منتديات الشروق أونلاين

منتديات الشروق أونلاين (http://montada.echoroukonline.com/index.php)
-   نقاش حر (http://montada.echoroukonline.com/forumdisplay.php?f=20)
-   -   لنتحاور: هل الإشاعة خطر على العباد والبلاد أم أنها وسيلة لتحريك الرأي العام؟؟؟؟؟ (http://montada.echoroukonline.com/showthread.php?t=242114)

hamid4 19-06-2013 10:45 AM

لنتحاور: هل الإشاعة خطر على العباد والبلاد أم أنها وسيلة لتحريك الرأي العام؟؟؟؟؟
 
مقال منقول من: http://www.ahlelhadith.net/waha/view...e4c20c8ed764be

الإشاعة وخطرها على الفرد والمجتمع والوطن المسلم
وُقود الإشاعة الكذبُ، والحسدُ، والطّبعُ السّيئُ الذي لم يروض ويهذّب على أيدي أهل الشأن.

بقلم الشيخ الفاضل: عبد الحميد العربي الجزائري الأثري كان الله في عونه

أخرج الإمام مسلم في صحيحه كتاب: صفة القيامة والجنة والنار؛ قال: حدثنا عثمان بن أبي شيبة، وإسحاق بن إبراهيم، [قال إسحاق: أخبرنا، وقال عثمان: حدثنا]: جرير، عن الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر، قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (إنّ الشّيطان أَيِس أن يعبُدَه المصلّون في جزيرة العرب، ولكن في التحريش بينهم).

بسم الله الرحمن الرحيم.
إن الحمد لله نحمده ونستعينه وتستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وسلم.
أما بعد:
إن كلمة (شائعات)، مأخوذة من: شاع، يشيع، شيعا، وشيوعا ومشاعا، وشيوعة، وشيعانا، بمعنى: ذاع وفشا، والمراد منها في هذه التصديرة الموجزة؛ إذاعة الأخبار الكاذبة والمختلقة والمخالفة للواقع والحقيقة، والسّعي في نشرها بين أو ساط الناس عامة والمسلمين خاصة، لغرض الفتنة وتشويه سمعة الخلق وغرس القلاقل في صف المجتمع والواحد، ودسّ بذور الخلاف بين أصحاب المنهج الواحد، فأركان الشائعات: الكذب، والحسد، والتدليس الفاحش، وحُبّ الانتقام، والسعي وراء الرياسة، وهي أمراض إذا اجتمعت في عبد سيّرته إلى وباء حيث حلّ حل معه الشقاق والتدابر، والفتنة والخلاف والبغي.
أخرج الإمام الحاكم في المستدرك (4/168)، والطبراني في الأوسط، وغيرهما بسندهما إلى أبي هريرة رضي الله عنه، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (سيصيب أمتي داءُ الأمم، فقالوا: يا رسول الله وما داء الأمم؟ قال: الأشَر، والبطر، والتكاثر، والتناجش في الدنيا، والتباغض، والتحاسد؛ حتى يكون البغي)، صححه علامة الشام محمد ناصر الدين الألباني في الصحيحة (برقم680)، وفي الإرواء (برقم777).
والمعلوم يا أبناء الجزائر أنّ زمن الفتن يكثر فيه القيل والقال، وبث الشائعات، والروايات المعضلة والكاذبة، ومعلوم كذلك أن وطننا الجزائر مستهدف من جهات مُفسدة تسعى إلى نشر التطاحن بين ساكنيه، وتحويله إلى كتلة نار ملتهبة، ولن يكون لهم ما أرادوا بحول إلهنا، وسيجعل ربي كيد الخائنين في تباب، ويفشل سعيهم، ويهين خططهم، أليس الله بعزيز ذي انتقام؟.
إنّ أبناءنا في الجزائر وغيرها من الأقاليم الإسلامية، بحاجة ماسة إلى الاستبصار بطبائع الفتن التي تحدثها الشائعات ومِن ورائها أقوام جهال يتصدرون كبرى القضايا، ويخوضون في دقيق المسائل وهم حقُّهم التأخر والسكوت والاعتكاف على كتاب الصمت لابن أبي الدنيا، لأنهم ينطبق عليهم الحديث الصحيح الذي أخرجه الإمام بن ماجه، والإمام الحاكم، والإمام أحمد، وغيرهم من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (سيأتي على الناس سنوات خدّاعات، يصدق فيها الكاذب، ويكذب فيها الصادق، ويؤتمن الخائن، ويخوّن فيها الأمين، وينطق فيها الرُّوَيبضةُ. قيل: وما الرّويبضة؟ قال: الرجل التافه؛ يتكلم في أمر العامة). وصححه علامة الشام في الصحيحة (برقم:1887)، والفتن التي تسري بين صفوف المسلمين كالحذف لها ألوان شتى، وأقنعة مختلفة، يسعى أصحابها بحيل فائقة الإحكام إلى تصويرها إلى معارف وعلوم، ونصائح وفهوم، وهي في الحقيقة مخارم وهموم، يجب أن تجفف منابعها، وتسدّ ذرائعها، وتحسم مادتها في مهدها حتى لا تفسد مكينة الأمة وتغير طبعها وتهز استقراره، ولا يُلتفت البتة لكلام المغفلين أصحاب الأقماع الذين يُستغلون لترويج الشائعات وتوزيعها بين المسلمين بالمجان، وإذا حلّت البلية قالوا: ما أردنا إلا الخير والله العاصم من أهل الغفلة.
