![]() |
شبهة الحكام أدخلوا المشركين جزيرة العرب
طعنهم في الحكام بحجة أنهم أدخلو ا المشركين جزيرة العرب !
والحديث الآمر بإخراجهم ؛ أخرجه : البخاري ( 3053 , 3168 , 4431 ) ومسلم ( 4208 ) وغيرهما ؛ من حديث ابن عباس - رضي الله عنهما - . ولفظه : « أخرجوا المشركين من جزيرة العرب » . أقول : ويتّخذ البعض - من فهمه - لهذا الحديث سبيلاً لـ : الطعن في الحكام ؛ أو لإسقاط أحقيتهم في الحكم ؛ أو لنبذ بيعتهم ؛ أو لتوهين أمر طاعتهم ؛ أو للافتيات عليهم ومباشرة إخراج المشركين من جزيرة العرب بالطرق غير المشروعة ؛ ولأجل هذا كلّه يقال : الرد على الشبهة من أربعة أوجه الوجه الأول : يجب إخراج المشركين من جزيرة العرب لدلالة الحديث النبوي على ذلك ؛ ولكن هذا الوجوب ليس على إطلاقه ؛ إذ هو محمولٌ على : ألاّ تكون لهم إقامة دائمة في جزيرة العرب . أو على منع قيام شعائر دينهم .فلا يدخل في هذا الأُجراء , ولا أصحاب العهد أو الأمان . الوجه الثاني : أنه لا يجوز الافتيات ولا التعدّي على صلاحيات وليّ الأمر ؛ إذ المخاطَب بإخراج المشركين من جزيرة العرب هو : وليّ الأمر ؛ ومن ثمّ فإنه إن قصّر في هذا وأدخلهم بلا حاجةٍ فإن السبيل هو نصحه وتوجيهه بالطرق الشرعية لا بأن يقوم من أرادَ إخراجهم بمباشرة هذا الإخراج . ثم قد يقال : إن آحاد المسلمين مخاطبون بهذا الإخراج , ولكن في حدود ما يخصُّهم ؛ بحيث لا يستقدمون المشركين ما وجدوا إلى الاستغناء عنهم سبيلاً . الوجه الثالث : مع أنه وقع الخلاف في تحديد المراد بجزيرة العرب في الحديث ؛ إلا أن الفقهاء متّفقون على أنها ليست هي الجزيرة العربية التي في اصطلاح الجغرافيين - وهو ما وقع فيه المخالفون - ؛ قال الإمام النووي - رحمه الله - ( شرحه ، جزء 11 – 12 ، ص 95 ، تحت الحديث رقم : 4208 ) : « لكن الشافعيّ خصّ هذا الحكمَ ببعض جزيرة العرب , وهو : الحجاز , وهو [9] - عنده - : مكة والمدينة واليمامة وأعمالها , دون [10] اليمن وغيره مما هو من جزيرة العرب » انتهى . بل قال الحافظ ابن حجر عن قول الإمام الشافعي - رحمهما الله - ( الفتح 6/198 ، تحت الحديث رقم : 3053 ) أنه : « مذهب الجمهور » انتهى . وفي اختيارات شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله - ( البعلي ص 264 ) : « ويُمنعون من المقام في الحجاز , وهو : مكة والمدينة واليمامة والينبع وفدك وتبوك ونحوها وما دون المنحني . وهو عقبة الصوان من الشام كمعان » انتهى . وقال الإمام ابن تيمية - رحمه الله - ( فتاواه 22/235 ) : « . . . وهكذا إخراج اليهود والنصارى من جزيرة العرب - وهي : الحجاز واليمن واليمامة وكل البلاد الذي لم يبلغه ملك فارس والروم من جزيرة العرب - . . . » انتهى . وقال - رحمه الله - ( فتاواه 28/630 ) : « وقد أمر النبي في مرض موته أن تخرج اليهود والنصارى من جزيرة العرب - وهي الحجاز - فأخرجهم عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - من المدينة وخيبر وينبع واليمامة ومخاليف هذه البلاد » انتهى . ولقائلٍ أن يقول : ما الدليل على بطلان حمل الحديث على جزيرة العرب التي في اصطلاح الجغرافيّين ؟ فالجواب : ما حكاه الحافظ ابن حجر - رحمه الله - من اتّفاق العلماء على إخراج اليمن من الحكم النبويّ ، مع أنها داخلة في جزيرة العرب عند الجغرافيين ؛ قال - رحمه الله - عن جزيرة العرب ( الفتح 6/198 ، تحت الحديث رقم : 3053 ) : « . . . لكن الذي يُمنع المشركون من سُكناه منها : الحجاز خاصّة ؛ وهو : مكة والمدينة واليمامة وما والاها , لا فيما سوى ذلك مما يُطلق عليه اسم جزيرة العرب ؛ لاتّفاق الجميع على أن اليمن لا يُمنعون منها مع أنها من جُملة جزيرة العرب » انتهى . أقول : فخروجها عن حكم النبي - صلى الله عليه وسلم - ، مع دخولها في حكم الجغرافيين : دليل قاطع على تباين الحكمين وسقوط الاستناد على الاصطلاح الجغرافي في فهم المراد النبوي . فاحفظ هذا فإنه مهم . الوجه الرابع : ويقال - على سبيل التنزُّل - : لو فرضنا أن الحكام أدخلوا المشركين جزيرة العرب ! ولو فرضنا أن إدخال ولاة الأمور لهم ليس لحاجةٍ ! ولو فرضنا أنهم خالفوا الأمر النبوي في هذا الإدخال ! فإنه لا يعدوأن يكون عصياناً من وليّ الأمر , وليس بأمرٍ كفريّ يبيح لنا الخروج عليه ولا مباشرة ما من شأنه التمهيد للخروج ! وأنا لا أُهون من شأن المعصية ؛ ولكنني أتحدث عن الأمور المُكفّرة . نُقولٌ على ما نَقول بيان أن الأمر بإخراج المشركين من جزيرة العرب ليس على إطلاقه قال الإمام ابن باز - رحمه الله - ( فتاواه 2/450 ) : « . . . أما في الجزيرة العربية : فالواجب أن يُمنعوا من دخولها , وأن لا يُبقَوا فيها ؛ لأن الرسول - صلى الله عليه وسلم - نهى عن بقائهم فيها وأمر ألاّ يبقى فيها إلا الإسلام وألاّ يجتمع فيها دينان وأمر بإخراج اليهود والنصارى وغيرهم من الجزيرة ؛ فلا يدخلوها إلا لحاجة عارضة ثم يخرجون ؛ كما أذن عمر للتجار أن يدخلوا في مُدد محدّدة ثم يرجعون إلى بلادهم ؛ وكما أقرّ النبي - صلى الله عليه وسلم - اليهود على العمل في خيبر لمّا احتيج إليهم , ثم أجلاهم عمر . فالحاصل :أن الجزيرة العربية لا يجوز أن يُقرّ فيها دينان ؛ لأنها معقل الإسلام ومنبع الإسلام ؛ فلا يجوز أن يقرّ فيها المشركون إلا بصفة مؤقتة لحاجة يراها وليّ الأمر . . . » انتهى . وقال - رحمه الله - ( فتاواه 3/286 ) : « . . . فعلى الحكام في السعودية وفي الخليج وفي جميع أجزاء الجزيرة ؛ عليهم جميعاً أن يجتهدوا كثيراً في إخراج النصارى والبوذيين والوثنيين والهندوس وغيرهم من الكفرة , وألاّ يستقدموا إلا المسلمين . . . أما الكفار فلا يستخدمهم أبداً إلا عند الضرورة الشرعية , أي : التي يقدرها ولاة الأمر , وفق شرع الإسلام وحده » انتهى . وقال - رحمه الله - عن دخول الكفار جزيرة العرب للتجارة ( الموقع الرسمي على الانترنت , نور على الدرب , الولاء والبراء , التعامل مع غير المسلمين بالبيع والشراء ) : « لكن إذا قدموا لتجارة ثم يعودون , أو بيع حاجات على المسلمين , أو قدموا إلى ولي الأمر برسالة من رؤسائهم : فلا حرج في ذلك ؛ لأن رسل الكفار كانوا يقدمون على النبي في المدينة عليه الصلاة والسلام , وكان بعض الكفار من أهل الشام يقدمون على المدينة لبيع بعض ما لديهم من طعام وغيره » انتهى . وقال الإمام ابن عثيمين - رحمه الله - ( الباب المفتوح 2/368 ، لقاء 39 ، سؤال 1055 ) : « أما قولـه - صلى الله عليه وسلم - ( لا يجتمع في جزيرة العرب دينان ) ؛ فالمعنى : لا تقام شعائر الكفر في جزيرة العرب . يعني - مثلاً - لا تُبنى الكنائس ، ولا يُنادى فيها بالناقوس ، وما أشبه ذلك . وليس المعنى أنه لا يتديّن أحدٌ من الناس في نفسه ؛ بل المراد أنه لا يكون لهم كنائس أو معابد أو بـِـيـَـع كما للمسلمين مساجد . وأما قوله ( لأخرجنّ اليهود والنصارى من جزيرة العرب ) ؛ فالمراد منها : السكنى . وأما الأُجراء وما أشبه ذلك فلا يدخلون في هذا ؛ لأنهم ليسوا قاطنين بل سيخرجون . وأما إبقاء الرسول - صلى الله عليه وسلم - يهود خيبر فيها ؛ فإن الرسول - صلى الله عليه وسلم - لم يُبقهم إبقاءً مطلقاً عامّاً , بل قال : ( نقرّكم فيها ما شئنا ) ؛ يعني : إلى أمد . وهذا الأمد كان لانتهائه سببٌ وذلك في عهد عمر - رضي الله عنه - حيث اعتدوا على عبد الله بن عمر وعلى الرجل الذي بات عنده ولم يوفوا بما عليهم فطردهم عمر - رضي الله عنه - » انتهى . وقال - رحمه الله - لمّا سئل عن حكم استقدام غير المسلمين إلى الجزيرة العربية ( فتاوى أركان الإسلام ، ص 187 ، سؤال 98 ) : « . . . لكن استقدامهم للحاجة إليهم بحيث لا نجد مسلماً يقوم بتلك الحاجة ؛ جائز بشرط ألاّ يُمنحوا إقامة مطلقة . . . » انتهى . بيان أن دور آحاد الناس في الإخراج يختص بما تحت أيديهم من الصلاحية قال الإمام ابن باز - رحمه الله - ( فتاواه 2/451 ) : « . . . ويجب على الرعية في الجزيرة العربية أن يساعدوا ولي الأمر ,وأن يجتهدوا مع ولي الأمر في : عدم جلب المشركين , وعدم التعاقد معهم ,وعدم استعمالهم في أي عمل , وأن يُستغنى عنهم بالعُمّال المسلمين ؛فإن في ذلك كفاية » انتهى . ولـه - رحمه الله - رسالة في تحذير المواطنين في الجزيرة العربية من استقدام غير المسلمين ختمها بقوله ( فتاواه 8/356 ) : « فأوصي إخواني جميعاً في هذه الجزيرة بـ : الحذر من استقدام الكفار من النصارى والهندوس وغيرهم ,والتواصي بذلك , وأن يعتاضوا عنهم بالمسلمين . . . » انتهى . بيان المنع من الافتيات على ولي الأمر فيما هو من صلاحياته قال شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله - عن المحتسب في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ( فتاواه 28/69 ) : « . . . وأما المحتسب فله الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مما ليس من خصائص الولاة والقضاة وأهل الديوان ونحوهم » انتهى . وقال في موضع آخر ( فتاواه 28/109 ) : « . . . فإن المحتسب ليس له القتلُ والقطعُ » انتهى . أقول : يقصد - رحمه الله - أن إقامة الحدود ليست من صلاحيات المحتسب في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر . بيان أن المعاصي لا تبيح الخروج على ولي الأمر فقد قال الإمام ابن باز - رحمه الله - عن السعودية ( فتاواه 4/91 ) : « وهذه الدولة - بحمد الله - : لم يصدر منها ما يوجب الخروج عليها , وإنما الذي يستبيح الخروج على الدولة بالمعاصي هم الخوارج الذين يكفرون المسلمين بالذنوب . . . » انتهى . وقال - رحمه الله - ( فتاواه 8/202 ) : « . . . فإذا أمروا بمعصيةٍ فلا يُطاعون في المعصية ؛ لكن لا يجوز الخروج عليهم بأسبابها . . . » انتهى . وقال - رحمه الله - ( فتاواه 8/203 ) : « . . . فهذا يدل على أنه لا يجوز لهم منازعة ولاة الأمور , ولا الخروج عليهم إلا أن يروا كفراً بواحاً عندهم من الله فيه برهان » انتهى . وقال - رحمه الله - عمّن لا يرى وجوب البيعة لولاة الأمر في السعودية ( الفتاوى الشرعية في القضايا العصرية ص 54 ، ط الأولى ) :« . . . بل هذا من المنكرات العظيمة , بل هذا دين الخوارج .هذا دين الخوارج والمعتزلة : الخروج على ولاة الأمور وعدم السمع والطاعة لهم إذا وُجدتْ معصية » انتهى . وقال الإمام ابن عثيمين - رحمه الله - لما سئل عن بعض أنواع الرسوم التي تؤخذ من الحكومات هل هي من الضرائب ؟ ( الباب المفتوح 3/416 ، لقاء 65 ، سؤال 1465 ) : « تعمّ كلّ شيء يؤخذ بلا حقّ ؛ فهو من الضرائب , وهو محرم . . . ولكن على المسلم السمع والطاعة , وأن يسمع لولاة الأمور ويطيعهم , وإذا طلبوا مالاً على هذه المعاملات أعطاهم إياه . . . ولا يجوز أن تُتّخذ مثل هذه الأمور وسيلةً إلى :القدح في ولاة الأمور ,وسبّهم في المجالس , وما أشبه ذلك » انتهى . وقال - رحمه الله - ( شرح الواسطية 2/337 ، ط ابن الجوزي ) : « . . . خلافاً للخوارج الذين يرون أنه لا طاعة للإمام والأمير إذا كان عاصياً ؛ لأن من قاعدتهم أن الكبيرة تُخرج من الملة » انتهى . وقال - رحمه الله - ( شرح رياض الصالحين 4/514 ، ط الوطن ) : « مهما فسق ولاة الأمور لا يجوز الخروج عليهم ؛ لو شربوا الخمر , لو زنوا , لو ظلموا الناس ؛ لا يجوز الخروج عليهم » انتهى . وقال - رحمه الله - ( شرح رياض الصالحين 4/517 ، ط الوطن ) : « وأما قول بعض السفهاء : إنه لا تجب علينا طاعة ولاة الأمور إلا إذا استقاموا استقامة تامة ! فهذا خطأ , وهذا غلط , وهذا ليس من الشرع في شيء ؛ بل هذا مذهب الخوارج : الذين يريدون من ولاة الأمور أن يستقيموا على أمر الله في كل شيء . وهذا لم يحصل من زمن , فقد تغيرت الأمور » انتهى . وقال - رحمه الله - ( شرح رياض الصالحين 5/269 ، ط الوطن ) : « يجب علينا أن نسمع ونطيع وإن كانوا هم أنفسهم مقصرين ؛ فتقصيرهم هذا عليهم , عليهم ما حُمّلوا وعلينا ما حُمّلنا » انتهى . وقال - رحمه الله - ( شرح رياض الصالحين 3/333 ، ط الوطن ) : « ليس معنى ذلك أنه إذا أمر بمعصية تسقط طاعته مطلقاً ! لا . إنما تسقط طاعته في هذا الأمر المُعيّن الذي هو معصية لله , أما ما سوى ذلك فإنه تجب طاعته » انتهى . |
| الساعة الآن 06:17 PM. |
Powered by vBulletin
قوانين المنتدى