفعلي و الرأي العام الكامن . و الرأي العام الفعلي هو أن تثار قضية و أن يكون هناك رد فعل من الرأي العام تجاه هذه القضية . أما الرأي العام الكامن فيعني وجود رأي عام لم يتبلور بعد تجاه قضية معينة . حسب مدى إستمراريته : و يقسم في هذا المجال إلى ثلاثة أنواع : أ- الرأي العام الدائم : و هو الذي يرتكز على قاعدة تاريخية و ثقافية و دينية و يشترك فيه كل أفراد الجماعة ، ويمتاز بالثبات و الاستقرار على مدى الأجيال ، ولا تؤثر فيه الحوادث الجارية أو الظروف الطارئة إلا ناذرا . ب- الرأي العام المؤقت : و تمثله الأحزاب السياسية و الهيئات ذات الأهداف و البرامج المحددة و ينتهي هذا النوع بانتهاء تلك الأحزاب أو الهيئات. ت- الرأي العام اليومي : و يمثل الفكرة اليومية التي يعتنقها معظم أفراد الجماعة نتيجة لحادث مفاجئ أو كارثة حلت بالجماعة أو حدث سياسي خطير . و هذا النوع من الرأي العام يتغير من لأخر و تغذية بشكل خاص الأحداث السياسية الجارية و المناقشات البرلمانية و الأعمال الحكومية . حسب نشاطه و مشاركته في السياسة العامة : و يقسم في هذا المجال إلى رأي عام ايجابي و رأي عام سلبي . و يمثل هذا الأخير جانب كبير من الجمهور ، وهو الجانب الذي لا يكون لرأيه أهمية خاصة في السياسة العامة ، إذ يقتصر دوره على الإدلاء بصوته في الانتخابات العامة كما يتلقى وجهات النظر المتعلقة بالأمور العامة دون أن يساهم في إيجادها آو السعي إليها . أما الرأي العام الإيجابي فهو ذالك النوع من الناس الذي يشغل نفسه بالقضايا العامة و يرى في نفسه الطموح و المقدرة و القيادة . و هؤلاء الأفراد يشعرون بأن لهم رأيا في الأحداث العامة الجارية ولهم فكر معين يصدرون بناءًَََ عليه أرائهم كما أن لديهم دافع اكبر نحو الوصول بالجماعة إلى هدف معين . حساب مدى تأثره بوسائل الدعاية : و يتمثل في الصور التالية : الرأي العام القائد : و يمثل قادة الرأي في الأمة ، و هم مجموعة تستطيع فهم حقائق الأمور و تفسيرها للناس ، لا تتأثر هذه المجموعة بوسائل الإعلام المختلفة بل هي التي تأثر في تلك الوسائل بآرائها و أفكارها . الرأي العام المثقف : و هي جماعة في مركز وسط بين قادة الرأي العام و الأكثرية الساحقة التي تصدق كل ما تذكره وسائل الإعلام . فالرأي العام المثقف يتأثر بوسائل الإعلام و قد يؤثر فيها بقدر محدود. وتتفاوت نسبة هذا النوع من الرأي العام في كل أمة تبعا لدرجة حضارتها . الرأي العام التابع : و يمثل غالبية الناس في معظم الدول وهذا النوع من الرأي لا يهتم بالمسائل العامة إلا عند دعوته للانتخاب . ويصدق كل ما يقال في وسائل الإعلام المختلفة، و يتأثر بكل ما ينشر دون أن يحاول من جانبه تفسير أو تعليل الأحداث. الرأي العام الوطني : يختلف الدور الذي يقوم به الرأي العام في وضع السياسة العامة و توجيهها باختلاف النظم السياسي القائم و ما إذا كان ديمقراطيا أو استبداديا . ففي النظم الديمقراطية تقوم السلطة السياسية على وجود مجموعة من الهيئات النيابية التي ترتكز علة حكم الأغلبية و