أخرج الإمام البخاري في صحيحه (برقم 2493) ، والإمام الترمذي، والإمام أحمد من طريق: زكريا بن أبي زائدة والأعمش، عن الشعبي، عن النعمان بن بشير رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (مثلُ القائم على حدود الله والواقع (وفي رواية: الراتع) فيها [والمُدهن فيها]؛ كمثل قوم استهمُّوا على سفينة [في البحر]، فأصاب بعضُهم أعلاها و[أصاب] بعضُهم أسفلها [وأوعرها]، فكان الّذي (وفي رواية: الذين) في أسفلها إذا استقوا من الماء مرّوا على مَن فوقهم، [فتأذّوا به]، (وفي رواية: فكان الذين في أسفلها يصعدون فيسقون الماء، فيَصبُّون على الذين في أعلاه، فقال الذين في أعلاها: لا ندعكم تَصعدون فتُؤذوننا) فقالوا: لو أنّا خرقنا في نصيبنا خرقا [فاستقينا منه]، ولم نؤذِ مَن فوقنا، (وفي رواية: ولم نمر على أصحابنا فنؤذيهم)، [فأخذ فأسًا فجعل ينقر أسفل السّفينة فأتوه فقالوا: ما لك؟ قال: تأذّيتم بي، ولابدّ لي من الماء]، فإن يتركوهم وما أرادوا هلكوا جميعا، وإنْ أخذوا على أيديهم نجوا ونجوا جميعا). انظر الصحيحة للعلامة الألباني (برقم:69).
وكان النعمان بن بشير راوي الحديث كما في الزهد لابن المبارك (ص: 475) إذا سرد الحديث يقول: (يا أيها الناس خذوا على أيدي سفهائكم)، فإذا انتهى من سرد الحديث عاد وقال: (خذوا على أيدي سفهائكم قبل أن تهلكوا).
إن كلمة (خرق) لا تحمل معناها الأرضي المتبادر إلى الذهن، بل يجري عليها المعنى الخاص بالبحار والمحيطات، فأصغر خرق في جسم السفينة يجعلها في أوسع قبر في قعر المحيط في ظلمات بعضها فوق بعض، فإذا أردنا النجاة والسّلامة لأمتنا يا أهل الحديث في الجزائر وسائر الأقاليم الإسلامية، فعلينا جميعا سدُّ أيّ ثُلم يصيب كيانها ويشوش عقول أبنائها، ومن سوّلت له نفسُه العبثَ بجسم الأمة المتماسك ضُرب على يده كائنا من كان.
فالذي في السفينة حمل فأسا ولو ترك لغرق الكل، وأصحاب الشائعات يحملون ألسنة حدادا أشحة على الخير يهتكون بها أعراض الأبرياء ولا يبالون كما يسعى إلى ذلك أصحاب الوشاية هداهم الله وطهرهم من التحريش، ولكن الله العليم الخبير خيّب سعيهم، ورد كيدهم في نحرهم.
إن الزمنَ يا أبناءنا الذي كدرته الفتن، وأماتت فيه قلوب بعض العباد، وحولت نهاره إلى قطع ليل مظلم صعبُ المرتقى وكثير التقلب، فينبغي عليكم أن تلتزموا أوامر الله -سبحانه وتعالى- بكل قوّة وصلابة وحزم ومِرّة، والحزم حفظ ما كُلِّفتم وترك ما كفيتم، واحفظوا ما في الوعاء بشدة الوكاء، وإذا توليتم عقد شيء فأوثقوه ولا تتركوا الأمور على عواهنها، لقوله جل وعلا: [خذوا ما أتيناكم بقوة]، ولقوله تعالى: [وكتبنا له في الألواح من كل شيء موعظة وتفصيلا لكل شيء فخذها بقوة وأمر قومك أن يأخذوا بأحسنها سأريكم دار الفاسقين]، ولقوله تعالى: [يا يحي خذ الكتاب بقوة وآتيناه الحكم صبيّا]، ولا يجاوز لكم بحال من الأحوال أن تتساهلوا مع الشائعات التي يصدرها أهل البغي من الملوثين بداء الأمم، ولا أن تتعاملوا معها بالمناهج المحدثة والبدع والقيل والقال وأساليب الرويبضة، فإن فعلتم ذلك أعنتم أهل الشائعات على نشر ضلالهم وكذبهم وفتنهم بين أوساط المسلمين، وإنني أعظكم أن تسلكوا يا أبناء الجزائر أساليب أهل البدع في التعامل مع الشائعات، وعودوا إلى التمسك بأوامر الله في زمن الفتن فهي النجاة من الوقوع في حبائل أهل الشائعات، والعصمة من التناحر والخلاف، واحذروا من الإعراض عن أوامر الله في التعامل مع الأخبار كما يفعل المنافقون، فإنكم إن تركتموها وابتعدتم عنها جاءتكم الهلكة والتفرق والتناطح، وإن أخذتم بها هديتهم إلى صراط مستقيم، قال تعالى: [إلا الذين تابوا وأصلحوا واعتصموا بالله وأخلصوا دينهم لله فأولئك مع المؤمنين وسوف يؤت الله المؤمنين أجرا عظيما]. واعلموا أن نوّار الشائعات والفتن الذي صوّره الملوثون بداء الأمم نصائح لا يَعقِد، وصدق العلامة ابن حزم كما في الأخلاق والسير (ص:83) حين قال: (نُـوَّارُ الفتنة لا يعقِدُُ)؛ ومعناه: أن الفتن والشائعات تظهر في بدايتها بمظهر حسن جذّاب، حتى يستحسن الناس صورها ويستأنسوا بحكايتها وروايتها، ويعقدوا الآمال عليها لإسقاط إخوانهم، أو إيذاء الأبرياء؛ ولكن سرعان ما تنكشف لأصحاب الحجا، وأنها سراب بقيعة يحسبه الجاهل ماءً، حتى إذا بنا عليه أماله كان عنده حتفه.
