منتديات الشروق أونلاين

منتديات الشروق أونلاين (http://montada.echoroukonline.com/index.php)
-   منتدى القرآن الكريم (http://montada.echoroukonline.com/forumdisplay.php?f=43)
-   -   تأملات في(وجعلنا بعضكم لبعض فتنة) (http://montada.echoroukonline.com/showthread.php?t=25034)

بذرة خير 30-04-2008 12:25 AM

تأملات في(وجعلنا بعضكم لبعض فتنة)
 
وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ
وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًا


لفضيلة الشيخ على بن حسن الحلبى الأثرى

- حفظه الله -



آيَةٌ مِنْ كِتَابِ اللهِ -تَعالَى- تَكْشِفُ جَانِبًا مِنْ وَاقِعِ الحَيَاةِ الإِنْسَانِيَّةِ بِكُلِّ مَا فِيهَا مِنْ آلاَمٍ وَآمَالٍ ؛ مُؤَكِّدَةً -بِوُضُوحٍ- أَنَّ مِنَ النَّاسِ مَنْ قَدْ يَكُونُ فِتْنَةً للآخَرِينَ لِسُوءٍ تَلَبَّسَ بِهِ ، أَوْ بِظُلْمٍ غَرِقَ فِيهِ ، أَوْ فِي انْحِرَافٍ جُرَّ إِلَيْهِ ... وَهَكَذَا ...

ثُمَّ يَأْتِي الأَمْرُ الإِلَهِيُّ –إِزَاءَ هَذَا الوَاقِعِ- بِالصَّبْرِ وَالمُصَابَرَةِ ؛ بِفِعْلِ أَمْرٍ أَشْبَهَ مَا يَكَونُ بِالتَّحَدِّي ؛ لِصُعُوبَةِ المَوْقِفِ ، وَعُسْرِ الحَالَةِ ..

وَتَخْتِمُ الآيَةُ الكَرِيمَةُ الخَبَرَ القُرْآنِيَّ ، وَالإِنْشَاءَ الرَّبَّانِيَّ -بَعْدُ- بِذِكْرِ صِفَةِ البَصَرِ للهِ -تَعَالَى-؛ لِيُثْبِتَهَا المُؤْمِنُونَ الصَّادِقُونَ عَلَى مَا يَلِيقُ بِجَلاَلِ رَبِّنَا -سُبْحَانَهُ- وَكَمالِهِ ؛ حَامِلَةً فِي إِثْبَاتِهَا أَنَّ أَعْظَمَ مَا يَحْمِلُهُ الإِيمَانُ بِهَذِهِ الصِّفَة : التَّسْلِيمُ للهِ -تَعَالَى- بِحُكْمِهِ ، وَأَنَّهُ –عَزَّ وَجَلَّ- عَلِيمٌ بِالصَّالِحِينَ، وَخَبِيرٌ بِالمُفْسِدِين ...

وَقَدْ أَوْرَدَ الإِمَامُ البَغَوِيُّ فِي «تَفْسِيرِهِ» عَنِ الصَّحَابِيِّ الجَلِيلِ ابْنِ عَبَّاسٍ –رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-قَوْلَهُ: «أَي : جَعَلْتُ بَعْضَكُمْ بَلاَءً لِبَعْضٍ ؛ لِتَصْبِرُوا عَلَى مَا تَسْمَعُونَ مِنْهُم ، وَتَرَوْنَ مِنْ خِلاَفِهِم ، وَتَتَّبِعُوا الهُدَى».

وَإِنَّ مِنْ طَبَائِعِ بَنِي الإِنْسَانِ-كَافَّةً-: الخَطَأَ وَالزَّلَلَ ؛ كَمَا قَالَ نَبِيُّنَا –صلى الله عليه وسلم– : «كُلُّ بَنِي آدَمَ خَطَّاءٌ ، وَخَيْرُ الخَطَّائِينَ التَّوَّابُونَ » ؛ وَبِخَاصَّةٍ –كَمَا قِيلَ- أَنَّ : (مَنْ يَعْمَلْ لاَ بُدَّ أَنْ يُخْطِئَ ) ...