على حق المعارضة السياسية . كما يتم في ظل المفاوضات الديمقراطية بمساهمة الأحزاب السياسية في المفاوضات الدبلوماسية الهامة ، و على الأخص المحادثات التي تمثل مصلحة هامة للدولة . حيث تهتم الحكومة بالاستفادة من مساندة الرأي العام في مجموعة و ذلك عن طريق مساهمة ممثليه المفاوضات و المناقشات حول المسائل التي تمسه أو تشغل باله . كما تحاول الحكومات معرفة اتجاهات الرأي العام عن طريق الأحزاب السياسية و المؤسسات الصحافية لأنها تكون في النهاية مسئولة أمامها . و قد تلجأ إلى الاستسقاء الشعبي عند اتخاذ القرارات السياسية الهامة. و يعتبر الرأي العام في النظم الديمقراطية مصدرا للدساتير و القوانين التي تعبر عن مصالحه و حاجاته و بالتالي يمكن أن يطالب بتعديلها أو إلغائها . يضاف إلى ذلك أن الديمقراطية تتحقق دائما بوجود رأي عام واع يحرص على التمسك بالدستور و ضمانات الحرية . أما في النظام الاستبدادي فإن حرية غير موجودة على الإطلاق و إذا وجدت فإنها تكون محدودة جدا . ومع ذلك فغن الحرية لا تعني أبدا حرية الأخبار أو الأنباء ، فالحكومة تمارس رقابة شديد على وسائل الإعلام الوطنية المختلفة. وإذا كانت هذه الرقابة لا تحول دون معرفة الأخبار مع التطور التكنولوجي في هذا المجال . وتهتم تلك الأنظمة بصفة طبيعية بتنظيم تدعيم الرأي العام الوطني حيث يقوم بدور هام في السياسية الخارجية سواء كان هذا الدور ايجابي أو سلبي . وتعتمد كذلك على مساندته في المشروعات السياسية الوطنية الهامة . و تحاول دائما استقطابه بقصد تحويل اتجاهاته و صرف اهتمامه عن المطالبة بتطبيق النظام الديمقراطي باستخدام الشعارات المضللة و المبادئ الرنانة . و في كثير من الأحيان تحاول تلك الأنظمة التي لا تتمتع بتأييد الرأي العام الوطني إيهامه بوجود خطر خارجي يهدد وحدة الأمة و سلامتها و استقلالها مما يستدعي تناسي الخلافات الوطنية و التضحية و التوحد لمواجهة ذالك الخطر . وبهذه الطريقة تستطيع صرف أنظار الرأي العام المنتقد لسياستها. و لا تسمح تلك الأنظمة بتشكيل تنظيمات سياسية أو وسائل الرأي العام إلا في الحالات التي ترضى عنها و تخدم أغراضها و تكون تحت تصرفها . و يقتصر دور المواطنين على ما تحدده لهم الطبقة الحاكمة. و خلاصة ما تقدم هي أن الرأي العام في الأنظمة الديمقراطية هو مصدر القوانين ، أما في الأنظمة الاستبدادية فإنها تفرض عليه القوانين التي تراها ملائمة له و التي تضمن لهذه السلطة البقاء و الاستمرار. الرأي العام العالمي : و هو الرأي الذي يتخطى الحدود الوطنية ليوحد بين الأفراد في الدول المختلفة في شبه اتفاق عام حول بعض القضايا الأساسية. و نظرا لأن الرأي العام العالمي لا يمتلك أدوات التعبير عن اتجاهاته مثل الأحزاب السياسية أو الصحافة ، فإنه يعبر عن نفسه على شكل رد فعل تلقائي عالمي ، دون اعتبار للارتباطات الوطنية. و يتجه الرأي العام العالمي إلى إيجاد اتفاق عام بين الأفراد من مختلف الأمم حول بعض القضايا الدولية و التعاون الدولي و التقدم الاقتصادي و الاجتماعي