إنّ من أوامر الله التي ينبغي على أبنائنا أن يُظهروا العمل بها في زمن الفتن والقيل والقال وفشوّ الكذب والروايات المنكرة؛ التثبتَ عند سماع الأخبار والأقوال، وعدم العجلة في الحكم عليها بالصدق أو القَبول حتى يتبين لهم ثبوتها يقينا، ثم بعد ذلك يقومون فيها بما أمر الله، والتثبت في الأخبار واجبٌ على المسلم في حياته كلها؛ في رخائه وشدته، في يسره وعسره، في أمنه وخوفه، في منشطه ومكرهه، ولكن في زمن الشائعات والفتن والثورات والتواصل الاجتماعي [فيس بوك] يتأكد الأمر ويتحتم حتى يشدّ أهلُ الصدق والنقاوة الخناق على الأخبار الكاذبة والشائعة الرائجة، ويقللوا من وطأتها على حياة المسلمين، وكبد الأمة، ليهلك من هلك عن بينة من الناعقين والخائضين مع أهل الشائعات، ويحيا من حيا عن بينة من أهل التثبت والإتقان والرواية، و [ليقضي الله أمرا كان مفعولا وإلى الله ترجع الأمور].
قال الله تعالى في سورة الحجرات:[يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسقٌ بِنَبأ فتبَيَّنُوا أن تُصِيبوا قَوماً بِجَهالةِ فَتُصبحوا على ما فعلتم نادمين]
قال العلامة الإمام إسماعيل بن عمر بن كثير رحمه الله في تفسيره: (يأمر تعالى بالتثبت في خبرِ الفاسق ليحتاط له، لئلا يحكم بقوله، فيكون في نفس الأمر كاذباً أو مخطئاً، فيكون الحاكم بقوله قد اقتفى وراءه، وقد نهى الله عز وجلّ عن اتباع سبيل المفسدين، ومن ها هنا امتنع طوائف من العلماء من قبول رواية مجهول الحال لاحتمال فسقه في نفس الأمر).
وقال العلامة عبد الرحمن بن ناصر السعدي (م:1376) في تيسير الكريم الرحمن عند تفسيره لآية الحجرات: (وهذا أيضا من الآداب التي على أولي الألباب التأدّب بها واستعمالها، وهو أنّه إذا أخبرهم فاسقٌ بنبأ؛ أي: خبر: أن يتثبّتوا في خبره، ولا يأخذوه مجردا، فإن في ذلك خطرا كبيرا ووقوعا في الإثم؛ فإنّ خبره إذا جُعل بمنزلة خبر الصادق العدل؛ حُكم بموجب ذلك ومقتضاه فحصل من تلف النفوس والأموال بغير حق بسبب ذلك الخبر ما يكون سببا للندامة، بل الواجب عند خبر الفاسق التثبت والتبيّن؛ فإن دلّت الدلائل والقرائن على صدقه؛ عُمل به وصُدِّق، وإن دلّت على كذبه؛ كُذِّب ولم يعمل به، ففيه دليل على أنّ خبر الصادق مقبول، وخبر الكاذب مردود، وخبر الفاسق متوقف فيه [كما ذكرنا]، ولهذا كان السلف يقبلون روايات كثير من الخوارج المعروفين بالصدق ولو كانوا فساقا).
وقال تعالى في سورة النساء: [يا أيها الذين آمنوا إذا ضربتم في سبيل الله فتبيّنوا ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السّلام لست مؤمنا تبتغون عرض الحياة الدنيا].
إنّ الآية نزلت في رجل قتله المسلمون بعد ما سلَّم عليهم؛ فقد أخرج الإمام البخاري رحمه الله (برقم4591) من طريق عمر بن دينار، عن عطاء، عن ابن عباس قال: كان رجل في غنيمة له فلحقه المسلمون، فقال: السّلام عليكم، فقتلوه وأخذوا غنيمته..).