وَلَئِنْ كَانَ هَذَا الحَدِيثُ مَقولاً فِيمَنْ يُنْتَقَدُ مِنَ النَّاسِ ، أَوْ يُوَجَّهُ لَهُ سَهْمُ التَّخْطِئَةِ –مِنْهُم- ؛ فَإِنَّهُ مَقُولٌ –أَيْضًا- فِي المُنْتَقِدِ – نَفْسِهِ-، وَالمُخَطِّئِ – ذَاتِهِ - سَواءً بِسَواء- ؛ كَمَا قَالَ الإِمَامُ ابْنُ القَيِّمِ : «وَالإِنْصَافُ أَنْ تَكْتَالَ لِمُنَازِعِكَ بِالصَّاعِ الَّذِي تَكْتَالُ بِهِ لِنَفْسِكَ؛ فَإِنَّ فِي كُلِّ شَيءٍ وَفَاءً وَتَطْفِيفًا» -كَمَا فِي «تَهْذِيب السُّنَن» (1/122)- .

وَمِصْدَاقُ هَذَا : قَوْلُ النَّبِيِّ –صلى الله عليه وسلم– :«لاَ يُؤْمِنُ أَحَدُكُم حَتَّى يُحِبَّ لأخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ » .

أَقُولُ هَذَا فِي أَوَانٍ خَاضَ فِيهِ –مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ- بِالخَرْصِ -الكَثيرُونَ، وَتَلَبَّسَ فِيهِ –بِالظَّنِّ- الأَكْثَرُونَ ؛مُؤَكِّدًا –بِالتَّجْرِبَةِ وَالبُرْهَان- أَنِّي مَا سَأَلْتُ –أَو سَاءَلْتُ- أَحَدًا مِنْ (هَؤُلاَءِ) أَوْ (أُولَئِكَ) –بِمَا خَاضَ وَوَلَج – إِلاَّ قَالَ -بِلاَ حَرَج!- : سَمِعْتُ .. قِيلَ .. بَلَغَنِي .. قَالُوا ...!!!

وَالمُصِيبَةُ تَعْظُمُ وَتَزْدَادُ لَمَّا يَجْعَلُ وَاحِدُهُم نَفْسَهُ -بِهَوَاه- خَصْماً وَحَكَماً -فِي آن-!!!

أَلَمْ يَعْلَمْ هَذَا وَذَاكَ وَذَيَّاكَ بِقَوْلِ النَّبِيِّ –صلى الله عليه وسلم– :«كَفَى بِالمَرْءِ إِثْمًا أَنْ يُحَدِّثَ بِكُلِّ مَا سَمِعَ»، وَفِي رِوَايَةٍ :«كَفَى بِالمَرْءِ كَذِبًا...»، وَقَوْلِهِ –صلى الله عليه وسلم– : «لَوْ يُعْطَى النَّاسُ بِدَعْوَاهُم لادَّعَى نَاسٌ دِماءَ قَومٍ وَأَمْوَالَهُم»؟!

أَلَيْسَ فِي شَرْعِنَا الحَكِيمِ قَوَاعِدُ عِلْمِيَّةٌ مُنْضَبِطَةٌ؛ تُغْنِينَا عَنْ كَثِيرٍ مِن هَذَا الخَوْضِ ، وَتَنْأى بِنَا عَنْ جُلِّ هَذَا التَّخَبُّطِ؟!

أَلَيْسَ فِيهَا –مَثَلاً- قَوْلُ النَّبِيِّ –صلى الله عليه وسلم– :«البَيِّنَةُ عَلَى المُدَّعِي ، وَاليَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ»؟!

وَهَذَا –وَحْدَهُ- كَافٍ لِكُلِّ مَنْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ ... بدَلاً مِنَ ذَاكَ التَّقَوُّلِ وَالتَّقْوِيل.. وَالقَالِ وَالقِيل!!!