و رفع مستوى المعيشة لكل الشعوب مهما كان مستوى تطورها أو موقعها الجغرافي . و يترتب على دلك أن الرأي العام العالمي يمارس تأثيرا هاما ، و يعمل لصالح المشروعات التي تلاءم مصلحة كل شعب ، و في نفس الوقت تلاءم المصلحة العامة للإنسانية . شروط تحقق الرأي العام العالمي : توافر البيانات و المعلومات الأساسية عن السياسة الدولية لجميع الناس أو غالبيتهم و أن يكونوا مهتمين بالسياسة الدولية . إمكانية التأكد من مضمون الرأي العام العالمي و التمييز بينه و بين أراء الأقلية التي يمكن لها أن تؤثر في اتجاهات الرأي و دفعه نحو وجهة معينة . أن يعبر هذا الرأي عن شبه اتفاق حول القضايا الحيوية و أن تتخطى الأمم اختلافاتها عندما توجه المواقف الواضحة التي تثير ردود فعل واحدة و متماثلة عندهم جميعا . أن يكون للرأي العام العالمي في السياسة الخارجية نفس قوة التأثير التي يمارسها الرأي العام الوطني في السياسة الداخلية . إذا توفرت هذه الشروط فإنه يمكن أن يتحقق رأي عام عالمي يستطيع أن يساهم بدوره في تحقيق التقدم في مختلف المجالات التي تهم الإنسانية جمعاء. الجماعات الضاغطة : تضم الجماعات الضاغطة فئات من الشعب لها مصالح متقاربة تدافع عنها و تحل مشاكلها لجماعات و كأفراد . فالجماعات الضاغطة تضم مجموعة من الأفراد تجمعهم صفات متعددة و تربطهم مصالح معينة ، و لكنهم لا يهدفون إلى تحقيق ربح تجاري . و هذه الجمعيات قد تكون دينية أو اجتماعية كجمعيات حقوق الإنسان و حماية الطفولة و الأمومة ، و قد تكون سياسية . و تسعى هذه الجماعات إلى الضغط على السلطة التشريعية أو السلطة التنفيذية في سبيل تحقيق أغراضها . و ترجع هذه التسمية إلى تأثير تلك الجماعات أو الضغط الذي تمارسه على الرأي العام و على السياسة العامة. و تمارس بعض هذه الجماعات ضغطها بصفة مستمرة بينما يمارس البعض الآخر بصورة متقطعة أو حسب ظروف معينة . أنواع الجماعات الضاغطة: يمكن التمييز بين نوعين رئيسين : أ- جماعات المصالح : و هي التي تضم جماعات تدافع عن مصالحهم رغم اختلاف سياستهم و مواقفهم الحزبية و تشمل جماعات الغرف التجارية و أصحاب الأعمال و اتحادات العمال و الزراعة و الدين و الجماعات التي تسيطر على وسائل التمويل أو التأمين أو البنوك .و يدخل ضمن هذه الجماعات الشركات الكبرى و النقابات المهنية الطبية و الهندسية و المحامين و المعلمين... ب- جماعات الأفكار : و هم الذين يشكلون جماعة للدفاع عن أفكار أو مبادئ معنية مثل جماعة المحافظة على البيئة أو تحريم الخمور.... وظائف جماعات الضغط : يختلف التأثير الذي تمارسه جماعات الضغط من بلد لآخر ، و مع ذلك يتمتع الأفراد الذين يضمهم تنظيم معين ببعض المزايا ، و تحقيق الأهداف و المصلح التي يسعى إليها هذا التنظيم فيلا مواجهة جماعات آخري يمكن أن تهدج هذه المصالح أو وجود هذه الجماعة . و يعتمد وجود هذه الجماعات على طبيعة النظام السياسي و الدستوري في كل بلد ، كما يعتمد تأثير هذه الجماعات على مواردها المالية و عدد أعضاءها و صلتها بالسلطات الحكومية