![]() |
دور اللغة العربية في بناء المجتمع (للاخ حليلوزيتش )
عندما تنبت للغة أجنحة يصبح الخوف عليها ضرورياً لئلا تغادر أرضها وشعبها.. وعندما يصنع الأنداد لها قفصاً لسجنها يصبح التغريد بها مأساوياً.. فكيف بها إذا كان السجّان وصانع القفص من أبنائها؟
ما يجيب عنه هذا البحث جملة من الأسئلة المكثّفة حول اللغة العربيّة في تاريخها ومسيرتها وحياتها الراهنة ومستقبلها الضبابي، في ظلّ ظروف الابتلاع والإلغاء والتغيب. أسئلة تدور حول واقع الأمّة ولغتها من خلال طرح الإشكاليّة العتيدة "دور اللغة في بناء المجتمع وتطوره". عهدنا أن نقلب المعادلة فنقول: "دور المجتمع في بناء اللغة وتطوّرها" لكن إشكالية بحثنا هذا تعكس القضية، وتسند إلى اللغة دوراً خطيراً هو بناء المجتمع وتطوّره. تمتدّ هذه الإشكاليّة إلى التعميم: دور اللغة، أي لغة، في المجتمع، أيّ مجتمع. كما تمتد إلى لفظة "بناء"، أيضاً أي نوع من البناء؟ وكان لا بدّ من حصر هذه الإشكاليّة لتجيب عن دور اللغة العربيّة في بناء المجتمع العربي وتطويره في الزمن الراهن. وهي مهمّة يجد الباحث خطورتها في هذا الظرف الدقيق الذي تجتازه الأمّة العربيّة، وفي هذا الواقع المريب الذي يتردّى به المجتمع العربي. لكنّ "لغة الضاد" تسهّل على الباحث الكثير من مشقّات هذه المهمّة التي وظيفتها الحفر داخل اللغة بتلازمها بالداخل الاجتماعي. تسهّل المهمّة لقدرتها الكامنة فيها ولغناها وقدسيتها وتسوّرها والمزايا التي تكوّنها، بحيث تصبح هي والإنسان العربي توأمين، بل واحداً، يصنع كلّ منهما الآخر، ويمضيان في رحلة الحياة متوحدين. هذا ما يكشف عنه البحث في ثناياه، ليثبت قابليّة اللغة وإمكاناتها على تجديد البناء، لأنّها لم تعد لغة بحروف وألفاظ وعبارات، بل أصبحت بشراً يتحرّكون ساعة يشاؤون. لقد جهد المبحث في حلّ هذه الإشكالية، فبيّن الدور التاريخي للغة العربيّة في بناء المجتمع، حيث وجد أن الأمة العربيّة واللغة نسيج واحد في بناهما الذهنيّة والنفسيّة والماديّة، مستعيناً على ذلك بعلم النفس وعلمائه وعلم الاجتماع ومنظريه وعلم اللغة وأبرز روّاده. ولذلك جاء البحث في قسمين رئيسين يتولّيان التنقيب عن الدور التاريخي والدور الراهن للغة في بناء المجتمع. وعرض لجملة من المسائل والقضايا، وتوقف عند نقاط ذات صلة ضرورية بالإشكاليّة، وقدّم جملة من الاقتراحات الآيلة إلى الشروع في ورشة بناء المجتمع العربي الحديث، من خلال الاعتماد على اللغة العربيّة وإمكاناتها في دفع الأبناء إلى تنفيذ سلطتها التي اكتسبتها عبر القرون. ووجد أنّ هناك إمكانيّة كبيرة لإعادة هذا البناء. ذلك أن اللغة العربية لا تزال العنصر الأكثر أهميّة الجامع للعرب باستطاعتها أن تقوم بالمهمّة إذا ما تمّ الالتفات إلى حقيقتها عبر التعرّف إليها بجدية، ومن خلال إحياء القاعدة المعرفيّة والإضافة إليها، والنظر إلى صورة المجتمع وقلق اللغة فيه، والإضاءات الشعبيّة التي أضافت إلى موجود اللغة الشيء الكثير، وتمسّكت بمبدأ المواطنة أولاً، وبالمواطنة اللغويّة ثانياً، وكشفت عن المسكوت عنه في دنيا اللغة العربيّة وممارستها وتفاعل أبنائها أو عدم تفاعلهم بها، وصولاً إلى جملة من الضرورات التي ينبغي ملاءمتها مع الحاضر، لاسيّما الوعي، ولجوء اللغة إلى العنف في بعض المواقع. وضرورة تجدّد الخطاب المعرفيّ والتبصّر بالإنشاء الجديد وأنواع الكتابة الجديدة والخطر الداهم المتمثل بالرهان على تفتيت المفتّت في الأمّة. بالإضافة إلى الأسس التي تتنكّبها اللغة لبناء المجتمع العربي الجديد وتطوره وسط هذا التفاقم الحاد للأحداث والصراعات المتعدّدة من أجل البقاء. القسم الأول: الدور التاريخي للغة العربية في بناء المجتمع. أولاً: اللغة والأمّة العربيّة 1- اللغة العربية والأمة نسيج واحد التصاق اللغة بأبنائها لا تزال اللغة العنصر الرئيس في إعطاء الصفة الاجتماعية للمتحدثين بها، والوقفة التي يقتضي وقوفها اليوم حول دور اللغة العربية في حياة العرب يتخطى الحاضر في حركة غير متعاكسة نظرياً على الأقل. ووجهة هذه الحركة هي باتجاه الماضي أولاً والمستقبل ثانياً مروراً بالحاضر ثالثاً. وفي الأحوال كلّها ثمّة تعويل على التواصل، وثمّة حراك وشبه سكون يقتفيان أثر الحياة.. وهذا لا يعني الحيويّة أو الموت.. إنّما حالة وانتقال، يبقى فيهما التواصل، ويبقى قول الجاحظ صحيحاً، على الرغم من مرور الزمن : "إذا ترك الإنسان القول ماتت خواطره، وتبلّدت نفسه وفسد حسّه"(). والقول هو اللغة، سواء أكانت مكتوبة أم منطوقة أم إشارة أم إيحاءً أم رموزاً... وهي عند العرب حميمية وتضامنيّة واجتماعيّة.. لذلك كانت لها هذه الأهميّة، لأنّها فعل حياة، وغيابها يؤثّر تأثيراً كبيراً في واقع أبنائها. يورد د. هدسون Hudson في كتابه "علم اللغة الاجتماعي"، الفقرة التالية عن بعض مواصفات اللغة العربية(): "تتمثّل الاختلافات بين الثقافات المختلفة بتحديد المسافة التي تتلاءم مع درجة معينة من التضامن، فالمسافة التي يحدّدها العرب – مثلاً – غالباً ما تكون أقصر من المسافة التي يحدّدها الأميركيون. وقد أُجريتْ لتدعيم هذا الإدّعاء أبحاث للمقارنة بين الطلاب العرب والطلاب الأميركيين في جامعة أمريكية. في هذه الدراسة طلب من الطلاب أن يتحدّثوا سويّاً في أزواج في غرفة يمكن ملاحظتهم فيها دون علمهم، وقد تمّ تسجيل حركاتهم ودرجة اقترابهم من بعضهم بعضاً عند الجلوس واتجاه أجسامهم ومقدار نظرهم إلى بعضهم بعضاً ومقدار ارتفاع أصواتهم ومقدار تلامسهم... خاطب العربُ العربَ والأمريكيون الأمريكيين، وعند مقارنة النتائج وُجد أنّ العرب يواجهون بعضهم بطريقة أكثر مباشرة من الأميركيين... وأنّهم يقتربون من بعضهم في جلوسهم أكثر من الأميركيين، وأنّهم أكثر استعداداً لملامسة بعضهم بعضاً والنظر مباشرة في عيون بعضهم بعضاً، وتخاطبوا بصوت أعلى من أمثالهم من الأمريكيين. وقد تضمّنت هذه التجربة عدداً من المتغيّرات غير المسافة، تشترك كلّها بطريقة أو بأخرى في تحديد علاقات القوّة والتضامن بين الأفراد. وقد تؤدي مثل هذه الاختلافات الثقافية بين الأمريكيين وبين العرب إلى سوء تفاهم شديد بين الطرفين". اللغة العربية بنية ذهنيّة ونفسيّة يبدو من هذا العرض أن الأكثر أهميّة في خصائص اللغة العربيّة، هي جماعيتها وتلاحم أبنائها وتضامنهم واقترابهم من بعضهم حتى التلاصق والتوحد.. وهذا دليل يفصح عن أنّ اللغة العربيّة ليست أمراً عارضاً، أو شيئاً يمكن تبديله كلما خطر للبعض خواطر أو نزعات أو ميول أو تأثّرات بعامل من العوامل.. العربيّة هي صنو الحياة.. زمن نشوئها مرتبط بأسباب عرف بعضها والقسم الآخر لم يعرف حتى الآن، أو لم يتمّ الإقرار به من بعض الباحثين.. وفي الأحوال كلّها ثمّة من يرى في العربيّة تماثلاً للناس أنفسهم، لا يكاد يميّز بينهما، حتى أصبحت "بنية ذهنيّة، تكوّنت من نوازع نفسيّة طبيعيّة، تراصفت تاريخياً، فغدت بمثابة بوتقة تصهر ما يوضع فيها وتشكّله وفاق طابعها، حين ملاءمته للصهر، فيكون له منحى خاص في الحوار والتعبير والسلوك والنظرة إلى الواقع وما بعده من آفاق وتطلعات تتجاوز المحسوسات. إنّها النفس العربيّة بكل ما فيها من انعطافات ونتوءات..."(). وهو تعريف يتخطى التعريفات القائلة عن اللغات: إنّها بنى ذهنيّة، ليؤكد على الإضافة المهمّة: "إنّها النفس العربيّة" وهي "المتميّزة بقدم وتنوّع خبراتها ومصادر ثرائها وعمق تاريخيتها التي تصل حتى التفرّد بين اللغات التاريخية التي تتعامل بها سلالات الأسر اللغوية الأخرى"(). وعبارة "النفس العربيّة" ليست مجرّد عبارة تلقى جزافاً، إنّما هي حصيلة غير معقّدة لتكوين "الذاتي" العربي.. هذا "الذاتي" الذي تضافرت على ارتقائه التدرّجي إلى الوجود عوامل لا تحصى، وهو في الحقيقة لا يعني الابتعاد من الموضوعي، إنّما هو خليط من الاثنين، من المادي المحسوس المُصادَر إلى عالم الذات، ذات الأمّة المختزنة تجارب الروح وتجارب الجسد، تجارب المعنى وتجارب المبنى، ونفسيّة العربي بمكوّناتها كافة، لذلك كان البناء على قول ابن خلدون: "الحروف التي تفضي بالأفعال إلى الذوات من غير تكلف ألفاظ أخرى، وليس يوجد ذلك إلاّ في اللغة العربيّة"(). كان هذا البناء إذاً يؤكد أنّ "اللغة العربيّة هي ذاتيّة أكثر مما هي موضوعيّة، أي هي في أساسها تجاوب مع انطباع أو صوت، وحين يستعملها المتكلم بها لتبليغ ما يريد، يترك للمستمع أو القارئ فسحة لإكمال الصورة والإرادة الكامنة خلفها"(). إنّ ما يشغلنا في هذه الفقرة هو إبراز إمكانية اللغة وسيطرتها على زمام القول، وانبثاق دورها الدائم في الفعل. ذلك الفعل الذي يتخطّى، أحياناً، أطر الزمان والمكان، من دون أن يهملهما أو يتجاوزهما.. إنّ القدرة الفاعلة للغة العربيّة تتأتّى من عناء تكوّنها وتسنّمها هذه المكانة الرفيعة، ليس في نفوس أبنائها الذين صنعوها عبر تاريخهم الاجتماعي والسياسي والثقافي والاقتصادي وحسب، بل في نفوس غيرهم من الشعوب، سواء أنطقوا بها أم لم ينطقوا، لأنّ البحث العلميّ الدقيق يظهر فرادة هذه اللغة وتأثيرها في مجتمعات كثيرة، كشف عن بعضها، وبقي البعض الآخر ينتظر الجهود لكشفه.. ولقد زاد من تركّز العربيّة في الذهن والنفس، ومن إقبال الناس عليها ارتباطها بالقيمة الاجتماعية للإنسان وهي المتأتية من العلاقة الوثيقة بالقرآن الكريم والحديث النبويّ الشريف، فمن تعلّمهما حسنت مكانته()، ومن "أحب الله أحبّ رسوله المصطفى (ص)، ومن أحب النبيّ العربيّ أحبّ العرب، ومن أحبّ العرب أحبّ اللغة العربية التي بها نزل أفضل الكتب على أفضل العجم والعرب، ومن أحبّ العربيّة عني بها وثابر عليها، وصرف همّته إليها"(). فكيف يتأتى أن تكون اللغة العربيّة بنيّة ذهنيّة و"النفس العربيّة" و"ذاتية"؟ كيف تأتى لها أن تحمل في رحمها التعبير الصافي عن الموجود، لتصبح بحدّ ذاتها المنشود القادر على صنع النفوس، وتكوين الذوات، وإحداث التغيير في هذا الموجود والارتقاء للتركز في الذهن؟ 2- اللغة الإنسان عند الجاحظ في دراسته القيّمة "محاورات في النثر العربي"() يتناول د. مصطفى ناصف ما أورده الجاحظ عن بعض مزايا العربيّة، وكيف أنّها أصبحت لغة الحياة، وكيف اكتسبت هذه القوّة العابرة للزمن.. يقول الجاحظ عن اللغة العربيّة: "قال بعض جهابذة الألفاظ ونقاد المعاني: المعاني القائمة في صدور الناس، المتصوّرة في أذهانهم، والمتخلخلة في نفوسهم، والمتصلة بخواطرهم والحادثة عن فكرهم مستورة خفيّة، وبعيدة وحشية، ومحجوبة مكنونة، وموجودة في معنى معدومة، لا يعرف الإنسان ضمير صاحبه، ولا حاجة أخيه وخليطه، ولا معنى شريكه والمعاون له على أموره، وعلى ما لا يبلغه من حاجات نفسه إلاّ بغيره. وإنّما يحيي تلك المعاني ذكرهم لها، وإخبارهم عنها، واستعمالهم إيّاها، وهذه الخصال هي التي تقربها من الفهم، وتجليها للعقل وتجعل الخفيّ منها ظاهراً، والغائب شاهداً، والبعيد قريباً. وهي التي تلخص الملتبس، وتحلّ المنعقد، وتجعل المهمل مقيّداً، والمقيّد مطلقاً، والمجهول معروفاً، والوحشيّ مألوفاً، والغفّل موسوماً، والموسوم معلوماً..."(). وهي المنطلقات التي شكّلت اللغة العربيّة وكوّنتها في أفق غير محدود من التجارب، اختلط فيها الذاتي بالموضوعي، بل توحدا ليقيما في الصدور، ويبقيا في الأذهان والنفوس والمتصلة بالخواطر والأفكار و"المستورة الخفيّة" والمحجوبة المكنونة و"الموجودة في معنى معدومة".. أي أنّ هذه اللغة كامنة في الشخصيّة وتحتاج إلى تحريك وإحياء وذكر وإخبار بها واستعمال لها.. ومن الاستخلاصات التي توصّل إليها د. ناصف، في سياق دراسته "للبيان والتبيين" للجاحظ: "أنّه لا يمكن أن تُدرس مواقفنا من اللغة بمعزل عن مواقفنا من المجتمع" وأنّ "المتكلّم قد يهزمه المجتمع وتظهر هذه الهزيمة في شكل عيّ"(). هذا العيّ هو الصعوبة المتمثلة في غير القدرة على التعبير.. وهي حالة تنتاب المجتمع كما تنتاب الفرد، في وضع معيّن وزمن معيّن، حيث يعجز الناس عن استعمال اللغة ودفعها لتقول ما ينبغي قوله.. إن فعاليّة الفصاحة والبيان، في نظر الجاحظ، كانت مطلباً اجتماعياً، وأنّ الصمت، لذلك يشكّل في البادية وطأة تغلب اللغة أو تعجز دونها اللغة.. وحينما يحدّث الشاعر عن صمت العيّ فإنّما يشير إلى قهر اجتماعي خاص().. ذلك "أنّ العربيّ كان في زحام الشرّ يستعين باللغة على بعض بواعثه، أو يمرّ بطور من المجاهدة العنيفة ضدّ اللغة"(). ولذلك "شغلت البيئة العربية بظاهرة الانتفاع باللغة، وعلى الأخص في شكل الخطابة"، وهي اللفظة المشتقة من "خَطْب" في مجال العلاقات الاجتماعية. "لقد طلب من اللغة أكثر مما يطلب في بيئات أخرى"().. لذلك اعتقد العربي، كما يرى الجاحظ، أنّ لغته قادرة، فقد استعملها في خصوماته السياسية، واستعمل بيانها لخدمة الأفكار النيّرة، كما عبّر بها في بعض الجوانب عن الأفكار الظلاميّة غير البنّاءة، يقول الجاحظ: "وذكر الله، عزّ وجلّ لنبيّه (ع) قريشاً في بلاغة المنطق، ورجاحة الأحلام وصحة العقول، وذكر العرب وما فيهم من الدهاء والنكراء، ومن بلاغة الألسن واللدد عند الخصومة"(). وفي الأحوال كلّها تبقى العودة إلى اللغة أو الانطلاق منها أمراً من الأهمية بمكان، اللغة تبقى والناس يتبدّلون.. صحيح أنّها تتبدّل معهم، لكنّها تحافظ على جوهرها.. وقد يتراجع استعمالها أو قد تهمل، لكنّ ما يبقيها قدرتها على الاستمرارية، لأنّها، كما يرى الجاحظ، تحمل أمرين أساسيين: أحدهما البراعة العقلية وثانيهما: القوّة الروحية المهيبة"() وأنّها "لها عبقريتها الخاصة"، لذلك "كان الإحساس القويّ باللغة تعمقاً لدفعة الحياة" وأنّ "علوّ اللغة من باب علوّ الهمّة والكبرياء، والانضباط الحقيقي انضباط لغوي لا عقلي. إنّ العاطفة اللغوية الفتيّة هي سبيلنا لمعالجة السرف والترف وأنّ "مسألة اختيار الكلمات علاج لشفاء النفس"()، وأنّ الفرد يزهو كثيراً إذا تكلّم أو أبان، وكان الكلام دائماً سبباً من أسباب رفعة الأشخاص والجماعات. لقد كان اعتقاد الجاحظ الدائم أنّه: "من خلال اللغة يستيقظ المجتمع ومن خلال وجه آخر منها يستيقظ الفرد بخصوصيته"()، و"اللسان يمكن أن يغلب مقدار العلم، والعلم يمكن أن يغلب العقل". الغلبة إذاً للسان، اي اللغة. وربما استطاع الكاتب الذكي المتملك اللغة أن يصنع متلقيه، قد يجعله عبيّاً أو غافلاً().. و"الذي يملك اللغة خليق بأن يسود في المجتمع"... و"العجز عن الكلمة عجز اجتماعيّ في المقام الأول"()، وأنّ "اللغة حقيقة متعالية على المجتمع أيضاً" وأنّ العلّة موجودة في الناس وليس في اللغة، لأنّ "بعضهم يميل إلى التقهقر والبعض الآخر إلى التقدم().. اللغة العربية لدى الجاحظ تعلّم الناس، تعيش فيهم. هي جزء من نفوسهم، توجّهها وتدلّها إلى الجيّد والرديء والنافع والمضرّ.. لذلك رأى أن "ضرورة ضبط اللغة هو صنو لضبط النفس.. وكأنّما يتعلم المرء مخاطر التعبير حينما يتعلم اللغة"().. وقد نتساءل: من أين تأتّت للجاحظ هذه الوفرة المعرفية بمزايا اللغة العربية.. وقد يجيب هو نفسه عن هذا التساؤل عندما حسب أنّ المعاني مطروحة، وعلى الفطن أن يكتشفها، وأن يعلم أنّ اللغة هي من صنع الناس، راكموها، وبثّوا فيها الحياة.. جعلوا منها كياناً قائماً بذاته: الإقبال عليه منجاة والابتعاد منه مهلكة.. لذلك كان يحسب أنّ "فكرة الهزيمة الثقافية فكرة بلاغية" وأن "سلطان الكلمات أشدّ ارتباطاً في الثقافة القديمة بالصدع والاستعلاء وطلب المجد والفتون" وأنّ الأعرابي يحب الكلمة وهي خير عنده من الدنيا، وأنّ التذكر والحنين إلى لغة الماضي أمر داعم للثقافة، وأنّ "الافتتان بالكلمة موقف". 3- اللغة والموروث في ضوء علم النفس اللغة المشتركة مسؤولة عن الوحدة العرقية عند دي سوسير إذا كان اعتقاد الجاحظ يقوم على أنّه: "من خلال اللغة يستيقظ المجتمع" كما أسلفنا، فإنّ فردينان دي سوسير Ferdinand du Soussere يذهب إلى القول في مجال الحديث عن دور اللغة: "تكون اللغة المشتركة مسؤولة إلى حدّ ما عن الوحدة العرقية"(). وفي مكان آخر يقول: "الاعتقاد السائد هو أنّ اللغة تعكس سايكولوجية الأمّة، ولكن الاعتراض المهم على هذا الرأي هو أن الأسباب السايكولوجية لا تقف بالضرورة وراء العمليات اللغوية"(). اللغة واللاوعي الجمعي عند يونع بينما أبرز كثير من الدراسات السايكولوجية التي اتخذت من الأدب واللغة والنقد سبيلاً إلى توضيح مفاهيمها، الروابط الوثيقة بين الأدب واللغة من جهة، وبين الموروث من جهة ثانية. يتضح ذلك من خلال الاعتقاد أنّ اللغة الحاضرة لمجموعة من الناس هي من نتاج اللاوعي الجمعي الذي هو نوع من خزّان للمعلومات تتسرّب إليه من خلال الممارسة والنشاط الجمعيين. وهذا اللاوعي يصبح المكمن الرئيس للصور والمعلومات، باستطاعته أن يخرجها عند الحاجة. وهو لا يخضع لقاعدة علمية صارمة، بل يتجلّى في التجارب والسلوكات التي تخرج من المخيّلة النفسيّة. وخروجها لا يخضع لحكم معيّن من الكاتب أو القارئ أو أي فرد اجتماعي، فهو لا يتحكّم بها لأنّها رواسب غريزيّة تتحرّك بوساطة آليّة غير واضحة تماماً(). وقد عُدّ غوستاف كارل يونغ Carle Gustaf Jung، العالم النفساني، هو المؤسس لهذا التفكير، فهو يرى أن العمق الإنساني واحد، سواء أكان في الجماعة البشرية الواحدة أم على الصعيد الإنساني، وليس من شيء جمعي صنعه البشر يموت.. فاللغات والعادات والتقاليد والأديان تبقى حيّة في اللاشعور الجمعي، على أساس أنّها ثوابت تعيش على شكل تصوّرات في الأعماق الإنسانية. هو نوع من التراكم يظهر بأشكال متعدّدة لأصل واحد، يرتبه الشعور الجمعي عند الفرد وعند الجماعة. وهي عملية تبدأ من القمة (أي الأنا)، لتصل إلى القاع السحيق: الوعي الجمعي الأعمق، وهي مرتّبة نزولاً: الأنا والوعي واللاوعي الشخصي واللاوعي الجمعي واللاوعي الجمعي الأعمق(). وهكذا أحسّ الإنسان أنّه في دائرة مغلقة، هي دائرة المجتمع الذي لا يستطيع الخروج منها، وقد تكرّست فيما بعد بالقوانين والأنظمة والمعارف واللغات التي تعارف عليها المجتمع. وتقوم نظرية يونغ على القول بوجود اللاوعي الجمعي والأنماط الأوّلية، وهذه الأنماط هي السلوكات المشتركة بين أفراد الجماعة في لغتها وتفكيرها ونظرتها إلى الأمور، والنمط هو النظرة نفسها إلى قضية من القضايا.. وهذا الأمر يتراكم عبر الزمن ويعيش داخل اللاوعي، يرقد ويستكين لكنه لا يموت، بل يتحفّز للخروج بالمثيرات والدوافع، وهكذا فإنّ اللغة والحلم والفكر هي من هذا النتاج النمطيّ الأوّلي، ظهر في بدايات التجارب الإنسانيّة وظلّ يتراكم إلى الآن.. وخروجه لا يعني تكرار صورته، بل جوهره والأساس فيه. وهذا يحمل إلى القول بتجدّد النظرة ضمن هذا النمط والإضافة إليه(). تحمل هذه المداخلات على التفكير بأنّ اللغة العربية هي واحدة من التكوّنات الاجتماعية التي اختزنت الأنماط الأوّلية من التفكير اللغوي العربي. وظلّ تراكم هذا التفكير عهوداً طويلة يتكوّن ويرسب في اللاوعي الجمعي العربي مخزوناً تُستطاع إعادته عند الحاجة. وما يجري في حياة الأمّة العربيّة من اضطراب وقلق وفوضى في شؤون كثيرة ينعكس على اللغة، ويُوهم أنّها منسيّة أو مهملة أو غير قادرة على تقديم الأفضل لجماعتها ووحدتها عموماً.. هذا الوهم لا يعود إليها بحدّ ذاتها بل إلى العامل الآخر في الثنائية الإيجابية: اللغة – الأمّة. وفي التقدير أنّ ما قال به يونغ، من أنّ شيئاً من موروثات الجماعة لا يموت، بل يظلّ متراكماً، ينتظر الوثوب، يعود إلى الواجهة بحلّته التي تفرض ألوانها على أبنائها نمطاً راجحاً، ليس في حياة العرب وحدهم، بل في حياة شعوب كثيرة تعيش فيها اللغة العربية كأنماط أوّلية نقلتها الجماعات العربية المتدفقة باتجاه العالم.. وذلك لم يتمّ، كما يقول، الباحث الأركولوجي يوسف الحوراني، "في جلسات أكاديمية، وإنما خلال مدى زمني حضاري لا يقلّ امتداده وتواتر خبراته وتجاربه، عن ثلاثة آلاف عام، هو عمر حضارة أرض الرافدين وبلاد كنعان، الأرض التي حققت بالتناوب والتكامل وتنظيم الذهن الإنساني من خلال اللغة وتصاريفها وكتابتها الرمزية. وقد غدت هذه الكتابة عالمية الوجه بوساطة أبجدية الفينيقيين العملية الصالحة لكل الناس ومختلف اللغات دون تحيّز أو تمييز"(). 