وَحَتَّى لاَ يُتَوَهَّمَ - فَضْلاً عَنْ أَنْ يَكُونَ –بِالمُقَابِلِ- دِفَاعٌ عَنْ أَيِّ أَحَدٍ بِغَيْرِ حَقٍّ - مَعَ وَضْعٍ للنِّقَاطِ عَلَى حُرُوفِهَا - لاَ بُدَّ مِنَ القَوْلِ –فِي جُلِّ مَا يُثَار ، وَمَا قَدْ يَتْبَعُهُ مِنْ آثَار-: كَثِيرًا مَا يَكُونُ فِي (شَيءٍ) مِمَّا يَقُولُهُ الخَائِضُونَ - أَوْ يَخُوضُهُ القَائِلُونَ!- بَعْضُ حَقٍّ ؛ وَلَكِنْ : لِمَاذَا هُمْ (دَائِمًا) يُضَخِّمُونَهُ فِي نَفْسِهِ –مِنْ جِهَةٍ- زِيَادَةَ بَلاَء؟! ثُمَّ يُوَسِّعُونَ دَائِرَتَهُ إِلَى غَيْرِهِ –مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى-تُهْمَةَ أَبْرِيَاء؟! كُلُّ ذَلِكَ -وَللأَسَفِ- بِالظُّنُونِ! وَالشَّمَاتَةِ –أَشَدِّ دَاء - !

فَهَلْ هَذَا هُوَ الحَقُّ ؟! بَلْ... هَلْ هَذَا مِنَ الحَقِّ ؟!

وَالوَاقِعُ المُعَاشُ يُؤَكِّدُ – بِلاَ أَدْنَى رَيْبٍ – أَنَّ الفِتَنَ عِنْدَمَا تَقَعُ تَكْشِفُ مِنَ النَّاسِ أَصْنافاً :

1 – ذُو النَّفْسِ المَرِيضَةِ مِنَ (القَرِيبِينَ) ؛ الَّذِينَ (تُسَيَّرُ) حِسَابَاتُهُم عَلَى غَيْرِ الشَّرْعِ ، وَتَمْشي المُطَيْطَاءَ (!) مُخَالِفَةً للهُدَى ؛ تَنْظُرُ المَصَالِحَ الضَّيِّقَةَ، وَتَتَغَاضَى عَنْ المَصْلَحَةِ الكُبْرَى ؛ مُنْتَظِرَةً الهَفْوَةَ وَالزَّلَّة – مِنَ الهَوَاء - وَبِالأَهْوَاء -!!

2 – الخَصْمُ المُتَرَبِّصُ (مِنَ البَعِيدَينَ)؛ الَّذِي يَرْفُضُكَ ابْتِدَاءً ، وَلاَ يَقْبَلُكَ أَصْلاً ، فَهُوَ يَزْدَادُ سُوءًا بِمُجَرَّدِ بُعْدِهِ؛ فَكَيْفَ الحَالُ مَعَهُ – إِذَنْ - بِأَيِّ خَبَرٍ يَصِلُ إِلَيْهِ عَنْكَ؛ غَاضًّا طَرْفَهُ وَعَقْلَهُ وَقَلْبَهُ عَنْ طَلَبِ البَيِّنَةِ، أَوْ تَطَلُّبِ الدَّلِيلِ !؟!

3 – ضَعِيفُ الشَّخْصِيَّةِ (المُتَذَبْذِبُ) ؛ الَّذِي تَغُرُّهُ شَائِبَةُ رِيبَة ، وَتُفْسِدُ قَلْبَهُ أَقَلُّ كَلِمَة ، وَتُحِيطُ بِهِ –لتَرْمِيَهُ!- أَدْنَى شُبْهَة!!

4 – القَوِيُّ الصَّادِقُ (الثَّابِتُ) ؛ الَّذِي يَطْلُبُ الصَّوَابَ ، وَيَتَطَلَّبُ البَيِّنَةَ ، وَيُقِيلُ العَثْرَةَ ، وَيُقَدِّمُ النُّصْحَ ، وَيُبَاشِرُ التَّوَاصِيَ بِالحَقِّ وَالصَّبْرِ وَالمَرْحَمَةِ ؛ مُرَجِّحاً المَصْلَحَةَ الشَّرْعِيَّةَ الكُبْرَى عَلَى المَصَالِحِ الذَّاتِيَّةِ الصَّغِيرَة!!

