![]() |
ذكرى 8 ماي تطل علينا بالعديد من المعاني.
فيما كانت فرنسا وحلفاؤها يحتفلون بانتصارهم على قوات النازية يوم الثامن ماي 1945م، كانت مدن الشرق الجزائري تشيع جثمان الألاف من أبنائها، وتجلي الآلاف من الجرحى من ضحايا المجزرة المروعة التي ارتكبتها القوات الفرنسية في سطيف وخراطة، وقالمة، والقرى المجاورة، مجزرة قال عنها، المؤرخ " بنجمين ستورا Benjamin Stora " : لقد ارتكبت فرنسا مجازر سطيف في أسوأ لحظاتها السياسية، كانت بحاجة الى غسل وجهها من عار حكومة "فيشي" لكي لا تشوه فرحة احتفالها بانتظار مقاومتها وبانتصار حلفائها في هزيمة المانيا النازية، فإذا بها ترتكب في الجزائر ما هو أبشع " . أن ذكرى 8 ماي التي تطل علينا كل سنة تحمل العديد من المعاني حول معاناة الشعب الجزائري من ظلم الاستدمارالفرنسي طيلة 132 سنة، والذكرى تجلية لحجم التضحيات الكبيرة التي قدمت على مذبح الحرية و الاستقلال... ولعل التاريخ يثبت أن هذا التاريخ تحديدا هو النقطة التي أفاضت الكأس إذ أكدت أن الاستعمار الفرنسي لا يفهم لغة الحوار وما وعوده وشعاراته وقوانينه من قانون كريميو 1870 الى عهد ساركوزي وقانون تمجيد الاستعمار (23فيفري 2005م)،وشطحات خليفته هولاند علي حدودنا الجنوبية هذه الأيام إلا محطات لمناورات الاستعمار الفرنسي القديم الجديد،ومخططاته اليهودية الهادفة إلى إلغاء الوجود المادي والمعنوي للشعب الجزائري، ودليل استماتة فرنسا (الاستعمارية) في عدم التخلي عن مستوطنتها الكبرى الجزائر، (التي ما تزال تعتبرها مفتاح إفريقيا الفرانكفونية حتى بعد أن تحطمت مخططاتها العسكرية على صخرة الجهاد و إرادة المجاهدين، ما يزال الغلاة يحلمون أن يكون هذا البلد تابعًا لفرنسا ) وقد طفت في بداية العقد الأخير على الساحة الإعلامية الوطنية والدولية، قضية الجرائم النووية الفرنسية في الجزائر، وما تبعها من تشنجات سابقة واكبت تصريحات الجنرال بول أوساريس، وحرص فرنسا على تمزيق ملف تجاربها النووية وحجب آثارها والتملص من فعلتها الإرادية بحجب الأرشيف الخاص بالنووي الذي وصمته بنوع من السرية الدائمة، واتجهت بقوا نبنها لحجب ملفات الحالة المدنية للمناطق المتضررة ،والغريب في الأمر أن السذج في الجزائر ينتظرون من فرنسا التي تمجد زمن استعبادها للشعوب والتي أحرقت 8 آلاف قرية جزائرية بأهلها وحيواناتها وطبيعتها إبان استعمارها للجزائر وارتكبت مجزرة 8ماي 1945م،موقعة فيها أكثر من 45 ألف جزائري بين شهيد وجريح...أن تعتذر، وكان على الجزائر أن تقوم بعملية جرد وتشخيص لهذه الآثار، وكان على ساستها خاصة ان يفحصوا هذه الآثار والوقوف عن دواعي وخلفياتها ومخلفاتها. لقد خلف الاستعمار الفرنسي وضعا مفارقا لذلك الوضع الذي وجده إبان احتلاله للبلاد، حيث وجدت الجزائر نفسها في حالة اجتماعية وثقافية ورمزية تتسم بكل مخالفات هذا الاستعمار على جميع الأصعدة. والحديث عن مخلفات الاستعمار تقودنا الى القول أن المشروع الاستعماري الفرنسي أحدث جروحًا عميقة في بناء المجتمع الجزائري، حيث