4- قدم العربية من قدم أبنائها هذا التقصّي لأنماط اللغة العربيّة الأوّلية، نجد أصداءه في الكثير من الدراسات اللغويّة العربيّة المعاصرة، ولعلّ ما قام به الدكتور عبد الكريم خليفة، في موضوع نشأة اللغة العربيّة ونحوها، يصلح لأن يكون دليلاً في هذه الفقرة التي نتحدّث فيها عن أهميّة العربيّة وقدمها وتشكّلها وقوّتها التي بقيت عبر الزمن إلى يومنا هذا، لغة قادرة على حمل المجتمع إلى آفاق أفضل، لغة لا تموت، بل تتجدّد وتمنح الحياة أملاً ببناء جديد. ففي مناقشة الدكتور خليفة قضية ظهور النحو العربي، مستنداً إلى آراء ابن فارس، ولاسيّما في القسم الأخير من استشهاده: "وقد زعم ناس أنّ علوماً كانت في القرون الأوائل والزمن المتقادم، وأنّها درست وجدّدت منذ زمان قريب، وترجمت وأصلحت منقولة من لغة إلى لغة"()، نرى أنّه لا يجد في رواية تسمية النحو من قبل الإمام علي بن أبي طالب (ر) تناقضاً مع ما ذهب إليه ابن فارس بقدم هذا العلم، مضيفاً: "وربما كانت جذور هذه المعرفة تذهب بعيداً في أعماق التاريخ وتساير نشوء العربيّة وكتابتها"(). وهذا يؤكد أنّ اللغة العربيّة متواجدة في البنية النفسيّة والذهنيّة العربيّة منذ القديم، كما يؤكد انتقالها من عصر إلى آخر محتفظة بقوّتها وقدرتها على التجدّد والعطاء، تماماً كما هي الأحلام التي تحتفظ في اللاوعي الجمعي.. أحلام هي نفسها تتكرّر، يراها الناس في كلّ زمن، وربما يرونها بأشكالها العتيقة، على الرغم من تغيّر الزمن وتبدّل الهيئات والسمات. من أجل هذا لا نزال نعود إلى كتاب "تفسير الأحلام الكبير" لابن سيرين، نجد فيه تفسيراً لأحلامنا العصرية التي تطابق ما جاء في الكتاب الموضوع منذ مئات السنين عن أحلام مغرقة في القدم، ولا تزال هي نفسها اليوم. وهذا ما أكده ابن سيرين نفسه في قوله: "إنّ الرؤيا تأتي على ما مضى وخلا وفرط وانقضى"، وقوله: "وأعلم أنّه لم يتغيّر من أصول الرؤيا القديمة شيء ولكن تغيّرت حالات الناس في همهم وأدبهم..."(). وهذا ما يقرب نظرية يونغ في الأنماط الأوّلية واللاوعي الجمعي من ابن سيرين، لكنّ الاثنين يختلفان في أنّ الأول يبني نظريته على الاكتساب المعرفي، بينما الثاني يعيد الأحلام إلى الإرادة الإلهية التي تحفظ للناس أعمالهم وتراكمها في شمولية وكلّية.. وما ينطبق على الأحلام ينطبق على اللغة، "فإنّ لها آثاراً عميقة في السلوك الإنساني بمختلف أشكاله وأنواعه"()، وأنّ لها تاريخاً زاخراً هو من نسيج الفكر والوجدان.. وإذا "كان أشراف العرب من سكان المدن كانوا يرسلون أبناءهم إلى الأعراب بالبادية ليحذقوا اللغة العربية وهم صغار ويشبوا عارفين بأساليبها وفصاحتها" كما يقول أ. ولفنسون()، فكم بالأحرى لأبناء العربيّة أن يعودوا إلى أمّهم لتعيد إليهم بنية نفوسهم وتقودهم إلى بناء مجتمع علمي سليم يحمل في رحمه معالم التطوّر. 5- ثنائية اللغة – الأمة إذاً نحن أمام ثنائية استكمالية يعين كل طرف فيها الآخر، وعنوان هذا البحث يستنفر القول حول جملة من العوامل التي تفرض نفسها في سياقه. وهي واسعة ومتشعبة، كما هي متقاطعة إلى حدّ التطابق. والسؤال الأكثر أهمية فيها هو: هل يمكن البحث في مجاليّ اللغة والمجتمع في مكانين مختلفين؟ إنّ الإجابة السريعة عن هذا السؤال تلجأ إلى القول: إنّهما ينطلقان من مكان واحد، فلا مجتمع من دون لغة صنعها على مرّ تاريخه، ولا لغة من دون مجتمع، أي من دون أفراد يصنعونها تبعاً لحاجاتهم، ويتداولونها ويؤصّلونها لتصبح جزءاً من تكوّنهم. وهو ما ارتكز عليه ابن جنّي في تعريفه اللغة بقوله: "اللغة أصوات يعبّر بها كل قوم عن أغراضهم"().. 6- وما القوم؟ وما اللغة؟ لن أدخل في تعريف هاتين اللفظتين. إلاّ أنّ الخصوصية التي تميّزت بها العربية تدفعنا إلى القول بالتقارب الشديد بين شخصية العربيّة وأبنائها، لأنّه إذا كانت "اللغة المشتركة مسؤولة إلى حدّ ما عن الوحدة العرقية، وأنّ الوحدة العرقية تكفي دائماً لتفسير اللغة المشتركة" كما يقرّر دي سوسير Du Saussure()، فإنّ بعض الباحثين يرى أنّ: "الألفاظ العربية كالعرب أنفسهم، تتجمّع في قبائل وأسر معروفة الأنساب، وتحمل هذه الألفاظ دوماً دليل معناها وأصلها وميسم نسبها"(). وهذا من شأنه أن يجعل قوّة الوجود والقدرة على التعبير عن التواصل والاتصال والإبداع والخلق وإيجاد التفاهم ورسالة البناء... هي نفسها قوّة المجتمع وقدرته على التواصل والتطوّر والبقاء والوجود الفاعل. في ضوء هذه المنطلقات من الصعب أن تكون ثنائية : اللغة – الأمة، ضدّية. وجود كلّ منهما مرتبط بالآخر.. وإذا كانت الأمم تصنع لغاتها، فإنّ على هذه اللغات أن تحفظ صانعيها، أن تكون حاضرة في مجمل حياتهم، تقدّم لهم من مخزونها ما هم بحاجة إليه في كل زمن: في حالات النهوض وحالات التقهقر.. وبما أنّ الأمم تضع قوانينها القادرة على حمايتها، فإنّها تضع للغة قوانينها التي تحميها من الخطر، هكذا كانت شخصية العربي منذ القديم تؤمن بالتنظيم والتقعيد.. لذلك وضعت للغة ما يحفظ شخصيتها وما يبقيها سالمة من عاديات الزمن.. فلقد امتازت العربية بالتسوير الذي يكتنفها، وكانت "أهم مزيّة للعربية حفظت لها شخصيتها، كما يقول الشيخ الدكتور صبحي الصالح، بين أخواتها الساميات "إنّما هي عزلتها عن الشعوب الأعجمية، واكتفاؤها بمقدرتها الذاتية على التعبير، وعلى التمثّل والتوليد وعلى التخيّر والانتقاء، في موطنها عينه وبيئتها نفسها، وبين شقيقاتها اللهجات الفصحى التي تبادلت معها التأثير والـتأثّر. بينما كانت الساميات يتفرّقن عن موطن السامية الأم، ويبتعدن في الوقت نفسه عن الأصالة والصفاء"(). ثانياً: اللغة العربية وبناء الشخصية وإذا كانت الألفاظ العربية كالعرب أنفسهم، فهذا يعيدنا إلى البدايات التكوينية التي تجعل من القول ملازماً حدود الشخصية.. ففي الاعتقاد أنّ اللغة العربيّة في وضعها تتناوب المرئي واللامرئي، تضيف إلى المحسوس أموراً غير منظورة، تعيش في المجازات والصور، وتعطي للشيء الواحد أو الفكرة الواحدة غير معنى.. وهذا ما يستتبعه الاستنتاج بأنّ شخصية العربي تقوم في أحد أبنيتها على النظرية المزدوجة إلى الأشياء.. ولذلك كان سرّها في كون ألفاظها تحمل دلالات عديدة وقادرة على الاشتقاق والتوليد.. من جهة، ومن جهة ثانية تقوم بين هذه الألفاظ معان غير مرئية، وهي روابط فلسفية إن شئت، أو نفسيه داخلية تجعل من الحروف أداة لتغيير المعاني في الألفاظ لاسيّما الجذور منها، ومن الإعراب وسيلة لإجراء التحوّل في الأداء المعنوي للفظة داخل الدائرة النحوية، "فدلالة التركيب تقام على مجموعة القرائن التي تنتظمه ضمن سياق مرن يستوعب التحوّلات ويعيّن ما يترتب عليها من تغيير على مستوى الدلالة الكلّية"(). ومن شأن هذا أن يجعل لأبنية اللغة ميزتين رئيستين: الحضور والغياب، والغياب هنا لا يعني التعارض أو التناقض مع الحضور، إنّما هو استمرار له واستكمال وجوده وتأكيد له. لذلك كانت كثرة المترادفات تؤكد هذا الحضور في أنّها تعين حالة الشيء في وضع معيّن تختلف عن حالته في مترادفة أخرى.. فالسيف اليمني غير المهنّد وغير "ذو الفقار".. وكذلك الحسام غير الفاروق والبتّار.. هي حالات يكون فيها السيف حاضراً بشكل معين مختلف عن سواه. وهذا ما يؤكده السبكي بقوله: " ذهب بعض الناس إلى إنكار المترادف وزعم أنّ كلّ ما يظنّ من المترادفات فهو من المتباينات التي تتباين بالصفات، كما في الإنسان والبشر، فإنّ الأول موضوع له باعتبار النسيان أو باعتبار أنه يؤنس، والثاني باعتبار أنّه بادي البشرة"(). ومن أجل هذا كان "الإعراب هو الإبانة عن المعاني باختلاف أواخر الكلم، لتعاقب العوامل في أوّلها"()، ولذلك يقال: إنّ العرب سمّوا كذلك لكثرة تحرّكاتهم وتنقلاتهم، ومنها جاءت العربة والإعراب، فبمجرّد أن أحرّك وأعرب الكلمات على مستواها الشكلي أحرّك في الوقت نفسه الدلالات على مستواها التركيبي"(). هذه المداخلات تدفع الباحث باتجاه تبنّي وجهة النظر القائلة بتميّز اللغة العربية وفرادتها بين لغات العالم، وأنّها تحمل سمات منتجها وتكاد تكون شبيهة به. وهذا الشبيه لم يكن ينتج لغة بقدر ما كان ينتج أنماطاً في السلوك، وبناءات تتخذ سمة الاحتفاظ بالحياة المتوثبة دائماً إلى الانبعاث والإسهام في دفع الجديد إلى الحياة، وتطويره كي يكون دائم الحضور، وأن تهالك من حوله، ليصبح مثالاً قادراً على الحركة وإنهاض النفوس ودفعها لتتخذ تلك الأنماط معالم سارية المفعول في أزمان مختلفة، حيث "تظل اللغة الوسيلة الرئيسة للاتصال، ومن ثم للتأثير في الإدراك بنحو تذكر الماضي عند الفرد والجماعة ووعيهما بالحاضر وتوقعهما وتنبؤهما بالمستقبل"(). 1- حفظ الشخصيّة وحضورها لذلك كان الاعتقاد السائد بأنّ العربيّة حفظت شخصيّة الأمّة على مرّ الزمن، وهي لن تبخل بأداء هذه المهمّة في زمننا الراهن. تعيدنا مقولة بناء الشخصيّة العربيّة إلى عصور خلت، حيث نجد مهمّة اللغة كانت حاضرة حضوراً مميّزاً في محطات تاريخيّة كثيرة، حضوراً يثبت هذا الدور العريق في بناء المجتمع العربي وتطوره: 2- العربية والتأسيس لن أبتعد كثيراً من مسار البحث الذي أنا في صدده، ولكنّ هناك فكرة تلح لإبرازها، وهي أن مجموعة من الباحثين يرون أنّ ابتداء الخلق كان في بلاد العرب، وبالتحديد في شبه الجزيرة العربيّة وعلى جبل اسمه "كور" (مجمرة الحدّاد) وأطلق عليه السومريون اسم "شدا" أو "شد" (أي السدّة أو العرش)، ومنه انطلقت الحياة إلى أقاصي الأرض().. وأنّ لفظة "لغة" العربيّة هي أول ما أطلق من أسماء على الكلام، فهي: "لوجو" أو "أولوغو" Logo (الكلمة)، وهي من الفعل العربي القديم (السرياني() والفينيقي): "لجا = لغا، لهج، نطق، تكلم(). وأنّ الكلمة كانت في أساس التفكير العربي تعني البناء، وكذلك انتقلت إلى التفكير الديني، ففي المزمور نجد هذا المعنى: "بكلمة الرب صنعت السماوات إنّه قال فكان، وأمر فوجد"()، وفي الإنجيل أيضاً: "في البدء كانت الكلمة، والكلمة كان لدى الله"(). وفي القرآن الكريم: "وإنّ قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون"(). كما ارتبط البناء بالقول الإلهي: "اِقرأ"، الكلمة الأولى التي أطلقت فعل البدء ببناء كون جديد ونهائي، في حسبان الإسلام آخر الديانات السماويّة، وأنّ النبيّ محمداً (ص) آخر الأنبياء الذين سلّم إليهم أمر بناء الكون.. والدكتور أحمد داود، الباحث العربي السوري في تاريخ الحضارات، ينطلق في كتابه "تاريخ سوريا الحضاري"، من فكرة أنّ التدفق البشري الذي استوطن بلاد ما بين النهرين ووادي النيل ومنطقة سوريا القديمة، هو كلّه من أساس عربيّ.. وقد أكّد فكرته بمزيد من الأدلّة والبراهين عليها، مستمدة من مراجع ومصادر عربيّة وغير عربيّة، ومن الآثار والنقوش وتواريخ الأمم، وهو يتعقب الفكرة خارج بلاد العرب، ويؤكد أنّ اليونان يدينون للعرب بكثير من نسبهم وتاريخهم وعلومهم وتكوّنهم.. وأنّ العرب السوريين هم السلالة الكبرى، وقد أنسلت سلالات فرعية منها: الفينيقيون والمصريون والفرس والأكراد والأتراك والسعوديون والهنود والأحباش والبربر واليونان والإغريق والطليان والكلتيّون والإسبان... والجدير بالذكر أنّ د. داود يثبت بالدليل أنّ لغة هؤلاء من أصل عربيّ اتخذت أشكالاً ورسوماً متقاربة، إلاّ أنّها في نطق الحروف تكاد تكون واحدة.. الأمر الذي يؤكّد لديه تأثير العربيّة في بناء شخصيّة هذه الشعوب ومجتمعاتها، ولاسيّما في ابتكار عقيدة التوحيد، وتفصيل قضايا الخلق، ونشوء الحياة، والتماهي بين العلم والدين، ومفاهيم الوحي، والثواب والعقاب، وغيرها كثير من الإسهامات التي وضعت اللبنة الأساسيّة لانطلاق الإنسان في الكون بمفاهيم مختلفة حول شؤون كثيرة(). لعلّ هذه الوقفة، عند هذا المرجع المهمّ، تعيد إلى الأذهان صورة العربيّة في تجلّيها التاريخي القديم، وتظهر مدى قوّتها وتفاعلها في أمداء مختلفة من خارطة الشرق والغرب.. وهو الأمر الذي هيأه الله لهذه اللغة لتكون رائدة في سوق لغات العالم.. إلاّ أنّ أبناء هذه اللغة تكاسلوا وقعدوا عن الإلمام بتفصيلات هذا التاريخ المهمّ.. فلم يضعوا معجم العربيّة القديمة، ولم يدقّقوا في حياة اللغة، ولم يقفوا على منطلقات العلوم في مجالات كثيرة.. وهو ما يدلّ على غنى العربيّة وقعود أبنائها.. 3- بعض الإسهامات البنائيّة إنّ العربيّة هي التي طبعت شخصيّة العرب فيما قبل الإسلام بطوابع خاصة، بقيت فيهم، تظهر في التعبير عن أنفسهم والالتصاق ببيئتهم وكتابة إبداعهم وإقامة الحضارات العديدة.. وهذا ما يفسّر أهميّة الكلمة لديهم.. فلقد اشتهروا بها، وكان شعرهم الديوان الرئيس الذي برعوا فيه.. ولذلك كان التفوّق في الكلام وصناعته وقوله يساوي تفوّق الأفراد وريادتهم.. إنّ ما ذكره القرآن الكريم، عن الممالك والشعوب التي أهلكت والتي بقيت، خير دليل على عراقة تاريخهم، لذلك توّج سبحانه حياتهم بالذي يميّزهم: فكان "القرآن الكريم" الذي في معناه العام يعني البناء في كل شيء، وكانت "إقرأ" خير بداية تأمر بهذا البناء.. إنّ ما كشفه التاريخ عن زمن وجود العرب الأنباط ومجتمعهم وعبقريتهم في الفنّ والبناء والعمران، يقف دليلاً على أنّ هؤلاء الناس كانوا روّاد بناء، ولا عجب أن نجد رجلاً عالماً مثل الإمام علي بن أبي طالب (ر) ينتسب إلى هؤلاء الأنباط: "إننا نبط من كوثي"(). هؤلاء الأنباط الذين أسسوا دولة واسعة مترامية الأطراف حذقوا فنون الهندسة والبناء في أشكاله المختلفة، وابتكروا طرقاً جديدة في تشييد المدن، فكانت مدينة البتراء التي لا تزال بعض آثارها إلى اليوم في الأردن آية في الروعة والجمال والتنظيم المدني()، كما برعوا في فنون الخط والكتابة، وقد عرف خطّهم بالنبطي، نسبة إليهم، تأثّرت به أنواع الخطوط فيما بعد، لاسيّما الخطّ المعروف بالكوفي الذي كتب به القرآن الكريم(). وفي التدقيق في تاريخ النبط العام()، يتضح أنّهم "عرب، بل هم أقرب إلى قريش وإلى القبائل الحجازية التي أدركت الإسلام من العرب الذين يعرفون بـ"العرب الجندبيين"، يشاركون قريشاً في أكثر أسماء الأشخاص، كما يشاركونهم في عبادة أكثر الأصنام. وخط النبط قريب جداً من خط كتبة الوحي، وقد قلت: إنّ من العلماء من يرى أنّ قلمنا هذا مأخوذ من قلم النبط"(). وهو دليل يثبت عروبة الأنباط الذين ينتسبون إلى "بنايوت"، الابن الأكبر لإسماعيل جدّ العرب العدنانيين()، وهذه العروبة قدّمت للتاريخ أنموذجاً كاملاً عن حياة العرب التي كان شعارها الكتابة والقلم والبناء المتجدّد على غير صعيد.. وتحت عنوان "لغة الأمل والمعتقد"()، يورد الدكتور يوسف الحوراني الكثير من الحقائق التي تثبت قدرة اللغة العربية على بناء المجتمعات وتطويرها وتجدّدها. وإذ أتعقّب هذه المسألة فلتقديم نماذج أخرى عن قوّة العربية وقدرتها الكامنة على الخلق والإبداع والنهوض بالمجتمع.. فقد قامت معتقدات أسلاف العرب من الساميين على فكرة حتميّة التجدّد السنوي في أقدار الناس، وفاق قناعة بأنّ الله المدبّر العادل يجدّد كل سنة قدر الإنسان في يوم معيّن من السنة، وخلال لوح مكتوب يرسم للإنسان فيه قدره الجديد للسنة المقبلة، دون تمييز بين إنسان وآخر أو فقير وغنيّ.. والمقصود بذلك حماية قدر الإنسان من اليأس المطلق وجعله يعيش في أمل جديد. "كان هذا النهج ذاته يسري على المتسلطين وما لهم من سلطات، فكان هناك تقليد اجتماعي يقضي بأن يتقدّم كل من يرث السلطة بقوانين جديدة للعدالة، تكون له كبيان لما يمارسه من أعمال للمجتمع ولحقوق أبنائه، ولهذا غدا التنافس في تحقيق العدالة للجميع العامل الأهم في تنمية شخصية الفرد وتوازن حريته مع حرية الآخرين، سواء أكانوا رجالاً أم نساء، فهم ذوات، كما تدل غليهم استعمالات اللغة وتصاريفها المتشعبة، ذوات ولا تمييز بين إنسان وآخر، ما داما يتشاركان في حوار الفهم والإفهام وفاق بنيتهما اللغويّة". ولقد ارتبط الناس فيما بينهم باللغة التي حدّدت القواعد والأصول والقوانين في الحكم والشؤون العامة في أرض كنعان والرافدين. "لقد تساوى الناس في الأبجدية مع تساويهم في القدرة على النطق والكلام، ولم تبق صور الأشياء وسيط تواصل بين الناس".. أصبحت "اللغة في نموّ دائم بالمفردات والقواعد الصالحة للتعميم واستعمال الشعوب الأخرى غير السامية لها.."(). إنّ المنقّب في تاريخ السلالات العربيّة المتعاقبة يجد الكثير من المعارف التي وضعت في الأساس لبناء المجتمعات. فثمّة قرون طويلة قبل الإسلام، وثمّة تطوّر وتكيّف مع كل مرحلة، وثمّة تنوّع يظهر حيويّة اللغة العربيّة ويكشف عن إمكاناتها المختزنة التي تخطّت بلاد العرب إلى بلاد الآخرين. 4- البناء وقدسيّة اللغة العربيّة هي لغة القرآن.. اللغة المقدّسة التي دخلت في شغاف القلوب والوجدان والعقول والضمائر والنفوس، فشكّلت بناها الرئيسة ورسمت كلّ خطوة يخطوها الإنسان.. نقول الإنسان لأنّ الإسلام ليس للعرب وحدهم، بل للإنسانيّة قاطبة : "علم الإنسان ما لم يعلم" و"خلق الإنسان، علّمه البيان" و "علّم آدم الأسماء كلّها". ولا ريب في أنّ الإسلام جاء تتويجاً لما سبقه، هو العلم الذي قدّمه سبحانه وتعالى للعالمين، "ولله في خلقه شؤون"، هو الذي خلق السموات والأرض وما عليها.. وقدّر لها هذه المسيرة الطويلة فيما قبله واختصرها في هذا الكتاب العظيم: القرآن.. خلقها وقدّر تدرّجها وتجاربها وصراعها مع نفسها ومع الحياة: "وقل اعملوا".. وقال للموجودات كلّها: "كنْ فيكون" فكانت التراكمات والإيحاءات والأفكار والصنائع والنجاة والهلاك.. وكانت اللغة العربيّة اللسان المبين الذي رسم الأقدار ووجّه الخلق، وخاطب العرب وخصّهم باختياره من دون العالمين: "كنتم خير أمّة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن الفحشاء المنكر" و"إنّا أنزلناه قرآناً عربياً".. إنّها دلائل عميقة على سرّ قوّة العربيّة، لأنّها لم تعد حروفاً وكلمات فحسب، بل أصبحت بشراً يسلكون ويتحرّكون بقدر من الله.. أصبحت شخصيّة وذاتيّة في بنية الإنسان الذهنيّة والنفسيّة والمادّيّة.. ولا يحق للفرد العبث بهذه الشخصيّة، لأنّه يعبث بالدين واللغة وبتاريخ طويل من إنجازات البشرية كلّها.. وأصبح التزامها أمراً مقدساً.. يتعبّد بها الإنسان أثناء تلاوته القرآن.. وينبغي أن يتعلمها ويتقن قواعدها ويعمل بأصولها.. ولا تمييز في ذلك بين إنسان وآخر.. الكلّ سواسية كأسنان المشط "ولا فرق لعربي على أعجمي إلاّ بالتقوى". بمجيء الإسلام حُسمت نقاشات طويلة تداولتها الإنسانيّة في دربها الطويل.. وكانت الإشارة الرئيسة تتركّز في لفظة "اقرأ" التي تعني اللغة في صميمها، كما تعني البناء بأوسع دلالاته..: "اقرأ وربّك الأكرم الذي علّم بالقلم علّم الإنسان ما لم يعلم". هذا القلم لا يخط على البياض كلاماً هذراً.. إنّما هو المحراث الذي يشقّ الأرض وينبت حياة لذلك ميّزه الله: "نون، والقلم وما يسطرون"، ميّزه لأنّه ليس مجرّد قطعة خشب إنّما لأنّه لسان.. لغة تخطط وتنفذ.. ولذلك غدت اللغة في الإسلام الذي غذّاها بدفق كبير من المعارف والألفاظ الوسيلة البنائية التي يتسلّح بها الإنسان، لا ليحفظ أمثولاتها ويغيّبها بجعلها غائبة، بل للعمل والتنفيذ.. أنفطن بعد ذلك لماذا هي لغة مقدّسة؟ أنعلم لِمَ هي حيّة على الرغم من عاديات الزمن؟ أندرك لماذا يتمسّك بها الناس في مختلف عهودهم؟ أظنّنا نعلم.. ونعلم أيضاً أنّها قادرة على تجديد حياتنا وإعادة بنائها.. ونعلم أيضاً أنّ الإسلام بهذه اللغة التي تتضمّن تعاليمه استطاعت أن تبني مجتمعاً كبيراً، وتحدث النقلة الكبرى من عالم ما قبل الإسلام إلى عالم ما بعده.. والذي ما بعده هو اعتقاد راسخ بأنّ "هذه اللغة تمتاز عن كافة اللغات بارتباطها بالأصلين العظيمين الخالدين (القرآن والحديث)، وهما على وجه واحد، أوّل الدهر وآخر الدهر، وإليهما مناط العقائد في العالم الإسلامي كلّه، فقد جعلا هذه اللغة، ولا سبيل للغة غيرها من حيث هي، كما أنّه لا سبيل لدين على دينها من حيث هو. وهذا مما يهوّن الخطب فيها، إن ضعفت أو تعدت عليها بعض عوادي الاجتماع، فإنّ قوّة الحياة المستكنّة في أصولها لا تلبث أن تشدّ منها تذهب بأمراضها عند أيسر العلاج. وما دام كل انقلاب اجتماعي فينا لا يأتي على هذا الأصل فهو لن يأتي على تلك اللغة. وإذا كان الحيّ لا يُبنى إلا من داخله فهو لا يهدم إلاّ من داخله"(). وهذا دليل كبير على تأثير اللغة في المجتمع، ومثال واضح على التغيير العميق الذي نلمسه، ليس في حياة المسلمين الأوائل، بل في حياتنا نحن على غير صعيد. ثالثاً: بناء القاعدة المعرفية العربية والعربية هي التي استقطبت شعوباً كثيرة تمثّل استقطابها في ذلك الامتزاج الكبير للثقافات في أوج ازدهار للحضارة العربية والإسلامية في الأعصر العباسية. إنّ الدخول في تفصيل هذه الملاحظة قد يخرج عن النطاق المرسوم للبحث، لكن لا بدّ من الإشارة إلى تمكّن العربية من أن تكون اللغة الأساس في ذلك الزمن، بها كتب الكاتبون وإليها لجأ العلماء وإليها ترجم المترجمون، حتى استطاعت أن تثبت قدرتها على المطاوعة والإيفاء بالأغراض المطلوبة والتعبير عن لحظة تاريخية مهمة في حياة الإنسانية.. ذلك كلّه يفضي إلى القول: إنّ اللغة العربية هي لغة العلم والفلسفة والأدب والتأريخ والجغرافيا.. وبالتالي هي لغة البناء وهي التي تحمل في رحمها القدرة على التطوير. وهو الأمر الذي يثبت "أن العرب في مجال البحث العلمي والتعبير العلمي، وفي مقدّمته ما يتعلّق بالطب، أصلاء لا دخلاء، وتاريخهم مع الطب والعلوم ضارب في القدم والعرافة"(). نجحت العربية في امتحانها العلمي والاجتماعي والسياسي، وتكوّمت فيها المصطلحات، وانبرت للعلوم والفلسفات والتعبير المزهر حتى غدت لغة أقوام آخرين لم يحتفوا بها من قبل، ووصلت آثارها إلى بواطن الحضارات الإنسانيّة في الشرق والغرب. 