... وَهَذِهِ القِسْمَةُ الرُّبَاعِيَّةُ – وَمَا قَدْ يَتَفَرَّعُ عَنْهَا - لاَ تَخْرُجُ عَمَّا قَالَهُ الإِمَامُ ابْنُ القَيِّمِ فِي «إِعْلاَم المُوَقِّعِين» :

«وَقَالَ بَعْضُ السَّلَفِ : مَا قُرِنَ شَيْءٌ إلَى شَيْءٍ أَحْسَنَ مِنْ عِلْمٍ إلَى حِلْمٍ .

وَالنَّاسُ هَهُنَا أَرْبَعَةُ أَقْسَامٍ :

فَخِيَارُهُمْ : مَنْ أُوتِيَ الْحِلْمَ وَالْعِلْمَ ، وَشِرَارُهُمْ : مَنْ عَدِمَهُمَا ، الثَّالِثُ : مِنْ أُوتِيَ عِلْمًا بِلَا حِلْمٍ ، الرَّابِعُ : عَكْسُهُ .

فَالْحِلْمُ زِينَةُ الْعِلْمِ وَبَهَاؤُهُ وَجَمَالُهُ ، وَضِدُّهُ الطَّيْشُ وَالْعَجَلَةُ، وَالتَّسَرُّعُ وَعَدَمُ الثَّبَاتِ .

فَالْحَلِيمُ لَا تَسْتَفِزُّهُ الْبَدَوَاتُ ، وَلَا يَسْتَخِفُّهُ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ ، وَلَا يُقْلِقُهُ أَهْلُ الطَّيْشِ وَالْخِفَّةِ وَالْجَهْلِ .

بَلْ هُوَ وَقُورٌ ثَابِتٌ ذُو أَنَاةٍ ، يَمْلِكُ نَفْسَهُ عِنْدَ وُرُودِ أَوَائِلِ الْأُمُورِ عَلَيْهِ ، وَلَا تَمْلِكُهُ أَوَائِلُهَا ، وَمُلَاحَظَتُهُ لِلْعَوَاقِبِ تَمْنَعُهُ مِنْ أَنْ تَسْتَخِفَّهُ دَوَاعِي الْغَضَبِ وَالشَّهْوَةِ .

فَبِالْعِلْمِ تَنْكَشِفُ لَهُ مَوَاقِعُ الْخَيْرِ وَالشَّرِّ وَالصَّلَاحِ وَالْفَسَادِ ، وَبِالْحِلْمِ يَتَمَكَّنُ مِنْ تَثْبِيتِ نَفْسِهِ عِنْدَ الْخَيْرِ ، فَيُؤْثِرُهُ وَيَصْبِرُ عَلَيْهِ ، وَعِنْدَ الشَّرِّ: فَيَصْبِرُ عَنْهُ ؛ فَالْعِلْمُ يُعَرِّفُهُ رُشْدَهُ ، وَالْحِلْمُ يُثَبِّتُهُ عَلَيْهِ » .

فَأَيْنَ أَنْتَ – يَا عَبْدَ اللهِ - مِنْ هَذِهِ –أَوْ بَعْضِهَا- ؟!

﴿ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاء وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللّهُ الأَمْثَال...

وَهَذَا كُلُّهُ -كَيْفَمَا كَان!- لاَ يَمْنَعُ -البَتَّةَ- أَنْ يُقَالَ للمُخْطِئِ : أَنْتَ مُخْطِئٌ ...

وَأَنْ يُشْكَرَ النَّاصِحُ عَلَى نُصْحِهِ ... وَأَنْ يُدْعَى للمُشْفِقِ عَلَى سَلامَةِ صَدْرِهِ ...

وَأَنْ يُصْبَرَ عَلَى المُتَرَدِّدِ ؛ لَعَلَّهُ يَنْصَلِحُ ... وَأَنْ يُزْجَرَ الظَّالِمُ ؛ لَعَلَّهُ يَكُفُّ وَيَنْكَفُّ ...