عملت فرنسا على إيقاف النمو الحضاري والمجتمعي للجزائر مائة واثنتين وثلاثين سنة وحاولت طمس هوية الجزائريين الوطنية، وتصفية الأسس المادية والمعنوية التي يقوم عليها هذا المجتمع بضرب وحدته الجماهيرية والأسرية، وإتباع سياسة تبشيرية تهدف إلى القضاء على دينه ومعتقده الإسلامي. إن المشروع الفرنسي في الجزائر لا ينطوي على الفكر الاستعماري فحسب بل هو الفكر الاستعماري بكل ما تحمله العبارة من معنى:( من استغلال وطمس للشخصية وسلب ونهب وخراب ودمار وقتل ..). قال أحمد الشقيري، المناضل السياسي العربي وخطيب العرب خلال انعقاد الجمعية العامة للأمم المتحدة في أكتوبر سنة 1957م: "..لقد كان من حقنا أن نطالب بدرس القضية الجزائرية في مطلع الدورة، ولكن تقاليد الفروسية والشهامة قد منعتنا عن ذلك..إذ لم يكن في فرنسا حكومة، ونحن لا نريد أن نتعرض لفرنسا في غيابها.. وإذا كانت فرنسا تخوض الحرب في الجزائر، وهي متحللة( متنصلة) من كل تقاليد الحرب، فإننا في الوقت ذاته لا نستطيع أن نتحلل من شرفنا وتقاليدنا، فآثرنا الانتظار حتى تألفت الحكومة الفرنسية الأخيرة، لنواجهها اليوم بالقضية الجزائرية، بكل معاني الجدية التي تثيرها في نفوسنا، وبكل آيات الصراحة، العارمة التي تعتمل في قلوبنا .. ومن جهة ثانية فإن وضع فرنسا في الجزائر،هو وضع استعماري، ولا تستطيع أية فصاحة جدلية أن تدافع عن هذا الوضع الاستعماري، مهما أوتيت من قدرة وخبرة ... وإن فرنسا مشغولة هذه الأيام بوضع نظام خاص للجزائر، وهو ذلك النظام الذي أدى إلى سقوط الحكومة الفرنسية، وهي مشغولة كذلك على أرض الجزائر في تعبئة كل قدراتها العسكرية والمعنوية لتفتح الجزائر مرة ثانية.. ولكن فرنسا ستبوء بالفشل الذريع ولن تستطيع أن تحقق أياً من هذين الهدفين. .. وإذا كانت فرنسا قد اصطنعت لنفسها "حق الظلم، فإن الشعب الجزائري يملك بكل تأكيد "حق" الثورة على هذا الظلم. والقضية الجزائرية بند جديد لمشكلة قديمة.. ذلك لأنها تؤلف فصلاً مفجعاً في تاريخ أفريقيا، وليست كلمة "مفجع" بعيدة عن الحقيقة والواقع.. بل أنها لا تتضمن أية مبالغة. ولست أجد تأييداً لكلامي هذا أكثر من البيان البليغ الذي ألقاه أمامكم في هذه الدورة،المسيو بينو وزير الخارجية الفرنسية.. لقد قال -المسيو بينو- في كلمات راجفة، أن مشكلة الجزائر هي دراما سببت الكثير من الدماء والدموع. (!!؟) أجل، إن القضية الجزائرية هي دراما سببت الكثير من الدماء، وما أعز تلك الدماء.. وسببت الكثير من الدموع وما أسخن تلك الدموع.. ولقد بدأت هذه الدراما منذ 127عاماً، وهذا الفصل الحاضر من الحرب يدخل الآن عامه الرابع.. وإن مسرح هذه الدراما بكل نواحيها، هو في الجزائر – في مدنها وقراها، في جبالها ووديانها، في صحرائها وشواطئها، وفي غاباتها ومروجها.. وإن أشخاص هذه الدراما ليسوا أفراداً أو جماعات، ولكنهم شعب بكامله، برجاله ونسائه في الحواضر والبوادي.. وليست في هذه الدراما شعراً ولا نثراً، إنها تلفظ الدموع وتنطق بالدماء.. وليست لغة هذه الدراما مجازات