قال العلاّمة عبد الرحمن بن ناصر السعدي في تفسير هذه الآية: (يأمر تعالى عباده المؤمنين إذا خرجوا جهادا في سبيل الله، وابتغاء مرضاته أن يتبيّنوا ويتثبتوا في جميع أمورهم المشتبهة، فإنّ الأمور قسمان: واضحةٌ وغير واضحة؛ فالواضحة البيّنة لا تحتاج إلى تثبت وتبيُّن؛ لأن ذلك تحصيل حاصل. وأما الأمور المُشكلة غير الواضحة؛ فإن الإنسان يحتاج إلى التثبت فيها والتبيّن، ليعرف هل يقدم عليها أم لا؛ فإن التثبُّت في هذه الأمور يحصل فيه من الفوائد الكثيرة، والكفّ لشرورٍ عظيمة؛ ما به يُعرف دينُ العبد، وعقلُه ورزانتُه، بخلاف المستعجل للأمور في بداوتها قبل أن يتبيّن له حكمها، فإنّ ذلك يؤدّي إلى ما لا ينبغي، كما جرى لهؤلاء الذين عاتبهم الله في الآية لمّا لم يتثبتوا، وقتلوا من سلّم عليهم، وكان معه غنيمة له أو لغيره؛ ظنّا أنه يستكفي بذلك قتلهم، وكان هذا خطأ في نفس الأمر)، وقال رحمه الله في تفسير قوله تعالى من نفس السورة [كذلك كنتم من قبل فمنّ الله عليكم فتبيّنوا]: (فكما هداكم بعد ضلالكم، فكذلك يهدي غيركم، وكما أنّ الهداية حصلت لكم شيئا فشيئا، فكذلك غيركم، فنظَرُ الكاملِ لحاله الأولى الناقصة، ومعاملته لمن كان على مثلها بمقتضى ما يعرف من حاله الأولى ودعائه له بالحكمة والموعظة الحسنة؛ من أكبر الأسباب لنفعه وانتفاعه، ولهذا أعاد الأمر بالتبيين فقال:[فَتَبَيَّنُواْ]، فإذا كان من خرج للجهاد في سبيل الله، ومجاهدة أعداء الله، واستعدّ بأنواع الاستعداد للإيقاع مأمورا بالتبيين لمن ألقى إليه السلام، وكانت القرينة قويةً في أنه إنّما سلم تعوذا من القتل وخوفا على نفسه، فإنّ ذلك يدل على الأمر بالتبيُّن والتثبّت في كلّ الأحوال التي يقع فيها نوع اشتباه، فيتثبّت فيها العبد حتى يتّضح له الأمر، ويبين الرشد والصواب)اهـ.
وقال تعالى في سورة النساء: [وَإِذَا جَاءهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُواْ بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلاَ فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاَتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلاَّ قَلِيلاً].
قال العلامة إسماعيل بن عمر بن كثير رحمه الله في تفسير هذه الآية: (إنكارٌ على من يبادر إلى الأمور قبل تحقُّقِها، فيخبر بها، ويفشيها وينشرها، وقد لا يكون لها صحة).
وقال العلامة عبد الرحمن بن ناصر السعدي في تفسير هذه الآية: (هذا تأديب من الله لعباده عن فعلهم هذا غير اللائق، وأنه ينبغي لهم إذا جاءهم أمر من الأمور المهمّة، والمصالح العامّة ما يتعلق بالأمن وسرور المؤمنين، أو بالخوف الذي فيه مصيبة عليهم؛ أن يتثبتوا ولا يستعجلوا بإشاعة ذلك الخبر، بل يردّونه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم أهل الرأي والعلم والنُّصح والعقل والرزانة، الذين يعرفون الأمور، ويعرفون المصالح وضدَّها، فإن رأوا في إذاعته مصلحة ونشاطا للمؤمنين وسرورا لهم وتحرّزا من أعدائهم؛ فعلوا ذلك، وإن رأوا أنه ليس فيه مصلحة، أو فيه مصلحة ولكن مضرّته تزيد على مصلحته؛ لم يذيعوه، ولهذا قال: [لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ]؛ أي: يستخرجونه بفكرهم وآرائهم السديدة، وعلومهم الرشيدة.
وفي هذا دليل لقاعدة أدبية، وهي أنّه إذا حصل بحث في أمر من الأمور؛ ينبغي أن يُولّى من هو أهل لذلك، ويجعل إلى أهله، ولا يُتقدّم بين أيديهم؛ فإنه أقرب إلى الصواب، وأحرى للسلامة من الخطأ.
وفيه النهي عن العجلة والتسرع لنشر الأمور من حين سماعها، والأمر بالتأمل قبل الكلام والنظر فيه؛ هل هو مصلحة فيُقدِمُ عليه الإنسان أم لا فيُحجِمُ عنه؟)اهـ.
إن الفتن العمياء، والإشاعات المتتالية والكثيفة، والصادرة من جهات عُرفت بالسلفية، وذاع صيتها عبر الشبكات الإسلامية تمنعُ الناس من معرفة الحق، وتحري الصواب، وتشوشُ عقولا كثيرا من شبابنا، ولهذا أجد كثيرا من أبنائنا _إلا من رحم الله_ العاكفين على الشبكة العنكبوتية بصورة راتبة، والمتنقلين من موقع إلى آخر يبحثون عن الإشراف [على الفتن] فيهم من الاضطراب والتذبذب ما يجعلك تشفق عليهم، وصدق شيخ الإسلام رحمه الله تعالى في منهاج السنة (4/547) حين قال: (... فلا بد من عِلمٍ بالحق، وقصْدٍ له، وقدرة عليه، والفتنة تُضادُّ ذلك: فإنها تمنع معرفة الحق، أو قصده، أو القدرة عليه، فيكون فيها من الشبهات ما يلبس الحق بالباطل، حتى لا يتميز لكثير من الناس، أو أكثرهم، ويكون فيها من الأهواء والشهوات ما يمنع قصد الحق وإرادته، ويكون فيها من ظهور قوة الشر ما يُضْعِف القدرة على الخير).
وهذا الذي يعاني منه أهل الحديث الشدائد والأمرين في الجزائر والله المستعان.
وقال تعالى في سورة المدثر: [وكنّا نخوض مع الخائضين].
