![]() |
شبهة تجويزهم الخروج على الحاكم المبتدع!
تجويزهم الخروج على الحاكم المبتدع !
قد يتمسك بعض المخالفين بشيءٍ لا متمسّك فيه - عند التحقيق العلميّ - ؛ كمثل قول القاضي عياض - رحمه الله - ( بواسطة شرح النووي لصحيح مسلم ، جزء 11 - 12 ، ص 433 ، تحت الحديث رقم : 4748 ) : « فلو طرأ عليه كفر وتغيير للشرع , أو بدعة : خرج عن حكم الولاية وسقطت طاعته ووجب على المسلمين القيام عليه وخلعه ونصب إمام عادل إن أمكنهم ذلك . . . » انتهى . وكمثل ما نسبه أحدهم للإمام أحمد - رحمه الله - ( الإمامة العظمى ص 539 ) : « بل قد صرح بالخلع للمبتدع عند الاستطاعة ؛ فذكر ابنُ أبي يعلى - في ذيل كتابه طبقات الحنابلة - كتاباً ذكر فيه بالسندِ المتّصل اعتقادَ الإمام أحمد قال فيه : ( وكان يقولُ : من دعا منهم إلى بدعةٍ فلا تجيبوه ولا كرامة . وإن قدرتم على خلعه فافعلوا ) » انتهى . الرد على الشبهة مع عدم تسليمنا بكون جميع حكام المسلمين مبتدعة ؛ ومع كون تبديع المعين يحتاج لشروط ؛ إلا أنه يقال : لا يجوز الخروج على الحاكم ولو كان مبتدعاً ؛ وبيان هذا من أربعة أوجه : الوجه الأول : أن فيه مخالفةً لحديث عبادة بن الصامت - رضي الله عنه - ( خ : 7055 [ 7056 ] - م : 4748 ) : دعانا النبي - صلى الله عليه وسلم - فبايعناه . فكان فيما أخذ علينا : أن بايَعَنا على السمع والطاعة ؛ في منشطنا ومكرهنا وعسرنا ويسرنا وأثَرَةٍ علينا ؛ وألاّ ننازع الأمرَ أهلَهُ . قال : « إلا أن تروا كفراً بواحاً عندكم من الله فيه برهان » . بل فيه مخالفةٌ للإجماع المنعقد على المنع من الخروج إلا في حالة الكفر الصريح . وهذا هو : الوجه الثاني . الوجه الثالث : إن تحديد حقيقة البدعة يحتاج إلى ضبط ؛ إذ ليس كلّ ما يُظنّ أنه بدعة يكون كذلك ! بل ليست كلّ بدعةٍ يتفق العلماء كلهم على أنها بدعة ؛ فقد يفعل الحاكم شيئاً موافقةً لطائفة من العلماء لا ترى في هذا الفعل بدعة ! ثم إنه لا بدّ من أن يُترك الكلام في التبديع للعلماء الكبار ؛ إذ لا يخوض فيه كلّ طالب علمٍ - فضلاً عن العامّي - . الوجه الرابع : وأما بشأن المنسوب للإمام أحمد - رحمه الله - ففيه [16] - زيادة على ما تقدم - : 1- أنه عزا الكلام إلى ابن أبي يعلى ! والواقع أنه ليس من كلامه ؛ بل مما أضافه المحقق ملحقاً بالكتاب . 2- أنه نسب الكلام للإمام أحمد - رحمه الله - ! والواقع أن القائل هو أبو الفضل عبدُ الواحد بن عبد العزيز التميميّ في حديثه عن اعتقاد الإمام أحمد . وليس هو كلام الإمام أحمد نفسه . 3- ذكر أنه بالسند المتصل ! والواقع أنه منقطع . فبين الإمام أحمد وأبي الفضل ما يزيد على ( 150 ) سنة . نُقولٌ على ما نَقول إثبات الإجماع على المنع من الخروج إلا في حالة الكفر الصريح أجمع أهل السنة على أنه : لا يجوز الخروج على وليّ الأمر ؛ إلا في حالة مواقعته للكفر البواح . ولذلك فإنه يُقال : إن الكثير من الشبه المثارة ما هي إلا معاصٍ لا تصل بفاعلها إلى حدّ الوقوع في الكفر ؛ والسبيل هو التعامل مع معاصي الحاكم وفق ما في الكتاب والسنة : من النصح , والدعاء بالصلاح , مع بقاء السمع والطاعة في كل ما يأمر به - عدا ما أمر به من المعاصي - . تقريره قال الإمام النووي - رحمه الله - ( شرحه لصحيح مسلم ، جزء : 11 - 12 ، ص 432 ، تحت الحديث رقم : 4748 ، كتاب : الإمارة , باب : وجوب طاعة الأمراء . . . ) : « . . . وأما الخروج عليهم وقتالهم : فحرام بإجماع المسلمين وإن كانوا فسقةً ظالمين , وقد تظاهرت الأحاديث على ما ذكرته , وأجمع أهل السنة أنه : لا ينعزل السلطان بالفسق » انتهى . وقال الحافظ ابن حجر - رحمه الله - ( الفتح 13/9 ، تحت الحديث رقم : 7054 ) : « قال