منتديات الشروق أونلاين

منتديات الشروق أونلاين (http://montada.echoroukonline.com/index.php)
-   المنتدى العام الإسلامي (http://montada.echoroukonline.com/forumdisplay.php?f=240)
-   -   تحريم القرآن على الجنب والحائض.للشيخ عبد الوهاب مهية (http://montada.echoroukonline.com/showthread.php?t=282630)

ابو ايوب23 14-12-2014 07:59 PM

تحريم القرآن على الجنب والحائض.للشيخ عبد الوهاب مهية
 
الدليل الناهض
لتحريم القرآن على الجنب و الحائض
لعلامة الجزائر :عبد الوهاب مهية حفظه الله
مقدمة
الحمد لله كما هو أهله ، وصلى الله على نبيّه المصطفى ، كما ينبغي أن يصلى عليه ، ورضي الله عن الصحابة الكرام ، وسلف الأمة وصالحيها ، إلى يوم الدين .
أما بعد :
فلقد أدهشني وأنا أطالع كتاب " تمام المنّة " للشيخ الألباني قوله بجواز مس المصحف وقراءة القرآن للجنب والحائض ، فنظرت في أدلته فإذا هي غير منتهضة للحجة ، بل إن ضعفها ظاهر بأدنى تأمل !..
فراودتني من ساعتها فكرة الرّد على هذه الشُّبه ، وعرض أقوال أهل العلم في المسألة ، لئلا يغترَّ الناس بقول الشيخ ومن ذهب مذهبه ، فيقعوا في المحضور ، ويخالفوا مذهب السلف المنصور ...
ثم حال بيني وبين ذلك أمور ومشاغل ، حتى وقع في يدي كتاب لإبراهيم شقرة ، أسماه : " إرشاد الساري إلى عبادة الباري " قال فيه (ص : 39) : - للمرأة الحائض أن تقرأ القرآن وتمسه ! هكذا وبكل بساطة !.. دون أن يعرج حتَّى على قول مَنْ منع ذلك ، وهم الأمة كلها ، سلفها وخلفها ، إلا من شذَّ وأغرب ممن لا يُعتد بقوله ! فهالني ما قرأت ، لِمَا أعلم من تداول هذه المؤلفات بين الناس ، وانتشارها بين الناشئة منهم ، فانتهضتُ لجمع ما كنتُ أزمعت على تأليفه ...
ومقصدي في ذلك كله ، الانتصار للحق ، والذب عن حمى القرآن ، ورد الأمور إلى نصابها ، فكتبت هذه " الأوراق " وأودعت فيها من الأدلة ما يجعلها مانعة رادعة ، وبيّنت فيها بالحجة والدليل ، وجه الصواب في المسألة " مس القرآن وقراءته للجنب والحائض " .
فأرجو من الله تعالى ، اللطيف بعباده ، أن يضع القبول لهذا العمل ، ويجعله نورا في ظلمة قبري ، وأنيسا في وحشتي ، وأن يفيض على قارئه ا لحمة والرضوان ، إنه ربي ورب الخلق كافة ، بيده ملكوت كل شيء ، وهو الوليُّ الحميد .
كتبه الفقير إلى ربه التواب :
أبو محمد مهيّة عبد الوهاب