قال الإمام ابن كثير في تفسير هذه الآية: (أي نتكلم فيما لا نعلم، وقال قتادة: كلما غوى غاو غوينا معه) انظر تفسير الطبري.
وعن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: (من أفتى بغير علم كان إثمه على من أفتاه، ومن أشار على أخيه بأمر يعلم أن الرشد في غيره فقد خانه). انظر صحيح الجامع للعلاّمة محمد ناصر الدين الألباني رحمه الله (برقم6068).
وعن أبي هريرة مرفوعا -من طريق علي بن حفص- أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (كفى بالمرء كذبا أن يحدث بكلِّ ما سمع). أخرجه الإمام مسلم في مقدمة صحيحه (برقم 5) مرسلا من طريق عبيد بن معاذ، حدثنا أبي (ح)، وحدثنا محمد بن المثنى، حدثنا عبد الرحمن بن مهديّ، قالا: حدثنا شعبة، عن خُبيب بن عبد الرحمن، عن حفص ابن عاصم، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وذكره..
وأخرجه الإمام أبو داود في سننه (برقم4984) من طريق حفص بن عمر، أخبرنا شعبة، به مرسلا.
قال الإمام أبو داود: لم يذكر حفص [يعني بن عمر] أبا هريرة.
قلت: وقد أسنده الإمام مسلم في مقدمته، والإمام أبو داود في سننه: من طريق، علي بن حفص، حدثنا شعبة، عن خبيب بن عبد الرحمن، عن حفص ابن عاصم، عن أبي هريرة به.
قال الإمام أبو دادو: ولم يسنده إلاّ هذا الشيخ، يعني عليّ بن حفص المدائني.
قال القاضي عياض في الإكمال (1/114): (قال الإمام: رواه شعبة، عن خبيب بن عبد الرحمن، عن حفص بن عاصم؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم...، فأتى به مرسلا لم يذكر فيه أبا هريرة، هكذا روي من حديث معاذ بن معاذ، وغنذر، وعبد الرحمن بن مهدي عن شعبة... [ثم ذكر قول الدارقطني]: والصواب مرسل عن شعبة كما رواه معاذ، وغنذر، وابن مهدي).
قلت: لقدر أرسله عن شعبة كل من: حفص بن عمر، ومعاذ بن معاذ، وعبد الرحمن بن مهدي، وغنذر، ولم يسنده إلا علي بن حفص كما قال الإمام أبو داود.
وعلي بن حفص المدائني، أبو الحسن البغدادي مع توثيق الحفاظ له فقد قال ابن أبي حاتم: سألت أبي عنه فقال: صالح الحديث يكتب حديثه ولا يحتج به.
وأخرج الإمام البخاري في صحيحه كتاب الزكاة (برقم:1477) من طريق يعقوب بن إبراهيم؛ حدثنا إسماعيل بن علية، حدثنا خالد الحذاء، عن ابن أشوع، عن الشعبي، حدثني كاتب المغيرة بن شعبة قال: كتب معاوية إلى المغيرة بن شعبة؛ أن اكتب إليَّ بشيء سمعته من النبيّ صلى الله عليه وسلم فكتب إليه: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (إنّ الله كره لكم ثلاثا: قيل وقال، وإضاعة المال، وكثرة السؤال). وأخرجه الإمام مسلم في صحيحه، كتاب الأقضية، باب: النهي عن كثرة المسائل من غير حاجة...
قال العلامة ابن كثير في تفسير سورة النساء الآية (83) شارحا حديث المغيرة: (أي: الذي يكثر من الحديث كما يقول الناس من غير ثبت، ولا تدبر ولا تبين).
وأخرج الإمام أبو داود في سننه، كتاب الأدب، باب: قول الرجل زعموا (برقم:4972)، وغيره على اختلاف عند الحفاظ بين وصله وانقطاعه؛ من طريق وكيع، عن الأوزاعي، عن يحي، عن أبي قلابة، قال: قال: أبو مسعود لأبي عبد الله، أو قال: أبو عبد الله لأبي مسعود: ما سمعت رسول الله يقول في "زعموا" قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (بئس مطية الرجل زعموا).
قال الإمام أبو داود: أبو عبد الله هذا: حذيفة.
وأبو قلابة: هو عبد الله بن زيد الجرمي، انظر تحفة التحصيل للحافظ ولي الدين أبي زرعة العراقي (ص:243 برقم:471)
ومال ابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (5/272 برقم:2798، تحت ترجمة: أبو عبد الله رضي الله عنه) إلى أنه صحابي أخير غير حذيفة.
قال الحافظ ابن حجر في الإصابة (7/259 برقم:10199): (قال أبو داود: أبو عبد الله هذا هو حذيفة بن اليمان، كذا قال؛ وفيه نظر، لأن أبا قلابة لم يدرك حذيفة، وقد صرح في رواية الوليد بأن أبا عبد الله حدّثه، والوليد أعرف بحديث الأوزاعي من وكيع، وقال ابن من منده: أبو عبد الله هذا هو الذي روى عنه أبو نضرة.
قلت: وهو محتمل)اهـ.