... وَخِتَامًا ؛ انْظُرْ لِنَفْسِكَ – يَا أَخِي - مَوَاقِعَ أَقْدَامِهَا ، وَاحْذَرْ - حَذَرَ الخَائِفِ المُتَرَقِّبِ اليَقِظِ - مِمَّنْ وَصَفَهُمُ العُلَمَاءُ النَّاصِحُونَ بـ (إِخْوَان العَلاَنِيَة ، أَعْدَاء السِّرّ!!)؛ فَهُمْ - كَمَا قَالَ الإِمَامُ الخَطَّابِي فِي كِتَابِهِ «العُزْلَة» :

«إذَا لَقَوْك تَمَلَّقُوا لك ، وَإِذَا غِبْتَ عَنْهُمْ سَلَقُوك ، وَمَنْ أَتَاك مِنْهُمْ: كَانَ عَلَيْك رَقِيبًا ، وَإِذَا خَرَجَ: كَانَ عَلَيْك خَطِيبًا ، أَهْلُ نِفَاقٍ، وَنَمِيمَةٍ ، وَغِلٍّ ، وَحِقْدٍ ، وَخَدِيعَةٍ ...»!!

وَإِنَّ هَذَا الصِّنْفَ (!) لَيَكْثُرُ وَيَزْدَادُ – بَلْ يَتَكَاثَرُ! - فِي ظِلاَلِ عَصْرِ التُّكْنُولُوجيَا – المُنْفَلِتَةِ! - الَّذِي نَعِيشُهُ ؛ حَيْثُ مَوَاقِعُ الإِنْتَرْنِت ، وَالمُدَوَّنَاتُ الخَاصَّةُ، وَالمُنْتَدَيَات المَشْبُوهَةُ ، وَصَفْحَاتُ الجَرَائِدِ الصَّفْرَاءِ وَالسَّوْدَاء(!) ؛ إِذْ يَكْتُبُ مَنْ شَاءَ مَا شَاءَ كَيْفَ شَاءَ ! بِلاَ رَقِيبٍ وَمِنْ غَيْرِ حَسِيبٍ ؛ وَقَدْ يَتَسَتَّرُ (بَعْضُهُم) – مِنْ وَرَاءِ جُدُرٍ!- بِأَسْمَاءٍ كُبْرَى كَاذِبَة ؛ أَوْ يَنْدَسُّ خَلْفَ أَلْقَابٍ عُظْمَى خاوِيَة – جَهْلاً ، أَوْ جُبْنًا ...

يَكْتُبُ هَؤُلاَءِ وَأُولَئِكَ – وَكَأَنَّهُم يَحْسَبُونَ أَنَّ رَبَّهُم عَنْ فَعَائِلِهِم غَافِلٌ! - لِيُسْمِعُوا غَيْرَهُم هَذْيَهُم -فَقَط-؛ دُونَ انْتِظَارِ أَنْ يَسْمَعُوا مِنْهُم مَا يَكْشِفُ –لَهُم- مَا فِيهِم مِنَ الغَلَطِ والشَّطَط؛ وَيْكَأَنَّ كَلاَمَ الوَاحِدِ مِنْهُمْ {لاَ يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلاَ مِنْ خَلْفِهِ} !!

نَعَمْ ؛ الوَاحِدُ مِنْهُم (!) لاَ يَظُنُّ ذَلِكَ بِنَفْسِهِ – وَلَوْ فِي أَدْنَى أَمْرِهِ!- لَكِنَّهُ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْ بَابِ ﴿جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا !!!

وَأَكْثَرُ (هَؤُلاَءِ) وَ(أَولَئِكَ) - عِنْدَ التَّأَمُّلِ- لاَ يَضُرُّونَ إِلاَّ أَنْفُسَهُم {لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُون – بَيْنَ غِيبَةٍ، وَنَمِيمَةٍ، وَسُوءِ ظَنٍّ -...

وَلَوْ أَرَادُوا الحَقَّ .. لَدَخَلُوا أَبْوَابَهُ ، وَعَرَفُوا أَسْبَابَهُ ، وَوَاجَهُوا طُلاَّبَهُ ، وَقَبِلُوا هَدْيَهُ وَصَوَابَهُ ...