الجزائر: غرة رجب من سنة 1412 هـ
المبحث الأول :
في منع الجنب و الحائض
مس القرآن والدليل على ذلك
اعلم ، وفقني الله وإياك إلى ما يحب ويرضى – أن مذهب السلف الصالح والأئمة المعتبرين ، هو تحريم مس القرآن على الجنب والحائض ، وهذا دليل ذلك :
1- روى الإمام مالك في (الموطأ) في باب " الأمر بالوضوء لمن مسَّ القرآن " عن عبد الله بن أبي بكر بن عمرو بن حزم :] أن في الكتاب الذي كتبه رسول الله صلى الله عليه وسلم اعمرو بن حزم : أن لا يمسَّ القرآن إلا طاهر ![
رواه ابن حبان في (صحيحه) وكذا الحاكم في (المستدرك) وقال : هو من قواعد الإسلام وإسناده من شرط هذا الكتاب . اهـ
وقال ابن تيمية رحمه الله : - قال أحمد " لا شكَّ أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم كتبه له (1) وهذا أيضا قول سلمان وعبد الله ، ولا يعلم لهما من الصحابة مخالف . اهـ (2)
وقد روي هذا لحديث بلفظ : ] ولا تمسَّ القرآن إلا على طهور [ رواه ابن أبي داود وعبد الرزاق وابن المنذر.
وفي هذا اللفظ فائدتان :
الأولى : أن الخطاب كان موجَّهًا لعمرو بن حزم ، وهو مسلم .
والثانية : أن المراد بالطهور الوضوء ، بقرينة قوله صلى الله عليه وسلم ] لا يقبل الله صلاة بغير طهور [رواه مسلم وغيره (3) من حديث ابن عمرو رضي الله عنهما .
2 – وروى الحاكم والطبراني والدارقطني وغيرهم عن حكيم بن حزام ، قال : لما بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى اليمن قال : ]لا تمس القرآن إلا وأنت طاهر! [قال الحاكم : - حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه . اهـ
لكن في إسناده " سويد أبو حاتم " ضعفه النسائي وابن معين ، في رواية ، ووثقه في رواية ، وقال أبو زرعة : ليس بقوي وحديثه حديث أهل صدق (4) وقال الحافظ ابن حجر : حسَّن الحازمي إسناده . (5)
3 – وروى الطبراني في (معجمه) ، والدارقطني والبيهقي وابن مردوية ، عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال :
قال النبي صلى الله عليه وسلم ]لا يمس القرآن إلا طاهر! [
وفي سنده : " سليمان بن موسى الأشدق " وهو مختلف فيه ، لكن قال الحافظ في (التلخيص) : - إسناده لا بأس به ، ذكر الأثرم أن أحمد احتجَّ به . اهـ
4 – وروى الطبراني في (معجمه) عن عثمان بن أبي العاص ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ]لا يمس القرآن إلا طاهر [
قال في (عون المعبود : 1/92) : وهذه الأحاديث كلها تدل على أنه لا يجوز مس المصحف إلا لمن كان طاهرا ، والمحدث بحدث أصغر أيضا غير طاهر من وجه،كما يدل عليه قوله صلى الله عليه وسلم ]فإني أدخلتهما طاهرتين [(6)
فعلى المحدث بالحدث الأصغر أن لا يمس القرآن إلى بالوضوء . اهـ
---------------------------------------------------------------------
(1) قال ابن عبد البر في كتاب عمرو هذا : - أشبه المتواتر لتلقِّي الناس له بالقبول . اهـ
(2) الفتاوى : 1/280 .
(3) رواه مسلم في كتاب الطهارة باب وجوب الطهارة للصلاة حديث رقم (224) والترمذي في أبواب الطهارة : ما جاء لا تقبل صلاة بغير طهور .
(4) تهذيب التهذيب : 4/238
(5) تلخيص الحبير : 1/131
(6) جزء من حديث أخرجه البخاري في كتاب الوضوء باب : إذا أدخل رجليه وهما طاهرتان ، ومسلم في كتاب الطهارة : باب المسح على الخفين .
5 – وعن أنس بن مالك ، قال : - خرج عمر متقلدا بالسيف ، فقيل له : إنَّ خنتك (صهرك) وأختك قد صَبَوَا ... فأتاهما عمر وعندهما رجل من المهاجرين يقال له " خباب " وكانوا يقرءون (طه) فقال : " أعطوني الذي عندكم فأقرأه ؟ " – - وكان عمر يقرأ الكتاب – فقالت له أخته : - " إنك رجس – ولا يمسه إلا المطهرون – فقُم واغتسل أو توضأ ؟ " فقام عمر فتوضأ ثم أخذ الكتاب فقرأ (طه) . رواه الدارقطني ، قال الحافظ : في إسناده مقال . (1)
