![]() |
نوم النص
نوم النصٍ
كتبت نصا،أو ما يشبه نصا،لا أعرف متى تحديدا، وهذا، نقيصة ـ وما أكثر نقائصي ـ ألا نسجل تواريخ ما نكتب، رغم أهمية تقييد المكان والزمان. كل ما أعرفه أنه مضى عليه وقت طويل.والمدهش أن شكا مقلقا راودني،وأنا أقرأه أو إن شئت، أعيد قراءته،..شككت في صاحبه الذي هو أنا، كما شككت في تلك الأفكار، أن تكون من نسج خيالي.لم أصدق في الوهلة الأولى بأنه من نتاجي،ولم أتأكد من نسبه إلا بعد أن تجمعت لدي بعض الدلائل القاطعة، على أني صاحبه بلا منازع. والأفكار كما تأكد لي اليوم، هي بنت اللحظة، إن لم تقيدها في حينها التهمها العدم، تأتي على حين غرة كوابل، تنزل عليك دون إمهال، حتى عذرك لالتقاط أنفاسك المبعثرة مردود، ولا يسعك والحال هذه، إلا تلقفها قبل أن تبلغ الأرض، كي لا تذهب في سواقي النسيان. وبعد مرور زمن قليله أو كثيره، يُتفقد المولود، ولا بأس من تلبسيه ما يليق عليه من ألبسة الزينة، دون طغيان ألوانهاعلى رونقه وحيويته، كي لا ينزاح سحره، فتذهب جاذبيته، لأن الإفراط في التنميق، كما لا يخفى، عامل قوي في تحوّل الأنظار، عما يعتقد أنه جميل، يشدّإليه العيون، بل يعجّل موته لا محالة. الذاكرة خانتني في استرجاع تاريخ كتابته، وخانتني في التيقن من نسبه، فكيف لا تخونني في صحة هذه "الادعاءات" التي أسميها دلائل؟ هذا السؤال، طرحته على نفسي مرارا وتكرارا، وكان لهذا التكرار مفعوله الطيب، إذ تداعت علي بعض النصائح التي كثيرا ما يسديها الكتاب المتمرسون للكتاب المبتدئين،وجدت فيها بعض العزاء لغمرة الشك التي انتابتني للحظات. الدقيق تعجنه الطباخة، ثم تتركه في الثلاجة يستريح لبضع ساعات،كما يقولأصحاب الحرفة، قبل أن تشكله وتصنع منه خبزا شهيا، أو حلوى لذيذة، أو غير ذلك، ممايستسيغه اللسان قبل تمريره إلى المعدة،التي تستقبله بالهرس الجميل، ثم تدفعهبدورها، إلىأنابيب دقاقة محاصة، فحاصة،ثم تستدعي بدورها أوعية نقالة عجالة،لنشررحيق الحياةفي أجزاءالجسم الواهنة، وتنشيط خلايا العقل الخاملة، وإيقاظما استكان من نوازع النفس الناعسة. وجدت ما تفعله هذه الطباخة بعجينها،يفعله الكاتب بنصوصه. يكتب،ويترك مكتوبه الذي جادت به قريحته"يستريح أو ينام"، ليعود إليه بعد أيام أو أسابيع أو حتى شهور، لتشكيله من جديد، وتمريره على ما يشبه دورة حياة العجين.وكثيرا ما يلد نص نصا آخر، فيخرج النصالثانيأجزل، وأجمل، يروق قارئه ويتفاعل معه. هي طبخة، قصدي نصيحة جيدة، وطريقة ناجعة مضمونة النجاح، جرّبها كبار الكتاب، الذين مازلنا نقرأ كتبهم بدون ملل ولا كلل، لأن نصوصهم جمالهاغير زائف، اجتمع فيها المنطق بالجمال، فتشكلت وحدة متكاملة الصنع،منسجمة، متناغمة، متناسقة، تحاكي الطبيعة في خلقتها، وذلك ـ لعمري ـ هو الفن بأسمى معانيه. هكذا إذن، وجدت نفسي غير مصدق لنص غير مكتمل، كتبته ذات يوم ونسيته، بينما كان في الحقيقة، نائما، يستمد حيويتهوجماله منسباته الهادئ ذاك. فلولا وجوده في شعثه،ببعض الأخطاء الإملائية، والكلمات المتعثرة، والجمل غير المرتبة، لما عرفت أنني كاتبه. فقد وجدت فيه سحرا أدهشني، وأنا ما كنت يوما ساحرا أسلب عقول الناس، ولا كاتبا مشهورا تتداوله المحافل،أو ملأت صفحات الجرائد نصوصه الإبداعية. شذبت بعض ما شابه من زوائد واختلال،وتركت بقية النص في عنفوانهوحريته، خوفا من الإخفاق في صناعة نص جديد، لعلمي أن الكاتب الفذ تصنعه العادة، أو ما يسمىبالممارسة، فكل نص يكتبه، يضاف إلى رصيدهكتجربة، ويزيده