فَأُولَئِكَ (الخَائِضُونَ) مُخَالِفُونَ لِلنُّصُوصِ الشَّرْعِيَّة، وَمُنَاقِضُونَ للأَخْلاَقِ العَالِيَةِ المَرْعِيَّة ....

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيدًا. يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا} ، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ...

فَاخْتَرْ لِنَفْسِكَ –عِنْدَ الفِتْنَةِ أَوِ المِحْنَةِ- طَرِيقاً تَسْلُكُ بِهِ دَرْبَكَ: قَلْباً أَعْمَى لاَ يُمَيِّزُ الحَقَّ الأَكِيد ، أَمْ قَلْباً مُشْرِقاً بِالتَّقْوَى وَالتَّسْدِيد؟!

وَعَليهِ؛ فَإِنَّ كَثْرَةَ القَوْلِ وَالقَوْلِ المُضَادِّ – تَبَعاً لِلقَلْبِ وَتَقَلُّبَاتِهِ!- تُفْسِدُ وَتُمْرِضُ وَتُهْلِك ، وَلاَ مَخْرَجَ مِنْهَا إِلاَّ بِتَطْبِيق هَدْيِ قَوْلِ اللهِ -تَعَالَى-: ﴿بَلِ الإِنسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَة . وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَه

﴿وَاللّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِين...

﴿...فَهَلْ مِن مُّدَّكِر؟!
17 شوال 1428هـ
منقول

أمة الله 03-05-2008 05:27 PM

رد: تأملات في(وجعلنا بعضكم لبعض فتنة)
 
بسم الله الرحمن الرحيم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
جزاك الله خيرا أخي الأثري على النقل الطيب والمفيد
أستسمح أخي الكريم بإضافة هذه الدرر من تفسير الشيخ عبد الحميد بن باديس رحمه الله في تفسيره لهذه الآية الكريمة
فمما يميز تفسير الشيخ عبد الحميد بن باديس رحمه الله عن غيره من التفاسير صبغته العملية حيث اعتمد على التفسير في إصلاح الأمة فكان يخرج من كل آية بمنهج تطبيقي ليسهل على المكلفين فهم ثم تطبيق القرآن في واقعهم .

قال الشيخ عبد الحميد بن باديس رحمه الله في معنى هذه الآية

(امتحنا بعضهم ببعض لتظهر حقائكم عند الامتحان
جعلنا الرسل يأكلون كما يأكل البشر ويكسبون كما يتكسبون لنمتحن العباد بهم فيظهر من يتبعهم بالإيمان واليقين لما معهم من الحق والكمال ويصبر على ما يلحقه من اتباعهم من الجهد والبلاء ممن يحتقرهم ويعرض عنهم لما يرى من بشريتهم .
كما جعلنا الأمم فتنة لرسلها وامتحانا لهم وليظهر صبرهم على ما يلاقون منهم من إذاية وشر فتعلو درجاتهم ويضاعف أجرهم.
وجعلنا الغني امتحانا للفقير حتى يظهر صبره على حاله وكفه لعينه ويده عن شيئ غيره .
كما جعلنا الفقير امتحانا للغني حتى يظهر صبره على القيام بواجبه نحوه.
وجعلنا الصحيح فتنة للمريض حتى يظهر صبره على بلواه ورضاه بما أعطاه الله.
كما جعلنا المريض فتنة للصحيح حتى يظهر صبره على القيام بواجبه نحوه من العطف عليه وعيادته ومواساته.
وجعلنا الرعية فتنة للراعي حتى يظهر صبره على القيام بواجب رعايتها.
كما جعلنا الراعي فتنة للرعية ليظهر صبرها على طاعته
وهكذا في جميع أقسام الناس
أتصبرون على هذا الامتحان فإن الصبر عليه عزيز شديد؟
فاصبروا فإنه لا يخرجكم من هذا الامتحان خالصين خلوص الذهب الإبريز إلا الصبر.
وكان ربك يامحمد بصيرا عالما بعاقبة الامتحان في عباده مطلعا على كل ما يكون منهم عند الامتحان ليجازيهم عليه .)