1- العربية وبنية المجتمعات الإنسانيّة والعربية هي التي أسهمت في تكوين مجتمعات عديدة ونقلتها من وضع إلى آخر.. ولم يعد خافياً على أحد حكاية العرب القدماء (الفينيقيين) مع أوروبا، وبالتحديد مع اليونان. وأجدني مضطراً إلى اقتطاف بعض الآراء حول ذلك، لما له من أهمية في سياق إثبات دور اللغة العربية في تكوين المجتمع.. وهو تكوين هذه المرّة ينبئ بإقامة حضارة الغرب على أساسه.. وقد تعوّد بعض أبناء الأمّة أن يثقوا بغيرهم أكثر من ثقتهم بأنفسهم، لذلك سوف أورد بعض ما قاله هذا الغير بشكل مقتضب. يقول المؤرّخ الألماني هنري بريستد: "ولم تكن الملابس وفنّ الزخرفة والتزويق والأساليب الصناعية العملية الأشياء الوحيدة التي جاء بها الفينيقيون إلى بلاد اليونان، بل كان هنالك شيء أثمن من كل مصنوعات الشرق أخذه اليونان عن الفينيقيين وهو حروف الهجاء. وهي أهم ما وصل إلى أوروبا من خارجها.. وقد ظلّ أكابر البلاد أحقاباً طوالاً أمّيين، كانوا ينظرون إلى الكتابة نظرة المرتاب الحذر، ولم يبدأ بتعلم الكتابة إلا بعد 700 عام قبل الميلاد.. والحقيقة التي لا مراء فيها هي أنّ حروف هجاء بلاد الغرب والشرق متسلسلة من حروف الهجاء الفينيقية، وجاء إلى أوروبا، لأوّل مرّة، مع حروف الهجاء القلم والحبر والورق، وجاء مع الورق اسمه الشرقي "بابيرو"، وهو اسم الورق الذي يكتبون عليه في مصر أيضاً. ثم استعمل اليونان لفظة "بيبلوس" اسم المدينة الفينيقية التي جاءهم منها، وسمّوا ما كتبوه عليها "بيبليا"، ومنها أخذت أوروبا لفظة "بايبل" التي معناها الكتاب"(). ويضيف الدكتور أحمد داود مفسّراً: أنّ لفظة "بابيرو" أصلها "ففرو" وتعني الورق، وأنّ لفظة "بابيل" تعني : بابا وإيل: آيات الرب، ومنه جاء "البيبل" Bible الكتاب المقدس (الإنجيل) ومنها لفظة Biblioteka (المكتبة)().. ويفخر الباحث أونفروا دي ثورن، بأنه نجح في إثبات أنّ لغة هايتي على القارة الأميركية من أصل عربي فينيقي: "إنّ نجاحي كان كاملاً لأنّ لغة التينو Tuino أي اللغة الشريفة المقدسة في جزيرة هايتي هي مشتقة من اللغة الفينيقية، بل هي لهجة فينيقية، وحتى كلمة تنينا Tanina نفسها هي مؤنس تنّين أي الحيّة المفترسة"(). يمضي هذا الباحث ليثبت أنّ هذه اللغة أيضاً هي لغة البرازيليين، وأنّ أسماء الأماكن في هايتي والبرازيل هي فينيقية. ويشير جملة من الباحثين إلى أنّ هؤلاء الناقلين من الفينيقيين، لم ينقلوا اللغة وحسب بل نقلوا أساليب الحياة العامة، وأسسوا مجتمعات جديدة في الأماكن التي وصلوا إليها، في حوض البحر المتوسط والأطلسي والقارة الأمريكية وقارة آسيا وأفريقيا.. وإذا كان ثمّة من تأثير يبدو للغة العربية فيما يحيط بها وفيمن تعامل معها، من فرس وهنود وأتراك، فإنّ تأثيراً كبيراً يُحفظ لها في القارة الإفريقية لا يزال قائماً إلى يومنا هذا، وهو ينمو باطراد، يبدأ من شمالي القارة فيحوّل حياة أبنائها كليّاً، ثم يعود ليتجه جنوباً مروراً بالقلب وانتهاء إلى شرقها وغربها.. فهي لغة الشعائر الدينية في أفريقيا، وهي تحتل 30% من لغة "الهوسا" و 90% من لغة تشاد، وتتحدث بالسواحلية عشر دول منها في شرقها().. وهي "موجودة في جميع أنحاء أفريقيا بدون استثناء.. والعربية لغة أفريقية بكل معنى الكلمة"(). هذه النماذج تؤكد أنّ اللغة العربيّة انتقلت إلى هذه المجتمعات كلغة بانية لحياة ومؤسسة لثقافة وأنماط تفكير في النواحي الكثيرة، وتكفي الإشارة إلى ما أحدثته هذه اللغة ومتعلقاتها العلميّة والفلسفيّة والثقافيّة والحضاريّة والدينيّة والتراثيّة في مجتمع أسبانيا على أثر افتتاحها وإقامة العرب في الأندلس ما يزيد عن سبعة قرون.. إذاً العربية قادرة على فعل التحوّل وإعادة التكوين وإرادة البناء في أي مجتمع تحلّ فيه. 2- وهذه العربية بانية النهضة ولشدّ ما تنطبق إشكالية العنوان، تأثير العربية في بناء المجتمع وتطويره، على حالة العرب في بدايات عصر النهضة العربية، فمن الواضح أنّهم خرجوا من المرحلة السابقة التي أهيلت عليها أوصاف مختلفة مثل: الموت والسبات والغياب والركود والتخلف.. وعندما حاولوا العودة إلى الحياة كان سلاحهم يتمثّل بمنتجات اللغة العربية من حضارة ومعارف ودين ولغة وخصوصيات وقيم، وعموماً التراث بأكمله، أحيوها، أعادوها إلى الواجهة، وقاوموا بها الغزو الآتي من وراء البحار. ولم يمضِ زمن حتى أحسنوا استعمال هذا السلاح، طوّروه ليكون ملائماً حياتهم الجديدة. ولم تكن تلك المحاولات من غير صراع لاختيار أساليب اللغة وقواعدها وبيانها وسبل تيسيرها وتقديمها للناس بشكل يتناسب وتطلعهم إلى بناء الحياة الجديدة. صراع بين المحافظين وبين المجدّدين، وبين الذين يقفون وسطاً بين الفئتين: لا يلغون القديم ولا يؤخذون كليّاً بالجديد الذي من شأنه أن يطمس شخصيتهم اللغويّة.. وكان النثر الأداة القريبة التي يمكن أن تنجز مهامّ البناء والتحوّل، فأصبحت الكتابة النثرية كما يقول العقاد، في هذا العصر "تخطو خطاها الواسعة إلى مدى لم يسبق للعربية به عهد"(). وإذا كان ناصيف اليازجي جسراً لوصل القديم بالراهن، فأعاد فنّ المقامة إلى الحضور وأمدّه بالعلوم المختلفة وبخاصة اللغويّة()، فإنّ الطهطاوي قد بدأ مهمّته التنويريّة بازدواج الهدف: تقديم المعلومات وتطويع العربية والتعبير عن العصر الجديد().. بينما يعلن الإمام الشيخ محمد عبده هذه المهمّة المزدوجة بقوله: "ارتفع صوتي بالدعوة إلى أمرين عظيمين: الأول، تحرير الفكر من قيد التقليد وفهم الدين على طريقة سلف الأمّة قبل ظهور الخلاف والرجوع في كسب معارفه إلى ينابيعها الأولى، ضمن موازين العقل البشري التي وضعها الله لتردّ عن شططه وتقلل من خلطه وخبطه، وأنّه على هذا الوجه يعدّ صديقاً للعلم باعثاً على البحث في أسرار الكون داعياً إلى احترام الحقائق الثابتة بالتعويل عليها في أدب النفس وإصلاح العمل. والأمر الثاني، إصلاح أساليب اللغة العربية في التحرير، سواء في المخاطبات الرسمية أم المراسلات بين الناس"(). والأمر نفسه نجده عند الأمير شكيب أرسلان (1869-1946)، وهو الذي غطّى في عطائه الفكري والأدبي والاجتماعيّ والسياسيّ والدينيّ ما يزيد على ثلاثة أرباع قرن من عمر النهضة.. إلاّ أنّه جعل العودة إلى الدين والتمسّك به هو السرّ القوي في إنهاض اللغة، حتى لكأنّك تجده عندما يتحدّث عن الدين يتحدث عن اللغة وبالعكس.. وقد حسب أنّه "مهما ترقّى الناس في العلوم والفنون لا يبرحون محتاجين إلى الديانة نازعين إلى الغيب"()، وهو "لا يخاف من العلم على الدين، وهو لذلك يدعو قومه إلى العلم مظهراً أسفه من عدم اهتمامهم بالعلوم"(). وهو ينظر إلى حالة العرب معايناً واقعهم ومستنتجاً : "أنّ حالتهم الحاضرة لا ترضي، من جهة الدين ولا من جهة الدنيا، ولا من جهة المادة ولا المعنى"()، ويجد أن اللغة ولدت عندهم، و"مما يرجّح أنّ الكتابة قد بدأت عندهم"()، لكن المسلمين تأخّروا بسبب علمهم الناقص بها وفساد الأخلاق، لاسيّما عند الأمراء، وتزلّف العلماء الذين فقدوا الروح المحرّك ولم يسيروا في طريق العلم والمعرفة، كما فقدوا الإرادة ولم يعطوا أهميّة لثرواتهم الفكريّة والماديّة، ولم يدركوا معنى الوطنيّة وارتكازها على الاقتصاد الداخلي، ولوقوفهم جانب العدوّ في تحقيق مطامعه().. ولقد تنبّه إلى مسألة جوهريّة، وهي أنّ اللغة من غير علوم لا تفضي إلى نهضة حقيقيّة، فالعرب أهملوا النظر إلى العلوم الطبيعيّة والميكانيكيّة ونفروا منها، "كأنّها من عمل الشياطين، فيقضون أعمارهم في درس العلوم اللسانيّة والدينيّة مما لا شك في ضرورتها لأنّها قوام اللغة والعقيدة، ولكنه لا يغني أصلاً عن العلوم الطبيعيّة التي هلك اليوم من أهملها"(). وقد كان هاجس اللغة عند كثير من روّاد النهضة، يكشف عن دورها في تحوّل المجتمعات. وهي اللغة التي تعتنق الجديد وتعبّر عن خطوات المستقبل، ومن دونها يبقى المجتمع أبكم ومهملاً، مرميّاً على أرصفة الزمن. لذلك كان فرح أنطون يرى أنّ "اللغة العربيّة الجديدة التي ستكون لغة المستقبل، إنّما هي التي لا يكون فيها لفظ غير مألوف الاستعمال، ولا تعبير من التعابير القديمة التي لا مسوّغ لاستعمالها في هذا الزمن"(). ويبيّن فرح أنطون دور اللغة في تكوين المجتمع اليوناني ونهضته بقوله مخاطباً آلهة اليونانيين: "أتذكرين أيتها الآلهة أولئك الفينيقيين الأسرى الذين كان يختطفهم بحارة جزائرك في الأرخبيل من شواطئ صور وصيدا ويسوقونهم إلى بلادك. إن هؤلاء الأسرى كانوا مساعديك على تمدّن قومك وتعليمهم الفنون الجميلة لأوّل مرّة، وهم من قواعد نهضتك. ففي عروقك أيتها العذراء شيء من دماء شرقيّة"(). وما يؤثر عن الدكتور محمد حسين هيكل ولعه باللغة العربيّة والإيمان بقدرتها على التغيير، لكنّه يقرن الكتابة بالهدف، ويرفض أن يكون اللفظ من غير معنى: "إنّ أدب اللفظ وحده لا يمكن أن يبلغ بالإنسان إلى أكثر من طفولة الأدب في هذا العصر الذي نعيش فيه"(). لذلك فهو يحسب أن القائم بالنفس التي متى امتلأت إيماناً قالت للجبل انتقل من مكانك فينتقل"(). ويبدو لمتصفّح كتب هؤلاء النهضويين أنّهم جميعاً قد جعلوا اللغة عماد التطور، شرط أن تقترن بالمعاني والأهداف السامية للمجتمع. 3- ماذا تريد هذه المداخلات أن تقول؟ تساوي الكتابة والحياة الاستنتاج البديهي الذي يمكن استنتاجه من حركة النهضة العربيّة أنّها نجحت في إطلاق القول عن إساره الذي ابتلي به إبّان قرون الصمت التي وصفها الباحثون بالانحطاط أو الـتأخر أو التخلّف أو كما يصفها أرسلان بالجمود(). إطلاق القول هذا حمل المجتمع إلى وضع جديد سمّي بالنهضة، إنّ الجلبة التي أحدثت والحركة التي رافقتها، حاولت أن تنقل المجتمع إلى آفاق أخرى أفضل من سابقتها، ولم تعدم العربية رجالاً كثراً أسهموا في ميادين الفكر والحضارة والتقدّم. وهناك سلسلة طويلة من هؤلاء الذين يبدو أنّ الإمام الشيخ محمد عبده قد عبّر عن تطلعاتهم بأمرين رئيسين: ترقية اللغة وإصلاح حال الأمّة كما أسلفنا. مضى النثر محاولاً ملء فراغات الصمت الفكري والإنشائي على غير صعيد، حاملاً مهمّة مزدوجة: اللغة والمجتمع، منغلقاً على نفسه حيناً ومنفتحاً على الآخر حيناً آخر.. وحسب أنّ الحياة من غير قول وكتابة ماضية في صمتها وركودها. رابعاً: التعريب لقد وعى هؤلاء الروّاد أهمّيّة دور اللغة في البناء الجديد للمجتمع، فحاولوا أن يقيموا في معاقل المعاجم.. ولمّا لم تكن هذه الإقامة كافية للتعبير عن العصر، وجدوا أنّ الحاجة تستدعيهم إلى الخروج من هذه المعاقل متبصّرين الحقائق في ضوء التطوّرات العالميّة الجديدة.. لقد وجد الطهطاوي صعوبة في التعبير عن هذه الحقائق ما لم يمضِ في اتجاهين مهمّين: الأوّل تطويع اللغة،أي الخروج من سلطة الكلام المقعّر، واللجوء إلى الأساليب الحديثة المبسطة القريبة من تناول الناس، والمعبّرة عن شؤون المجتمع بما يكفل الاتصال السليم بأوسع الفئات الشعبية، والثاني: التعريب، ليس فقط المصطلحات بل محاولة تعريب الحياة العصرية وتقديمها كنماذج لم تكن معروفة في دنيا العرب. وهو الذي اهتمّ به الدكتور عبد الكريم خليفة في مؤلّفاته الكثيرة، وكان يدرك أهميّة الطرح النهضوي الآيل إلى جعل اللغة معبّرة عن تطلعات الحياة العصرية. فهو يقول: "ونحن في أحاديثنا عن التعريب نقصد معناه الشائع الذي اكتسبه في العصر الحديث، من حيث جعل اللغة العربية لغة الثقافة والعلم والتقنيات الحديثة"(). وهي مقولة كانت من أولويات السلّم التحديثي لدى العرب.. وهو شأن تتعاطى به الأمم، اي أنّه "شأن الحضارات البشريّة بأجمعها أن يأخذ بعضها عن بعض ويكمل بعضها بعضاً"()، وقد جعله الإمام محمد عبده قاعدة فتح بها لمن جاء بعده: "إنّ الحضارة الصحيحة تتوافق مع الإسلام"(). في ذلك كلّه ثمّة تطوير لإمكانيّة اللغة، مضافاً إليها مسألة الأحياء ومسألة الهدف المتركّزة في بناء المجتمع.. ولكن نجد في ذلك نوعاً من القذف بالمعادلات خارج بنية المجتمع.. ذلك أنّ الترجمة والتعريب يفيدان لهذه البنية، ولكن إذا لم تهضمه وتجعله جزءاً من بنيتها الذهنيّة والنفسيّة يبقى خارج اللغة أيضاً، خارج ما عرف عن اللغة العربية من أنّها لغة ذات ونفس وذهن.. وأغلب الظنّ أنّ هذا التعريب قد جنح بالمهمّة الإيجابية خارج الذات.. فلم يوضع في مكانه الصحيح، ولم يستثمر في سبيل الغاية التي ترجم من أجلها لأسباب عديدة: 1- لقد اتسمت المبادرات الأولى للتعريب بطابع الجدّية ففعلت فعلها في اللغة وبعض المصطلحات والعلوم والابتكارات.. لكنّ ذلك في مراحل لاحقة لم يحظ بالجدّية المطلوبة من الأقطار العربية ولا من المؤسسات التابعة لها كالمجامع والمؤسسات الثقافية والتعليمية الأخرى، وما عرّب في بعض الأحيان لم يكن ملحّاً كما هو الأمر في ترجمة القصص. 2- ما كاد المجتمع العربي يخرج من تحت سلطة الأتراك حتى دخل في حيّز سلطات أجنبية.. وهذه كلّها بما فيها التركية لم تسمح له بإقامة دولته المستقلة التي يستطيع استثمار هذه الترجمات فيها، وكأنّ الاستعمار بأشكاله المتعدّدة سمح بتعلّم لغاته ليسهّل الحديث معه، أو ليضمّنا إليه أو لنقوله له: نعم بلغته.. وهو ما حصل في المغرب العربي، خصوصاً الجزائر التي حسبتها فرنسا تابعة لها.. وما حصل في ليبيا حين أرادتها إيطاليا شاطئاً رابعاً لها تتحدث بلغتها.. وهكذا جرى في الأقطار العربيّة الباقية التي فرضت عليها إحدى اللغتين الإنكليزية أو الفرنسية.. 3- إنّ غياب الجدّية والتخطيط في الدولة القطرية أو في المؤسسات العربية الموحدة (جامعة الدول العربية)، والاستهتار بأمر اللغة، وفرض اللغة الأجنبية في برامج التعليم ومناهجها على المستويات كلّها.. جعل الكثيرين يجنحون باتجاه هذه اللغات، فيتقنوها أيّما إتقان على حساب لغتهم القوميّة، فترجموا أنفسهم بالذات بدل ترجمة الكتب والمؤلفات. 4- انشغال الثورات العربيّة بمناوئة المستعمر نتيجة مؤامراته المتلاحقة على الأمّة العربيّة، الأمر الذي أدّى إلى عدم الاستقرار في الوطن العربي عبر الأحداث المتسارعة.. 5- عدم التركيز على بنية الشخصية العربية، وانفلات هذه الأخيرة وانصرافها إلى ما لا يعنيها عن ما يعنيها. 6- قيام بعض الدعوات الآيلة إلى الإطاحة بها: كالدعوة إلى العاميّة أو اللغة الثالثة أو كتابة العربيّة بالحرف اللاتيني. نحن إذاً أمام جملة من الأسباب التي أدّت إلى عدم استثمار التعريب استثماراً صحيحاً.. وهو الأمر الذي جعلنا اليوم، بعد مرور ما يزيد على مئتي سنة على بدء النهضة، نرفع الصوت عالياً لنعود إلى تصحيح المسار اللغوي وإعادة الحياة إلى العربيّة وإعادة المجتمع إليها. القسم الثاني: دور اللغة العربية في بناء المجتمع في الزمن الراهن أولاً: صورة المجتمع وقلق اللغة 1- عن أي مجتمع نتحدث؟ يرتسم طموح الغيارى على اللغة العربيّة في العمل على رؤيتها وقد عادت إلى قوّتها، قادرة على التعبير عن الحياة ومستجدّاتها يوماً بعد يوم وعصراً بعد عصر. لغة الأمّة التي صنعت مجداً تليداً وأفاءت على الإنسانيّة بالكثير من تحقيقات العلم والحضارة والمعارف والأديان والفلسفات والإشعاعات في غير مجال.. سأتوقف قليلاً عند كلام أحد شيوخ العربيّة المعاصرين، الدكتور عبد الكريم خليفة حين قال: "لنتساءل أين تقع لغتنا العربية الفصحى – ولا لغة لنا غيرها – وأين يقع علماؤنا في هذا الموكب الإنسانيّ للحضارة الحديثة!!! وأجدني غير راغب في الإجابة عن هذا التساؤل، وعلى كل فإنّ هذه الرغبة أو عدمها لا تغيّر في الأمر شيئاً"(). إلاّ أنّ هذا الإعراض عن الإجابة يتحوّل في ثنايا كتابه إلى إجابة مستفيضة تكشف عن الدور الكبير الذي يمكن أن تقوم به اللغة العربية في زمننا الراهن.. يحتار الباحث عند الإجابة عن دور اللغة العربية في بناء المجتمع العربي الحديث المعاصر عن أيّ الأمور يتحدّث، ذلك أنّ التساؤل الكبير يتركّز تحديداً: عن أي مجتمع نتحدث؟ أعن مجتمع في قيد التفكك وأمّة في قيد التبعثر؟ أعن الأقطار مجتمعة؟ وأين هذا الاجتماع؟ أعن القطريّة وأين هذا القطر؟ هل بقي قطراً أم مجموعة فُتات أرادها المستعمر أن تكون كذلك، ولعب في كيانها ما شاء له اللعب مفرّقاً ومشتتاً ومفتتاً. أنجيب عن هذا السؤال قبل خراب البصرة أم بعدها؟ أنجيب قبل أن نعرف: الأمة العربية إلى أين؟ أم بعد أن نعرف؟ أسئلة تتراكم وتتكثّف وتتزايد يوماً بعد يوم لتضيف إلى محنة الوجود العربي إشكالات متنامية باطّراد. بينما المطلوب من اللغة العربيّة أن تؤدي دورها في تشكّل جديد للمجتمع العربي الجديد، وقد ورثت في الوقت نفسه، جملة من التراجعات انعكست على الواقع وجعلت الغيورين عليها في حيرة من أمرهم لإيقاف هذا التراجع على غير صعيد. 2- قلق اللغة ودوّامة السؤال هذه الحيرة غدت دوّامة يدور حولها قلق اللغة لإيجاد مخارج ترأب الصدع وتعيد لها بهاءها وجلالها وصورتها الحقيقية. الحيرة من الإجابة عن أسباب تراجع اللغة، أو عن أسباب تراجع المجتمع، أهي عند عامة الناس أم عند السياسيين؟ بوجود القرار السياسي أم بغيابه؟ عند الباحثين أم أساتذة الجامعات أم طلابهم أم القرّاء؟ عند الطفل أم الكهل أم الشاب؟ في كتابة الكاتبين من هم محسوبون على الكتابة؟ في الإعلام وراء المذياع أم في مكتوب الصحافة والتقارير؟ في الحاسوب الذي لا يزال معظمه غير معرّب وكتابة هذا المعرّب والروايات والقصص التفاعلية التي يتهالك عليها النشء الجديد وحتى الكبار؟ أم في المسلسلات والشرائط التي تمعن في إهمال اللغة وإسقاط الجوهري فيها لغةً وحياةً اجتماعية، جرياً وراء تلفيقات تشويقية تغذّي التوهان، بدل أن تشدّ الإنسان إلى حضوره الجدّي الفاعل المقترن بلغة الحياة القادرة على البناء والتحوّل؟ ينتاب المقبل على البحث في أوضاع اللغة العربيّة اليوم، كثير من القلق المتأتي من مصادر مختلفة لا تزال ماثلة أمامه، ولا يزال فعل الإهمال والتقهقر واللامبالاة مستمراً.. فلا زلنا نتلقى فعل إسقاط المصطلحات بدل توليدها، وفي غربة القوالب والأشكال والآراء في متعلقات البحث اللغوي والأدبي والنقدي والفكري والاجتماعي والاقتصادي والسياسي.. ولا يزال المكتوب والشفوي يعيشان التقهقر نفسه: فيما يسمّى فصحى وعاميّة ولغة ثالثة وفي إحلال، ليس فقط الحرف اللاتيني محلّ العربي، بل في محاولات الاستغناء عن العربي والسباق لكسب اللغة الأجنبية، وتعميمها على المؤسسات وجعلها شرطاً رئيساً للعمل.. جرياً وراء التفرنج، وتحقيقاً لمطالب العولمة في جعل الإنكليزية لغة العالم، والإنسان الكوني في القرية الكونية، حيث تضيع العربية في الشركات والمؤسسات والأسواق والأماكن العامة والنقل والفنادق واستعمال العمالة الأجنبية والتبعية الإعلامية والإبحار عبر فضاءات مختلفة عن الفضاء العربي.. وذلك شرّ البليّة، حيث التغريب واقتلاع المواطن من أرضه وحمله إلى موانئ بعيدة، تجري فيها الحوادث والحوارات والثقافات التي قد تثقّف الإنسان لكنّها لا تغنيه عن ثقافته وحضارته ولغته وأديانه وعاداته وتقاليده وخصوصياته وقيمه.. فيصبح غريباً عن بيئته وحتى عن قريته وجيرانه وأهله.. إنّما تعانيه أجيال العربيّة اليوم من حروب ومشكلات حادّة، وانزياحات عن الأصول والواقع والمهمّات التي ينبغي أن تنجز والثورات الموهومة والتخريب المقصود تحت ستار الإصلاح، لهو لعبة مقنّعة وواضحة في الوقت نفسه.. 3- أي صورة للغة العربيّة؟ لا يعترينا شكّ في أنّ اللغة العربيّة تمضي في طريق اللاتشكّل()، المفضي إلى التشرذم وخلخلة البنية اللغويّة كما هي البنية الاجتماعيّة والبنى الأخرى، وتغييب أجوائها الذهنيّة والنفسيّة والذاتيّة عن المواطن. وهو أمر وجد مقدّماته وبعض وقائعه فيما جرى ويجري بين ظهرانينا.. يرتفع الصوت لإيقافه، لكن دون جدوى.. ووقائعه تتجلّى في جملة من الإجراءات التي يراد بها الإصلاح، لكنّ نتائجها غير ملائمة للوضع الاجتماعي العربي، وفي جملة من النشاطات التي يقوم بها أفراد غير أكفّاء فتنعكس على حياة اللغة تراجعاً وتعثّراً، وهي تتمثّل في السياسيين وأعوانهم، والموظفين الذين يأتون بهم إلى قيادة المؤسسات مهما كان نوعها.. فتغدو اللغة على ألسنة هؤلاء صورة لتخلخل الأداء وانحداراً يسجّل التراجع عن خطوط سبقتها.. والأمر يتعدّى أيضاً هؤلاء ليحوم حول المؤسسات العلميّة، لتشهد محاضرات تُلقى من غير ضوابط لغويّة: في العلم والأدب وحتى في اللغة نفسها، ولنعاين مزيداً من كتب اللغة المنسوخة كيفما اتفق، تكرّر نفسها مدّعية التجديد الذي لا يطال إلاّ العناوين البرّاقة، والصوغ المختلف الذي يسجّل هو الآخر تراجعاً عن المنسوخ عنه.. حتى المقرّر رسمياً من الكتب المدرسيّة، يتمّ جمعه في معظم الأحيان من قبل بعض المقرّبين لأصحاب القرار. وإذا ما جرت الاستجابة للأنظمة الجديدة في مختلف المراحل التعليمية فإنّنا نراها هجينة، فصّلت لأجسام غير أجسامنا.. ففي تجربة لبنان أقّرت وزارة التربيّة خططاً تربويّة جديدة اقتضت تغيير بنى البرامج والمناهج التعليميّة.. لكنّ اللغة العربيّة في المرحلة الثانويّة قيّض لها أن تكون ضحلة المادة، مختصرة، على شكل إشارات وأسئلة، واعتمدت على نصوص حديثة لكتّاب وأدباء وشعراء عرب حديثين، بعضهم معروف، والقسم الأكبر غير معروف.. وهذا الأكبر يستمدّ لغته من قلق هذا العصر وريبته وعدم استقراره، والإسقاطات الكثيرة على اللغة، والصوغ والأشكال الأدبيّة التي يفتقر تقديمها إلى العمق والثقافة الممتلئة التي تخرج طالباً كفوءاً قادراً على الإلمام بلغته الصحيحة وإبداعاتها. أما عن النظام الجديد في الجامعات المعروف بـL.M.D (الليسانس والماجستير والدكتوراه)، فقد تبدّى تحقيقه مقصّراً في جوانب كثيرة منه.. فليس عندنا قاعدة مادّية تستوعبه: لا أبنية ولا مستلزمات ولا أخصّائيين، وما كان يتعلمه طالب اللغة العربيّة وآدابها في سنة كاملة عليه أن يتعلّمه في ثلاثة أشهر تختزل في أحسن الأحوال إلى شهر ونصف نظراً للعطل الجامعيّة والامتحانات المقرّرة خلاله وتأخير الابتداء بالفصل والاستعداد لامتحاناته النهائيّة. فأيّ استيعاب لقواعد اللغة العربيّة خلال هذه المدّة الوجيزة، وأي إلمام يلمّه الطالب في دراسته لعصر من العصور الأدبيّة المتعارف عليها في تصنيف الباحثين.. وفي النتيجة إنّ طالب اللغة لا يحصّل إلاّ جزءاً يسيراً يظلّ طافياً على سطح شخصيته من دون أن يسبر أعماقها.. علاوة على عدم الرغبة في القراءة في هذا الزمن، زد على ذلك عدم تمكّن بعض الأساتذة، في الاختصاصات المختلفة غير العربية، من إجادة اللغة العربيّة كتابة وشفاهاً.. إنّ صورة اللغة العربيّة، في أيدي أصحابها الحقيقيين، تبدو مشوّشة المشهد، غير واضحة المعالم، وذلك ينبئ بحاضر وتأزّم للغة، فكيف يكون مستقبلها لدى النشء؟ لا ريب في أنّ ذلك يقود إلى القول: إنّ أجيالنا الناشئة في وضع مبهم النتائج.. لا أقول عقيم الجدوى، لأنّ السرّ يبقى كامناً في اللغة، في سرّ قوتها وقدرتها على العودة إلى الحياة والتجدّد ومواكبة ثورات التغيير نحو الأفضل. إنّ هذا التغييب القسري للناشئ والشاب والمواطن عموماً عن لغته ليس عقيماً إلى الحدّ الذي يصعب تقويمه ووضعه في الطريق الصحيح.. إنّ هذا التغييب عبر وسائل الإعلام والإنترنت والوسائل الإعلامية عبر تعريب هذه الوسائل كلّها، وعبر إعادة النظر في المناهج المدرسيّة والجامعيّة وعبر تعريب المصطلحات، وقبل ذلك كلّه تعريب القرار السياسي ليكون في خدمة المجتمع، عن طريق إعادة اكتشاف اللغة العربيّة، سواء أكان على مستوى محلّي أم عربي عام.. 4- ماذا عن أحوال العرب الرديئة؟ يستتبع هذا الكلام حديث آخر عن المجتمع الذي يُراد للغة العربيّة أن تباشر في إعادة تكوينه وتلمّس سبل تطوّره. لم يعد الحديث عن القطريّة في مقدّمة اهتمام الباحث، فثمّة أحوال أخرى من التردّي في أرجاء الوطن العربي الذي آن الأوان لتناوله مجتمعاً. أقول ذلك لأنّ الصدع لن يرأب بحلول ترقيعية أمام الشرذمة المقيتة التي يجري التحوّل إليها في هذا الأوان.. وأمام الأفكار المعلنة التي تريد أن تدخل الفيل في خرم الإبرة لإجراء التفتيت والتحوّل إلى الضياع وسرقة الثروات وهيمنة الكيانات الغربية على أرواح العرب وأجسادهم وإبداعهم. في هذه الأحوال، حال القطريّة المتراجعة عن سوئها باتجاه الطائفيّة والعشائريّة والقوميّات الضيّقة والأخرى المصطنعة.. والكيانات الغريبة.. وضياع القرار العربي ومصادرته.. وفي حال الاقتتال العربي – العربي.. ووهن الروابط بين الأنظمة.. والتنازع الواهم على الحدود.. ونسيان الوجود العام.. والزحف العسكري بسبب أو بغير سبب.. واستجلاب الأجنبي لضرب الفريق الآخر الوطنيّ.. وتتفيه المقاومات ومحاربتها.. واستعمال السلاح في الداخل للتضارب به.. وانهيار المؤسسات الجمعية العربية واستخدامها لصالح غير العرب.. في هذه الأحوال، وفي هذا الركام من الأحداث والمنازعات نبحث عن دور للغة العربيّة: دور منقذ.. أظنّ أنّ طارحيه قد أجادوا في تحديد زمنه.. لأنني أعتقد أنّ المجتمع العربي بحاجة إلى إعادة تكوين. يرث الباحث في علائقية اللغة العربيّة بالمجتمع العربي ركاماً من الحوائل التي تقف أمام تجلّي أفكاره وهمّة ذهنه في احترام المعقول لمداواة الموجود المتفاقم الأزمات.. في ظروف تفشّي العامّيات القطريّة ومحاولة البعض استنهاض القوميّات المتواجدة وإحياء لغاتها وكياناتها.. وإشعال الحروب لتفتيت المفتّت.. وهدم الكيانات القطريّة في غير مكان من العالم العربي.. ووقوف الحكام حائلاً أمام التقدّم والتغيير تمسّكاً بالمصالح الخاصة.. وإطالة عمرها من خلال إطالة عمر الأزمات.. وفرض حالة الطوارئ الدائمة.. واستفحال أمر المحسوبيات التي تصطفي شخصيات هشّة مقابل استبعاد الشخصيات الفاعلة.. وعدم الركون إلى دعوى التحديث.. والمراوحة في نقاط الضعف.. وغياب التنمية في غير مجال.. وفقدان الأمن على كافة أنواعه: أمن الحدود وأمن الدفاع وأمن الغذاء وأمن الثقافة وأمن اللغة والتربية والتعليم والأمن القومي عموماً. نسأل عن اللغة إذاً تحت هدير الطائرات ودويّ المدافع والاجتياحات المتكاثرة.. في ظلال هجوم الغرب المتجدّد دائماً.. مرّة غزو صليبيّ.. وغير مرّة على شكل عولمة واتحادّات دولية وأحلاف استعمارية بغية احتلال بلاد العرب والاستحواذ على ثرواتها وطمس تراثها وهويتها وشخصيتها وخصوصياتها وحضارتها وأديانها وقيمها ولغتها وثقافتها لاستبدالها بأخرى كونيّة هجينة أو بفوضى تدوم لقرون.. بينما ينعم العالم بمكتشفات عصر التكنولوجيا والمعلوماتيّة وتدفقها الرهيب.. نتعس، نحن العرب، بعصور الظلام والتبعية والانقسام حولها، ونستجيب لدعوات التخريب وبذخ المال من أجله.. فأيّ مصير ينتظر الأمّة؟ ولقد أصاب ابن حزم في استنتاجه حول تراجع اللغة في حال تضعضع المجتمع ودخوله في الفوضى والشرذمة. فقد قال: "إنّ اللغة يسقط أكثرها ويبطل، بسقوط دور أهلها، ودخول غيرهم عليهم في مساكنهم، أو بنقلهم من ديارهم واختلاطهم بغيرهم. فإنّما يفيد لغة الأمة وعلومها وأخبارها قوّة دولتها ونشاط أهلها وفراغهم. وأما من تلفت دولتهم، وغلب عليهم عدوّهم، واشتغلوا بالخوف والحاجة والذلّ وخدمة أعدائهم، فمضمون منهم موت الخواطر، وربما كان ذلك سبباً لذهاب لغتهم، ونسيان أنسابهم وأخبارهم وبيود علومهم"(). فهل هي حال الأمّة العربية اليوم؟ وماذا بعد ذلك إن لم تبادر إلى إصلاح حالها، واكتشافها إلاّ حياة لها إلاّ بتوحدها الذاتي، وتقوية شخصيتها، واعتمادها على إمكاناتها أولاً، والتعامل مع الآخرين باحترام متبادل ثانياً، وفي المقدّمة الاهتمام بجامعها : اللغة. 5- وتبقى اللغة مسوّرة لا يخامرنا الشك، بعد ذلك، في أهميّة دور اللغة في بناء الأمّة وتطويرها. وهو بحث سديد يرى أهميّة العنصر الباقي الذي باستطاعته جمع العرب وإعادتهم إلى ذاكرة الزمان والمكان، والقيم والتوحد والتديّن والتحضّر والحضور والاستفادة من طاقاتهم وثرواتهم وعلومهم وقوّة لغتهم.. وفي تقدير الكثيرين أنّ اللغة العربيّة قادرة على توحيد العرب ولمّ شملهم "واستعادة هويتهم من خلال استعادة اللغة العربيّة، لا لأنّها لغتهم القوميّة فقط، ولكن لأنّها لغة القرآن الكريم وتراثه الإسلاميّ الذي يمتد عبر القرون. إنّ هذه اللغة الفصيحة التي حفظها النصّ القرآني لتشكّل بحقّ جوهر وحدة هذه الأمّة"(). هي الرهان يصبح الرهان على دور اللغة أمراً رئيساً تتعلّق الآمال به في هذا الزمن العربي العصيب.. رهان لن تجدي فيه اللجوءات إلى تخمينات مخدّرة، وتلفيقات واعدة فَقَدَتْ مصداقيتها وفاعليتها في أرض الواقع في خضمّ ما جرى ويجري، وفي الإهمال الكبير للغة الحياة التي قدّر لها العيش الأبديّ وعانت من عدم الجدّيّة في استعمالها لبناء الدول ومجتمعاتها.. وقد يصدّق البعض هذا الكلام إذا ما قرأ تأكيد أحد الأجانب عليه. وهي عادة تستأصل في بعض النفوس فتفقدها الثقة وتشلّ قدرتها على الإبداع والحركة. جاء في جريدة "الصباح" التونسيّة الخبر التالي: "في باريس ذهب جاك شيراك (الرئيس الفرنسي السابق) بنفسه وافتتح مهرجان الثقافة العربيّة واللغة العربيّة، وأكّد مرّة أخرى على ضرورة التواصل مع هذه اللغة العبقريّة بوصفها أداة حضارة وبوصفها أيضاً لغة قوّة بشريّة وحضاريّة لا يستهان بها، فالعرب وإن انتُهكوا وانهزموا، فهم ما زالوا يشكّلون أمّة واحدة، تحمل بذور فكر جديد، وحضارة جديدة، وقد يستولون على المستقبل مثلما فعلوا في الماضي البعيد"(). وهي مقولة تجد سبيلها إلى الحقيقة إذا ما أمعنّا النظر في لحظات القوّة للعرب، بفضل لغتهم التي هي الأسّ الجوهريّ للدين أثناء ظهوره وفيما بعده.. كما كانت لها السلطة الأولى فيما قبل الإسلام وفيما بعده، فكيف بها تكون لغة الدين المقدّسة عند الناطقين بها؟ أقول هذا الكلام، ولا يخامرني شكّ في قول شيراك الفرنسيّ.. لأنّه ينطق بالحقيقة سواء أقالها ممالئاً أم قاصداً.. ولا يخامرني شكّ في لغة القرآن التي أدّت إلى انتصار المسلمين ديناً وآخره.. أي أنّهم استعملوها في سبيل الله، كما استعملوها لبناء دولهم، لأنّهم فطنوا إلى "أنّ الاشتغال بالدين وحده مع إهمال العلم جانباً هو توجّه محض إلى الآخرة، يجرّ إلى خراب هذه الدنيا تماماً"(). وهذا الدين الذي تحتلّ اللغة القلب منه، هو باقٍ، كما علّم الله المؤمنين والعالم أجمع، وببقائه تبقى اللغة. لذلك ينبغي للغة القرآن أن تكون في الواجهة، لأنّها وحدها ما تبقّى من أمّة العرب: تجمع وتوحد وتبني وترسم. هكذا أرادها الله لغة بانية. وفي التقدير أن العربيّ يوقن بانتصاره ولو بعد حين، وهذا الإيقان يورثه أبناءه جيلاً بعد جيل، ويعتقد أنّ ما يمرّ به أمر عارض ويزول، "هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحقّ ليظهره على الدين كلّه"(). وهو ما يمنح الإنسان أملاً بالعيش الكريم وعلوّ كلمته المستمدة من كلمة الله العليا: "ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين"().. هذا الأمل يحظى بالإقامة الدائمة في نفس العربيّ، في جبلة شخصيّته على شكل كمون وإضمار يحدّد الكثير من مزايا سلوكه الذي لم يعد فرديّاً بل هو جماعيّ، يحتفظ بخطوطه المتقدّمة في تحفّز دائم، يحضر في المبادرات الصعبة.. قلّما تجود به الأقدار على أمّة، لاسيّما في ساعات العمل.. ذلك "أنّه الشرط الأساسيّ للعمل، فليس من حافز للمسلم على النهوض، مثل أن يعتقد أنّ الضعف الذي حلّ به اليوم هو طارئ لا أصل، وأنّ الأصل هو أن يكون قويّاً عزيزاً وسيداً في الأرض"(). لكنّ هذا الاعتقاد أدّى إلى التواكل في بعض وجوهه.. واعتناق التكاسل في وجوه أخرى. صحيح أنّ الاتكال على الله هو من صلب العقيدة: و"على الله فليتوكل المتوكلون"()، لكنّه مشروط بالعمل وعدم القعود والتكاسل: "وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون"(). وتبقى الكلمة الطيّبة هي الأساس، لأنّها هي التي تبني، وهي التي تتجسّد فيها إرادة الفرد المستمدّة من إرادة الله: "إليه يصعد الكَلِمُ الطيّب والعمل الصالح يرفعه"(). 6- سلطة الكلمة لقد منحت الكلمة سلطة لمن يملكها، وكان مالكها على مرّ الأزمان قويّاً عزيزاً وسيّداً في الأرض. في العهود الأولى للإنسانيّة كانت كذلك ضرباً من السحر المؤثّر في الآخرين.. وفي العهود الأخيرة أعطت أصحابها المكانة والسطوة.. وليس ما يشكّل خطراً على الحكم الظالم سوى سلطان الكلام، هما سلطانان في نزاع مستمرّ، وإن خُفض صوت صاحب الكلمة فهذا لا يعني انهزامه، فوجود كلمته هو سلطان بحدّ ذاته، يشكّل أرقاً كبيراً لأعداء الكلمة.. لذلك، فإنّ أصحاب الكلمة هم المقدّمون عند الله: "يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات"()، والله هو الذي مكّن الأنبياء من الحكم والسلطان بالكلمة: " فقد آتينا آل إبراهيم الكتاب والحكمة وأتيناهم ملكاً عظيماً"(). والله هو الذي منح الأمّة العربيّة خصوصيّة العلم وجعل لها مكانتها العظيمة بالكلام العظيم: "هو الذي بعث بالأمّيين رسولاً منهم يتلو عليهم آياته ويزكّيهم ويعلّمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبلُ لفي ضلال مبين"(). وذلك هو الرهان الأكبر على اللغة. ثانياً: من المسؤول: اللغة أم الأبناء؟ أورد هذه المنطلقات وفي الظنّ أنّ بعض الباحثين يتخطونها ولا يعطون وزناً لها، لكنّهم يعترفون بجانب مهم هو فضل الإسلام على اللغة.. إلاّ أنّ الموضوعيّة تقتضي مزيداً من الدقّة في معالجة مشكلة خطيرة تصيب الحياة العربيّة كما تصيب لغة أبنائها. ويتركّز السؤال الدائم حول: من المسؤول: هل اللغة بحدّ ذاتها أم أبناؤها؟ يسرع شريف الشوباشي إلى الإجابة بقوله: "إنّ مشكلة اللغة العربيّة لا تكمن في الناطقين بها بقدر ما تكمن في اللغة نفسها، لأنّها لم تطلها سنّة التطوير.. إنّ اللغة العربيّة اليوم أصبحت قيداً يكبّل العقل البشريّ ويغلّ طاقاتنا الخلّاقة، فهي تسهم، وللأسف، في حرماننا من الانطلاق إلى الآفاق الرحبة التي يفتحها العالم الحديث بكل الوسائل المواكبة للتطور العلمي الحضاري"(). أكتفي بهذا الأنموذج في هذا السياق، وفي اليقين أنّ مداخلات كثيرة على مدى سنوات طويلة، داخلت في هذا الموضوع وحاولت النيل من اللغة العربية، فبدل أن تعمل على تطويرها، أزاحتها عن حقيقتها وحملتها إلى مقاصد معلنة للافتئات عليها. وأول ما يتبادر إلى الذهن، في هذا الأنموذج، القول: إنّ المشكلة تكمن في اللغة نفسها.. وهي تبرئة لتاريخ طويل من إهمال أبناء اللغة إيّاها. هؤلاء الأبناء سواءً أكانوا مواطنين عاديين أم باحثين أم حكاماً أم مسؤولي هيئات ومؤسسات لغويّة وتعليميّة.. تتم تبرئتهم، وكأنّ اللغة مخلوق يسبّب ضعفه أو قوته، وكأنّ اللغة أوحت للكاتب أن يخطئ والخطيب أن يلحن. إن الردّ على هذا الزعم لا يستحق الإجابة المطوّلة، لأنّه مخالف لأبسط قواعد نشوء اللغات وتراثها وتطوّرها. يحضرني قول كتبه أحد أساقفة قرطبة إلى بعضهم شاكياً حيث قال ما محصلته:" إنّ اللغة العربيّة قد فتنتنا بعذوبة ألفاظها، وبلاغة إنشائها، حتى لا تكاد تجد فينا من يقرأ الكتب المقدّسة باللغة اللاتينيّة، وشبابنا الأذكياء جميعاً لا يعرفون غير لغة العرب وآدابهم. وكلّما قرأوا كتاباً من كتب اللاتينيّة سخروا منه، وقالوا:"إنّ الفائدة منه لا تساوي التعب في قراءته"، وهكذا نسي المسيحيون (يقصد الأسبان) لغتهم وجهلوا كتابها وبلاغتها، وحذقوا اللسان العربي حتى ليكتبونه نثراً ونظماً، بأسلوب أنيق يفوقون فيه العرب أحياناً"(). إنّ التعليق البديهي على هذه المداخلة يوضح مزايا اللغة العربية وقدرتها العجيبة على استمالة الناس في حال اقترابهم منها، وأنّها لغة تحمل في رحمها منطلقات يجهلها من يبقى بعيداً منها، ويميل بطرف المعادلة إلى نوعٍ من التبعيّة التي تمثّل هرباً من سلطة الأفراد، وليس من سلطة اللغة التي تجلّت بغزارتها ورحابتها، والصالحة لأن تكون لغة الدين والدنيا، والصامدة في وجه الأحداث الكبرى التي مرّت بها الأمّة، ولاسيّما بعد سقوط بغداد وتتالي الأحكام اللامبالية بها، والساعية إلى إماتتها من مغول وتتار وأتراك ودول غربيّة عملت على إنهاء دورها كليّاً.. ويصبح قول دي سوسير: إنّ "بين الوحدة الاجتماعيّة واللغة علاقة متبادلة.. وتخلق الآصرة الاجتماعيّة الوحدة اللغويّة، وربما تفرض على اللغة المشتركة بعض الصفات الخاصة"()، صحيحاً من عدّة وجوه. ذلك أن دي سوسير نفسه يؤكد أنّ لعلم اللغة كيانين: واحداً "يقع خارج كيانها ونظامها" ووظيفته أن يعبّر عن "جميع العلاقات التي تربط تاريخ لغة ما بتاريخ قوم من الأقوام، أو حضارة من الحضارات.. فثقافة أمّة ما تؤثّر تأثيراً ملموساً في لغتها، كما أنّ اللغة من المقوّمات المهمة للأمّة"، وكياناً داخلياً ثانياً يحتوي "كيان اللغة ونظامها.. لكن القول: إننا لا نستطيع فهم النظام اللغوي الداخلي من غير دراسة الظواهر الخارجية إنما هو كلام بعيد من الحقيقة.. لنأخذ مثلاً استعارة الكلمات من لغة أجنبيّة، نلاحظ منذ الوهلة الأولى، أنّ الاستعارة هذه ليست عاملاً ثابتاً في حياة لغة من اللغات.."، "لأنّ اللغة نظام له ترتيب خاص به"(). يثير دي سوسير كثيراً من المشكلات التي توقّف النقد اللغوي عندها طويلاً.. لكنّ تأكيده على وجود كيانين للغة: داخلي، شبه ثابت، وخارجي، متحرك تبعاً لحركة المجتمع، يفيد في مجال إثبات أنّ اللغة العربيّة لا تزال تحتفظ بكيانها الداخلي.. لكنّ الملاحظة التي تُبدى هنا هي: أن لا شيء ثابت، ولاسيّما اللغة التي تتعرّض إلى كثير من الإضافات والتبدّل والتصحيح بما يوافق الأزمان المتعاقبة الماضية صعوداً ونزولاً.. وهذا يعني أيضاً أنّ القول: "إنّ اللغة ترتقي بارتقاء أهلها وتنحط بانحطاطهم"، قابل للنقاش في ضوء مفهوم دي سوسير، قد يكون ذلك الجمود، وليس "الانحطاط" في القسم المتحرّك هو المقصود، لكن يبقى كيان اللغة ونظامها في معزل عن هذه المداخلات التي قد تسيء إلى اللغة طالما أنّ شعباً حيّاً يتحدّث بها. نحاول في هذا السياق أن ننظر إلى اللغة بموضوعيّة تجعلنا نميّز: أولاً: بين اللغات من حيث قدرتها وقوّتها وصلاح نظامها وكيانها على الاستمرار، والدليل على ذلك أنّ هناك الآلاف من اللغات التي انقرضت لأنّها لم تقوَ على مواجهة عوامل الزمن التي تعرّضت لها شعوبها.. بينما اللغة العربيّة بقيت سالمة على الرغم من العاديات التي نزلت بالناطقين بها. وثانياً: أنّ الدفاع عن العربيّة ليس منّة تقدّم إليها، أو إضافات تُضاف إلى نظامها وكيانها. وثالثاً: أنّ قسمها المتحرك هو الذي تعرّض إلى الإهمال والقعود عن مواصلة استعمال كيانها ونظامها الرئيسين. أقول هذا الكلام، وفي تقديري وتقدير باحثين كثر، أنّ العربيّة تختزن طاقات كبيرة اكتسبتها على مرّ الزمن وأغناها الإسلام والتراث الكتابي الطويل المدى بالكثير من جوانب القدرة. وهو ما عبّر عنه الدكتور عبد الجليل مرتاض في قوله الصحيح:" نحن نعتقد اعتقاداً بعيداً من أيّ عاطفة أو غرور، بأنّ ما كانت تزخر به هذه اللغة من مصطلحات أصيلة لا تحرُن أمام العربيّة الآنيّة لبعثها واستثمارها في مجالات لا تستغني عنها استعمالاتنا اليوميّة وكتبنا المدرسيّة وورشاتنا الصناعيّة والفنّيّة، ومخابرنا العلميّة والطبيّة، بل وفي ممارساتنا المهنيّة الخاصة منها والعامة"(). ما ورد آنفاً يحفّز على الاستنتاج الأوّلي بالقول: 1- إن اللغة العربيّة هي حيّة على الرغم من عاديات الزمن، قادرة على إجراء التحوّل وإعادة سلطتها على الكلم كما هي سلطتها على الناس. 2- ينبغي أن تعود هذه اللغة إلى الواجهة في حسابات الزمن العربي الحديث لأنّها سبب من أسباب حياته، لديها السرّ في إعادة التدفق إلى دنيا العرب. 3- وعلى الرغم ممّا قيل عن تراجع المواطن العربيّ في حياته ولغته، فإنّ مقولة الشعب العربي الواحد لا تزال قائمة في لغته التي استمات من أجلها في مواقع مختلفة من كفاحه ونضالاته على غير صعيد. فهو لا يزال يشعر بالشعور نفسه، ويحتفظ بالآمال ذاتها وهو مغيّب أو مضلّل، وقد أسقط في يده، تتلاعب به السياسة وتحمله المظانّ ذات اليمين وذات الشمال، السياسة سواء أكانت داخليّة أم خارجيّة. فأينما توجهت في العالم العربي تجد أناساً متشابهين في العادات والتقاليد والقيم والدين والخصوصيات والتفكير والتطلّع إلى الآمال الكبرى. نجد الاحتجاج على الأوضاع والنقمة على من أوصل إلى هذه الحال، من حكّام داخليين ومتسلّطين أجانب. إنّه الحسّ المشترك والتفكير الواحد، غايتان متحققتان في النفوس وتجدّان من أجل التحقق في الواقع. 