تمرسا وحنكة، مثل الطيارالماهر، تتحدد مهارته بعدد ساعات تحليقه، وتلك تجربةـ وا أسفي ـ فشلت في تحقيقها، لأن قدماي ضاعتا في متاهات العيش بلا نهاية، متاهاتلاتخرج من واحدة،إلا لتدخل في أخرى أكثر تعقيدا، ولا خلاص منها سوى بالعزوف عن الحياة السطحيةوالابتذال،لأن الفن لا يرضى لصاحبه إلا السمو، حتى يرى، إذ ينظر إلى الحياة، فوق ما يراه غيره وأبعد، وتلك هي مشكلتي، ومشكلة من كان في مثل حالي. أدركت حقيقة هذا الأمر متأخرا، فركوب القطار في وقتهوهو رابض بالمحطة، ليس كالجري وراءه، وإن كان اللحاق به، ليس مستحيلا، إلا أنه إجهاد من غير جدوى..أوبلا متعة ولا نشوة.. فقد ترسبت على أيامي طبقات من الكلس كثيفة، لا تنفع لكشطها أوإزالتها، شفرات التكنولوجية الحديثة.. ولكن مع ذلك، لن أمنع قلمي من الحركة، وولوج أدغال الأمازون العذراء! |
رد: نوم النص
السلام عليكم
اعجبني معالجتك لنصك وفكرتك وخاصة بهذا الاسلوب ساصدقك القول مرات اعود الى خواطر لي ولا اصدق اني كاتبتها لولا وجودها في دفاتري مدونة يحدث هذا احيانا ففي لحظات ما يبرع الشخص في كتابة حروف قد يعجز عنها في وقت اخر بارك الله فيك على الموضوع القيم تحية تليق بشخصك ولروحك الانس وظل الغيم |
رد: نوم النص
شكرا..على مروركم
تحياتي الخالصة عمر |
رد: نوم النص
ما شاء الله كم ظلمت هذا القسم الادبي الراقي بابتعادي عنه
نص باذخ بعمق المعاني وجمال الحرف وانني لاعايش كل جملة كتبتها احيانا فعلا نكتب خربشات نتركها زمنا ثم نعود اليها فنكاد ننكر انها لنا لولا بعض القرائن القاطعة نفس ما يحصل معي اعود لخربشات مراهقتي فاندهش اتراني انا من كتبتها ! شكرا على هذه النصيحة التي كانت نائمة في ذهني ولم استطع استنباطها رغم معايشتها ها انت اليوم تهديني اليها جاهزة لاطبقها سادع خربشاتي تنام شكرا |
رد: نوم النص
نص بأفكار تستحق أن تقرء مرات ومرات للعبرة وكي لا تمت النصوص
يرفع ليكن مرجعا لكل من يخط حرفا ويرمه في رفوف النسيان لك التقدير أستاذ عمر |
رد: نوم النص
لكم كل المودة
أخوكم عمر |
رد: نوم النص
السّلام عليكم ورحمة الله وبركاته
أظنّ أنّ فكرة نوم النّص أو لنقل زيادة تركيزه إن صحّ التعبير ربّما يمنح النّص فرصا أكبر، وقد دئب كبار الأدباء والشعراء على ذلك كحوليات زهير بن أبي سلمى وربما يوعز ذلك إلى إدراكهم أهمية الكلمة، ودورها الفعال، وانزياحاتها وتأثيرها السلبي أو الإيجابي في الأشخاص فقد كانت بالبدء دوما الكلمة، فهل يحملنا ذلك يا أستاذ إلى حصار لحظيات، وحصرها وإن كانت مجرد همسات الخاطر الذّي ولّدته لحظة ما؟ عن نفسي أجد في لحظياتي متنفسا، أو تصدّعا، أو محاولة لتذكّر أمر ما... فهل التّعبير الآني دليل على العشوائية التّي نتخبّط بها أو هي حصار لفكرة ما بغضّ النظر إن كانت متداولة؟ ربّما لو نظرت للأمر من جوانب عديدة لكففت عن لحظياتي التّي أتذكّر أنّي كاتبتها معظم الوقت، على الرّغم من أنّها فقط لحظيات وهمسات خاطر ليس إلاّ، أمّا الإلتزام بالكتابة فإنّه مهم وجدّا خصوصا لأدباء أو شعراء وضعوا نصب أعينهم الكلمة، لأجل بدايات ثابتة نصّ يحمل بين طيّاته الكثير، وإن غلبت تواضعك في آخره دمت والصّحوة احترامي امرأة~ |
رد: نوم النص
اللحظيات، كما تسمينها..هي قطع منا..
والأجمل فيها، تخليدها في كلمات.. وأجمل الأجمل.. أن يشاركك الغير في تذوق حلاوتها! تحياتي الخالصة أخوكم عمر |
Re: نوم النص
|
| الساعة الآن 04:36 PM. |
Powered by vBulletin
قوانين المنتدى