و تعتبر هذه الجماعات حلقة الوصل بين الحكومات و المواطنين فتقوم بمساعدة الحكومات في تحقيق وظائفها و في نفس الوقت تعبر عن مصالح المواطنين و تعمل على تحقيق رغباتهم و احتياجاتهم . و تؤدي الجماعات الضاغطة وظائف متعددة حيث تقوم بالدفاع عن مصالح أعضاءها حتى و لو ترتب الأمر على ذلك محاولتها القضاء على جماعات أخرى على جماعات أخرى . و قد يتعدى نشاطها المجال الوطني للدفاع عن مصالح دولة أخرى . كما تقدم هذه الجماعات للحكومة أو الأحزاب السياسية استشارات في بعض المسائل الفنية. أساليب عمل الجماعات الضاغطة : تتبع الجماعات الضاغطة أربعة أساليب في تحقيق أهدافها 1- التنظيم: يقتضي دلك قيام الجماعة بإنشاء مكاتب متعددة تضم الأعضاء و تعمل على تحقيق الترابط و التفاهم بينهم لكسب ولائهم و تأييدهم. 2- المناقشة : تحاول الجماعات الضاغطة التأثير على الأفكار الجماهير عن طريق المناقشة لتبرير أعمالها و شرح أهدافها . وقد تستعين في ذلك بإصدار الكتب و النشرات و التقرير التي تدعم وجهة نظرها . 3- الاستمالة : تقترن عملية المناقشة عادة بعملية الاستمالة و الإقناع . ومن الصعب وضع معيار للتفرقة بين الوسيلتين ن و تتمثل الاستمالة في عوامل المؤثرات العاطفية مثل الخوف و الكراهية و الحب و الأمل و غيرها من العوامل العاطفية و المؤثرات التي تترجم إلى أصوات انتخابية أو أي عمل أخر يتفق و أهداف الجماعة . 4- النشر و الترويج : و يتحقق ذلك عن طريق استخدام وسائل الإعلام المختلفة . الانتقادات الموجهة لجماعات الضغط : على الرغم من الخدمات التي تقوم بها جماعات الضغط لأعضائها و مساعدة الحكومات في تحيق وظائفها إلا انه يمكن توجيه الانتقادات التالية إليها : 1- لا تقوم الجماعات الضاغطة على أساس ديمقراطي حيث سيطير قائد الجماعي على أعمالها و قراراتها . 2- تستخدم الجماعات الضاغطة وسائل غير مقبولة لتحقيق أغراضها مثل الخديعة أو الكذب أو الرشوة وقد تلجأ إلى وسائل الكراهية و التشكيك أو وسائل الضعف . 3- تعتبر مصالحها الخاصة هي مصالح وطنية و تحاول تقسيم طوائف الأمة إلى فئات متصارعة ، كما أن وسائل الضغط التي تمارسها على كبار موظفي الدولة تجعلهم غير قادرين على القيام بأعمالهم بأمانة و كفاءة . و للتخفيف من الانتقادات الموجهة إليها فقد اقترح البعض عدة توصيات لإيجاد توازن بين نشاط الجماعات الضاغطة و بين الصالح العام من ذلك : - العمل على إصدار التشريعات و القوانين التي تحرم استخدام الرشوة و التشهير و القذف . - السماح لكافة الفئات بالتعبير عن مطالبها و وجهة نظرها مما يضعف من تأثير هذه الجماعات و عدم تأثر الحكومات بالضغوط التي تمارسها عليها . - توعية الرأي العام بمصالحة و محاولة تعرف على أرائه و رغباته كإجراء مضاد لدفاع جماعات الضاغطة عن مصالحها الخاصة . - مساهم الجماعات الضاغطة في النشاط الحكومي عن طريق تمثيل المهن و الجماعات و المجالس النيابية بدلا من تمثيل الشعب على أساس جغرافي فقط . |
| الساعة الآن 02:44 AM. |
Powered by vBulletin
قوانين المنتدى