واستعارات، ولكنها تعيش في القاذفات والمقاتلات والدبابات.. وهي دراما تقرأ في عيون الأيتام، وحسرات الأرامل، وزفرات الثكالى، وآلام الأجيال والأجيال.. جزائريين وفرنسيين على السواء.. " *1 وفي رده على كريستيان بنو وزير خارجية فرنسا أنذاك قال الأستاذ الشقيري: "وإني لآمل أن لا يضيق صدر المسيو بينو، إذا أنا تعرضت لهذه الناحية بالنسبة لفرنسا... لقد تمت بين عامي 1619-1830م سبع وخمسون معاهدة دولية بين فرنسا من جانب والجزائر من جانب آخر.. ولقد كانت بين الدولتين بعثات دبلوماسية... وفي عام 1860، بعد غزو الجزائر، كان نابليون الثالث يزور الجزائر، فكتب إلى الحاكم العام في الجزائر يقول "إن الجزائر ليست مستعمرة ولكنها مملكة عربية". ولقد كان هذا الكتاب قبل قرن بكامله من هذا العام الذي يقف فيه المسيو بينو أمام الأمم المتحدة ليعلن أن الجزائر هي أرض فرنسية... وعلى هذا فإن الاستنتاج الطبيعي، الذي لا مرد له، أن الجزائر كانت دولة مستقلة، كاملة السيادة، شاركت في الحياة الدولية؛ وما هذه المعاهدات العديدة التي أشرت إليها، إلا مظهر واحد من مظاهر السيادة والاستقلال.."*2 هذه الثورة التي نقل صوت دويها الأستاذ أحد الشقيري من جبال الأوراس الأشم والبابور وقمم جرجرة الشامخة وجبال الونشريس العتيقة الى منصة الأمم المتحدة تعد بحق أعظم ثورات القرن العشرين ،أزالت الملامح المادية... ( العسكرية ) للاستعمار الفرنسي من أرض الجزائر الطاهرة، لكن ظلت صور آثاره ووجوه مؤامراته وجرائمه قائمة.. والسؤال المهم الذي يطرح نفسه هناهو: فيم تتجلى وجوه الاستعمار وصور آثاره ؟. في ظل الانتقاد الذي يوجه لساسة البلدين { الجزائر - وفرنسا} لاهتمامهم بالشكل الظاهري للعلاقات وإغفالهم للآثار المترتبة عن 132سنة من الخراب والدمار والهجمة الاستعمارية الشرسة التي تعرضت لها المؤسسات التعليمية والوقفية والدينية عبر السياسة الثقافية والتعليمة الفرنسية في الجزائر "غلق المدارس، وتحويل المساجد، سجن وتهجير العلماء.. وهي رسائل تؤكد أن السياسة التعليمية والثقافية إنما وضعت لتسهيل انقياد الجزائريين وجعلهم اكثر قابلية لتقبل اعتناق السلوك الاستعماري، وهو وجه لا يختلف عن مختلف مظاهر الوجود الفرنسي عسكري كان أو مدني أو إداري، فهل هناك شك في استمرار المخطط ؟ !! لقد كان الواقع الثقافي قبل الاحتلال مزدهرا في ظل ثقافة عربية اسلامية فكيف كان الواقع الثقافي اليوم وبعد 50سنة من للاستقلال و 68سنة من مجازر 8ماي؟ لقد ارتكزت السياسة التعليمية الاستعمارية في الجزائر ما بين،[ 1870- 1914 م ]على 3 أسس هي:{نشر اللغة الفرنسية، وتعميم التنصير، والإدماج}عن هذا يقول ريمون أرول - rimonOrwell - عام1957م ،في مذكرته التاريخية - الإستقلال للجزائر- (Indépendancdel'Algérie : "إن نية ساسة فرنسا في التمسك بفكرة الجزائر فرنسية،تتجلى في خلق نزعة التقسيم القبلي عرقيا وثقافيا،وقرار تقسيم الجزائر إلى ست مقاطعات تحظى بالحكم الذاتي..) 