4- الزمن العربي الحالي زمن مميّز، الشعب فيه يقف على فوهة البركان، يثور، ولكن لا يدري علام يثور وإلى أين تحمله المقادير بغياب البدائل. بينما تمثل هذه البدائل في خطوة أولى آن أوانها: هي الاتصال بين الجماهير العربيّة، وإنشاء كيانها الموحد عبر الكفاءات المتقدّمة في الأمّة، المؤمنة بالتغيير على غير صعيد، والناطقة بلسان واحد يسهّل سبل التفاهم والاتفاق والعودة إلى الجذور ورسم المنطلقات. 5- هذا هو مطلب اللغة الرئيس، اللغة التي لا تزال العنصر الباقي الكامن في العقل والنفس والوجدان بما تخزنه من تجارب وما تدخره من علم وما تطوّعه من أجل حياة جديدة لها ولأبنائها. ثالثاً: اللغة والإضاءات الشعبية لا أنوي في هذه الإضاءات أن أورد التاريخ المكثّف لحركات الشعوب العربية في المواجهات العنيفة لما هو قائم: سواء أكان من الداخل أم من الخارج. لكنّ الاعتقاد بوجود جانبين رئيسين في حياة الأمّة العربيّة: الرسمي ّ والشعبيّ، قد يوضح بعض ملامح التغيير وآثار الجهود المبذولة على المستوى الشعبي.. فنحن في العصر الحديث وراء قرنين من الزمان، جرت فيهما الحياة الأدبيّة واللغويّة والفكريّة بشكل طوعيّ مستجيبة لنداء التعبير عن الذات الفرديّة والأخرى الجماعيّة.. ثمّة تطور واضح لحركة الأدب، يعلن عن العطاء الثر الطويل المتدرّج صعداً في تصوير الحياة العربيّة وما تعانيه النفس في خضم الأحداث. تلك السلسلة الطويلة من الأدباء والشعراء والمفكرين وروّاد العلم والمعرفة، كانت تصنع حياة طبيعية للغة خارج نطاق الدوائر الرسميّة، تبدع في مجالها وتوجد أدوات تعبيرها وتصطفي أساليبها ومعاجمها الملائمة كلّ مرحلة من مراحل التطوّر الاجتماعي العربي الحديث. هو المسار الذي تفلّت نسبياً من سلطان القرار الرسمي، ولبّى نداء الطبيعة في الإنسان والميل إلى القراءة والكتابة والتعبير عن أفكار الإصلاح والغرائز والميول والحاجات، حتى غدتِ اللغة التي كانت دائماً في الواجهة، تحتفظ بنتاج مصنّف تصنيفات مختلفة: في ميدانها أولاً، وفي ميدان الإبداع ثانياً، وهما أمران لا ينفصلان.. قد يفي تعداد ما أنجز في هذا المجال لتأكيد ما نذهب إليه. وهو ثبتٌ لا يترك مجالاً من مجالات الحياة إلاّ ويحاول أن يملأ الفراغ فيه. فلدينا مرحلة الانبعاث الأول والثاني، ولدينا مرحلة ما بين الحربين، وما بعد الحرب الثانية وصولاً إلى المعاصر.. ولدينا تيارات فكريّة محافظة وأخرى مجدّدة.. لدينا من فكر اللغة الخالص، والفكر الأدبي والنقدي والفلسفي والعلمي، ولدينا من المدارس ما هو عربي خالص وما هو مأخوذ من العالم، كما لدينا من الأجناس الأدبية ما هو موروث وما هو موروث مجدّد، وما هو مجدّد كلياً.. في ذلك كلّه أبحث عن دور اللغة في تكوين المجتمع العربي وتطويره، فلولا ذلك الكلام المتتابع لم يكن هناك تواصل مع الماضي والحاضر، ولم يكن هناك تكوين لشخصية الأمّة فيما نسمّيه النهضة والحديث والمعاصر. لقد تكوّنت ملامح المجتمع الحديث في تلك الحقبة وكما تكوّنت ملامح الشخصيّة العربيّة وتأكدت هوّيتها متأثّرة بالأحداث الكبرى التي عصفت بها، وبالتطوّرات السياسية، خصوصاً منذ مطلع القرن العشرين، حيث كان العالم العربي في مفترق طرق، يستعدّ لرحيل الأتراك، ومواجهة عقبة الوحدة المتمثلة بالحلفاء، وبسايكس بيكو والقطرية، ومن ثمّ الثورات الاستقلالية المتتابعة، والحروب مع الصهاينة، والأزمات المولّدة من جراء الِأحكام المتتابعة في كل قطر وعجز الحكّام عن القيام بالإنجازات التاريخيّة التي يتطلبها المجتمع العربي.. كانت اللغة العربيّة تمضي في طريقها مواكبة التطورات، لكنّ إنتاجها في المجالات القولية كلّها لم يتوقف، فشارك الأمّة قوّتها وضعفها وصعودها وهبوطها. كانت اللغة في ذلك كلّه ظاهرة صراعيّة، معلماً رئيساً من معالم إثبات الوجود العربي الموحد والقطري في آن، في أي صورة تجلّى. ولقد تبيّن في هذا السجال الطويل: أنّ الشعوب العربيّة أو الشعب العربي المتقارب في كل شيء، له تجاربه وعلى قاب قوسين أو أدنى من التوحد. لغته واحدة، على الرغم من وجود قوميات أخرى مختلفة، وعلى الرغم من وجود ازدواجيّة اللغة التي فرضها الاستعمار لم يؤثر ذلك كلّه تأثيراً قويّاً إلى حدّ الموت، بقي المعتقد نفسه وفكرة التوحد نفسها، تتجسّد في الأهداف الكبرى التي رسمتها الأمّة وعبّرت عنها اللغة سواءً أكانت على صعيد قطر أم على صعيد أمّة والموقف نفسه من الاستعمار والملاحظات ذاتها على الحكام، والاعتزاز بالتاريخ والتراث والدين والخصوصيّة والتفكير على مستوى أمّة.. بقي نفسه، تنطق به اللغة، وكأنّي بها حارس أمين على هذه المنطلقات، لا تجد ناطقاً بها ينكره، إلاّ ما كان من شأن بعض الدعوات المغرضة التي حاولت النيل منها، وما كان من أمر اليأس الذي داخل بعض النفوس من توالي الانهزامات والتراجع وتكاثر الأزمات. بقيت اللغة في مهمّتها عنصراً رئيساً من عناصر تكوين المجتمع، واستجابت في تعبيرها لمطلب الدعوات الكبرى في التوحد وتحرير فلسطين ورفض التبعيّة والتركيز على الشخصيّة المستقلّة. هذه الشخصيّة اللغويّة هي التي مكّنت الشعوب العربيّة من صنع ثقافتها خارج النطاق الرسمي، فأسهمت في إيجاد النسيج الاجتماعي الذي كانت له مؤسساته وأحزابه وبرامجه، حيث كانت اللغة في القلب والأساس فيها. وهي التي أسهمت في إيجاد المقاومات المختلفة ابتداء من القرن التاسع عشر وحتى يومنا هذا، مقاومات هي من صنيع الشعب الذي قاوم المستعمر بيد وحمل لغته باليد الأخرى. واللغة كانت دافعاً قويّاً للاهتمام بها فعُقدت المؤتمرات والملتقيات والندوات.. واشتدّت المطالبة بحمايتها وتطويرها والدفاع عنها. كانت اللغة في ذلك كلّه تؤدّي دور الموحد والباني والمطوّر، كانت تصنع تاريخاً، في غياب الاهتمام بصناعته، فكان لنا هذا المحصول الكتابي الضخم، وهي مستمرّة في دورها على الرغم من المعوّقات الكثيرة. إلاّ أنّ العامل الرئيس الذي مكّن اللغة من نفوس أبنائها هو العامل الديني. ذلك الذي احتفظ بقوّتين ورئيسيتين أولها: قوّة القرآن في ذاته، بصفته كلام الله، عزّ وجلّ، كلام لا ينطق عن الهوى، كلام بان للنفوس كما للمجتمعات في منحييها المادّي والمعنويّ، فيه من العلوم والمعارف ما أقفل كثيراً من أبواب البحث حول عجز اللغة العربيّة، وحول ما يجري من اكتشافات تجد أساسها في القرآن الكريم. وثانيهما ذلك الإيمان الكبير بهذا الدين الحنيف، إيمان لا يفوقه أيّ إيمان آخر.. راسخ في الشخصية وملتصق بها إلى حدّ الاندماج الكلّي. لذلك كان الوعي القوميّ هو وعي اللغة والتعلّق بها وحسبانها صنواً للدين.. وأيّ تغاضٍ عن أحدهما يفقد وجود الآخر. فهما حيّان لا يموتان أبداً، متجدّدا الحياة متجدّدا الانتفاض من أجلهما. بل هما سلاحان ماضيان يؤدّيان إلى الانتصار، هكذا كان الأمر في الجزائر، وهكذا تشبّث المجتمع الجزائري بالإسلام واللغة العربيّة، خلال عهد الاحتلال الفرنسي كأحد مقوّمات الشخصيّة الوطنيّة والقوميّة تجاه الغزو الثقافي الفرنسي، وعمليات الاستئصال والمسخ لهذه المقوّمات"(). لكنّ ذلك الوعي الإسلامي، لا ينبغي أن يغفل عن الجهود المبذولة من طوائف أخرى أو قوميّات تعايشت مع المسلمين في مختلف أنحاء الوطن العربي، لا ينبغي أن تغفل جهود الكثير من الأعلام العرب المسيحيين الذين آمنوا بلغة قوميتهم العربيّة، فطوّروا الكثير من جوانبها، كما لا ينبغي أن تغفل جهود مسلمين من قوميّات أخرى جعلوا العربيّة لا سيّما القرآن الكريم عماد إيمانهم، فأحبّوها وأضافوا إليها أشياء كثيرة.. رابعاً: ضرورات لا بدّ منها قد تجنح بنا العاطفة أحياناً إلى عملقة دور اللغة العربيّة في مجتمعاتنا.. فإن كانت حقيقتها الأصليّة كذلك، فإنّ الحقيقة قد تهمل وتوضع جانباً وينشغل عنها بأمور أخرى تضعفها وتقلّل من أهميّة دورها. في ظروف الأمّة العربيّة الراهنة ينبغي الاعتراف بما ينتابها من تضعضع وتفرّق وعداوات داخليّة وخارجيّة. قد لا يؤثّر هذا كثيراً في طبيعة اللغة العربيّة، لكنّه قد يقعدها عن التطوّر والارتماء في أحضان الكسل والجمود. لذلك ينبغي الوقوف أمام بعض الملاحظات التي تشكّل ضرورات في تاريخنا المعاصر: 1- الاعتراف بموقع اللغة ودورها تشكّل اللغة، أي لغة، الركيزة الأساس في بناء المجتمعات، وليس هناك لغة خارج المجتمع، ولا مجتمع من غير لغة. وفي حال العرب هي الركيزة الأكثر أهميّة في وجودهم. فعلاوة على تبادل التواجد بين اللغة والمجتمع، ثمّة خصوصيّة للغة العربيّة اكتسبتها من كونها لغة الدين الذي يعتنقه معظم العرب. بالإضافة إلى أنّها وعاء الإبداع وأداته. بها تصنع ركائز المستقبل، وعليها يقوم التعبير عن الشخصية، وإلاّ أصبحت جماداً غير ناطق.. لذلك "فإنّ اللغة، هي أضخم عملية حضارية تنشئ الحضارة، وتتمثّلها وتعبّر عنها، وهي ذات رصيد حضاري، لا حدود له، ولهذا فإنّ نموّ لغتنا وازدهارها وقيامها بدورها الفكريّ هو معلم بارز من معالم حياتنا الحاضرة، وطريق أساسي من طرق بناء المستقبل"(). يربط هذا القول اللغة بقضية الوجود وبنائه حضارياً. ويستشفّ منه أنّ الانتماء إلى اللغة هو انتماء إلى وجود معيّن. فموقع اللغة هو موقع الحياة نفسها، والتضحية باللغة هو تضحية بالحياة. لذلك أهميتها وتسنّمها الصدارة في الفكر والقول والعمل والبناء والتطور. 2- اللغة – الوطن (المواطنة اللغوية) للغة وطن واحد أساسي، وإنْ حملت مزايا أخرى تجعلها تخرج عن نطاق حدودها ليستعملها آخرون. موطن اللغة العربيّة الأساس هو بلاد العرب، فيها تاريخهم وتاريخ شخصيتهم، والمواطنة هي انتماء إلى وطن، والوطنيّة تحيل المواطن إلى التمسّك بوطنه والدفاع وحلّ مشكلاته. والثقافة الوطنيّة هي التي يبدعها الوطنيون، وعمادهم في ذلك على لغتهم، لذلك كانت مواطنتهم اللغويّة. والحديث عن المواطنة اللغوية يعني "استعمال اللسان الوطني في المؤسسات والأماكن العامة كلّها، وقضاء المصالح الإدارية، وإنّ المواطنة اللغويّة فضاء لغويّ ممتدّ، تأخذ فيه اللغة الرسميّة النصيب الأوفى انطلاقاً من أنّ تربية المواطنة تحصل أولاً باللغة الرسميّة، وعدم احتقار الوطنيّة، وتعزيز الثقافة الوطنيّة بنقل المفاهيم الوطنيّة للطفل وبثّ الوعي بتاريخ الوطن وانجازاته والاهتمام بمختلف الأنشطة الثقافية"(). ولهذه المواطنية متعلّقاتها الحقوقية من حرّيّة وديمقراطيّة وعدالة ومساواة، كما لها واجباتها في الحرص على الوطن وقوانينه. وبعيداً من ذلك، للمواطنة مميّزات حضاريّة وثقافيّة وخصوصيّة وقيميّة.. تنتجها لغة الوطن، مهما كان حجمه. فهل لدينا مواطنة لغوية؟ فإلى أيّ حدّ يتوافر هذا العنصر في بلاد العرب في الظروف الحالية؟ لقد تم توصيف الوضع الراهن للعرب في غير مكان من هذا البحث، وأجدني مضطراً في هذه العجالة إلى التأكيد على أمر أساسي يخصّ المواطنة في الوطن العربي، حيث يتعرّض مجتمعاً ومنفرداً إلى سلسلة من الانهيارات في البنى الاجتماعية والسياسيّة والاقتصاديّة والثقافيّة.. الأمر الذي يبرز العولمة أداة تفريق للثقافة العربيّة قبل إعادة تشكيل بناها، وبالتالي وضعها تحت إمرة الرأس المال العالمي لتطويعها وربطها به وبثقافته الآيلة إلى زعزعة الكيانات المحلية وإدماجها بها، يتم ذلك في نطاق تفتيت الأطر القديمة والكيانات القائمة، حيث تتكسّر نفسيات الأفراد بين قيم وضيعة الرسوخ غير قادرة على إعادة الدمج الاجتماعي، يتعرّض المرء لنداءات متناقضة ومتباعدة، لا تنفك تهدّد هوّيته وتهدّد حتى توازنه النفسي وتحمله إلى مرحلة تغيير أنماط الحياة والسلوك لخدمة الفئات المتعولمة()، ولخلق الإنسان الكوني ذي الحضارة الواحدة والدين الواحد واللغة الواحدة كما يقول هنتغتون في كتابه "صدام الحضارات" : هذه الحضارات ينبغي أن تسقط للإبقاء على حضارة واحدة، حضارة بصيغة المفرد وليس بصيغة الجمع حضارات"()، و"أن العناصر الرئيسة لأي ثقافة أو حضارة هي اللغة والدين، وإذا كانت هناك حضارة آخذة بالانبثاق، فإنّه ينبغي أن توجد اتجاهات نحو انبثاق لغة عالميّة وديانة عالمية"(). نبحث عن المواطنة عموماً والمواطنة اللغوية خصوصاً في ظلّ هذه الطروحات التي تجهد لخلق الإنسان الكوني في القريّة الكونيّة الواحدة، وفي ظلّ التدفق المعرفيّ الرهيب الذي يستعمل في بعض الأحيان ي غير محلّه. مستعيناً بالقوّة، في معظم الأحيان، خصوصاً في بلاد العرب والمسلمين، ونسمع من وقت إلى آخر بمشاريع متتالية في هذه البلاد: السوق الشرق أوسطية والشرق الأوسط الكبير... لكنّ الأوضاع الفوضوية التي خُلقت في البلاد العربيّة، وعلى الرغم من الحروب الأميركيّة وحروب الناتو وتلفيقات الأمم المتحدة.. على الرغم من ذلك كلّه لم تنجح العولمة في إيجاد هذه الديانة الواحدة واللغة الواحدة والحضارة الواحدة وبالتالي القوميّة العالميّة الواحدة والهويّة الثقافيّة العولميّة الواحدة.. الأمر الذي يحفز القوميّات الأخرى في العالم، ومنها الأمّة العربيّة، أن تعيد حساباتها لأنّها لا تزال محتفظة بقوميتها ولغتها وخصوصيتها وأديانها وقيمها وعاداتها وتقاليدها.. وهو ما يسمح لمقولة المواطنة اللغويّة بأن تكون في صدارة الاهتمام لإعادة تكوين المجتمع العربي وبنائه والبحث في تطوّره. ففي ظلّ هذا المبدأ يجب أن نتعلّم كيف نحسب أنفسنا عناصر لا تتجزّأ من الجماعة البشرية التي بمقدورها أن تنجح إزاء الذين يريدون حصر العالم في لعبة المصالح الخاصة().. ويحاولون "تنفيذ فكرة الكونيّة وإحلالها محلّ المواطنة والوطنيّة"(). خامساً: الإعلانات المسكوت عنها للغة العربية في مقابل ما يجري في العالم من تطوّرات، وفي ظلّ إخفاق العولمة في فرض إرادتها الثقافيّة والدينيّة واللغويّة والقوميّة، فإنّ الالتفات إلى اللغة العربيّة أصبح أمراً في غاية الأهميّة. أقول هذا الكلام وفي الاعتقاد أنّ اللغة العربيّة قالت وتقول كلاماً كثيراً حول وضعها ووضع الناطقين بها. وأوّل كلامها يدلّ على سلامتها وقدرتها على استكمال مسيرة بناء الأمّة، تلك القدرة الكامنة، المسكوت عنها، لا تزال لغة الحياة والتعبير عنها، لا تزال لغة الأدب شعراً ونثراً. جمالياتها لا يضاهيها جمال، ونشأتها مكينة متأصّلة في الذهن والنفس والشكل والمعنى وتلازمهما، وهي موازية لشخصية العربي ومجتمعه، فقدانها يعني فقدان الشخصية العربية. تلك الشخصية التي اكتسبت قوّتها من تجارب طويلة، ليست لدى العرب وحدهم، بل لدى الكثير من شعوب الأرض. وإن شئت تمعّن في الكلمات التي تشكّل أساس لغات هذه الشعوب، فإنّك لواجد جذورها في العربيّة. لكنّ رحلتها إلى العالم أفقدتها بعض مزاياها، فاصطبغت بالصبغات المحلّية، وتأثّرت بالمؤثّرات الخاصة لكل بيئة، علاوة على أنّها مأخوذة من لهجات عربيّة شديدة المحلّية. وعندما تعلم أن لفظة Good الإنكليزية مأخوذة من اللهجة العربيّة المصريّة "جود" أو "جيد"، تدرك أنّك تستطيع أن تؤول كلمات كثيرة في لغات العالم وتعيدها إلى أصلها العربي. والمسكوت الثاني عنه في العربيّة هو أنّ بعض الباحثين لا يعتدّون كثيراً بالقول: إنّ اللغة العربيّة لغة مقدّسة، وينصرفون عنه بحجّة أنّ ألعلم لا يؤمن بهذا الاعتقاد. والمسكوت الثالث عنه هو عدم الاعتراف بمكانة اللغة العربيّة وقدرتها من قبل كثير من الغربيين المتقصدين الذين يتبعهم بعض الباحثين العرب فينصرفون عن لغتهم. والغريب أن هذا الأمر قد فشا في أوساط علميّة وشعبيّة كثيرة لابتعادهم من الفهم الصحيح لهذه اللغة ومكانتها. والمسكوت الرابع عنه: هو إلحاقها بأوضاع السياسة والحكم في بلاد العرب. هذا الإلحاق أهال عليها حالة من الإهمال كما هي الأنظمة مهملة في كل شيء يخصّ الحياة وتطوّرها. والمسكوت الخامس عنه: هو ردّ عجز اللغة العربيّة إلى عجز القوميّة العربيّة عن إنجاز مهمّاتها في هذا الزمن المضطرب والقلق. والغرابة في الأمر أنّ كثيرين من العرب قد أحبطتهم الأوضاع العامة، وحصل ارتداد عن التمسّك بالقوميّة والعروبة، انعكس بدوره على اللغة التي حمّلت أوزار الإخفاق العربي العام في حلّ مشكلاته. والمسكوت السادس عنه: هو إلصاق تهمة العجز في الإبداع والعصريّة باللغة العربيّة. مرّة أخرى تعلن العربيّة لأبنائها: إذا لم يكونوا هم عصريين فكيف يطلب منها أن تكون عصرية. والعصريّة في معناها تخصّ الحياة برمتها قبل أن تخصّ التعبير عنها، فهل حدّث العرب حياتهم في المجالات المختلفة، لاسيّما الاقتصادية والاجتماعيّة والسياسيّة والمعرفيّة والعلميّة والثقافيّة؟ هل اتخذوا القرار بالتحديث والعصرنة؟ هل خلقوا القاعدة المعرفيّة لبناء مجتمعهم على أسس صلبة. هل توحدوا؟ ثم إنّ للإبداع شأناً آخر، لا أعتقد أنّ المبدعين العرب قد تأخرّوا عندما احتاج المجتمع إلى إبداعهم. نتحدّث عن العصر الحديث منذ النهضة إلى الآن، وفي ذاكرتنا سلسلة طويلة من المبدعين العرب الذين يفوقون سواهم من الشعوب في التأليف في مجالات عديدة، ولكن عندما يجري الحديث عن الإسقاط، فذلك أيضاً همّ آخر. لا ندّعي أنّ أيّ أمّة من الأمم تستطيع أن تعيش معزولة عن سواها، التبادل الثقافي يجري في العالم على قدم وساق، ومثلما أعطى العرب أخذوا، لكنّ الأخذ لا يكون دائماً خصيباً، قد يكون هجيناً لا يأتي أكله، ولا ينمو في ديار غير دياره. وما عاينّاه في القرنين الماضيين أنّ اللغة العربيّة قد شهدت حركة ترجمة قويت في زمن وضعفت في آخر، ولا نبالغ في القول: إذا حسبنا أنّ كثيراً من القوالب الفنّية والمدارس والأنواع الأدبيّة والمناهج النقديّة قد استفادت كثيراً من الوافد الغربي إلى بلاد العرب، وقد عبّرت العربيّة عن قدرتها على استيعاب هذه الحركات كلّها. والمسكوت السابع عنه: هو انصراف بعض أبناء العربيّة عنها والاتكّاء على لغات أجنبيّة في أوساط كثيرة: ليس أقلّها التبادل الثقافي والتجاري والسياسي والاقتصادي والتلذّذ بتبعيّة اللغة الأجنبيّة والتباهي بها. بالإضافة إلى العمالة الأجنبيّة التي غزت حياة وأسواق بعض الدول العربيّة، بحيث تحتاج إلى مترجم ينقل لك ما يقال فلا تجده. والمسكوت الثامن عنه: هو غزو اللغات الأجنبيّة للأوساط الثقافيّة ومعاهد التعليم والجامعات والبرامج والناهج والمراجع والمصادر.. والمسكوت التاسع عنه: لغة الإعلام: سواء أكان الناطق بالعربيّة أم المترجم على شاشات التلفاز: مكتوباً أم منطوقاً، فهو يجري من غير رقابة ولا تعتمد فيه الكفاءات الصحيحة. والمسكوت العاشر عنه: إضمار العداوة للعربيّة، من بعض أبنائها ومن سواهم، تمثّل ذلك في الحملات العديدة على اللغة بحجّة إصلاحها وتيسيرها أو جعلها عالميّة أو تقريبها من الناس بتبنّي عامّياتهم. والمسكوت الحادي عشر عنه: هو إهمال التراث اللغوي والحكم عليه بالغربة وبعده من نسيج المجتمع. وكأنّ المراد انحدار اللغة إلى المستويات المتدنية وليس رفع أبنائها إلى مستواها. فلا زال العربي يقرأ القرآن ويحفظه ويفهم معانيه ويجادل فيه، لم يحصل إلى الآن النبش عن ماضي اللغة السحيق، لم توضع معاجم تاريخيّة قديمة ولا معاجم اصطلاحيّة علميّة اختصاصيّة إلاّ فيما ندر. والمسكوت الثاني عشر عنه، وهو الأهم: اتخاذ القرار السياسي الذي من شأنه أن يهتم جدّياً باللغة العربيّة على المستويات كافة. لايزال الاهتمام السياسي هامشيّاً. ولا يزال السكوت عن لغة التعليم في بعض العلوم سارياً حتى يومنا هذا. والمسكوت الثالث عشر عنه: هو أنّ كثيراً من العاملين في الحقول الثقافيّة واللغويّة والأدبيّة يعقدون المؤتمرات والملتقيات والندوات التي تهتمّ باللغة وتطويرها وجعلها أكثر فاعليّة. لكنّ الاهتمام بنتائجها يظلّ غائباً. فمصير التوصيات، في أغلب الأحيان يكون الاختباء في الأدراج. وغير ذلك كثير من المسكوت عنه في دنيا العربيّة، الأمر الذي ينبغي إعلانه وتصحيحه حتى يكون للعربيّة مجدٌ آخر يضاف إلى أمجادها. سادساً: بين الموجود والمنشود أقصد بالموجود ما أنتجته اللغة على مرّ تاريخها، كما أقصد مزاياها التي انفردت بها، والتعامل الذي لقيته من أبنائها في الراهن. والمنشود هو المطلوب البحث فيه في هذا الراهن كي يوظّف لخدمته في المستقبلين: القريب والبعيد. ليس للعرب إلاّ لغتهم يتمسّكون بها، هي جامعهم، وهي تاريخهم وشخصيتهم ودينهم ووجودهم كلّه. " والارتقاء يتوقف على أمرين اثنين: الأول: وجود قابليّة التبدّل، والثاني التثبّت والتأنّي"(). ولارتقاء الموجود اللغوي العربي ينبغي الإقرار بأنّ اللغة العربيّة: - تحمل في طبيعة تكوّنها تلك القابليّة الدائمة للتطور والتكيّف لما فيها من قواعد وأصول تجعلها تتجدّد حيناً بعد حين: كالاشتقاق والإبدال والقلب