قال العلامة الخطابي في معالم السنن (7/266 تحقيق محمد حامد الفقي) شارحا الحديث: (أصل هذا: أنّ الرجل إذا أراد الظّغْن في حاجة، والسير إلى بلد، رَكِبَ مطيّته، وسار حتى يبلغ حاجته، فشبه النبي صلى الله عليه وسلم ما يُقَدِّمه الرجل أمام كلامه، ويتوصل به إلى حاجته من قولهم: "زعموا" بالمطيّة التي يتوصل بها إلى الموضع الذي يؤمُّه ويقصده، وإنما يقال: "زعموا" في حديث لا سند له، ولا ثبت فيه، وإنما هو شيء يُحكى عن الألسن على سبيل البلاغ، فذمّ النبي صلى الله عليه وسلم ما كان هذا سبيله، وأمر بالتثبت فيه، والتوثق لما يحكيه من ذلك، فلا يروي حتى يكون مَعْزِيًّا إلى ثبتٍ، ومرويًا عن ثقة، وقد قيل: الرواية أحد الكاذبين). وانظر مشكل الآثار للعلامة الطحاوي (1/174-176) فإنه مهم.
والأصل في "زعم" أنها تقال في الأمر الذي لا يوقف فيه على حقيقته، وإن وردت في بعض النصوص بمعنى آخر فإنها لا تلغي الأصل للقرائن، كما في حديث أم هانئ عند البخاري: (زعم ابن أمي أنه قاتل رجلا قد أجرته)، وفي حديث ضمام بن ثعلبة في الصحيحين: (زعم رسولك).
وأخرج الإمام البخاري رحمه الله في صحيحه (برقم2467، كتاب المظالم، وغيره) من طريق ابن شهاب الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله بن أبي ثور، عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال: لم أزل حريصا على (وفي رواية: لبثتُ سنة وأنا أريد) أن أسأل عمر رضي الله عنه عن المرأتين من أزواج النبي صلى الله عليه وسلم التي قال الله لهما: [إن تتوبا إلى الله فقد صغت قلوبكما]، فما أستطيع أن أسأله هيبة له، (وفي رواية: فلم أجد له موضعا)، حتى خرج حاجا، فحججت معه.... ثم قال عمر:....وكان من حول رسول الله صلى الله عليه وسلم قد استقام له، فلم يبق إلا ملك غسّان بالشام، كنا نخاف أن يأتين، وكنا تحدثنا أن غسان تنعل النعال لغزونا [فقد امتلأت صدورنا منه]، فنزل صاحبي [الأنصار] يوم نوبته، فرجع عشاء، فضرب بابي ضربا شديدا، وقال: آنائم (وفي رواية: أ ثم) هو؟ ففزعت، فخرجت إليه، وقال: حدث أمر عظيم! قلت: ما هو؟ أ جاءت غسان؟ قال: لا بل أعظمه منه، وأطول (وفي رواية: أهول)، طلّق (وفي رواية: اعتزل) رسول الله صلى الله عليه وسلم نساءه، قال: (وفي رواية: فقلت:) قد خابت حفصة وخسرت، [قد] كنت أظن أنّ هذا يوشك أن يكون، فجمعت عليّ ثيابي فصليت صلاة الفجر مع النبي صلى الله عليه وسلم، فدخل مَشرُبة له [يرقى عليها بعجلة]، فاعتزل فيها، فدخلت على حفصة، فإذا هي تبكي، قلت: ما يبكيكِ؟ أو لم أكن حذرتكِ؟ أ طلقكنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: لا أدري، هو ذا في المشرُبة، فخرجت، فجئت المنبر، فإذا حوله رهط يبكي بعضُهم، فجلست معهم قليلا، ثم غلبني ما أجد، فجئت المشرُبة التي هو فيها، فقلت لغلام له أسود [على رأس الدرجة]: استأذن لعمر، فدخل، فكلم النبي صلى الله عليه وسلم، ثم خرج، فقال: ذكرتك له فصمت، فانصرفت؛ حتى جلست مع الرهط الذين عند المنير، ثم غلبني ما أجد، فجئت، فذكر مثله، فجلست مع الرهط الذين عند المنبري، ثم غلبني ما أجد، فجئت الغلام، فقلت: استأذن لعمر فذكر مثله، فلما وليت منصرفا فإذا الغلام يدعوني، قال: أذن لك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فدخلت عليه، فإذا هو مضطجع على رمال حصير، ليس بينه وبينه فراش، قد أثر الرمال بجنبه، متكئ على وسادة من أدم، حشوها ليف، فسلمت عليه، ثم قلت وأنا قائم: [يا رسول الله، أ] طلقت نساءك؟ فرفع بصره إليّ، فقال: ((لا))، [فقلت: الله أكبر].....). وقد ساق الحديث العلامة المحدث محمد ناصر الدين الألباني رحمه الله في مختصر صحيح الإمام البخاري رحمه الله (2/152-156) سياقا رائعا، من لم يبك حين قراءته فليتهم نفسه.
وعند الإمام مسلم في صحيحه (كتاب الطلاق، برقم:1479) من طريق عكرمة بن عمار، عن سماك أبي زميل، حدثني عبد الله بن عباس، حدثني عمر بن الخطاب قال: (فقمت على باب المسجد، ناديت بأعلى صوتي: لم يطلق رسول الله صلى الله عليه وسلم نساءه، ونزلت هذه الآية: [وَإِذَا جَاءهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُواْ بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ]، فكنت أنا استنبطت ذلك الأمر، وأنزل الله عزّ وجلّ آية التخيير).