2*. كما كتب القنصل "دي لتينو" في مذكرة له ـ في 22 ديسمبر سنة 1847م ـ بصراحة عارية،يقول:: "إن الهدف من "فرنسة التعليم" هو "جعل البربرية العربية ؟!! تتنحى لا إراديًا أمام الحضارة المسيحية الفرنسية"3 وكل ذلك من أجل محو الشخصية الوطنية وضرب مقوماتها [ الإسلام- العربية - والأمازيغية ] وعمدت الإدارة الاستعمارية من أجل ذلك إلى: سن عدة قوانين وقرارات منها: القرار الصادر في 18/10/1882م القاضي بوجوب الحصول على رخصة لفتح مدرسة عربية ثم قانون 1904م الذي يمنع على الجزائريين فتح مدرسة للتعليم العربي والقرآني إلا بترخيص من الإدارة-تثبيت ونشر التعليم الفرنسي الاستعماري لضمان إدماج الجزائريين في ثقافة فرنسا وديانتها بعد صدور مرسوم 13/02/1883م الذي أقر إجبارية التعليم في الجزائر وجعله فرنسيا .. وطبقت سياسة دينية زاوجت بين الترهيب والترغيب وضعت ملاجئ للفقراء(؟) وحولت المساجد إلى مراكز طبية وإدارية واسطبلات وكنائس كجامع كتشاوة الذي حوله الجنرال رافيقوا إلى كنيسة 24/12/1832م ومسجد أحمد باي بقسنطينة كما حولت مسجد سيدي الهواري في وهران إلى مخزن للجيش الفرنسي...قد تسألني : ما النتائج التي حققتها فرنسا من وراء ذلك ؟ في ظل محاولات استبدال شعب بشعب، وثقافة بثقافة شعب، ولَّدَت مقاومة ثقافية حدَدت ودعمت أسس الهوِية الجزائرية وفي داخل هذه الهُوية تأكد المكوِن الإسلامي كركيزة أساسية للشخصية الجزائرية. رحل الفرنسيون ولم يستطيعوا أن ينصروا أحدا، ورحلوا ولم يتركون وراءهم إلا حوالى700ألف جزائري يحسنون الفرنسية ..لكن أقولها وبكل أسف أن اللغة العربية التي هي اللغة الرسمية في الجزائر منذ عام 1963م وفقا لما حدده الدستور واعتبار اللغة الأمازيغية لغة قومية منذ 8 ماي 2002 م وفقا للتعديل الدستوري، فإن اللغة الفرنسية الواقعة بين هاتين اللغتين. وبالرغم من عدم وجود اعتراف رسمي بها إلا أنها ظلت تستخدم على نطاق واسع داخل الحكومة، وفى المجالات الثقافية والإعلام والتعليم، فغطت على اللغتين القوميتين. وذلك على خلفية مؤثرات الاستعمار الفرنسي للجزائر، فأخلت بمسار السياسة الجزائرية في مجال تنمية روح الاعتزاز بالسيادة الوطنية. من هذا المنظور تراني أعتقد أنه لابد من أن نحول كل المناسبات التاريخية التي لها علاقة بكفاح الشعب الجزائري ضد الاحتلال ،إلى مهرجانات تتجسد من خلالها أحداث الذكرى في محاضرات وندوات وكتب، وأفلام وثائقية، تعمم على الجماهير وتسوق إلى كل العالم بالوسائل التكنولوجية الحديثة، بدءَ من الكتاب والانترنيت وانتهاء بالأقراص والمواقع الإلكترونية فذلك وحده الكفيل بمقاومة النسيان ومن العبث القول بتطبيع العلاقة الجزائرية الفرنسية واعتبارالعدو صديق قبل إزالة أسباب العداوة وأهدافها وآثارها. :13::13: الهوامش: *1أحمد الشقيري: ترجمة عبد العزيز السيد أحمـد الطبعة الأولى: دار العودة ، بيروت. 2*مذكرات ريمون أرول -الإستقلال للجزائر(1957)- 3* تغريب اللغة العربية د.محمد عمارة صاحب 70مؤلف،بموقع مقالات إسلام ويب- |
| الساعة الآن 06:05 AM. |
Powered by vBulletin
قوانين المنتدى