![]() |
السلسة الذهبية في الآداب النبوية الحلقة:(7): آداب الحوار:(أ)
السلسة الذهبية في الآداب النبوية الحلقة:(7): آداب الحوار:(أ) الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، أما بعد: في هذا الحلقة يتكلم الشيخ عن آداب الحوار، وقبل ذلك يتحدث عن تعريف الحوار، وأهميته التي تكمن في معرفة الحق والرد على أهل الباطل، ثم ذكر بعض الحوارات التي وردت في الكتاب والسنة. بالإضافة إلى ذلك وضح الشيخ الأخطاء التي تقع من المتحاورين، محذراً من قضية الحوار بين الأديان، ومبيّناً المقصود منها. تعريف الحوار: هذا الموضوع -أيها الإخوة- موضوع عظيم؛ وذلك لأن الإنسان لا يخلو في حياته في حركاته وسكناته، بل حتى إذا خلا بنفسه، فهو إما أن يكون في علاقةٍ مع الله عز وجل، أو مع الخلق، أو مع النفس من حاجته إلى الأدب. وقد سبق تعريف الأدب في السلسة الأولى وبيان أمورٍ تتعلق به، وفي هذه السلسلة -أو المجموعة الثانية- سنتحدث عن مجموعة أخرى -إن شاء الله- من الآداب، ونستهل ذلك بأدب الحوار في هذا الدرس. أما بالنسبة للحوار: فهو من حار يحور إذا رجع، والمحاورة الجواب، والحوار هو تراجع الكلام والتجاوب فيه بالمخاطبة والرد، وقد ذكر الله سبحانه وتعالى حواراتٍ في كتابه العزيز، وهذه اللفظة وردت في قوله تعالى: {فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ} [الكهف:34] وفي قوله عز وجل: {وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا} [المجادلة:1] الحوار خطاب وكلام. وقلنا: حار أي: عاد ورجع، والحوار يعيد فيه الشخص ويبدئ، والمحاورة مراجعةٌ وكلامٌ في المخاطبة، وهي مجاوبة وتجاوب، فمراجعة المنطق والكلام في المخاطبة تسمى حواراً. والفرق بين الحوار والمناظرة والجدال والمحاجة: أن الحوار أعمها جميعاً وكلها تدخل فيه؛ لأنها كلها تشترك معه في أنها مراجعة في الكلام ومداولة له بين الطرفين، فهي تدخل في معنى الحوار من هذه الجهة، ثم تخرج المناظرة في دلالتها على النظر والفكر، والجدال والمحاجة في دلالتهما على المخاصمة والمنازعة. أهمية الحوار: وأهمية الحوار في حياتنا كبيرة جداً، فمن جهة نحتاج أن نعرف أدب الحوار؛ لأن الدعوة إلى الله عز وجل تحتاج إلى الحوار، حوار الداعي مع المدعو، والله عز وجل قال: {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} النحل:125] وهذا أمرٌ بالحوار في الدعوة. ثانياً: الوصول إلى الحق نحتاج إلى الحوار للوصول إلى الحق، وهدفٌ عظيم أن يصل المسلم إلى الحق. ثالثاً: الرد على أهل الباطل، وهذا يتم بالحوار لإقناعهم، وهو فرعٌ من الدعوة التي تقدم الحديث عنها، وعلى سبيل المثال: المنافقون في عصرنا يتكلمون عن تحرير المرأة، ويدْلون بحجج هي واهية، لكن لابد من الحوار مع هؤلاء لإسقاط الحجج التي احتجوا بها وبيان وهيها؛ فمثلاً يقولون: لماذا تنكرون الاختلاط وهناك اختلاط في الحرم؟ فنقول: فرقٌ بين الاختلاطين الاختلاط العارض والاختلاط الدائم، فهذه حال امرأة تدخل الحرم لكي تؤدي العمرة أو الحج في الطواف والسعي، ثم بعد ذلك تنفصل عن الرجال في الصلاة، ثم أنتم تقولون: تختلطوا في الأعمال وأماكن الدراسة والعمل طيلة العام؛ فأين هذا من هذا؟ ثم هذه عبادة أقل شيء أن الإنسان يستحي فيها من أن يعمل شيئاً محرماً، أو أن تتبرج المرأة وتتزين أو تغري، أو أن تجذب إليها الفسقة وغيرهم، ثم أين هذا من وقوع ذلك يومياً وباستمرار في الأعمال وأماكن الدراسة ونحو ذلك؟ ثم إن هذا الاختلاط في تلك الأماكن لا يخلو من زينة ودنيا، بخلاف ما يحدث في الحرم من دين وعبادة ونحو ذلك من أوجه الرد، والشاهد أن المسألة مسألة حوار للرد عليهم. عندما تأتي امرأة عاهرة لا تضع حجاباً على وجهها ولا على شعرها، وتقول: لماذا تأمروننا بتغطية الوجه، وكشف الوجه مذهب الأئمة الثلاثة؟ فنقول: أولاً من سمح لكِ أن تتكلمي في الفقه؟ وما علاقتك بالأحكام الشرعية؟ إن الذي يتكلم في الأحكام هم العلماء وطلبة العلم، أما الفاسق والفاسقة من هؤلاء المنافقين والعلمانيين فلا دخل لهم بالعلم الشرعي، ولا يجوز لهم أن يتحدثوا في هذا الأمر، ولا أن يرجحوا وينظروا في الأدلة. ثم هل يريدون الذي يناقش في ذلك من أرباب الأهواء والشهوات بالتأكيد أنه لا يريد الوجه فقط؛ بل يريد ما بعد الوجه من كشف الشعر وبقية الجسم والاختلاط إلخ. فإذاً يريدون مسألة الوجه أن يدقق الكلام فيها للتوصل إلى ما بعدها من الفساد، وهكذا فالمقصود أننا في الواقع نتعرض لكلام هؤلاء فيجب أن نجيب عليهم، وأن نقيم عليهم الحجة، وقد ندخل في حوارات مع مثل هؤلاء، فلابد أن يكون لهذه الحوارات شروطاً وآداباً، ثم إننا نعيش -أيها الإخوة- في عصرٍ قد كثرت فيه الآراء والاجتهادات، والوصول إلى تنقيح هذه الآراء ومعرفة الصواب منها يحتاج إلى حوار، نحن الآن في أمرٍ مريج قلة العلم، وكثرة القضايا، وهي مشكلة كبيرة، وهذا لا شك يحتاج إلى إجادة الحوار. ثم من فوائده أيضاً: التعليم، فهناك حواراتٌ تعليمية؛ كما حدث بين النبي صلى الله عليه وسلم وجبريل عليه السلام في الحديث المشهور بحديث جبريل، وهذا الذي ندعو الشباب إلى إقامته كبديلٍ نافع عن التمثيليات التي فيها شبهات من الكذب، أو تقمص الشخصيات، أو ادعاء أشياء ونحو ذلك، فنقول لهم: إذا أردتم بديلاً عن التمثيليات التي فيها كلامٌ كثير فأعطونا الحوارات العلمية أو الحوارات المفيدة، أقيموا حوارات بين اثنين أو أكثر يظهر فيها تعلم أمور نافعة بدلاً من هذه التمثيليات التي يكون فيها غناء، أو يكون في بعضها محرم أو شبهة. وكذلك فإن الحوار فيه استرجاع للصفاء عند حصول الشحناء؛ فإن مما يزيل الشحناء الحوار أو المعاتبة، والمعاتبة حوار؛ لأن كلاً من الطرفين سيبدي معذرته ولماذا فعل ما فعل، وإزالة الشحناء والبغضاء في الحوار بالمعاتبة هي نوعٌ من الحوار بعض الحوارات في الكتاب والسنة: والله سبحانه وتعالى قد ذكر في كتابه العزيز حوارات كما تقدم. الحوارات في كتاب الله ومن الحوارات في القرآن الكريم الحوار الذي دار بينه عز وجل وملائكته الكرام: {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ * وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * قَالُوا سُبْحَانَكَ لا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ * قَالَ يَا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ} [البقرة:30 - 33] فهذا حوار. كذلك دارت حوارات بين الأنبياء وأقوامهم، وهذه كثيرة جداً {قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلاً وَنَهَاراً * فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائي إِلَّا فِرَاراً * وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ} [نوح:5 - 7] وبسبب هذه الحوارات دخل أناس في دين الإسلام، والآن على شبكة الانترنت -مثلاً- حوارات بين مسلمين وكفار ينتج منها دخول أشخاص في الدين، وفي الشركات والأعمال -لمن ابتغى وجه الله من الدعاة إلى الله تعالى- حوارات بينهم وبين زملائهم في العمل، يهتدي بها أشخاص، أنت تريد أن تقنع شخصاً بعدم إدخال جهاز مفسد إلى البيت فبالحوار؛ لأنه سيبدي ما عنده من الأسباب ويقول لك: تحتوي على أخبار، تحتوي على فوائد، تحتوي على منافع، تحتوي على أشياء تعليمية، وتحتوي على حياة الحيوان، وتحتوي على كذا، ثم أنت تبين له الأضرار والمفاسد، وتدور على ذلك مناقشة، هذا حوار. وقد كان إبراهيم الخليل عليه السلام ممن اشتهر بالحوار، وقوة الحجة، وظهور البرهان، والقدرة على الإفحام، كما قال الله تعالى: {وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ} [الأنعام:83] وحاور الملك الكافر {إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ} [البقرة:258] ثم صار جدالاً عقيماً: {قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ} [البقرة:258] فقطع عليه الخط وألزمه بهذه الحجة الباهرة، وكذلك لما حاج قومه: {وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ * إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ * قَالُوا وَجَدْنَا آبَاءَنَا لَهَا عَابِدِينَ} [الأنبياء:51 - 53] هذه هي الحجة، قال: ما هذه التماثيل؟ قالوا: وجدنا آباءنا إلخ {قَالَ لَقَدْ كُنْتُمْ أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ * قَالُوا أَجِئْتَنَا بِالْحَقِّ أَمْ أَنْتَ مِنَ اللَّاعِبِينَ * قَالَ بَلْ رَبُّكُمْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ وَأَنَا عَلَى ذَلِكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ} [الأنبياء:54 - 56] ولما كسر الأصنام استدعي للتحقيق: {قَالُوا أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآلِهَتِنَا يَا إِبْرَاهِيمُ * قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ * فَرَجَعُوا إِلَى أَنْفُسِهِمْ فَقَالُوا إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ} [الأنبياء:62 - 64] الآيات. وموسى عليه السلام كان له حوارات مع فرعون، ومؤمن آل فرعون كان له حوار جميل جداً ذكره الله سبحانه وتعالى في سورة المؤمن. الحوارات من السنة: وسيرة نبينا الخاتم صلى الله عليه وسلم العطرة زاخرة بالمواقف والحوارات مع المشركين وغيرهم، ولما حاور عتبة بن ربيعة وقال: قل يا أبا الوليد أسمع، وانتهت بأن مضى عتبة فزعاً مما سمع. وكذلك لما جاءه ضمام بن ثعلبة وافداً إليه صلى الله عليه وسلم دخل المسجد وقال: (أيكم محمد؟ فقال الصحابة: هذا الرجل الأبيض المتكئ، فقال: يا ابن عبد المطلب: قال النبي صلى الله عليه وسلم: قد أجبتك، قال: إني سائلٌ فمشددٌ عليك في المسألة فلا تجد عليَّ في نفسك، قال: اسأل ما بدا لك، قال: يا محمد! أتانا رسولك فزعم أنك تزعم أن الله أرسلك؟ قال: صدق، قال: فمن خلق السماء؟ قال: الله، قال: فمن خلق الأرض؟ قال: الله، قال: فمن نصب هذه الجبال؟ قال: الله، قال: فبالذي خلق السماء وبسط الأرض ونصب الجبال أألله أرسلك؟ قال: نعم. قال: وزعم رسولك أن علينا خمس صلوات في يومنا وليلتنا، قال: صدق، قال: فبالذي أرسلك أألله أمرك بهذا؟ قال: نعم. قال: وزعم رسولك أن علينا زكاةً في أموالنا، قال: صدق، قال: فبالذي أرسلك أألله أمرك بهذا؟ قال: نعم. قال: وزعم رسولك أن علينا صوم شهر رمضان في سنتنا، قال: صدق، قال: فبالذي أرسلك أألله أمرك بهذا؟ وسأله عن الحج، فلما ولى قال: والذي بعثك بالحق، لا أزيد عليهن ولا أنقص منهن). حوار ابن عباس مع الخوارج: وسار الصحابة على هدي نبيهم صلى الله عليه وسلم في الحوارات والمناظرات. ابن عباس يسمع جميع الشبه: ولما خرج الخوارج على علي رضي الله عنه، واعتزلت الحرورية في حروراء، قال ابن عباس لـ علي رضي الله عنهما: يا أمير المؤمنين! أبرد بالصلاة -أخر الصلاة قليلاً - فلعلي آتي هؤلاء القوم فأكلمهم قال: إني أتخوفهم عليك، قال: قلت: كلا إن شاء الله، فلبست أحسن ما عندي ثم دخلت عليهم وهم قائلون في نحر الظهيرة فدخلت على قومٍ لم أر قوماً أشد منهم اجتهاداً -يعني: في العبادة- أيديهم كأنها ثكن الإبل، ووجوهاً معلمةً من آثار السجود، فقالوا: مرحباً بك يـ ابن عباس، ما جاء بك؟ قال: جئت أحدثكم عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال بعضهم: لا تحدثوه؛ هذا من قريش الذين قال الله فيهم: {بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ} [الزخرف:58] وقال بعضهم: لنحدثنه، قال: قلت: أخبروني ما تخصمون على ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم وختنه، وأول من آمن به، وأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم معه؟ قالوا: ننقم عليه ثلاثاً، قال: وما هن؟ قالوا: أولهن أنه حكَّم الرجال في دين الله ورضي بالحكمين، عمرو بن العاص من طرف معاوية، وجعل أبا موسى من طرفه، فحكم الرجال في دين الله، وقد قال الله تعالى: {إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ} [الأنعام:57] قلت: وماذا؟ -لا بد من استفراغ الشبه كلها قبل الجواب لأن ذهن السامع ينشغل بشبهه حتى لو سمع جواب الشبهة الأولى- قال: وماذا؟ قالوا: قاتل ولم يسبِ ولم يغنم، قاتل معاوية وقاتل في الجمل ولا أخذ سبياً ولا غنائم، لئن كانوا كفاراً لقد حلت له أموالهم، وإن كانوا مؤمنين فقد حرمت عليه دماؤهم، قلت: وماذا؟ قالوا: نحى نفسه من أمير المؤمنين، فإن لم يكن أمير المؤمنين فهو أمير الكافرين، قلت: أرأيتم إن قرأت عليكم كتاب الله المحكم، وحدثتكم عن سنة نبيكم ما تنكرون، أترجعون؟ قالوا: نعم. مسألة تحكيم الرجال: قال ابن عباس: أما قولكم: إنه حكم الرجال في دين الله فإن الله يقول: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّداً فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ} [المائدة:95] وقال في المرأة وزوجها: {وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَماً مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِنْ أَهْلِهَا} [النساء:35]. أنشدكم الله أفحكم الرجال في حقن دمائهم وأنفسهم وصلاح ذات بينهم أحق؛ أم في أرنبٍ ثمنها ربع درهم؟ قالوا: في حقن دمائهم وصلاح ذات بينهم، فرجعوا واعترفوا، قال: أخرجتم من هذه؟ قالوا: الله منعنا. مسألة قتال علي بدون سبي ولا غنم: قال: وأما قولكم: قاتل ولم يسبِ ولم يغنم، أتسبون أمكم -لأنه كان في الطرف الآخر في القتال في معركة الجمل عائشة، أتسبون أمكم ثم تستحلون منها ما تستحلون من غيرها؟ -أتأخذون عائشة في السبي وتطئونها ملك يمين وفي السبي؟ - فقد كفرتم إن فعلتم هذا، وإن زعمتم أنها ليست أمكم فقد كفرتم وخرجتم من الإسلام، إن الله يقول: {النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ} [الأحزاب:6] فإذا قلتم: ليست أمنا كذبتم الله، وإذا قلتم أمنا فهل تسبون أمكم وتطئونها؟ وأنتم مترددون بين ضلالتين، فاختاروا أيهما شئتم، أخرجت من هذه؟ قالوا: الله منعنا. والجهاد في الإسلام يكون لأسباب، فمنها: جهاد الكفار الذين رفضوا الإسلام أن ينتشر في بلادهم، ووقفوا سداً أمام الدعوة، فيقاتلون لكسر شوكتهم ليكون الدين لله، لكن لو فتحوا لنا بلادهم قالوا: ادخلوا إلى بلادنا واحكموهم بالإسلام فلا نقاتلهم. قتال آخر: وهو قتال الدفع، إذاً يوجد جهاد هجومي وجهاد دفاعي، والذي ينكر الجهاد الهجومي كذاب أشر، منهزم بغيض، سفيه جاهل؛ فإن الصحابة في عهد أبي بكر وعمر بن الخطاب جاهدوا فارس والروم وهجموا عليهم وغزوهم إلى بلادهم حتى فتحوها، فالذي ينكر أن في الإسلام جهاداً هجومياً؛ مثل انهزام العقلانيين أصحاب المدرسة التنويرية الذين ينكرون الجهاد الهجومي على الكفار، وإنما حملهم على ذلك الانهزام النفسي، فقالوا: أين نذهب بوجوهنا من الكفار فإنهم يقولون: أنتم تهاجمون وتظلمون، فإذاً الجهاد في الإسلام للدفاع عن النفس. ونقول: وماذا فعل النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة؟ هل كانوا يفعلون الباطل والظلم والاعتداء على الناس، فتباً لهم! وهناك جهاد الدفع، إذا هجم الأعداء لزم دفعهم وجهادهم، وهناك قتال شرعي، كما لو خرجت طائفة على إمام المسلمين وخليفتهم؛ فإنهم إذا أبوا الرجوع وتسلحوا قوتلوا لإرغامهم على الدخول في بيعة الخليفة، (إذا بويع الخليفتان فاقتلوا الآخر منهما) هذا قتال شرعي، بين مسلمين وعلي رضي الله عنه قاتل من هذا الباب، ولا يلزم أن يكون قتال علي لمن خرج عن بيعته وهو الخليفة أن يكون مثل جهاد المشركين فيه سبي وغنائم، لكن الخوارج ما فهموا هذا، وقالوا: لماذا قاتل علي معاوية وقاتل عائشة والجيش الذي فيه عائشة، وما أخذ غنائم؟. مسألة تنحي علي عن كلمة أمير المؤمنين: قال: وأما قولكم أن علياً رضي الله عنه نحى نفسه عن أمير المؤمنين فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم دعا قريشاً يوم الحديبية على أن يكتب بينهم وبينه كتاباً فقال: للكاتب -وهو علي رضي الله عنه- اكتب: هذا ما صالح عليه محمد رسول الله، فقالوا: والله لو كنا نعلم أنك رسول الله ما صددناك وما قاتلناك، ولكن اكتب محمد بن عبد الله، فقال: والله إني لرسول الله وإن كذبتموني، اكتب يا علي: محمد بن عبد الله. ورسول الله صلى الله عليه وسلم كان أفضل من علي، فلما جاء علي يكتب الصلح بينه وبين معاوية قال: كتب علي بن أبي طالب أمير المؤمنين ورفضت كلمة أمير المؤمنين وتركها علي لأجل الصلح، وهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم ترك كتابة رسول الله للمصلحة الشرعية، ولعقد الصلح الذي أمره الله به، ورسول الله صلى الله عليه وسلم كان أفضل من علي؛ أخرجتم من هذه؟ قالوا: الله منعنا. من هذا الحوار رجع من الخوارج عشرون ألفاً وانضموا إلى علي رضي الله عنه، وبقي من الخوارج أربعة آلاف، وهؤلاء هم الذين واجهوا في معركة النهروان وقتلهم علي رضي الله عنه. آداب في الحوار: معرفة المسألة المتحاور فيها: قبل الدخول في الحوار لابد من علمٍ بالمسألة التي سيكون الحوار عنها، وتكون محور الحوار، وإذا لم يكن الإنسان ذا علمٍ بما يحاور من أجله فلا يجوز أن يدخل في الحوار أصلاً، قال تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلا هُدىً وَلا كِتَابٍ مُنِيرٍ} [الحج:8] فبعض الناس يدخلون في الحوارات بغير علمٍ فيفسدون أكثر مما يصلحون، لأنه إما أن ينزلق للإفتاء والكلام في دين الله بغير علم وهذه مصيبة، أو أن يخرج الطرف الآخر منتصراً عليه، وهذه مصيبة وكارثة أخرى؛ وصاحب الباطل يخرج منتصراً؛ لأن صاحب النزاع لا حجة له، دخل في الحوار دون إعداد ودون علم، فإذاً لابد من علم بشرع الله المطهر كتاباً وسنةً، وبالواقع الذي يتعلق بموضوع الحوار والنقاش، والله عز وجل قال لأهل الكتاب: {هَا أَنْتُمْ هَؤُلاءِ حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ} [آل عمران:66]. فهم حجج الطرف الآخر فهماً صحيحاً: ثم لابد أن يكون هناك حسن فهم لحجج الطرف الآخر وأدلته وأقواله، والخلفيات المؤثرة في واقعه وتصرفاته، وفي كثير من الأحيان يتحاور الطرفان، ويطول الحوار، وتتشعب المسائل، ويستمر الخلاف ولا يصلان إلى نتيجة، والسبب أن كل واحدٍ منهما لم يفهم مراد الآخر وكم من عائبٍ قولاً صحيحاً وآفته من الفهم السقيم ولذلك لا يرد أحد على آخر حتى يفهم كلامه إذا ما لم يكن لك حسن فهمٍ أسأت إجابة وأسأت فهماً ولذلك لا ينبغي أن يناقش الإنسان ويدخل في حوار وهو لم يفهم مراد وقصد الطرف المحاور، فسماع حجة الطرف الآخر نصف الطريق، ولابد من هذه الخطوة. وبعض أسباب سوء الفهم التي تحدث بين الناس عموماً، وبين الشباب وبين الدعاة والمدعوين، وبين الدعاة وبعضهم البعض؛ قد تكون راجعة إلى قلة العلم، أو أن يأخذ جزءاً من حديثه ويترك أجزاءً، فتجد واحداً أول ما يسمع كلام الثاني يقول: بس قف ثم ينهال عليه قبل أن يسمع بقية كلامه، ثم يكون ما رد عليه موجود في كلام الآخر وليس هو موضوع النقاش أصلاً، ولو أنه تأنى وسمع الباقي لاكتفى وعرف الكثير. ثم -أحياناً- من أسباب سوء الفهم: أن الإنسان يقرأ أقوال الآخرين أو يسمعها بخلفيات معدة عنده مسبقاً، يحمل عليها أقوال الآخرين، كأن تسمع عن شخص أشياء ثم تأتي تتناقش معه، فتفسر كلامه بناءً على ما سمعته عنه، وقد يكون ما سمعته عنه غير دقيق ولا صحيح، فتبدأ من باب اتهام النيات تفسر كلامه على ما في ذهنك أنت، ولا تتجرد بحيث تفهم كلامه على حقيقته، والإنسان لا يخلو من خلفية معينة عند النقاش مع أي شخص. وأحياناً يكون من أسباب سوء الفهم: عدم اللقاء بين المتحاورين وإنما يعتمدان على المراسيم وعلى الرواة والنقلة، قال كذا، وقال: كذا، وقد يكون الناقل غير دقيق فيسيء في النقل من هذا لهذا، فتزداد الفرقة وتعظم الهوة بينهما، ولو أنهما التقيا في مجلسٍ واحد لاتضحت لديهم الصورة وزال اللبس، ولا يلزم أن يكون اللقاء علنياً أمام الناس إذا لم يكن من المصلحة النقاش أمام العامة، وليكن في مجلس خاص. ثم من أسباب سوء الفهم: الاختلاف باستخدام الألفاظ والمصطلحات، وقد يستخدم إنسان مصطلحاً يفهمه الخصم فهماً آخر، فأحياناً لابد من ضبط المصطلحات قبل النقاش. وهذه قصة لطيفة صارت في مجلس زواج عند القاضي، جاءت المرأة وأبوها وجاء الشخص الذي يريد الزواج ومعه شهود، وجلسوا عند القاضي، قال القاضي لأبي الفتاة: ابنتك هذه بكر؟ قال: لا. فهذا الشاب يقول: نظرت وكأن الشيطان صار جالساً بجانبي، وجلست أضرب أخماساً في أسداس أنا أريد أن أتزوج، وعرفنا أنه ما سبق لها الزواج، والآن القاضي يقول له: أهي بكر؟ يقول: لا. يقول: وتلون وجهي بجميع الألوان وصرت في أمرٍ مريج، وكأن صاعقة وقعت في المجلس، ووجم الناس والشهود، فوجئ الجميع بهذه العبارة، يقول: حتى تدخل واحد بنباهته وقال: يا أخ فلان عفواً ما تعريف كلمة بكر عندك؟ قال: بكر أي: أول الأولاد، قال القاضي: يا أخي! لكل مقامٍ مقال، نحن الآن لا نسألك عن بكرك نحن نقول: البنت بكر، قال: إيه هذه بكر، عندما فهم معنى كلمة بكر. وسبحان الله! الواحد قد يفهم بوجهٍ غير الوجه الذي يفكر فيه الآخرون، فلابد من تفسير المصطلحات؛ لأنها قد تجعل النقاش والجدال عقيماً إن لم تفهم. |
رد: السلسة الذهبية في الآداب النبوية الحلقة:(7): آداب الحوار:(أ)
بارك الله فيك و جزاك خير الجزاء و جعل هذا في ميزان حسناتكم |
رد: السلسة الذهبية في الآداب النبوية الحلقة:(7): آداب الحوار:(أ)
اقتباس:
|
رد: السلسة الذهبية في الآداب النبوية الحلقة:(7): آداب الحوار:(أ)
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، أما بعد:
أختنا الفاضلة:" أمينة84": وفيك بارك الله، وفقك المولى جل وعلا وأهلك للعلم النافع والعمل الصالح، وختم لكم جميعا بالحسنى. ليعلم الجميع بأن:" آداب الحوار" التي ذكرتها في حلقات ثلاثة: إنما المقصود بها هو:" المحاور المنصف العاقل الباحث عن الحق ليلتزم به"، أما:" المحاور المعاند المكابر صاحب الهوى"، فهذا يقال له كما قال رب العالمين:[ وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما]. |
رد: السلسة الذهبية في الآداب النبوية الحلقة:(7): آداب الحوار:(أ)
بارك الله فيكم الأخ الكريم نحن في المتابعة بحول الله |
رد: السلسة الذهبية في الآداب النبوية الحلقة:(7): آداب الحوار:(أ)
وفيك بارك الله أختنا الفاضلة:" مسلمة"، سنواصل بتوفيقه تعالى نشر هذه السلسلة الذهبية من الآداب النبوية تعبيرا منا عن حبنا الثابت والمتواصل لرسولنا عليه الصلاة والسلام، ذلك الحب الذي حصره بعضهم في يوم واحد من السنة؟؟؟: ليحتفي به بشكل فلكلوري، ثم ينساه بقية العام من الجانب النظري على الأقل؟؟؟.
فأين هؤلاء الذين ملؤوا المنتديات صخبا بمقالات كثيرة شجعت على الاحتفال بمولده عليه الصلاة والسلام؟؟؟، لقد غابوا بمجرد غياب شمس يوم:(12 ربيع الأول) كعادتهم في كل سنة؟؟؟. هدانا الله وإياهم إلى حسن اتباعه عليه الصلاة والسلام باقتفاء السنة، والعمل بها، والدعوة إليها في:" وسطية ربانية بعيدة عن: تحريف الغالين، وتأويل الجاهلين، وانتحال المبطلين"، وآخر دعائنا أن الحمد لله رب العالمين. |
Re: السلسة الذهبية في الآداب النبوية الحلقة:(7): آداب الحوار:(أ)
|
| الساعة الآن 09:39 AM. |
Powered by vBulletin
قوانين المنتدى