إنّ أول من باشر أسلوب الشائعات كسلاح فتاك لهدم الأمن والأمان بين المسلمين، ونزع الثقة من عباد الرحمن، وتلويث سمعتهم خدمة لأهل الأهواء والباطل؛ هو إبليس أبو مرّة -نعوذ بالله من شره، وشر أتباعه من الجن والإنس- حين صرخ بأعلى صوته في غزوة أحد أن محمدا صلى الله عليه وسلم قد قتل، فدّبّ الرُّعب إلى قلوب بعض المسلمين، وتنحى بعضهم جانبا فجلس دون قتال، وكان أمر الله قدر مقدورا كما قال الإمام ابن كثير رحمه الله، وقد صار على درب إبليس أبي مرّة المنافقون قبحهم الله حين أذاعوا أن عائشة بنت الصديق الطاهرة الصديقة والعفيفة وقعت في الفاحشة لينالوا من رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويثيروا الشكوك في دعوته، ويبعدوا الناس عن الحق الذي جاء به، ومع قبح قولهم وفظاعته، وسماجته إلا أنه وجدوا آذانا صاغية وألسنة ذائعة كما قال تعالى: [وفيكم سمّاعون لهم]، وقد جاء في المثل: لكل ساقطة لا قطة، الله أسأل تعالى أن يجنبني الغلط واللغط .
قال الله تعالى :[إن الذي جاؤوا بالإفك عصبة منكم لا تحسبوه شرا لكم بل هو خير لكم لكل امرئ منهم ما اكتسب من الإثم والذي تولى كبره منهم له عذاب عظيم]
قال الإمام ابن كثير رحمه الله : (هذه العشر الآيات كلها نزلت في شأن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها حين رماها أهل الإفك والبهتان من المنافقين بما قالوه من الكذب البحت، والفرية التي غار الله عزّ وجلّ لها ولنبيه صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله تعالى براءتها صيانة لعرض رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال تعالى: [إن الذين جاؤوا بالإفك عصبة منكم]، أي: جماعة منكم، يعني: ما هو واحد ولا إثنان، بل جماعة، فكان المقدم في هذه اللعنة: عبد الله بن أبيّ ابن سلول رأسَ المنافقين، فإنه كان يجمعه ويستوشيه، حتى دخل ذلك في أذهان بعض المسلمين فتكلموا به، وجوزه آخرون منهم، وبقي الأمر كذلك قريبا من شهر حتى نزل القرآن)اهـ.
وقال كذلك الإمام ابن كثير رحمه الله: (فقوله تعالى: {إن الذين جاؤوا بالإفك] أي: بالكذب والبهت، والافتراء، [عصبة] أي: جماعة منكم، [لا تحسبوه شرا لكم] أي: يا آل أبي بكر، [بل هو خير لكم] أي: في الدنيا والآخرة، لسان صدق في الدنيا ، ورفعة منازل في الآخرة ، وإظهار شرف لهم باعتناء الله تعالى بعائشة أم المؤمنين رضي الله عنها، حيث أنزل الله تعالى براءتها في القرآن العظيم، الذي [لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه] الآية، ولهذا لما دخل عليها ابن عباس رضي الله عنهما وهي في سياق الموت، قال لها: أبشري، فإنّك زوجة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان يحبك، ولم يتزوج بكرا غيرك، ونزلت براءتك من السماء)اهـ.
وقال الله تعالى في سورة النور: [إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا لهم عذاب أليم في الدنيا والآخرة والله يعلم وأنتم لا تعلمون].
قال الإمام ابن كثير رحمه الله في تفسيرها: (هذا تأديب ثالث لمن سمع شيئا من الكلام السيئ فقام بذهنه شيء منه وتكلم به، فلا يكثر منه ولا يشيعه ويذيعه).
وقال العلامة عبد الرحمن بن ناصر السعدي في تفسير آية النور: (أي الأمور الشنيعة المستقبحة، فيحبون أن تشتهر الفاحشة [في الذين آمنوا لهم عذاب أليم]، أي: موجع للقلب والبدن، وذلك لغشه لإخوانه المسلمين، وحبة الشرّ لهم، وجراءته على أعراضهم، فإذا كان هذا الوعيد لمجرد محبّة أن تشيع الفاحشة، واستحلاء ذلك بالقلب، فكيف بما هو أعظم من ذلك إظهاره ونقله؟ وسواء كانت الفاحشة صادرة أو غير صادرة، وكل هذا من رحمة الله لعباده، وصيانة أعراضهم، كما صان دماءهم وأموالهم، وأمرهم بما يقتضي المصافاة، وأن يحب أحدهم لأخيه ما يحب لنفسه، ويكره له ما يكره لنفسه).
إن ما ورد من أحكام بالغة في الآية زجر وقرع لمن سمع شيئا من الكلام السيئ والخالي من البرهان الدليل، فقام بذهنه شيء منه لضعف فيه وهوى متبع، فلا يشيعه، ولا يذيعه بشراهة بغية إحزان الذين آمنوا من إخوانه أهل الحديث والأثر، وإن كانت الآية نزلت في أصحاب الإفك، فهي عامة في كل من سعى إلى نشر الأكاذيب، والأباطيل، والبهتان، للطعن في أعراض الأبرياء من أهل السنة، وسواء كان الغرض من بث الشائعات فردا من أبناء الأمة، أو جماعة منها، أو المجتمع كله فذلك كله لا يجوز، وقد أعدّ الله لمروّج الشائعات عذابا أليما في الدنيا، فإن كان الفعل يستوجب الحدّ حدّ فيه كالقذف، وإن كان من نوع ما لم يجعل له الشارع حدا معلوما فيه ، عزّر بشتى أنواع التعزير.