ابن بطال : وفي الحديث حجة على ترك الخروج على السلطان ولو جار , وقد أجمع الفقهاء على وجوب طاعة السلطان المتغلب والجهاد معه , وأن طاعته خير من الخروج عليه ؛ لما في ذلك من حقن الدماء وتسكين الدهماء . وحجّتهم هذا الخبرُ وغيره مما يساعده , ولم يستثنوا من ذلك إلا إذا وقع من السلطان الكفر الصريح » انتهى . وموافقةً لهذا الإجماع : فقد قال الإمام ابن باز - رحمه الله - عن السعودية ( فتاواه 4/91 ) : « وهذه الدولة - بحمد الله - : لم يصدر منها ما يوجب الخروج عليها , وإنما الذي يستبيح الخروج على الدولة بالمعاصي هم الخوارج الذين يكفرون المسلمين بالذنوب . . . » انتهى . وقال - رحمه الله - ( فتاواه 8/202 ) : « . . . فإذا أمروا بمعصيةٍ فلا يُطاعون في المعصية ؛ لكن لا يجوز الخروج عليهم بأسبابها . . . » انتهى . وقال - رحمه الله - ( فتاواه 8/203 ) : « . . . فهذا يدل على أنه لا يجوز لهم منازعة ولاة الأمور , ولا الخروج عليهم إلا أن يروا كفراً بواحاً عندهم من الله فيه برهان » انتهى . وقال - رحمه الله - عمّن لا يرى وجوب البيعة لولاة الأمر في السعودية ( الفتاوى الشرعية في القضايا العصرية ص 54 ، ط الأولى ) : « . . . بل هذا من المنكرات العظيمة , بل هذا دين الخوارج . هذا دين الخوارج والمعتزلة : الخروج على ولاة الأمور وعدم السمع والطاعة لهم إذا وُجدتْ معصية » انتهى . وقال الإمام ابن عثيمين - رحمه الله - لما سئل عن بعض أنواع الرسوم التي تؤخذ من الحكومات هل هي من الضرائب ؟ ( الباب المفتوح 3/416 ، لقاء 65 ، سؤال 1465 ) : « تعمّ كلّ شيء يؤخذ بلا حقّ ؛ فهو من الضرائب , وهو محرم . . . ولكن على المسلم السمع والطاعة , وأن يسمع لولاة الأمور ويطيعهم , وإذا طلبوا مالاً على هذه المعاملات أعطاهم إياه . . . ولا يجوز أن تُتّخذ مثل هذه الأمور وسيلةً إلى :القدح في ولاة الأمور , وسبّهم في المجالس , وما أشبه ذلك » انتهى . وقال - رحمه الله - ( شرح الواسطية 2/337 ، ط ابن الجوزي ) : « . . . خلافاً للخوارج الذين يرون أنه لا طاعة للإمام والأمير إذا كان عاصياً ؛ لأن من قاعدتهم أن الكبيرة تُخرج من الملة » انتهى . وقال - رحمه الله - ( شرح رياض الصالحين 4/514 ، ط الوطن ) : « مهما فسق ولاة الأمور لا يجوز الخروج عليهم ؛ لو شربوا الخمر , لو زنوا , لو ظلموا الناس ؛ لا يجوز الخروج عليهم » انتهى . وقال - رحمه الله - ( شرح رياض الصالحين 4/517 ، ط الوطن ) : « وأما قول بعض السفهاء : إنه لا تجب علينا طاعة ولاة الأمور إلا إذا استقاموا استقامة تامة ! فهذا خطأ , وهذا غلط , وهذا ليس من الشرع في شيء ؛ بل هذا مذهب الخوارج : الذين يريدون من ولاة الأمور أن يستقيموا على أمر الله في كل شيء . وهذا لم يحصل من زمن , فقد تغيرت الأمور » انتهى . وقال - رحمه الله - ( شرح رياض الصالحين 5/269 ، ط الوطن ) : « يجب علينا أن نسمع ونطيع وإن كانوا هم أنفسهم مقصرين ؛ فتقصيرهم هذا عليهم , عليهم ما حُمّلوا وعلينا ما حُمّلنا » انتهى . وقال - رحمه الله - ( شرح رياض الصالحين 3/333 ، ط الوطن ) : « ليس معنى ذلك أنه إذا أمر بمعصية تسقط طاعته مطلقاً ! لا . إنما تسقط طاعته في هذا الأمر المُعيّن الذي هو معصية لله , أما ما سوى ذلك فإنه تجب طاعته » انتهى . فائدة : قال الحافظ ابن حجر - رحمه الله - راداً على من زعم الإجماع على الخروج على الحاكم إذا دعا إلى بدعة ( ! ) ما نصه ( الفتح 13/124 ) : « وما ادعاه من الإجماع على القيام فيما إذا دعا الخليفة إلى البدعة : مردودٌ . إلا إن حُمل على بدعةٍ تؤدّي إلى صريح الكفر[17] » انتهى . |
| الساعة الآن 12:25 PM. |
Powered by vBulletin
قوانين المنتدى