وتوليد المعاني والألفاظ الملائمة. - أنّ تجاربها غنيّة، وما عرف في العالم من تطوّر على مستويات عديدة استوعبته، خصوصاً في الجزء الذي تعاملت معه، وأنّ ما يجري في العالم ليس نهائياً، هي مرحلة في سلّم التقدّم لكنّه يتعثّر بفضل سوء الاستعمال لهذا التقدّم، لاسيّما المعرفي عموماً. وعلى ذلك فإنّ موجود اللغة ينشد التواصل مع ماض يفيد الحاضر ويجترح خططاً قابلة للتنفيذ، لأنّ النظر إلى الوراء جزء من النظر إلى أمام"()، كما يقول الأديب اللبناني رئيف خوري الذي يؤكّد على عظم التراث الأدبي واللغوي العربيين، بتساؤله الذي يصلح لأن يكون اليوم حافزاً لإيجاد المنشود الإبداعي العربي الراهن، يقول: "أين أدبنا الذي يؤكد مجد الإنسان ويعفينا من هذه اللاشيئية والمدارات المغلقة والطرق المسدودة"(). وهذا المنشود هو إعادة الصورة التي كان عليها العربي قديماً، وليس بالضرورة كما هي، بل للتمثل بها ساعة إيقاظ ضميره. يقول الأديب والناقد اللبناني عمر فاخوري، بعد ذكر تأثير الإسلام، وخصوصاً النبيّ محمد (r)، في العرب يقول: "إنّ نزعة العرب الفطريّة وخيالهم الغريزي، وروحهم الأدبيّة الابتكاريّة ظهرت بعد قليل في آثارهم الجديدة، حتى أنّهم أثّروا في وقت قليل في البناء والفنون والعلوم، ووضعوا عليها ذلك الطابع الخاص الذي يعرّفنا بنظرة واحدة: إنّها صنع أيديهم وثمرات أفكارهم"(). ويقول في مكان آخر مؤكداً أثر الإسلام في العرب: "لقد أظهر العرب نبوغاً سياسياً يندر في غيرهم من معتنقي ديانة جديدة"(). إذاً: الإسلام والاستعداد اللغوي الفطري، ثنائية غير ضدّيّة تتكاتف لتقديم المثل للعربي كي ينهض من عثاره، وهي ثنائية باقية إلى يومنا هذا، وصالحة للاحتفاء بها لتساعد على الانتقال إلى أوضاع جديدة. لذلك يتطلب الانتقال إلى هذا المنشود جملة من الأمور منها: - الثقة بالنفس والإيمان بالمنطلقات التي عُرفت بها العربيّة، والنظر إليها بعيوننا وأفهامنا وليس بعيون وأفهام الآخرين. وحسبان ما جرى من ركود وتراجع لا يمسّها هي بالذات بل يمسّ الناطقين بها وتغاضيهم عنها وعدم اتخاذ القرار المناسب لإعادتها إلى حياتهم. - الكف عن التغنّي بها وبالأمجاد العريقة من دون فعل، والخروج من دائرة الاكتفاء بالتلقي وتأكيد الانتماء إلى العربيّة بإزاحة الاتهامات المحاكة حولها. - الصدق في إعادة تبنّي العربيّة بوجهها الصحيح والإقلاع عن الانصراف عنها واللجوء إلى سواها بحجّة التحضّر ومواكبة العصر الحديث.. وما ذلك إلاّ من ضمن استهلاك منتجات الغرب، فنحن نستهلك ماديّاته كما نستهلك أفكاره ونتباهى بالماركات الأجنبيّة التي في أدوات استعمالنا، من الكتابة على القمصان وأسماء الطعام حتى الخليوي والإنترنت والمعلوماتية عموماً.. - الموقف اللغوي: يطالب المنشود اللغوي بموقف واضح من اللغة العربيّة وهو يمرّ عبر الإقناع العقلي والذاتي، من أنّ العربيّة هي المساوية لحياة العربي والتخلّي عنها هو تخلّ عن الحياة. وهذا الموقف يجب أن يتجلّى في موقف آخر وصريح من لغات العالم: بحيث ينظر إلى العربيّة على أنّها الأساس، واللغات الباقية مساعدة، لغات أخرى يتمّ الاستعانة بها لزيادة قوّة العربيّة على قوّتها عن طريق استلهام الطرق والمعارف والعلوم العصرية. ولا بأس أن تُتقن اللغات الأجنبيّة، ولا بأس أن نترجم، ولا بأس أن نستعين بالنظريات اللغويّة والأدبيّة والنقديّة والفلسفيّة والعلميّة والحقوقيّة والاجتماعيّة والسياسيّة. والشرط الأساس هو مرورها جميعاً عبر آلة اللغة العربيّة، عبر عدستها الخاصة وبالتالي هضمها جيداً وتطويعها، لا أقول: أن تكون عصريّة وحسب بل أن تمثّل مركز استقطاب عالمي، لما لها من ميّزات خاصة بين اللغات، وكونها من أقدم اللغات، وربما تكون الأمّ الباقية لأنّها مصطفاة من عند الله على أساس أنّها أفضل اللغات في العالم، بها جاء أفضل كلام. - التشكّل اللغوي الجديد: أتبنّى هنا القول بتضعضع اللغة العربيّة وعدم تشكّلها. فهي مشكّلة من جديد منذ قرنين من الزمان، وقد خاضت معارك كثيرة في سبيل ظهورها على ما هي عليه. وما هي عليه شكّل سبباً للهجوم عليها وإتهامها بالقصور والعجز وعدم قدرتها على الإبداع، واستهانة أبنائها بها والتماهي بالأجنبيّة عليها، وخلط الكلام العربي بألفاظ أجنبيّة، وحرمان الناشئة من سماعها وشبه الصمت من المثقفين حول ما يجري للعربيّة، واستعمالها المشوّه، والانهزام النفسي أمامها، ومزاحمة اللهجات المحلّية لها، وغياب السياسة الحقيقيّة لتقويتها، وتعجيم ألفاظها، وتقليص فرص العمل للمتكوّنين بها، وأخطاء الإعلام المتعاظمة والتي ترتكب جهاراً من دون معالجة()، ومحاولة استبدالها بالعاميّة وكتابتها بالحروف اللاتينيّة، وإسقاط قواعدها بإحلال اللغة الثالثة مكانها، ومحاولة جعلها لغة محصورة برجال الدين(). هذه الملاحظات، وكثير غيرها، تستدعي إعادة النظر في وضع اللغة العربيّة بين أبنائها، وهي استعادة سوف تنظر في تشكّل اللغة العربيّة وفاق أسس جديدة، تكون منطلقاً لإعادة النظر في البنى المختلفة في المجتمع العربي.. - اللغة العربيّة في سوق اللغات: أستعير كلمة السوق مما يجري في العالم في الظروف الراهنة. إنّ أشياء كثيرة في هذا العالم أصبحت تابعة لاقتصاد السوق، تحوّلت إلى سلعة تشترى وتباع، ومنها اللغات. وهو حديث قد يطول، لكنّني سأكتفي بالإشارة إلى موضوع التكنولوجيا الذي فاجأ العالم في تدفقه في العقدين الأخيرين، وجعل المعلوماتية في أساسه. وهي التي تديرها الشركات الكبيرة، وتسيطر عليها وتتحكم بتوزيع العمل والإنتاج في العالم ماديّاً ومعرفيّاً(). وهذه الشركات العابرة للقارات، يبدو "أنّها نقلت أنشطتها الخدماتيّة من البلدان المتقدّمة إلى مواقع العمل الرخيص في العالم الثالث، وأوروبا الشرقيّة مع شيء من البنية العلميّة والثقافيّة التي ترافقها(). وكانت الهيمنة الخطة التي أباحتها العولمة لنفسها، واحتكرت المال والسلاح والإعلام والثقافة، وحاولت فرضها على الشعوب إمّا سلماً وإمّا حرباً، في "ظلّ نظام عالميّ للتبادل غير متكافئ"()، وهو أمر يهدّد سيادة اللغة والثقافة في أي بلد في العالم، ويجعل من اللغة العولميّة السلعة الرئيسة في سوق العالم، بينما تتراجع اللغات الأخرى، ومنها العربيّة في ظلّ وجود قسم من العرب برسم الهيمنة، يعملون لها ويروّجون بضائعها بالكميّة نفسها التي يروّجون بها لغتها"(). وهذا يعني "إقصاء الخصوصي واحتواء العالم"()، و"تحويله إلى محطة ثقافيّة للإنسانيّة بأكملها"(). وقد أدّى إغراق السوق بمنتجات العولمة إلى تأثّر معظم بلدان العالم، ومنها بلاد العرب بهذا النمط، حيث شهدت هذه السياسة في بلادنا محاولات لغربنة المؤسسات بغربنة لغتها وتعميمها على مختلف العاملين، لذلك يشملنا الاستغراب عندما نحلّ في مؤسسة حكوميّة عربيّة ولا نجد من نخاطبه بالعربيّة، وعندما يتطلّب منّا شرط إتقان لغة أجنبيّة وبالتحديد الإنكليزيّة في العمل، وهو ما يفرضه سوق العمل، في ظلال تدفق الشركات الأجنبيّة إلى بلادنا وما يرافقها من تدفق عمالة أجنبيّة، ومن تطلب لغة أجنبيّة وخبرة طويلة، ذلك انزياح بعينه عن العربيّة، خصوصاً عند هؤلاء الذين يتعلمون في الخارج ويعودون برطانة غريبة بعيدة كل البعد من العربيّة. ولست متيقناً بأنّ هؤلاء وسواهم من العرب إن كانوا يعلمون أشياء كثيرة عن لغتهم. تلك التي قال عنها غوستاف لوبون ذات يوم: "لقد أصبحت اللغة العربيّة لغة عالميّة في جميع الأقطار التي احتكّت مع الشعوب العربيّة"(). سابعاً: اللغة العربيّة ورهانات البناء 1- حسابات الرهان نبني على ما تقدّم ونحن نحاول رسم رهانات البناء الاجتماعيّ معتمدين على اللغة العربيّة. لكنّ هذا الاعتماد، مهما تعاظم واتّسع، يبقى ناقصاً إن لم يقرن بعوامل عديدة تسير جنباً إلى جنب في تطوّر الحياة نفسها. فكما أنّ العامل الديني كان عضداً كبيراً لهذه اللغة، فإنّ الناس، أو الناطقين بها أيضاً يؤدّون دوراً جليلاً في عملية البناء وفي إتقانهم اللغة، كشرط أساسي للتعبير عن عوامل النهوض الأخرى في المجتمع. وأنا أؤيد موافقة الدكتور عبد الكريم خليفة على رأي ابن جنّي، في قوله: "إنّ أكثر من ضلّ من أهل الشريعة عن القصد فيها، وحاد عن الطريقة المثلى إليها، فإنّما استهواه، واستخفّ حلمه، ضعفه في هذه اللغة الكريمة الشريفة التي خوطب الكافة بها"(). إذا وّضع هذا القول في زمن ابن جنّي، فإنّنا نجد الشكوى من ضعف المتعاطين باللغة العربيّة في زمننا هي نفسها، على الرغم من الفارق الزمني الكبير. إلاّ أنّ الرغبة في إبقاء العربيّة قويّة تبقى العامل المشترك بين هؤلاء المتعاطين بها، بدليل بقاء العربية حيّة قويّة جاهزة للقيام بدورها على أكبر وجه. سأنطلق من هذا البقاء، ومن هذا الدور الجامع للأمّة، ومن السلطة التي تملكها اللغة في غير ناحية على الناطقين بها، لأقول مجازاً: إنّ عليها مسؤولية كبيرة ينبغي أن تجود بها على أبنائها في هذا الزمن القلق، حيث العرب بددا، ومجتمعاتهم تعاني مشكلات حادة، ولم تعد تُعرف أيّة صيحة لـ": الله أكبر" هي الصحيحة على ألسنة متفرّقة ومتعادية، كل فريق منها يستعين بالله على الآخر، ويدّعي القرب منه أكثر من سواه.. بينما عقولهم مشرّعة الأبواب، ونفوسهم تميل مع الأهواء، يتلاعب بها المتلاعبون وتجري عليها قوانين الغاب، فلا تعرف هذه العقول وهذه النفوس أي النافع وأيّ المضر، أمام استبدال العام بالخاص والميول محلّ الأصول، والعجمة محل الفصاحة، والغريب محلّ القريب.. ولا تزال اللغة عاملاً رئيساً في تشكيل العقول والنفوس، لا تزال الركيزة الأساسية في اتحاد المجتمع العربي وبنائه، والابتعاد منها شرّ البليّة. نتعامل مع رهانات اللغة في البناء في واقع مختلف، له حسابات مختلفة عن الأقوال السابقة، حيث لم يعد يجدي فيه التغنّي بالأمجاد ولا الركون إلى ما توافر للغة العربيّة عبر الزمن، ولا ما حملته في رحم إنجازاتها الكتابية من نجاحات لازال قسم كبير منها باقياً إلى الآن. أشياء كثيرة تدلّ دلالة عميقة على التبدّل والتغيّر، تبدّلٌ هذه المرّة يقضّ مضاجع المجتمع، يخلخله ويضعضعه وينذر بضياعه وتبديد إمكاناته الماديّة والروحيّة، في ظلّ هجمة شرسة مسلّحة مدعومة من هذا التشتت العربي الذي يجد انقسامه الحاد، ويرى بعضه في التدخل الأجنبيّ خلاصاً له من وضعه السيئ الراهن، وهي رؤية عقيمة لم تستفد من تجاربها السابقة مع هذا المستعمر منذ أمد بعيد. والحديث هذه المرّة عن المجتمع وأبنائه في غاية الخطورة، مشاريع مقنّعة تصل إلى الواجهة، بحجّة هدم ما هو قائم، تستعمل أكثر الأسلحة الاجتماعية حدّة وهو الثورة على الواقع واستبداله بآخر، واقع مرير يجري استبداله بالأكثر مرارة. ومن لا يريد الثورة؟ ولكنّها عندما تصبح ملتبسة من غير قادة واضحين، ومن غير مبادئ واضحة، فإنّها ستقود حتماً إلى الفوضى، وتهديم الموجود من دون الحصول على منشود أفضل.. إنّها الخطوة المجهولة المخيفة التي ينبغي التنبّه لها، حيث يمكن أن تضيع الجهود المبذولة والأماني المرسومة، تحت رعاية عدوّ الأرض التاريخي وعدوّ اللغة المبين وعدوّ الأمّة التي لازالت تعاني من ويلات نتائج التقسيمات القطرية التي أحدثها. فكيف بها اليوم تواجه الخطوات المعلنة في سبيل إيجاد شرق أوسط كبير، تُفتّت فيه الأقطار، ويُستولى على الثروات، وتضيع السلطة من أبناء الأمّة ليتسلّمها غرباء باتوا زمناً يعملون، في السرّ والخفاء، للوصول إلى مبتغاهم. 2- على من تراهن اللغة إذاً في بنائها المجتمع؟ وكيف يتحقق لها هذا الرهان؟ في تقدير الكثيرين أنّه آن الأوان للتوقف عن البحث في بعض المسائل التي تخطّاها الزمن، وجرى الحديث مطوّلاً حولها، وظهرت مسائل أكثر تعقيداً منها يجب إدخالها في الحسبان. ينبغي "أن نتجاوز مرحلة المناداة بالمبادئ والحوار والمناقشة حول قدرة اللغة العربيّة وأهليتها وتجاربها التاريخيّة إلى مرحلة التطبيق"(). وهو قول يقع في مرحلة سابقة للتي نتحدّث عنها في الزمن الراهن، حيث استجدّت أمور أكثر خطورة تطرح أسئلة مكثّفة، أكثرها أهميّة: ما العمل وحال الأمّة، كما أوردنا آنفاً وبِمَ نبدأ؟ وما هي قوائم المهمّات المطروحة والقابلة للتنفيذ؟ وهل التحدّيات الكثيرة حول تقويم مسار الاستعمار اللغوي مازالت قائمة؟ أفي مجال الإعلام؟ أم مجال التربية والتعليم؟ أم الإدارة؟ أم السياسة؟ أم الاقتصاد؟ أم المجتمع نفسه؟ حتى هذه الأسئلة المكثّفة وغيرها لا تجيب عن رهان اللغة في البناء في الزمن الراهن. 3- ضرورة الوعي لعلّ العودة إلى مقولة: إنّ العرب في أزمة هويّة ووجود، تشكّل بداية للإجابة عن هذه التساؤلات التي تقود إلى مسألة ضرورة الوعي واستلهامه لدرء المخاطر المحدقة بالأمة.. والتركيز على الوعي يجد سبيله في النطاق المعرفي الذي يعرفه العرب، والذي يجب أن يعرفوه، خصوصاً في هذا التشظّي الذي أنتج الأزمة على غير صعيد. ولا وعي من غير لغة، مخزن القول، والموحّد في العقل والنفس والوجدان والتاريخ والحاضر والمصير. وهو ما أكّده العالم اللغوي أدوار سابير بقوله: "إنّ اللغة هي التي تجعل مجتمعاً يتصرّف ويفكّر بالطريقة التي يتصرّف ويفكّر بها، وأنّ ذلك المجتمع لا يستطيع رؤية العالم إلاّ من خلال لغته، وأنّ تلك اللغة بمفرداتها وتراكيب جملها محدّدة في ذاتها نظرة العالم المتكلّم فيها للعالم والحياة"(). سأحسب هذه المداخلة ركيزة أساسيّة لوظيفة اللغة في المجتمع، عليها يقوم عبء الوعي، ومنها نستطيع أن نمضي في حسبان أنّ اللغة العربية هي مادة الوعي العربي، ترسم خطى تفكيره وتدلّه على تميزه من سواه، وتعطيه الأفق الواضح ليعلم أنّ ما يفيده: أولاً: هو التبصّر فيما يجري داخله من أحداث وتقدّم وتراجع وما ينبغي أن يبتكره من مهمّات. وثانياً: تكوّن نظرته إلى العالم، وما يجري فيه أيضاً من تطوّرات وأحداث، وما يعلنه من نوايا وما يبطنه من أهداف، خصوصاً فيما يتعلق به.. وثالثاً: تناوله أزماته الداخليّة ومخاطبته للعالم لا تتم إلاّ من خلال لغته التي يعبّر بها عن شخصيته في تنفيذه مهامّه الداخليّة وتكوينه الأفكار عن العالم الخارجي. رابعاً: وعيه دور اللغة في بناء شخصيته وبناء مجتمعه وإيجاد أساليب تطوّره، وقد جعلها هردر، الفيلسوف الألماني، عماداً في ذلك، حيث أوضح دور اللغة قائلاً: "لا يمكن أن نشك في أنّها هي التي تخلق العقل، أو على الأقل تؤثّر في التفكير تأثيراً عميقاً، وتسدده وتوجهه اتجاهاً خاصاً"(). نفهم من ذلك أنّ الشرط الرئيس والضروري يكمن في مسألة الوعي، الوعي بالواقع ومتطلبات النهوض به. واللغة، أيّ لغة" تحتضن مكوّنات الوعي، حيث يصبح اللجوء إلى هذه الأخيرة من المسلّمات، ويصبح على المواطن أن يبدأ الحفر في لاوعيه اللغوي المنسيّ ويضعه في الواجهة ليستطيع به المواجهة. 4- وعي الهويّة والوجود لا يمكن الحديث عن الهويّة العربيّة بمعزل عن الوجود العربي، و"لا يمكن طرحها إلاّ ضمن فهم حقيقي للوجود"(). وهذا الوجود، كما حدّده أبو حيّان التوحيدي بقوله: "لك وجود واحد به تشقى وتسعد"()، هو "الذي من شأنه أن يفعل وينفعل"(). يصبح الوجود بذلك هو الممكن الذي لا يتموضع إلاّ في أطر محدّدة، مادّية أولاً، تشكّل الزمن- التاريخ والتجربة والخصوصيّة المرتبطة بهذا الممكن، وبالذين دأبوا على الحياة فيه، فأعطوه قيمة أخرى غير ماديّة، وإن تجلّت في بعض وجوهها الماديّة، تلك القيمة هي السمة والخاصيّة، بل قل هي الهويّة.. وهي التي حدّدها الجرجاني بقوله: "إنّ الهويّة هي الأمر المتعلّق من حيث امتيازه عن الأغيار"()، وهو ما يستتبع القول: إن العرب أمّة تتميز عن غيرها، كما سائر الأمم، وقد "جهدت العولمة لتقوم بتعميم أزمة الهويّة، حيث يتضاءل، مع تزايد الثقافات الأقوى في فضاء مفتوح، وزن الثقافات الوطنيّة ونفوذها"(). وهو مقصد للعولمة التي دأبت على إلغاء الهويّات الوطنيّة لاستحداث هويّة واحدة عولميّة، بحيث يحصل التناقض بين الهويّة المحلّيّة والأخرى العالميّة الموحدة().. في ضوء ذلك، يصبح وعي الهويّة والوجود من المسلّمات الرئيسة بالنسبة للعرب، وخارج هذا الفهم، تصعب مهمّة اللغة البنائيّة، لأنّه كما يقول الألماني "فيخته" : "أينما توجد لغة مستقلّة توجد أمّة مستقلّة، لها الحقّ في تسيير شؤونها وإدارة حكمها"(). 5-القسمة على واحد لا نريد في هذه الفقرة الإسهاب في الحديث السياسي، ولكنّ السؤال الذي لا بدّ من طرحه هنا هو: هل العرب موحدون حتى تسهل على اللغة مهمّة جمعهم؟ والجواب البديهي الذي يستبطنه كلّ عربيّ هو أنّ العرب يقعون منذ قرن من الزمان في فخ التقسيم والشرذمة، وأنّ أمر هذا التقسيم يتفاقم يوماً بعد يوم، وهو مهدّد اليوم بقسمة فظيعة حصّتها متناهية في الصغر، تصل إلى حدّ الطائفة والعشيرة والعرق والإمارة والزعامة و... لكن العربي يدرك في أعماق نفسه، أنّ العرب موحدون بالقوّة، وإن طرأت عليهم طوارئ آنيّة سرعان ما تزول. وهذا الإدراك مبنيّ على مسلّمات تعدّ الأساس التوحيديّ للعرب كالتاريخ والأرض واللغة والدين والأصل الواحد... يدرك أيضاً أن هناك عقبات يمكن أن تُزال إذا ما اتخذ القرار بذلك، عقبات تتمثل بإرادات الأنظمة السياسيّة وعدم انصرافها الجدّيّ لتنفيذ المهمّات الملقاة على عاتقها، كما تتمثل بالمحاولات الاستعماريّة المتكرّرة لإضعاف العرب وشرذمتهم وإلغاء خصوصيتهم ونهب ثرواتهم والسيطرة الدائمة على بلادهم، كما تتمثّل بالتخلّف الذي يرين على كل الأمّة ويجعلها في مصافّ العاجزين عن اللحاق بالتطور ومجاراة العصر الحديث. إلاّ أنّ حال اللغة العربيّة، على الرغم مما ينالها من تقصير أبنائها، فإنّها لا تقبل قسمة نفسها إلاّ على واحد، وأيّ قسمة أخرى يعني موتها. وفي التقدير أن اللغة العربيّة لا تزال واحدة، ولا تزال تختزن ما ابتكره الذهن العربيّ وما أبدعته النفس وما اعتمل به الوجدان. ذلك التراث هو واحد، ووجود العرب أيضاً هو واحد، وحدودهم واحدة وهوّيتهم واحدة. تلك هي القدرة الكامنة التي لا تزال تحتفظ بها اللغة. ومن الصعب مباشرة البناء إلاّ بهذه القدرة. وهي جاهزة على الرغم مما قيل عنها في العقود الأخيرة، من أنّها تشوبها بعض الشوائب، وفي التقدير أنّ ذلك لا يعمّر طويلاً أمام إرادة البناء الجادّة. 6- انقسامات في الشكل وتوحد في الجوهر تملأ الثقة نفوس أبناء اللغة العربيّة أنّ ما يحصل في بلادهم من انقسامات وصراعات حول المصالح هي سطحيّة لا تمسّ الجوهر، لكنّ ذلك، في حدود الوعي الممكن، غير ثابت وقابل للتغيّر والتبدّل. إنّ حالة العرب قبل سايكس-بيكو (1918) أمر، وحالتهم بعده أمر آخر، كرّس القطريّة وأمعن في تباعد العرب، على الرغم مما يجمعهم. والخطوة التالية المرعبة هي الحديث عمّا بعد القطريّة، وتلك هي الأوضاع المستجدّة التي تواجهها العربيّة. فإلى أين تقذف الأحداث الراهنة العرب؟ وبتحديد أكثر: الأمّة العربيّة إلى أين؟ لتسهيل مهمّة العربيّة في البناء يجب الاعتراف بعدّة وقائع: أولاً: انقسام العرب حول الأهداف الكبرى التي يرسمونها لأنفسهم. فثمّة عرب، وهم الأغلبيّة الساحقة، يريدون التوحد ومواجهة المحتلّين ونصرة القضيّة الفلسطينيّة وعدم الاستجابة لمطالب الاستعمار، بل محاربته ومنعه من التمكّن من الأرض والشعب والثروات والخصوصيّة العربيّة. وثمّة عرب لا يبالون بهذه الأهداف، بل يواجهونها ويعملون بالتحالف مع أعداء العرب. القسم الأولّ متمسّك بتاريخه وأرضه ودينه وتراثه، خصوصاً لغته. بينما القسم الثاني متخاذل، متراجع عن الثوابت العربيّة، بيده السلطان ولا يريد أن ينجز المهمّات الملقاة على عاتق العرب. وهو يتبع مصالحه لا غير، لكنّه لايزال ينوّه بعروبته وإسلامه. ثانياً: انقسام العرب حول ما سمّي ثورات داخل بعض الأقطار العربيّة في الوقت الراهن، وهو انقسام يضيع الهدف، ويغرق في أوهام لا طائل منها حول مقولة التغيير، في ظلّ غياب القيادات والبرامج البديلة، وفي ظلّ دعم بعض الغربيين، أعداء العرب التاريخيين.. فيغدو قسم من العرب متواطئاً يتبعه أناس أبرياء يفكّرون بالتغيير لكنهم لا يدرون كيف يحصل هذا التغيير. ثالثاً: المنقسمون كلّهم لايزالون يؤمنون بالثوابت ومنها: الدين واللغة والعروبة.. على الرغم من صدق البعض ومراءاة الآخرين.. رابعاً: عند الفرقاء كلّهم تغدو اللغة العربيّة اللسان الأوحد. لكنّ ما يجري يغيّب السؤال الرئيس: في أيّ اتجاه تتجه اللغة العربيّة: هل إلى الحياة النابضة المعطاءة القادرة على إنجاز المهمّات المصريّة؟ أم إلى التبعيّة والتهميش والإضعاف واستبدالها بلغات أخرى؟ خامساً: يضاف هذا الراهن إلى سلسلة تراجعات في ميادين كثيرة، وقد أصاب اللغة منها الشيء الكثير، نقف اليوم للاستنجاد بها. وأظنّها فيما هي عليه وما تحويه من إمكانات قادرة على الإجابة عن سؤال: الأمّة العربيّة إلى أين؟ لأنّها تعيش في الأرحام وتكوينات العربيّ، تشكّل طاقة احتياطيّة كبيرة، وهي التي تشدّ العرب إلى تبنّي لحمتهم وتستعيد دماءهم الأصيلة إلى الحضور لتكتب تاريخهم الجديد: وهم العرب وهي العربية: محتدهما واحد وتطوّرهما واحد وحضورهما واحد، ولا استغناء لأحدهما عن الآخر. وهم، أي العرب، يعترفون بذلك، ولا يزالون متمسّكين به، إنّها الخطوط النهائيّة، الحدود المرسومة والمقدّس المحدّد، بها نهضتهم وتطلعهم إلى الحياة الكريمة. ثامناً: اللغة وعنف القوّة اللغة العربيّة هي لغة مقاومة، بها شقّ الرسول (ص) طريقه إلى الإنسانيّة، وبها اعترف أقوام آخرون، فلجأوا إليها في غير مكان من الأرض. وبها انتصرت حركات عربيّة وإسلاميّة كثيرة في القرنين الماضيين، كانت سلاح الوهابيّة والمهديّة والسنوسيّة وحركة عبد القادر الجزائري وعمر المختار وثوّار العالم العربي بأكمله في الأوقات المختلفة. بها انتصر المغرب العربي على الفرنسيين، وكانت الجامع الرئيس، هي والدين، للجزائريين الذين قاوموا أعتى حملة للفرنسة، وبها انتصرت قوميّة العرب على بعض الدعوات القوميّة الانفصالية المدفوعة من قبل الاستعمار. اللغة العربيّة إذاً ظاهرة صراعيّة، مقاومة تستطيع أن تنتصر، هكذا كان ماضيها. لذلك، إنّ الإجابة عن السؤال: الأمّة العربيّة إلى أين؟ أو اللغة العربيّة إلى أين؟ تكون باختصار إلى المقاومة. وأعتقد أن هذه المقاومة هي ما بقيت للعرب، للعربيّة التي يؤيدها الله بنصره، فلقد وعدهم سبحانه بأنهم "الغالبون". ذلك هو المنطلق، وتلك هي القاعدة الرئيسة لبناء مجتمع عربي جديد تكون الأم – اللغة – فيه العماد الرئيس. ولا بأس أن تخالط العاطفة هذا الطرح، فإنّه أيضاً عقلانيّ إلى أبعد الحدود، يستلهم ممّا جرى في تاريخ الأمّة القديم، لأنّ "الأمّة العربيّة لم تحتفظ بالتوازن إلاّ أيام الراشدين.. وأيّام الأمويين في الشام وأوّل ملك هؤلاء في الأندلس وأوّل خلافة العبّاسيين، وما عدا ذلك حتى يومنا هذا، فقد اكتفوا بما هم عليه فاختلّت الموازنة، فصاروا إلى حالتهم الحاضرة"(). وهو ما يدلّ على أنّ العرب الأقوياء بعطائهم الثقافي والحضاري كانوا سادة العالم، حيث كان ازدهار اللغة في أوجه. وكأنّي بعمر فاخوري الذي أصدر كتابه "كيف ينهض العرب" في العام 1913، يشخّص الواقع اليوم، ويرى ما نراه من دور اللغة العربيّة والدين في نهضة الأمّة وبنائها وتطوّرها: "لا ينهض العرب إلاّ إذا أصبحت العربيّة أو المبدأ العربي ديانة لهم، يغارون عليها كما يغار المسلمون على قرآن النبيّ الكريم"()، ويدعو في حينه إلى المقاومة والثورة المسلّحة: "لا جرم أن الساعة هائلة، والمنظر فظيع، ولكن هي الثورات لم تسلم منها أمّة، وهو الناموس الطبيعي يقضي بأن لا نظام إلاّ على أسس الفوضى، وهي الظروف تحتّم على الشعب في بعض الأحايين أن يسير على الجثث والجماجم، إلى النهضة والعمران. وليس ثمّة دساتير أخلاقية هنا، فللأمم حق الحياة، وجميع الوسائط التي تستعملها حقّ مشروع"(). وقد يظّن البعض أنّ في هذا الكلام شيئاً من المبالغة، ولكن أيّة حالة يجب أن يكون فيها العرب وهدير الطائرات يملأ سماءهم.. وأطنان القذائف الصاروخيّة تحرقهم وتحرق كلّ ما لديهم.. والشرذمة تسرع إلى تجمّعهم وهدم تاريخهم ووجودهم.. ومصيرهم يحثّ الخطى باتجاه تنفيذ مآربه. هو استعمال العنف الشديد في غير صعيد، وقد تخرس الكلمات أمام هول المصاب، ولكن ما هو السبيل؟ لا ريب في أنّ مقابلة العنف بآخر تصبح مشروعة، والصمود من غير دفاع يصبح من غير فائدة. من أجل هذا وجدت مقولة العنف سبيلها إلى اللغة، فهو "تعدّ على الآخر" بمختلف السبل، على جسده وروحه وشخصيته، كما هو تعدّ مؤسساتي تنتهك فيه البنى الاجتماعية هوّيّة مجموعات الأفراد"(). وهو "عنف: إما فطري وإما مكتسب". و"الحرب ضرورة بيولوجيّة"، عندما تتطلب الحاجة للردّ على المعتدي لإجراء العدل()، وهو ما يدخل في تكوينات الأجهزة العصبيّة للإنسان، حيث يعتاد على ردّة الفعل التي تصبح جزءاً من تركيبه النفسي، يعبّر عنها بلغة تحمل رموزاً معيّنة. ويصبح العنف شرعيّاً في حالة الدفاع عن جهاز النطق الداخلي، فيولّد عالمه الخاص البديل في لحظات التحوّل. وعندما تكون اللغة استفزازيّة يمكن الإجابة عنها باللغة"(). وإن كانت مقاصد اللغة تقوم على الابتعاد من العنف، فإنّ ساعات معيّنة تحمل اللغة إلى العنف وتجعل مفرداتها في خدمة الردّ على المعنّف " من هنا تأتي الكلمات الضخمة التي تحرّك الجماهير، وتقودهم أحياناً إلى الموت. فمن خلال التسمية الماكرة تتغلّب الإرادة المشتركة على إرادتنا، ومن خلال مواءمة لغاتنا الخاصة في حكاية مجد عامة فإنّ هذا الفنّ يغوي إرادتنا، أيضاً، ويعبّر عن عنفها"(). هذا التعبير عن العنف يجد نماءه في أيام التمرّد والثورة والمقاومة، لغة خاصة تكتب حالات خاصة. هكذا كانت لغة التعبير عن رفض الاحتلال في الوطن العربي، لغة نوعيّة مختلفة تحمل مواصفات عديدة أبرزها اثنتان: الرفض للحالة القائمة وطرح بدائل وطنيّة لبناء مجتمع جديد. ومن يتابع لغة "شعر السجون في الأدب العربي الحديث والمعاصر"()، يجد عالماً لغوياً خاصاً يحتويه معجم مختلف في ألفاظه المشتقة من واقع المقاومة والمعاناة المريرة للشعوب العربيّة عبر مدّة طويلة من الزمن.. وهي اللغة التي تميّز بها شعر الجزائريين إبّان مقاومتهم للاستعمار الفرنسي، حيث كانت اللغة تعلن على لسان أحد قادة الثورة الجزائريين الشيخ عبد الحميد بن باديس، عن تلاحمها مع الدين: شعب الجزائر مسلم وإلى العروبة ينتمي() وعن اللجوء إلى العنف ولغته، يقول الشاعر الجزائري مفدي زكريا في قصيدته "تعطلت لغة الكلام": نطق الرصاص، فما يباح كلام وجرى القصاص فما يتاح ملام السيف أصدق لهجة من أحرفٍ كُتبت، فكان بيانها الإبهام والنار أصدق حجة فاكتب بها ما شئتَ، تُصعق عندها الأحلام إنّ الصحائف للصفائح أمرُها والحبرُ حربٌ والكلام كلام() وفي مكان آخر يمزج مفدي زكريا بين القوّة وآيات القرآن الكريمة بقوله: وتكلّم الرشاش جلّ جلاله فاهتزّت الدنيا وضجّ النيّر وتنزّلت آياته لهّابةً لوّاحة أصغى لها المستهتر() لعلّ القول يستقيم في هذه الناحية لضرورة إيجاده في زمن معيّن تحتاج الأمّة إليه.. فاللغة العربيّة لم تغب عن الساحة، وقدّمت لفئة من أبنائها قوّتها لخلق حالات هم بحاجة إليها. وهذا ما كان القصد منه لتبيان صورة الوضع العربي الراهن: إذ كيف نبني مجتمعاً معافى من دون الخلاص من الشوائب؟ ذلك ما تقوله اللغة، وذلك ما يقود إلى البناء على أسس سليمة، صافية من أيّ تدخل ومعافاة من كلّ عقبة. والثورة والمقاومة اللتان نتحدث عنهما لا تبلغان أهدافهما من غير فكر، ومن غير لغة متطوّرة ومستحدثة تستجيب لمطالب الأوضاع الراهنة، إنّ الثورة الفكريّة هي الأكثر أهميّة في حالات الانتقال إلى الجديد، وهي الاقتراح القادر على إلغاء ما ينبغي أن يُلغى وإثبات ما ينبغي أن يثبت، وما من انتقال إلاّ وحمل بنية جديدة، تجد أسسها في المقدّمات الفكريّة، خصوصاً الأدبيّة التي تندرج في القول الباني والمتطلع إلى المستقبل. تاسعاً: تجدّد الخطاب المعرفي إنّ الحياة تتجدّد بتجدّد لغة الخطاب، وخلق القاعدة المعرفيّة الجديدة التي تستفيد من ابتكارات العصر في جميع المجالات. بهذا الصدد تلفتنا دراسة الدكتور نبيل علي: "العقل العربي ومجتمع المعرفة"()، نجد فيها جملة من الركائز التي ينطلق منها، لاسيّما فيما يعني اللغة التي تصبح عاملاً رئيساً في إدارة المعلومات والمعارف والعلوم المختلفة. كما نجد فيها بعض العناوين التي تشكّل الحالة الراهنة التي ينبغي أن تكون عليها اللغة لتغتنم "فرص إسهام العرب في إنتاج المعرفة"، ولتوجد "فضاءها المعرفي الشامل"، ونحوها العام الملائم من اللغات كلّها، وصولاً إلى شروط بناء مجتمع المعرفة العربي، كإطلاق حرّية التعبير وضمان الحريات الأساسيّة، والإقبال على المعلوماتيّة وتطويع العربيّة لتعيش في تطوّرات المبتكرات الجديدة في علم اللسانيات والبيولوجيا والاتصال، ورياضيات اللغة والثورة المعجميّة والثورة النحويّة.. عاشراً:حقائق لا بدّ من معرفتها في الواقع إنّ كلّ ما قيل آنفاً يصبّ في إمكانيّة هذه اللغة الهائلة وقدرتها على مواصلة الحياة بأي شكل من الأشكال. إنّ الكلام عن "دور اللغة العربيّة في بناء المجتمع وتطوّره يشمل الكثير من الإضافات، لأنّه لا يحدّد زمناً معيناً، ولا يحدّد ناحية محدّدة في بناء هذا المجتمع. من أجل ذلك، كانت اللغة العماد الرئيس فيه: ماضياً وحاضراً ومستقبلاً، ومكوّنات وإمكانات وتاريخاً وتجارباً واقتراحاً لبعض الحلول. في هذا السياق ينبغي الوقوف على وقائع وحقائق تمرّ بها الأمّة ولغتها في الوقت الراهن. وهي تتمثل على شكل ملاحظات تكتنفها بعض الاقتراحات يمكن إيراد الأكثر أهميّة منها على الشكل التالي: أولاً: يجب الاعتراف بتغيّر الأزمنة، والإقرار بأنّ الواقع الذي يجب أن يُبنى بات مختلفاً عن القديم في أشياء كثيرة، وحتى عمّا استجدّ لدى العرب منذ مئتي سنة. والحديث الذي نريده ينبغي أن يستفيد من معظم التجارب المحلّية والعالميّة لينتقل إلى المجتمع الجديد. وإذا كانت مسألة المجال الحيوي الحضاري للأمّة قد أعيدت إلى الواجهة في الزمن الأخير، فإنّ هذا المجال يواجه بمجال أكبر منه وأقوى يسعى إلى ابتلاع الأوّل وإلغائه()، حيث يجري تخطي الأطر المحلّيّة والخروج من دائرة الذات إلى ما هو كونيّ. نحن في زمن حصار الأمكنة وإذابتها، المكان وما يستتبعه مما هو عليه تاريخياً وواقعياً. وفي زمن لم يعد فيه انفصال بين ألفاظ لغويّة مثل الزمن والمكان والكون، لقد حلّت محلّها لفظة "الزّمكّون" الواحدة المتحوّلة إلى "الكل معلومة"، والزمن فيها هو "المفهوم والبعد الذي يمثل الرابط الطبيعي بين محيطنا المادي وبين الكون الإعلامي. والزمن المستمر يبدو مشتقاً من التغييرات المعلوماتية"().. والمكان هو الفضاء العالمي الذي تنتشر فيه الألياف الشبكية في أنحاء المعمورة وتشكّل خطّ الانتقال السريع للمعلومات، ملغية الزمن والمكان، لتحلّ محلها سرعة الاتصال، ولتصبح التقنيّة في مجموعة تحمل تصوّراً للعالم"()، والمعلومة صناعة ومنجماً للثروة، والحروب منتجاً إلكترونياً، والإعلام سلاحاً حربياً، والمادة والزمان والمكان واللغة والحضارة في خدمة المعلومة والتجارة، والكون بأسره معلوماتياً على قاب قوسين أو أدنى من إلغاء الحدود، واختصار الزمن وإتمام صنع كون جديد، يقترب من التجرّد من ماديّته وحدوده وتحوّل الذهن إلى هذا المجرّد المحلّق في الفضاء وغير المنظور في الوقت ذاته(). ينبغي الاعتراف إذاً بتغيّر الزمن، واللغة العربيّة لا تستطيع العيش في غير زمانها، لأنّها دائماً فاعلة، تحمل هذه الإمكانيّة، لكنّها لا تستطيع أن تقول لما يجري في العالم : كنْ فيكون، ولا يمكن المبالغة بقدرتها الجاهزة على فعل الأعاجيب.. إنّ اضطراب مفاهيم الزمن والمكان والكون والفضاء... يؤثّر من قريب أو بعيد، في اللغة، ويدعو إلى إعادة النظر بسرعة في الكثير من الجوانب التي تؤدي إلى دمج اللغة في هذا الخط السريع للمعلومات. ثانياً: لا نبالغ إذا قلنا بوجود نوعين من العرب اليوم: جيل الشباب وما دونهم والأجيال الأخرى المتعايشة معهم. الجيل الأول قد التحق شئنا أم أبينا، بالإنترنت أو المعلوماتية أو الطفرة العالميّة الجديدة التي سيطرت على الكون. التحق بها، غير أنّ إلتحاقه غير مدروس، طوعيّ بوجوهه كافة، يعيش فيها أكثر مما يعيش زمن مجتمعه الحالي، ويتمثلها أكثر مما يتمثّل قيمه وتاريخه وتراثه وأديانه وحضارته وخصوصيته. التحق بها وإدارة الحاسوب في بلادنا لم تتم فصولها إلى الآن، سبقها بشكل عشوائي، وتعلّم اللغة الجديدة، لغة الإنترنت، سواء أكانت الإنكليزية أم العربيّة المشوّهة. ولا نغالي إذا قلنا: إنّ هوّة سحيقة قد نشأت بين هذا الجيل وبين قومه ولغته. وذلك ما ينبغي الوقوف عنده وتبصّره قبل فوات الأوان، لأنّ الإعلام العالمي ومستتبعاته يتسلّل إلى الشخصيّة ويبني ذاتاً جديد وذهناً جديداً وتطلّعات جديدة، في ظروف انهزام بلاده وتراجعها على غير صعيد. ثالثاً: أنتج هذا الواقع الجديد في العالم عموماً وفي بلاد العرب خصوصاً ثقافة أخرى: أنماطاً جديدة من التفكير والسلوك وتلقّي المعارف والتعامل مع الآخرين والتفاعل فيما يقدّم له من وسائل حديثة وما تحملها من معلومات وهو ما يهدّد النسيج الاجتماعي والتعبير عنه، وهو ما يختصره إبراهيم بدران في أربعة عناصر: المجتمع من حيث تكوينه، والبيئة الطبيعية، والإنتاج السلعي والخدمي، والمعلومات والاتصالات والتلاقي مع الآخر()، وهو يصحّ في بلاد العرب أكثر مما يصحّ في سواها. هذا الاختراع قد أقلق اللغة العربيّة بابتكار نظريّة جديدة للمعنى، حيث أصبحت "وحدة المعنى لامتناهيّة في الصغر"، و"الجسيمات الناقلة للشحنات الكهربائية، في الاتصال المعلوماتي، الأساس في بناء الدارات اللغويّة الإلكترونيّة، وأصبح الرقم أساساً في تداول اللغة والمعلومات، وأصبح الكلام من نتاج الذكاء الإصطناعي().. 1- اللغة والكتابة ينبغي الاعتراف بتغيّر أنماط الكتابة، نعلم أنّ للعرب صلة حميمة بها، وكما قلنا آنفاً: إنّ اللغة العربيّة شبيهة بهم، وعندما فكّروا أن يكتبوا أوجدوا هذه العلاقة الوطيدة بحياتهم وتجمّعهم. لذلك لم تتمّ إلاّ داخل مجتمعهم وتصوّروا الناس حروفاً يجمعونها في كلمات لتكون على هيئتهم مجتمعين. بالعودة إلى مادة كتب في "لسان العرب" نجد ابن منظور يوردها بمعنى الجمع والضمّ إلى بعض: "كلّ ما ذُكر في الكَتْب قريبٌ بعضه من بعض، وإنّما هو جمعك الشيئين، ومن ذلك سمّيت الكتيبة لأنّها تكتّبت فاجتمعت، ومنه قيل: كتبتُ الكتاب لأنّه يجمع حرفاً إلى حرف"(). والبحث التاريخي يثبت أنّ الكتابة ارتبطت بقوّة الذاكرة، أو قل الحفظ. ولمّا لم يكن بوسع الحفّاظ الذين عيّنوا في مرحلة ما قبل الكتابة ليحفظوا الكلام في ذاكرتهم، قد عجزوا عن أداء مهمّتهم، راودت الإنسان فكرة الكتابة الشبيهة بالنقش والتصوير لحفظ قوله. الكتابة إذاً معادلة للذاكرة، تحفظ كلّ ما تقوله الأمّة، أصبحت وسيلة لحفظ الثقافة، لإدامة وجودها. ولمّا كانت الكتابة كذلك، فإنّ العصر طوّر هذه الكتابة وعاد إلى فكرة الذاكرة، لكنّها ذاكرة تقنيّة حاسوبيّة قادرة على إراحة ذاكرات البشر، وحتى أنواع الكتابة الورقيّة العاديّة. ما تواجهه اللغة العربيّة اليوم من ضمن ما تواجهه مسألة الكتابة الإلكترونيّة بتقنياتها المختلفة، حيث ينبغي الانتقال إلى الأوضاع الجديدة، إلى أتقنة الكلمة والنص. وفي هذه الأوضاع ثمّة انتقال قد يؤثّر في اللغة، لأنّ مع هذه الكتابة "يفقد النص مظهره الجليل ليصبح شيئاً مستهلكاً، سلعة في سوق اللغات، "بينما كانت المعلومة في العهود الأولى للكتابة قيمة مقدّسة، أصبح الآن قيمة تجارية بالأساس"(). وبذلك حصل ذلك الانزياح في قيمة الكتابة، فبعد أن كانت تمارس سلطتها في المجتمعات أصبحت اليوم: إمّا واسعة الانتشار عند الذين يستعملون الحواسيب، وإمّا مغلقة ومحدودة عند الذين لم يتعرّفوا إلى التقنيات الجديدة إلى الآن، وهم على الأرجح قسم كبير من العالم، والعرب من بينهم. وما يقلق في هذا الصدد أنّ الكتابة أخذت تفقد قيمتها المقدّسة وأصبحت قيمة تبادلية()، تكتب كيفما اتفق، يكتبها أناس غير ضليعين باللغة، لأنّهم ضليعون بالمعلوماتيّة. لذلك تفقد اللغة الكثير من خصائصها في وسائل الاتصال الحديثة كالحاسوب والمحمول والانترنت والإعلام والإعلان والنشر غير المعروض على النقد الذي يمارسه علماء اللغة. 2- الإنشاء المختلف يحفز القول باللغة المقدّسة على الحفاظ على اللغة العربيّة من الشوائب التي تهدّدها في زمن المعلوماتيّة؟ والوسائل الاتصالية الحديثة.. وهو ما يقتضي إعادة النظر بجملة أشياء ومنها الإنشاء بالمختلف. لذلك يعود موضوع الإنشاء إلى الواجهة في هذا الزمن. ماذا ننشئ على الحاسوب؟ وهل تبدّل مفهوم الإنشاء، ولمن ننشئ: أإلى مجتمعنا أم إلى المجتمع العالمي؟ أنحتفظ بالخصوصيّة؟ أم نمضي مهوّمين في فضاء الشبكات التي غطّت الكرة الأرضيّة؟ وأين نحن من تلك الطفرة المعلوماتيّة؟ وهل أفسحنا إليها في المجال؟ في حساب مؤلف كتاب "البعد اللامرئي" : إنّ دول العالم الثالث، وبالطبع بينها العرب، متأخّرون عن استعمال المعلوماتيّة بحوالي مئة وخمسين سنة". كما يقول في مكان آخر : "فالحدود – كما لا تزال نتصوّرها توشك على الاندثار، لصالح مجتمع كوكبي، متعدد الثقافات"(). 3- ماذا تنشئ اللغة العربية في ظلّ هذه الأوضاع؟ لقد مضى زمن والاعتقاد السائد أنّ الإنشاء في اللغة يعني الخلق والابتكار وإيجاد الجديد، وعند ابن منظور: "أنشأه الله: خلقه، وأنشأ الله الخلق أي ابتدأ خلقهم. وأنشأ داراً: بدأ بناءها. وفلان ينشئ الأحاديث: أي يضعها. وكلّ من ابتدأ شيئاً هو: نشّاء"(). في ضوء ذلك : ماذا نسمّي نتاج الحواسيب؟ أليس هو إنشاء؟ أليس هو ابتكار للجديد؟ نعم إنّه كذلك.. إنّ أيّ بناء ينبغي أن تباشره العربيّة يجب أن يرتكز على ما وصلت إليه الإنسانيّة في مبتكراتها. وفي الاعتقاد أنّها يجب أن تحمل مهمّتين لا انفصال بينهما: أولهما: الدخول في عالم المعلوماتيّة في أعلى درجات تطور دماغها الإلكتروني لدى التفكير ببناء المجتمع العربي الجديد. وثانيهما: ملاءمة هذا الجديد مع الخصوصيّة القابلة للحياة والتي تحافظ على أمور لا يتخلّى عنها العرب وما حصل من تطوّرات جديدة. إذاً نحاول أن نبني مجتمعاً لا يقطع صلته بالماضي أولاً، ولا يتغاضى عن مواطنته ثانياً. وهذا يعني صون الوطن والجماعة والحدود الطبيعيّة والروحيّة. وهي ثوابت لا تتعارض مع الجديد والأخذ بأسباب الحضارة والعلم والتقدّم الذي بلغته الإنسانيّة. أقول ذلك، وفي اليقين أنّ الأمّة العربيّة يجب أن تحافظ على تميّزها بين الأمم، لأنّها قادرة على ذلك. وهي تملك من الذخر الروحيّ ما يفتقده بعض العالم اليوم، إذ يستخدم آخر مبتكرات العقل الإنساني في تدمير نفسه وتدمير العالم من دون رادع أخلاقي أو روحي، في ظلال السعي إلى خلق ديانة عالميّة جديدة، كما يذهب هنتغتون في كتابه "صراع الحضارات" وكما يدّعي فوكوياما بنهاية التاريخ. يعتقد الكثيرون أنّ العرب أغنياء، وقد حباهم الله ثروات ضخمة يستطيعون بها بناء مجتمعاتهم على أفضل الأسس، لكنّ المال لم يكن في أغلب الأحيان طريقاً إلى تقدّم الدول. وما نعرفه أنّ بعض الدول (كاليابان مثلاً) لا تملك من المواد الأوّلية والغنى الماديّ مثلما يملكه آخرون. لكنها استطاعت أن تكون في مقدّمة الدول الصناعيّة والغنيّة في العالم بفضل قرارها الجريء على البناء. إن الإنشاء الذي نريده لدى العرب يبدأ من الإرادة والقرار والإجماع والالتفات إلى الداخل، إلى الذات، من دون التعويل والاعتماد على الآخرين في إنجاز ما ينوون إنجازه.. عند ذلك ينفتح المجتمع، وتتفتح زهور اللغة لتقوم بمهامها في التعبير عن الإنشاء الجديد وحفظه، والبناء عليه وتطويره اعتماداً على الموجود لوضع منشود جديد. ذلك ما تطلبه اللغة لتقوم بدورها، ما تطلبه هو عدم القفز فوق المشكلات أو تأجيلها، واستقواء بعض أبنائها المتخلّفين على الآخرين المطالبين بالتقدّم العلمي والارتماء في أحضان بعض الغرب الذي لا يريد البناء، لا للمجتمع العربي ولا للغته. 4- اللغة والحريّات تطلب اللغة من أبنائها أني يستشعروا طعم الحريّة وأن ينفضوا عنهم أحكام الذلّ، سواء أكانت داخليّة أم خارجيّة، لأنّها سبب رئيس في تراجعها، ولأنّها ترى أقواهم سلطة أضعفهم لغة. وهو العكس الفاضح لمقولة الاستقواء بالكلمة. فلا إنشاء جديد من دون هذه الحريّة المقرونة بالعدل والديمقراطية والإخلاص، ومعاملة الأبناء كمواطنين بالتساوي، فلا تُشعر واحدهم بغربته عن أخيه في القطر الآخر، ولا ترفضه لأنّه عربي أو قد لا يتقن لغة أجنبيّة.. الرفض لما هو قائم، من الابتلاء والبلاء، هو بداية الحياة الحقيقيّة للمجتمع ولغته، في أفق المواطنة المعزّزة. رفض ما هو قائم لأنّه مكبّل لهم والعمل من أجل ما يجب أن يكون لأنّه رفعة لهم. ولا يكون ذلك إلاّ بدقّ أبواب المعرفة ودخولها، وبثّ مضامينها في ثنايا المجتمع، وخلق القاعدة العلميّة المقترنة بالأهداف الراقية التي تصون الحدود وتجدّد الموجود. إن تبنّي العلم مقترن بتبنّي الحياة نفسها ولا حياة للأمّة من غير عقل يعقل ولغة تتدفّق مليئة بالحياة. تطلب اللغة مزجاً جديداً لفروع العلم بالحياة، كي تخرج بنظرة جديدة للكون مطبوعة بالطوابع الخاصة التي ندخل بها إلى العالم، ذاتاً مستقلّة ومتفاعلة معه في آن واحد، تطلب اللغة أن يكون تجدّدها في أفق انفتاحيّ على العالم بحضاراته وثقافاته وعلومه ومعارفه. 