![]() |
سوار من راية وختم بالطابع
سوار من راية وختم بالطابع
قصة مجاهدة من صميم الواقع بقلم صديقة بقلم بن اسماعين زليخة خربوش ونحن على ابواب نهاية الخمسينات للاستقلال اهدى هذه القصة للأجيال -------------------------------------- يوميا صباحا باكرا تكنسين تنظفين عتبة الدار تمر عليك (مارى )تأرجح محفظتها المملوءة بالكتب والوثائق..توقع بكعبها العالى .. يبكى التراب ويئن الحصى وتنتحب الاشجار...تخنجرينها بنظرة ..تمتمين: ما انا في نظرها إلا فاتْمة ( التاء مكان الطاء الطاء)من احدى فاتْمات الخادمات في بيوتهم! لا فرق بين نسائنا كما ان لا ليس هناك فرق بين اسماء رجالنا .. كلهم (مخمد) شوهت عجمتهم اسماءنا وحورت لكنتهم ألقابنا: لا عليك انا ايضا كذلك .. كل رجالهم (خوصي) وكل نسائهم (مارى) في نظري! يناديك الصوت الخشن من قاع الدار: ماذا تفعلين في باب الدار ؟ احذرى ان يراك رجل من الجيران ايتها ال..... تقاطعينه : لست في موعد غرام انى اجفف لتجد طريقك نظيفة! صوت الجزائر من قلب الجزائر ؟ او من قلب القاهرة؟ يردد اخبار الثوار والعالم ... عدوان ثلاثي على غزة ... تطورات معارك جيش التحرير الوطنى الجزائري... كان ذلك الصندوق هو المورد الوحيد لجلب اخبار الثورة.. الحصول على الجرائد صعب وكسبها يعرض للخطر.. وانت امرأة لا يتيسر لك الحصول على الجرائد... لم يسمح لك إلا بثلاث خرجات في الحياة ..حقا تحررت المراة مع جمعية العلماء لكن هذا ليس من حقك لان عالتك محافظة .. لكن دبرت على راسك : كنت احصل على الجرائد بفضل خامة الاستاذ المعصوم جارنا كانت تاتيه المجلات خفية من القاهرة ...كانت تسرقها الخادمة وتقايضنى بها مقابل قطعة خبز او كعك... كنت تقرئينها ليلا في المرحاض.. من العيب ان تقرا الفتاة الجريدة لأنها تشغلها عن شؤون البيت .. لقنوك هذا في طفولتك المبكرة... حاصر العدو المدينة ... سيج الدروب بالأسلاك الشائكة ... فجر البيوت... احرق الأسواق.. انتصر جيش التحري في المعركة الفلانية ... قتل العديد من جنودنا في معركة اخرى..... لم نكن نسمع هذه الاخبار إلا في هذا الصندوق لان جرائد العدو كلها كذابة حتى لو كانت صادقة: كانت تلك المجلات المسروقة وذلك الصندوق كل يوم يغيران شيئا في نفسي وقلبى وروحى.. نشب الوعي مخالبه في كياني.. تلجئين الى فراشك تستوطنك الافكار الجريئة: نعم! وإذا بي انا لست انا .. تدوسنى اقام الواقع .. يتغير تفكيرى.. تنتشلنى من احلامى الكاذبة .. يحتدم بركان الثورة في صدرى.. ويشتد الحزم ويشتعل العزم في عقلى ... اتحول الى حيوان خطير في سجنة الحيوانات المدجنة... يقهرنى الحلف العائلى ... يفكر في التخلص منى.. بيتكم الكبير يحتوى على خمس حجرات تسكنه اربعة عائلات .. كل اسرة تحتجز غرفة وواحدة خصصت للمؤونة ... يتفق الحلف على تقسيم غرفة المئونة الى قسمين...يكتمون على انفاسك بالزواج من ابن عمك..اضعف شباب العائلة فى نظرك.. تضحك العائلة كلها ونحزنين.. يضحكون وتبكين.. يرقصون على اشلاء نفسك فتيأسين وتجمدين.. تعلو الزغاريد.. يعتلى صوت الطبل... يدخل العريس.. ترمين بقفطان العرس وتمزقين الشاش والعبروق.. ينظر اليك العريس صامتا تصرخين: كان عليك ان ترف هذا الزواج ... لقد عقدت زواجى مع غيرك.. نعم تزوجت بوطنى وأنت اكثر الناس دراية بذلك؟ انت ذكر ويجوز لك ان ترفض.. لماذا قبلت؟ سوف تتجرع عصيانى والمى.. ليس من حقك ان تسعد ونصف البيت خلا من افراده... انسيت عمى الذى اخرجته اليد الحمراء ليلا و اغتالته لان ابنه صعد الى الجبل؟ اانت جبان ام بياع ام حرْكى؟ يضع عريسك يده على فمك: اسكتى .. اسكتى لا داعي لان يسمعونا! قالها وهو يمزق بقية الشاش.. بنظرة تفاهمتما على ان كل منكما يحب وطنه وير يد المشاركة في النظام المقاومة.. تحدث المفاجاة ..تشعرين بالاطمئنان والنجاة من فم الغول.. يقدم لك هدية العرس : الله! سوار من راية وخاتم بطابع جبهة التحرير الوطنى الجزائري مع تصريح بانخرطك في المقاومة .. تصبحين اسعد عروس رفضت السعادة... تكسران قضبان الوهم.. تعبران دروب الحيرة والركود.. تهربان من الحماية المزيفة.. ترمين احلي الحلي والحلل.. ترتدين سروالا وقميصا اسود.. كنت تحتفظين بالحايك عند الحاجة .. لم تمنعكما الصفعة التى يتلقاها زوجك امامك سواء من كف ابه او من كف أعمامه.. وقد تنزل على خدك ان ثرت .. كان زوجك يعانى الكثير لأنه لم يحسن التسلط عليك.. او لانه يحبك.. ولا تفرح العائلة إلا عندما يتظاهر بالخناق معك.. جمعتكما وحدة الهدف فلم يفرقكما المتعسف.. تدخلان الغرفة ( النصف)فتنسيان هموم العائلة خلف الباب... تشتغلان باعمالكما ... تدرسان الاوامر وطرق تنفيذها .. تعدان القنابل المبرمجة في غدكما .. تحضران الرسائل والمنحات العائلية .. في الصباح يذهب كل منكما الى مهماته : نعم! كنت اجلب الادوية من المستشفيات انقلها من مكان الى مكان.. كنت أوزع الضرائب على من يتاجر مع العسكر الفرنسيين.. وتحملين المنحات الى اصحابها.. كنت أحضر عقود الزواج والصفقات التجارية والبع والشراء.. وتسجيل المواليد الجدد ... كان الهدفنا هو نزع النظام المدني من ايدى الادارة الفرنسية وتعويد المناضلين على عدم الاعتماد على فرنسا.... عشية الاضراب كان زوجك يحمل اربعة متفجرات لإلقائها في هذا اليوم.. وتهتز اركان المدينة وتضلل اتجاه العساكر.. جن جنونهم .. وعظم انتقامهم.. فاجأتك الضباع المستأسدة .. يسقط زوجك بين ذراعيك.. تغوصين في ثقوب صدره .. تستحمين بدائه... يفارقك دون وداع.. يتركك عارية في ساحة الحياة.. يعشعش البوم في صدرك .. ينعى الغراب في راسك.. تغيب البسمة تضعف الارادة..... تعودين الى اليقين الذى لم تمزقه الكوارث..تجمعين اشتاتك.. لم تخرجي سالمة من الكوار.. اصبحت مخدوشة مكهربة.. تحترفين الاقدام والتهور .. كنت تناضلين ام تنتحرين؟ عقد السيد (بو بلنزة) صفقة الزيتون مع العسكر.... تحكم عليه جبهة التحرير بالضريبة .. رفض تقديمها.. ولتك الجبهة مهمة جمع الضريبة.. تذهبين اليه.. تذكرين كلمة السر: (الزيتون الاخضر) ما كدت اقولها حتى هجم علي.. يجردنى من الحايك..أهرب.. يتبعنى البوليس السري الذى كان في انتظارى.. يدوسنى بدرجته.. يكبلى ويسوقنى.. يرتعش الجنين في بطنى يلسعقك الكهرباء ..