ثم أنظر يرحمك الله إلى فقه الشيخ ابن باديس رحمه الله حيث قال في التطبيق لهذه الآيه الكريمة
"كما يفتن الفرد بالفرد كذلك تفتن الأمة بالأمة :من ذلك أننا معشر الأمة الإسلامية قد فتنا بغيرنا من أمم الغرب وفتنوا هم بنا فنحن ندين بالإسلام وهو دين السعادة الدنيوية والأخروية ولكن حيثما كنا -إلا قليلا- لسنا سعداء لا في مظاهر تديننا ولا في أحوال دنيانا
ففي الأولى نأتي بما يبرأ منه الإسلام ونصرح بأنه من صميمه.
وفي الثانية ترانا في حالة من الجهل و الفقر والذل والاستعباد يرثي لها الجماد.
فلما يرانا الغربيون على هذه الحالة ينفرون من الإسلام ويسخرون منه وإلا من نظر منهم بعين العلم ولإنصاف فإنه يعرف أن ما نحن عليه هو ضد الإسلام فكنا فتنة عظيمة عليهم ،وحجابا كثيفا لهم عن الإسلام فكنا –ويا للأسف -فتنة للقوم الظالمين.
وهم من نا حية نراهم في عز وسيادة وتقدم علمي وعمراني ،فننظر إلى تلك الناحية منهم فنندفع في تقليدهم في كل شيئ حتى معائبهم ومفاسدهم ونزدري كل شيئ عندنا حتى أعز عزيز إلا من نظر بعين العلم فعرف أن كل ما عندهم من خير هو عندنا في ديننا وتاريخنا وأن ذلك هو الذي تقدموا وسادوا به. وأن ما عندهم من شر هو شر على حقيقته ، وأن ضرره فيهم هو ضرره وأنه لا يجوز أن يتابعوا عليه فكانوا فتنة لنا حتى ينظر من ينظر بعين الحق للحقائق ممن تبهره الظواهر فتسلبه إدراكه فيغدوا ولا يفرق بين اللب والقشر )

ثم خلص الشيخ عبد الحميد بن باديس رحمه الله بعد ذلك فقال :

(هذه الحقائق كلها هدتنا هذه الآية الكريمة إليها:
هدتنا إلى أنا امتحنا ببعضنا، وأن الذي يخلصنا في هذا الامتحان ،ويخرجنا سالمين هو الصبر
وأن حالتنا في الامتحان منكشفة لمن سيجازينا عليها.
فلنهتد بهدايتها إلى ما هدتنا إليه ولنتدرع في هذا الامتحان العظيم بالصبر المتين ولنستحضر في قاوبنا مراقبة الله لنا لتثبت قدمنا في مقام الصبر بروح اليقين فبذلك نخرج إن شاء الله تعالى من نار الفتنة ذهبا خالصا نقيا وجوهرا طيبا زكيا فنسعد في الدارين برضى رب العالمين والله ولي التوفيق.

هشام 04-05-2008 08:54 AM

رد: تأملات في(وجعلنا بعضكم لبعض فتنة)
 
بارك الله فيك فيك أخي......موضوع هام جدا جدا

بذرة خير 07-05-2008 12:01 AM

رد: تأملات في(وجعلنا بعضكم لبعض فتنة)
 
بارك الله فيك أختي أمة الله على تلك الدرر لشيخ الإسلام ابن باديس رحمه الله رحمة واسعة
وبارك الله فيك أخي هشام فالموضوع جد هام كما قلت لا يعرف قدره إلا المتقون حقا جعلني الله وإياك منهم

اخصائي طب بديل 07-05-2008 09:07 PM

رد: تأملات في(وجعلنا بعضكم لبعض فتنة)
 
ماشاء الله بارك الله فيكم وادام تميزكم

رميته 09-05-2008 03:18 PM

رد: تأملات في(وجعلنا بعضكم لبعض فتنة)
 
شكرا جزيلا لكم جميعا , جعلني الله وإياكم من أهل الخير , آمين .


الساعة الآن 08:49 AM.

Powered by vBulletin
قوانين المنتدى