وجاء في الصحيحين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( إن الرجل ليتكلم بالكلمة من سخط الله لا يدري ما تبلغ، تهوي به في النار أبعد مما بين السماء والأرض).
والله تعالى يعلم المصلح من المفسد.
إن من العجب الذي لا يكاد ينقطع أن ترى الرجل يشار إليه بالدين والزهد والعبادة، والرحلة من دولة إلى دولة ينشر مبادئ الإسلام؛ وهو يتلفظ بالكلمات من سخط الله تعالى لا يلقي لها بالا يزل بالواحدة منها أبعد ما بين المشرق والمغرب، فهل يعي ذلك الزاعم التحقق بالدين وهو طعان في أخيه بلا جرم ولا جريرة مستنقص له في مجالسه الخاصة متنحل له المثالب مع إشهارها بين الشباب المبتدأ في الطلب، وبعضهم لا يعرف السلفية إلا عن طريق الشبكة العنكبوتية، يذكي الفتنة دونه، والعامة من أبنائنا مع ثقتهم به بالحب والتبجيل يرمقونه.
أليس المسلم الصدوق مظهرا ومخبرا يبصر الحق فيرتقيه، ويلحظ الباطل فيتقيه، بلى وربي، فمالي رأيتك غفر الله لك قابلت أبناء الجزائر بوجهين؟
أخرج الإمام البخاري في صحيحه في صحيحه (كتاب الأدب؛ باب: ما قيل في ذي الوجهين) قال: حدثنا عمر بن حفص، حدثنا أبي، حدثنا الأعمش، حدثنا أبو صالح، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: (تجد من شرّ النّاس يوم القيامة عند الله ذا الوجهين، الذي يأتي هؤلاء بوجه وهؤلاء بوجه)، وأخرجه الإمام مسلم في صحيحه في كتاب فضائل الصحابة من طريق الزهري، حدثني سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (تجدون الناس معادن، فخيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فَقهوا، وتجدون من خيار الناس في هذا الأمر أكرههم له قبل أن يقع فيه، وتجدون من شرار الناس ذا الوجهين، الذي يأتي هؤلاء بوجه وهؤلاء بوجه).
وأخرج الإمام أبو داود في سننه، والبخاري في الأدب المفرد، والبيهقي في الشعب، وغيرهم من طريق نعيم بن حنظلة، عن عمار بن ياسر، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من كان له وجهان في الدنيا، كان له يوم القيامة لسانان من نار)، صححه العلامة الألباني في الصحيحة (برقم:892) بمجموع الطرق.
قال علامة المغرب أبو الفضل عياض بن موسى اليحصبي في إكمال المعلم (7/563): (وأما قوله "ذي الوجهين" أنه من "شرار الناس" فكما قال؛ لأنه نفاق محض، وكذب، ومخادعة. قال بعضهم: هو الذي يأتي كل طائفة بما يرضيها خيرا أو شرا، ويُظهر لكل أحد من أهل باطل وغيره رضاه لفعلهم وحالهم، وهذه هي المداهنة المحرمة).
أخرج الإمام البخاري رحمه الله في صحيحه (كتاب الأدب، باب: ما يكره من النميمة، برقم:6056) قال: حدثنا أبو نعيم، حدثنا سفيان، عن منصور، عن إبراهيم، عن همام قال: كنا مع حذيفة، فقيل له: إن رجلا يرفع الحديث إلى عثمان، فقال: حذيفة سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (لا يدخل الجنة قتّات). وفي رواية عند الإمام مسلم من مسند أبي وائل: (نمّام).
إن الأخ صاحبة الإشاعة تأول روايات العلماء متعسفا، وافتأت عليهم متخرصا، مختبئا وراء لباس الرصانة والسماح المصطنع، وإذا انفتل إلى بعض الطلاب الحيارى أمسى شره عليهم مستطيرا، يشحنهم بجمل متقطعة يقطع بها أواصل الأخوة بين أصحاب المنهج الواحد، ومحياه إذا التقى إخوانه من أهل الحديث عبوسا قمطريرا لثقل كاهله بالمغمز فيهم سرا وخفية، مستغلا غفر الله له ثناء بعض العلماء عليه لحسن ظنهم به، فراح واستغله في أمر غير مشروع فأرهق الطلاب بتلونه وتذبذبه، واستولى على حقوقهم في طلب الدليل عند النقد غير عابئ بنصبهم وكللهم وذلك هو اللؤم المرذول، والتدين الآثم المدخول.
وعلى رسلك يا صاحب الإشاعة، لا توبق نفسك بالكذب على العلماء في صورة الوهم، واعتقها من التلون، اترك غفر الله لك إثارة النقع بين الشباب، والمزايدة على قضايا المنهج في الجزائر، واكفف دموعك من التباكي على الخلاف القائم بيني وبين بعض الطلاب في الجزائر فإني أرى لك في تذكيته القدح المعلا، كفاك رسفا في ربقة الإزدواجية، وتخبطا في حقل الإصلاح. فإنك غفر الله لك جعلت شبابنا من كان يثق بك يقب ويصخب في الخصومة صباحا ومساء حتى أنهكت قواهم، وأذابت حرارة الطلب عندهم.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد


الساعة الآن 01:30 PM.

Powered by vBulletin
قوانين المنتدى