يجلدك السوط.. تساقين الى السجن في سرب من امثالك.. كان نهارك كبير وسعادتك اكبر.. خرجت من سجنة الحيوانات المدجنة.. دخلت سجن انسان صاحب قضية.. يطالب بحق.. انسان يواجه وحشين خطيرين:عدو مخبوء وراء التقاليد الراشية... وعدو سرق ارض اجداده وأفقر شعبك وجهله واضعفه.. اصبحت انسانا يلاحظ ضعف من كان يحسبهم اقوياء ويكتب الجرأة عليهم.. وضعت طفلتك اليتيمة في السجن .. اضاءت عليك الدنيا.. هناك في السجن تعرفت على غيرك.. اختلطت بمن حرم عليك الاختلاط بهم.. تعلمت كيف تنشفين دموع الايتام والفقراء.. كان السجن مدرسة لك فتح عينيك على استبداد المستبد .. عرفك على طريقة تفكير الحارسات الاوربيات.. تعلمت كيف تقردشين الساعات وكيف تربطين حلقات الايام.. تعلمت كيف ترفضين الحماية المنافقة واحترفت الاعتماد على النفس. يجيء العيد الأكبر .. عيد الاستقلال..تعم الفرحة وتتكسر القداسات المزيفة.. تتحطم القيم المفتعلة .. يختلط الناس .. اغنياء وفقراء ..نساء ورجال.. اعراب وحضر.. صغار وكبار.. هذا المزيج من الناس كان يعزف لحنا من الخلود .... الساحة ترقص والاشجار تتمايل .. النسيم يهب... انه عيد الاستقلال؟ لا اكل وشرب .. الا اطباق الحرية واكواب الاستقلال.... اثناء الاحتفال عاد المجاهدون من كفاحهم.. اعلامهم مخضبة.. جلالبيبهم رثة. احذيتهم ممزقة.. كنت مع المستقبلين للجنود مع ابنتك.. لبست حذاء ماري وحملت محفظتها .. رقصت الارض تحت اقدامك وانت تقلدين مارى .. غنت لك الأشجار.... تتأملين وجوه المجاهدين العائدين وهم يفتشون عن اهاليهم.. وانت عمن كنت تبحثين؟ عن شئء،عن معجزة؟ كنت تقولين: حقا كلنا مخمدات وكلنا فاتْمات .. لهم الحق!... لم يعد يؤلمنى الاشتراك في هذا الاسم! بل يشرفنى.. تسألك ابنتك عن أبيها .. تنطوى ركبتك.. تسقطين : ينعى الرصاص.. يفيض طوفان الذاكرة.. يحمل معه الجثث والاشلاء..تحاصرك الجماجم الطائرة... تحدق اليك العيون المسملة.. البطون المفقورة .. تخنقك الاطراف التى دفنتها.. يسقط زوجك مثقب الصدر... تفيقين على سرير في المستشفى .. تتأملين جبين ابنت .. تقفين على شاطئ ماضيك .. تغوصين في ظلام مستقبلك: جاء الاستقلال..وماذا بعد؟ لقد اقتحم اخى فلة مارى بعد هروبها .. انفردت بغرفة لى وواحدة لابنتى.. لم اعد ازاحم اخوتى على مكان انام فيه .. لكن انا لست مثقفة ولا ذات مستوى ادارة الادارة .. ايه يازوجى .. حررتنى ولم تدري ان عملى شاق كي اضمن هذه الحرية ... ايه يا حبيبى.. حفرت في ذاكرتى اياما لا يمكن ان انساها .. وأحلاما لا يمكن ان تبقى إلا بالتامين على حياتى وحياة ابنتى .. سأظل اقيس عليك كل الرجال الذين اتعرف عليهم.. تقتربين من مكتبة مارى .. تلامسين كتبها تدحرجين بصرك على عناوينه: اه.. كلمات وعناوين لا افقه معانييها.. انى جالة .. جاهلة.. ربى ارحم جاهلا ضاع بين الكتب.... يعتريك يأس قاتل .. تستوطنك الكآبة .. يلسعك فيروس الوعي..تاخذك حمى الطموح .. تقررين الابحار في موطن المعرفة.. تتناولين حذاء مارى ذو الكعب العالى تلقين به من النافذة تقولين: قبل ان البس حذاء مارى يجب ان اقرا خزانة كتبها.. فالى الدروس الليلية..... zoulikha القصة من كتابى (الحطان العالية ) طبع في مطبعة قرفى بقسنطينة |
| الساعة الآن 08:38 AM. |
Powered by vBulletin
قوانين المنتدى