5- اللغة ومراحل الانتقال يغدو الإنتقال إلى الجديد مهمّة في غاية الدّقة والخطورة. لذلك يجب الإعتماد على الكفوئين، كما يجب الاعتماد على جماعة الإرشاد التي قد تكون مصادر ومراجع، أو قد تكون جماعة بشريّة على مستوى رفيع من التخصص، لإنتاج المهارات وإقامة التدريبات الدائمة. إنّ الانتقال من الوظائف المعرفيّة إلى الوظائف المعياريّة للنماذج الإرشاديّة هو الذي يصوغ صورة الحياة العلميّة(). وهذه الصورة تتطلب ازدواجيّة فائقة الحدّ في المعرفة أولاً واللغة ثانياً، أو في كليهما مندمجين. وهنا تنبري التربية لتؤدي دورها. ولا أعتقد أنّ العربيّة عاجزة عن القيام بهذا الدور التوجيهيّ في الاتجاهات كلّها. وهي تربية علميّة وعقديّة وفكريّة وأكاديميّة ونفسيّة وأخلاقيّة وسياسيّة واجتماعيّة واقتصاديّة... ذلك أن التربية في النظام العالمي تحتل مركزاً مهماً، لأنّها تعدّ منطلقاً رئيساً للحياة، وقد تناولها، جورج فيشر، الرئيس السبق للجمعيّة القوميّة للتعليم الأميركيّة، على هذا الأساس حين قال: إنّ "صناعة التعليم تأتي في المرتبة الثانية، من حيث الحجم، بعد الصناعة الدفاعيّة"(). كما تناولها قدماء العرب ومحدثوهم على الأساس نفسه في التربية والدفاع والاقتصاد والاتصال، وهم يحافظون على شبكة العلاقات بين أفرادها، ويمكن إنماؤها بدل إنماء اللغات الأخرى، لأنّ اللغة تستمد قيمتها من حياة أبنائها، وهي إلى "حدّ بعيد نظام الاتصال الأكثر كفاءة الموجود تحت تصرّف البشر، وهو ما تنتج عنه مباشرة القيمة الاستعماليّة الفائقة للغة"(). هذه الشبكة، قابلة لتكون القاعدة في التطوّر، ولاشتقاق حياة جديدة وأنسال أوضاع ملائمة، تتحدد فاعليتها بما تنشئه للآتي، وما تعمّقه من صلات بين الناس. ولن يتأتّى ذلك إلاّ بإسقاط ما ينبغي إسقاطه من عالم اللغة والذي فقد هويته بمرور الزمن وتبدّل المجتمعات العربيّة. وعندما نتحدث عن الابتكار نعني تنشيط اللغة، ضمن هذه الشبكة، والابتكار فيها تبعاً للابتكار الاجتماعي والتربوي والأمني الذي نرسمه ونريد تنفيذه، ضمن رؤية جديدة تحمل مفاهيم مختلفة، وتكون لأمّة وليس لقطر أو فرد أو طائفة أو عشيرة، وهو ما يعيد فكرة توحد العرب إلى الأهميّة، كي يستقيم البناء، ويضع مسألة أساليب الحياة العامة الجديدة على محمل الصدق والجدّ. وهذا ما لا ينعكس تماماً في الحالة التي يعيشها العرب: حالة المجتمع والثقافة والسياسة والاقتصاد والتنمية والأمن... ذلك كلّه يتواجد في حالة صمت أو حالات قمع أو صراع متعدّد الاتجاهات، الأمر الذي يئد الإبداع ويشلّ قدرته عن التجديد في العقل والأرض، ويخلخل بنيته الذهنيّة والنفسيّة التي دأبت اللغة على بنائها منذ قرون طويلة. 6- اللغة وسباقات الإعلام والاتصال أصبح الإعلام في حياتنا المعاصرة يحتل القسم الأكبر منها. لن أغوص في هذه العجالة في محاسنه ومساوئه ولن أتناول اللغة في الإعلام بشكل مفصّل، ذلك همّ آخر كبير وقفنا عنده مطولاً، لكن الأمر الخطير فيه هو الجانب اللاتوطيني، وهو ضدّ التوطين، أي أنّه "يتمثّل في اقتلاع الناحية المحلّية التي تتم في الإطار بين النصّي Intextuel للتخيّل. وإحدى الطرق للتفكير في هذا هي مقارنة هذا الاستهلاك الروتيني لصور الأماكن البعيدة، وتطبيعها في العالم الحياتي المتواسط للفرد مع العمليات التي يصفها مايكل بيليغ بالقوميّة المبتذلة. وما يعنيه بالقوميّة المبتذلة هو التعزيز الروتيني، من خلال الإيقاع الثابت للحياة اليوميّة، للصور التي تربط هويّة المواطن بالدولة القوميّة"(). ثمّة أفكار كثيرة في هذه المداخلة ينبغي الوقوف عندها، لكنّ العجالة تقتضي الاختصار والتنبيه إلى مخاطر ما جاء فيه. ذلك أننا في تعاملنا مع الإعلام تسيطر علينا الدهشة الدائمة مما يقدّمه من جديد، وأنّ قلوبنا وعقولنا ومشاعرنا تنفتح ولا تغلق، وإذا شئنا تبقى مفتوحة إلى الأبد وعلى مدى أربع وعشرين ساعة، مصغية إلى ما يقوله هذا الإعلام الذي تخطّى أطر المكان، وصولاً إلى اللامكان، إلى الكونيّ إن شئت. ذلك الكونيّ الذي صنع ليتعارض مع المحليّ الضعيف وغير الجذّاب. إنّ هذا المحليّ-المكان، يُسحب من تحت أجسادنا ويجعلها تهيم في آفاق غير محدودة، يصنع منّا بشراً مختلفين، وأجيالاً شديدة التأثّر بهذا الإعلام الكونيّ الذي قليلاً ما يعني محلّياتنا، حتى أنّنا في المنزل الواحد نصبح غرباء، متباعدين، كلّ يختار برنامجه ويتشرّب معلومات مختلفة، فيشملنا التهجير عن بيئتنا وعاداتنا وتقاليدنا وتراثنا ولغتنا وأدياننا وحتى عن منزلنا. في هذا المجال سأكتفي بهذا الاستشهاد الذي جاء على لسان جون روسكين Ruskin : "هذه هي طبيعة المنزل، إنّه مكان للسكينة والسلام، والمأوى ليس فقط من كل أذى أو ضرر، ولكن من كلّ رعب، أو شكّ أو انقسام. وبقدر ما يفتقر إلى هذه الصفات، لا يصبح منزلاً، وبقدر ما تتغلغل مخاوف الحياة الخارجية إليه، وبقدر ما يسمح أيّ من الزوج أو الزوجة للمجتمع ذي العقليّة المتنافرة، والمجهول، وغير المحبوب، أو المعادي الخاص بالعالم الخارجي بتجاوز عتبة الدار، لا يصبح البيت بيتاً، ويكون حينها مجرّد جزء من العالم الخارجي، بني له سقف وأضرمت فيه النار"(). أذكّر هنا بالوقفة التي وقفناها لدى موضوع المواطنة اللغويّة، وألحّ على إدراجها في سلّم الأولويّات، لأنّنا أمّة في قيد التبعثر، يفعل فينا التهجين الثقافيّ واللغويّ فعله بسرعة، بغياب خطة وطنيّة تحدّ من انفلات الإعلام وتهويمه خارج الأرض وبعيداً من أجواء النفس العربيّة، وتعمل على "خلق فضاء وطنيّ جديد متجدّد يتجنّب العزلة والانكفاء"(). وإلّا يصبح من السهل بعثرة المبعثر وتهجين الموطّن وإفراغ النفوس ممّا حوته... وهذا ما يجري في الواقع: " إنّ ما يشاهده الناس وما يقرأونه أو ما يستمعون إليه، وما يرتدونه، وما يأكلونه، والأماكن التي يذهبون إليها، وما يتصوّرون أنّهم يفعلونه، ذلك كلّه أصبح وظائف يمارسها جهاز إعلاميّ يقرّر الأذواق والقيم التي تتفق مع معاييره الخاصة التي تفرضها وتعزّزها مقتضيات السوق"(). أمّا الصحيح الذي لا بدّ منه فهو القبض على المزاعم والآثار الخصوصيّة، وخير لنا ألف مرّة، أن نعيش في ذواتنا بدل العيش في ذوات الآخرين، لأنّنا عند ذلك سوف نرى ذواتنا تنمو في مرابعها الحقيقيّة، تتناول غذاءً واحداً قابلاً لإحيائنا، وإنماء شخصيّتنا. خير لنا أن يتدفّق العلم في معاهدنا ومدارسنا وإعلامنا وأوساطنا كلّها، بلغتنا ومنازع قوميتنا، فنشبّ أبناء لوطننا الواحد وقوميتنا الواحدة بدل العيش في وطنين اثنين، وقوميتين اثنتين: واحدة في دمنا وأخرى تحاول احتلاله ليصبح دماً هجيناً. 7- أنداد اللغة إنّ غريم اللغة العربيّة متخفّ ومقنّع، يتسلل إلى جوهر بنية النفس، كما إلى جوهر بنية المجتمع، ويستحيل في غياب الكشف عن هذا الغريم المتزيّ بأزياء عديدة: محبّبة ومغرية، أن نقوم ببناء المجتمع الجديد القائم على أهداف الأمّة في التقدّم والتحرّر. فنحن أمام خرافة اسمها الكونيّة الزاحفة باتجاه إلغاء المحلّية، تتفّهها وتشلّ قدرتها على الحياة. ولا سبيل إلى وقف هذا الزحف إلاّ بوعي اللحظة التاريخية الراهنة، ومن دون هذا الوعي تذهب الجهود هباء، ونظلّ نصرخ: الوطن واللغة والقوميّة، كما صرخنا منذ ما يزيد على قرن من الزمان، حتى غدونا، في داخل نظرية الاتصال، بين المرئي واللامرئي، الأوّل يجري أمامنا ولا نحرّك ساكناً، والثاني ينخر في وجودنا ونستعذب هذا النخر. هذه هي اللغة في سياقها اللااجتماعي الذي يعوّل على التواصل خارج النطاق الطبيعي للجماعات، ويبعد الذات الواحدة من التفاعل الحقيقي، وبذلك تفقد اللغة أجواءها المكتسبة خلال آلاف من السنين، حيث تغدو الصورة الصامتة، في كثير من الأحيان، أداة تواصليّة تحلّ محلّ أشياء كثيرة مما يخلق بين الأفراد. ذلك أنّه "يوجد في عالم الشاشة الافتراضي إمكان للصدمة بالإنابة والحياة بالإنابة"()، وحتى التعبير يصبح بالإنابة. ولكن عمّا نعبّر أمام عجز صناعاتنا السينمائيّة عن اللحاق بالنشاطات العالميّة في مختلف وسائل التقنيّة الإعلاميّة؟ وهذا ما يطرح بشكل دائم موضوع الأصالة والتغريب، حيث تصبح " أصالة العلاقة الإنسانيّة موضوع تساؤل في الفضاء التواصلي، لأنّ الوسيلة تُبعد وتُحجب بطريقة ليست موضع شك في الحياة الفعليّة"()، وحيث تتحول شخصيات الشاشة إلى أشباح من مصادر كرتونيّة أو سيليكونيّة تعمل على إحلال الآلة محلّ الجسد البشري، وكأنّ الاستغناء عن الإنسان في التواصل الاجتماعي أصبح مسوّغاً، تمهيداً لإلغاء العلاقات بين الناس وإلغاء لغاتهم الحيّة البشريّة وثقافتهم المدروسة في تعاملهم الواقعي وليس الافتراضي"(). 8- قناع التسلية والترفيه نبقى في الإعلام لنتحدّث عن ظاهرة مؤثّرة جداً في الناس ولغتهم، أقصد التسلية والترفيه والخيال العلمي والمخلوقات الأسطوريّة وهي ظاهرة طاغية في الإعلام، خصوصاً العالمي منه، وصولاً إلى المحلّي. لا يخامرنا الشك في أنّ الإنسان بحاجة إلى التسلية والترفيه، لكن أن تنقلب العمليّة الترفيهيّة إلى لعبة مقنّعة يمرّر الإعلام فيها أيديولوجية معينة، ونمطاً معيناً في التفكير والشعور والميول، فذلك أمر ينبغي إعادة النظر فيه ومراقبته عن كثب. نحن نتحدث عن دور اللغة العربيّة في بناء الأمّة، في زمن مليء بالمشكلات وحابل بالاضطرابات يقتضي وعياً كاملاً لما يجري لتوجيه المواطن توجيهاً جدّياً يعي خطورة المرحلة. ثمّة أجهزة عالميّة وأخرى محليّة تتبعها أو تبتعد قليلاً من نهجها، وثمّة صحف ومجلّات متخصصة بناحية التسلية والترفيه، وثمّة كتب هزليّة ومنشورات الرسوم المتحرّكة والشرائط السينمائيّة وبرامج التلفاز والمذياع والأحداث الرياضيّة، حيث "تضخ وسائل الإعلام ألواناً مختلفة من التسلية والترفيه المحمّلة بالقيمة، منكرة طول الوقت وجود أي تأثير فيما وراء الهرب المؤقت من الواقع وحالة الاسترخاء المنتشية"(). وهو أمر واسع الانتشار في العالم العربي، ويقدّم بلغات أجنبيّة، قد تترجم إلى العربيّة بمستوى متدنّ من التعبير، وقد تكون بلغة عربيّة خالصة أو مدبلجة.. ذلك كلّه يعرض موادَّ طويلة من التسليّة، ويشدّ المواطن ساعات طوالاً إليه، بعيداً من الفائدة المباشرة، وقريباً من تمرير أفكار في قالب ترفيهي، الهدف منها التوجيه باتجاه معيّن. فبدل أن نمارس الرياضة نصبح متهالكين على مشاهدتها، منقسمين حتى العداء حولها، مستعدّين إلى التقاتل من أجلها (حالة مصر والجزائر في الصراع العدائي حول كأس أفريقيا في العام 2009). وبدل أن ننشئ إعلاماً قومياً يراعي أوضاع الأمّة في هذا الظرف الخطير من تاريخها، ننصرف إلى متابعة الشرائط الخياليّة والمخلوقات الغريبة والعنف الشديد، حتى شرائط الكرتون تجذب الناس وتقعدهم عن العمل وتحدّد الكثير من توجهّاتهم. ينبغي النظر بحذر إلى هذه الأعمال الاتصاليّة التي قد يطول الوقوف عندها، إلاّ أنّ حقيقتها تستدعي التنبيه إليها، لأنّنا في زمن التلفيقات، وزمن علم النفس الخطير المتجاوز للحدود والشعوب، والمركّز على ضرورة تحويل النفوس عن دافعها، وحملها إلى عوالم أخرى يضمحلّ فيها تأثير المواطنة والعامل القومي والاهتمام اللغوي، لأنّ الواقع يرينا: "أنّ الفكرة القائلة بأن الترفيه لا ينطوي على أيّ سمة تعليمية ينبغي أن ينظر إليها بوصفها ِإحدى أكبر الخدع في التاريخ"(). وفي تقديري أن تعاظم وجود المادة الاتصالية الترفيهيّة، في هذا الزمن، هو نوع من الاسترخاء والاستسلام إلى الظروف الراهنة والمراوحة فيها وإحداث حالات لقبولها، الأمر الذي يعزّز الوضع الراهن بالانتشار الكثيف لتقنيات الاستمالة بغية الوصول إلى لحظات السيطرة. وقد يلفت في هذا المجال قول مؤرّخ التلفاز الأميركي إريك بارنو، في تحديده لمفهوم الترفيه: "إنّ مفهوم الترفيه، في تصوّري، هو مفهوم شديد الخطورة، إذ تتمثّل الفكرة الأساسيّة للترفيه في أنّه لا يتصل من بعيد أو قريب بالقضايا الجادّة للعالم، وإنّما هو مجرّد شغل أو ملء ساعة من الفراغ. والحقيقة أنّ هناك أيديولوجية مضمرة بالفعل في كل أنواع القصص الخياليّة، فعنصر الخيال يفوق في الأهميّة العنصر الواقعي في تشكيل آراء الناس"(). ولنا أن نستنتج بعد ذلك أنّ هناك تخطيطاً مضمراً يحرّك هذا النوع من المادة الإعلاميّة التي تسحب المشاهد إلى فلوات بعيدة من فضائه الخاص، وما يعنينا، قبل كل شي، موضوع اللغة التي تواجه هذا الترويج الواضح-الغامض في آن واحد، لاسيّما في الأمور المتعلقة بالنفس والجوانب الإبداعيّة للغة والحياة في آن واحد. فأيّ مجتمع نبني في تخوم الخدع والأحاييل والخرافات؟ حادي عشر: نداء اللغة للبناء إزاء هذه الأوضاع التي تنذر بالوصول إلى نتائج مقلقة، ينبغي أن نصغي لمطالب اللغة التي سوف أوجز بعضها بقدر الإمكان: 1- إن العربيّة تطالب أبناءها بالأمن في مختلف اتجاهاته، لاسيّما الأمن اللغوي، حماية اللغة ومعرفة قيمتها والوعي بما يجري. وهو أمن تتبعه سلسلة من أنواعه: أمن سياسي وعسكري واقتصادي ومعرفي وحضاري وغذائي وتربوي وعموماً أمن قومي. 2- إعادة النظر في موضوع توطين الثقافة واللغة ومواجهة فكرة اللاتوطين والتهجين والتهجير اللغوي، وإعادة الحسبان للنزعة المحلّية في مقابل النزعة الكونيّة. 3- استقرار الأوضاع العامة، لاسيّما الاجتماعي منها، والتنبه إلى خطورة الإقصاء الاجتماعي، وتهميش المواطنين، وشلّ قدرتهم عن المشاركة الفعليّة في استكمال صنع تاريخهم الاجتماعي والثقافي والحضاري، وفي مقدّمة ذلك كلّه: التاريخ اللغوي والاغتراب عن الواقع. 4- إنّ فوريّة إجراء عمليات الاتصال، تستدعي استجابة فورية لتطويع اللغة كي تماشي هذه الفوريّة: بإيجاد مصطلحاتها وتعريبها والنظر في مضامينها وصوغها بدقة. 5- التنبّه إلى قضية الإعلام والاتصال ومخاطرهما وتأثيرهما في العقول والنفوس وتوجيههما لخدمة أغراض تضرّ بالمجتمع العربي ولغته.. وذلك بإعادة النظر في مقولة "تقنيات الاستمالة" و"حاجات السوق"، التي تخفي نوايا خطيرة أبرزها السيطرة السياسية المباشرة. 6- إنّ راهن اللغة العربيّة لا يبرئ أبناءها من المسؤوليّة الكبيرة التي تلقى على عاتقهم. فقسم كبير منهم في حالة إهمال وقعود عن مجاراة ما يحصل في الكون، متفرّجون، آنيّون، يؤمنون باللحظة ولا يفكّرون بالتاريخ ولا الجغرافيا ولا الثقافة واللغة والبناء، وعموماً بالديمومة. 7- الوعي بأهميّة اللغة العربيّة بشكل خاص، وفهم أنّ انهيار اللغة هو انهيار للأمّة، بقاؤها بقاء للوجود والهويّة والخصوصيّة والأديان، والإنسان العربي أولاً وأخيراً. وهو ما يستدعي استنفار المجتمع بأسره والكفّ عن تلفيقات السياسيين ومراوغتهم وعدم إيلاء أهميّة للغتهم، وقد تنفع سياسة العقاب والثواب والزّجر والفرض على الأبناء كي يعودوا إلى حضن اللغة.. 8- أخذ التحدّيات الراهنة على محمل الجدّ في جميع المجالات: كالإعلام والتربية والاقتصاد والإدارة والإنماء والمصطلحات والتعريب والاعتماد على العربيّة في ذلك كلّه. 9- تبنّي فكرة مجتمع المعرفة وتعريبه والإقبال على التحديث في وجوهه كافّة وتوطين العربيّة فيه. 10- ضرورة التمييز بين إشكاليات اللغة وإشكاليات الوعي. 11- ضرورة تبيّن مكانة العربيّة في سوق اللغات العالميّة، والمراهنة على تغييبها. 12- وضع استراتيجية واضحة للتنمية اللغوية، بدءاً بتنمية الطفل العربي، والنشء المتحلّق حول الانترنت ووسائل الاتصال، وصولاً إلى المسائل المصيرية التي باتت ضرورية في هذا الزمن. وهو أمر يتطلّب خطة واضحة تستفيد من: استعداد العربيّة الفطري للتنمية والتحديث، والاهتمام بتسوير وضعها الداخلي والبدء بالتنمية منه وتمكينه وتوطيده، ومن ثم الالتفات إلى ما هو خارجي. والأجدى في مقولة التنمية اللغوية العربيّة العودة إلى جوهرها، عند ذلك سنجد رحمها مليئاً بالأسباب التي تدفع إلى التغيير دون المساس بتنظيمها الرائع، كما هو مليء بتقنيات التنمية كالاشتقاق والنحت والقياس والمشتقات بأنواعها ومصادرها وقدرتها على الترجمة والتعريب وغناها بالمصطلحات وقابليتها على اشتقاقها، وهو أمر نجده مفصلاً في دراسة د. عبد الجليل مرتاض: "التنمية اللغوية: من أين نبدأ؟"()، حيث يتحدّث عن : استعداد العربيّة الفطري للحداثة، وأولويّة التنمية الداخليّة على الخارجيّة في العربيّة، والعلّة الداخليّة للعربيّة في التغيير، وحسبان التعريب عاملاً داخلياً في التنمية اللغويّة، وغنى تراثنا اللغوي وصناعة المصطلح.. 13- الوقوف عند مقولة استتباب الأمن اللغوي، وما يستتبعه من أمن ثقافي مرتبط بقضايا الحرّيات، ووعي دور اللغة في توحيد الأمّة الذي هو أمنها الحقيقي.. وهذا يقتضي حسم مسائل الصراع بين العربيّة وبين المفتئتين عليها والعاملين على قتل الجوهري فيها، أي الفصحى، والتنبّه إلى دور الازدواجية اللغويّة والثنائيّة اللغويّة، واللغات القوميّة التي تعيش داخل الأمّة العربيّة، والحديث عن التعايش والتكامل فيما بينها. 14- حسم النقاش الدائر حول جملة من القضايا أوجزها بما يلي: مسألة الأصالة والبحوث اللغويّة الحديثة، والعلاج الآلي للنصوص العربيّة والنظريّة اللغويّة، ومستلزمات بناء قاعدة آليّة للمفردات، ومشاكل علاج العربيّة بالحاسوب، وتكنولوجيا اللغة والتراث اللغوي العربي الأصيل، والترجمة والمصطلح().. بالإضافة إلى ما استجدّ في الدراسات اللغويّة والنقديّة من نظريات ومناهج جديدة. من ذلك مسألة النحو العربي والبنيويّة واختلافهما النظري والمنهجي(). 15- حسم قضايا جوهريّة تتعلّق بالكتابة العربيّة السليمة. وهذا يقتضي بلورة نظريّة "اللغة الجيّدة" واللغة الرديئة"()، 16- حسم المسائل المتعلقة بالمصطلح: والأولويّة تأتي هنا لتوحيد المصطلح في جميع المجالات، الإدارة والإنماء والاقتصاد والتربية والعلوم والسياسة والاجتماع.. 17- الوقوف على مسألة الأجيال التي باتت قلقاً رهيباً يزيح النشء عن واقعه، والتنبّه إلى مخاطر التفشي اللغوي الخارجي على حساب العربيّة.. 18- الإسراع في التعامل الجدّي مع عالم الاتصال بتقنياته ولغاته وفرز الإعلام الجيّد من الرديء ومراقبة اللغة فيه. ثاني عشر: وفي المحصلة يثقلنا همّ العربيّة في هذا الزمن المتسارع الأحداث، ويقلقنا همّ الأمّة التي تواجه ما تواجهه بحيث ترى الأبناء في كل وادٍ يهيمون، لا يستقرّون على حال مما ينتابهم من شبه ضياع وذهول أمام مصائرهم منفردين ومصير الأمّة موحداً. أجدني في هذه الخاتمة أعود إلى ذي بدء لأركزّ على توصية التوصيات والجوهر الأساس في خلاصة القول: بصدقيّة الرجوع إلى اللغة العربيّة وحياتها في الأصيل والدخيل والنمو والتطور والقداسة والاستعمال الجيّد.. وبإثبات قوّتها أمام اللغات المزاحمة واعتمادها الدائم وتطويعها وتيسيرها لتكون أكثر عصريّة وأكثر استجابة لدواعي التطور في كل شيء، ولاسيّما العلم والمعرفة والتكنولوجيا المعلوماتيّة، والاستفادة من طاقاتها وعدم الاستهانة بها، وعدم الانجرار وراء تلفيقات تدّعي عجزها لإحلال لغات أخرى محلّها، وتعريب البرامج والمناهج وتعويد الناشئة عليها وإغراق المحيط بها، وإيجاد المعاجم المختلفة التي تستجيب لنداء العمل بالعربيّة في كل فرع من فروع الحياة، والكفّ عن التمثّل بالشخصيات الغريبة. إنّ نداء اللغة لا يأتي أكله إلاّ في أمّة موحّدة ملتفّة حلو عقائدها، قد يذهب ما قلناه آنفاً أدراج الرياح، وقد نعبّر عن حبّنا للغتنا وتاريخنا وأصالتنا وأدياننا وخصوصياتنا.. لكنّ التعبير في النهاية يبقى قاصراً من دون تنفيذ. إنّ نداء العربيّة يبدأ أولاً باتخاذ القرار السياسي، سواء أكان رسمياً أم شعبياً مقاوماً وصانعاً مصيره.. لكنّ هذه اللغة تعد دائماً بإبراز أسرار قوّتها وقدسيتها، وأن تكون بانية الأمة وحارسها الأمين: لأنّها قويّة في ذاتها، وفي ذخيرتها.. ولن ينفع الأبناء البعد منها، لأنّ سرّ الحياة فيها. فهل بمستطاع واحدنا أن يتخلّى عن الحياة؟ وما ينفع الإنسان إذا ربح العالم وخسر نفسه؟ منقول للفائدة |
رد: دور اللغة العربية في بناء المجتمع (للاخ حليلوزيتش )
نطق الرصاص، فما يباح كلام
وجرى القصاص فما يتاح ملام السيف أصدق لهجة من أحرفٍ كُتبت، فكان بيانها الإبهام والنار أصدق حجة فاكتب بها ما شئتَ، تُصعق عندها الأحلام إنّ الصحائف للصفائح أمرُها والحبرُ حربٌ والكلام كلام() شكرا على جودة الانتقاء |
| الساعة الآن 03:32 PM. |
Powered by vBulletin
قوانين المنتدى