6 – وعن عبد الرحمن بن يزيد ، قال : وكنَّا مع سلمان (الفارسي) فخرج فقضى حاجته ثم جاء ، فقلت : يا أبا عبد الله ، لو توضأت لعلنا نسألك عن آيات ، فقال : " إني لست أَمسُّه إنه لا يمسه إلا المطهرون " فقرأ علينا ما شئنا !
رواه الدارقطني وسعيد بن منصور ، وابن أبي شيبة في " المصنف " وابن المنذر والحاكم وصححه ، وفي رواية : " ثم تلا : لا يمسه إلا المطهرون . ! "
7 – وعن مصعب بن سعد بن أبي الوقاص أنه قال :
" كنت أمسك المصحف على سعد بن أبي وقاص ، فاحتككت ، فقال سعد : لعلك مسستَ ذكرك ؟
قال : قلت : نعم . فقال : قم فتوضأ ؟!
فقمت فتوضأت ثم رجعت .
رواه مالك في (الموطأ) في باب : " الوضوء من مس الفَرْج "
---------------------------------------------------------------------
(1) " تلخيص الحبير : 1/132 "
(2)
تحقيق قوله تعالى : ( لا يمسه إلا المطهرون )
- قال في " تفسير الجلالين " ص : 713
"لا يمسه " : خبر بمعنى النهي
" إلا المطهرون " : الذين طهروا أنفسهم من الأحداث .
- وقال ابن الجوزي رحمه الله :
قال الجمهور : يعني المصحف ، لا يمسه إلا المطهرون من الأحداث فيكون ظاهر الكلام النفي ومعناه النهي . اهـ (1)
وقال ابن كثير رحمه الله :
... وقال آخرون " لا يمسه إلا المطهرون " أي من الجنابة والحدث ... قالوا والمراد بالقرآن ههنا المصحف ، كما روى مسلم في " صحيحه " عن ابن عمر " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى أن يُسافَر بالقرآن إلى أرض العدو " اهـ (2)
قلت : ومَنْ فسره من الأئمة على أنه القرآن الذي في اللوح المحفوظ ، و " المطهرون " هم الملائكة ، لا يعارض ما ذهب إليه الجمهور ، بل يقويّه ويؤكده !
قال الباجي رحمه الله :
- أدخل مالك رحمه الله هذا التأويل على وجه الاحتجاج في وجوب الوضوء لمسِّ المصحف ، ، وذلك أن الباري تعالى ، وصف القرآن بأنه كريم وأنه في الكتاب المكنون ، الذي لا يمسه إلا المطهرون ، فوصفه بهذا تعظيما له ، والقرآن المكنون في اللوح المحفوظ ، هو المكتوب في المصاحف التي بأيدينا ، وقد أمرنا بتعظيمها ، فيجب أن نمتثل ذلك بما وصف الله القرآن به ، من أنه لا يمس الكتاب الذي هو فيه ، إلا مطهر ، وهذا وجه صحيح سائغ . اهـ (3)
وقال العلامة الألوسي رحمه الله :
" والمراد بالمطهرين ، المطهرون من الحدث الأصغر والحدث الأكبر ، بحمل الطهارة على الشرعية ، والمعنى : لا ينبغي أن يمس القرآن إلا مَنْ هو على طهارة من الناس ، فالنَّفي هنا نظير ما في قوله تعالى : " الزاني لا ينكح إلا زانية " وقوله صلى الله عليه وسلم " المسلم أخو المسلم لا يظلمه ، الحديث . وهو بمعنى النهي ، بل هو أبلغ من النهي الصريح !..
وقال في موضع آخر :
" أفادت الآية تعظيم شأن القرآن وكونه كريما ، والمس بغير طهور مُخِلٌّ بتعظيمه ، فتأباه الآية ! " (4)
---------------------------------------------------------------------
(1) " زاد المسير : 8/152 "
(2) الحديث رواه البخاري في كتاب الجهاد باب : كراهية السفر بالمصاحف إلى أرض العدو ، ورواه مسلم في "صحيحه" (3/1490-1491) ، فعزوه لمسلم دون البخاري تقصير .
(3) " المنتقى : 1/344 "
(4) " روح المعاني : 27/154 "
(5)
التنبيه على أوهام إبراهيم شقرة
صاحب رسالة " آية و تأويلها "
وهي رسالة صغيرة الحجم ، تعرض فيها لمسألة مس المصحف ، فأتى فيها بما لا يوافقه عليه صاحب أثر ولا نظر !..
فقال (ص:5) : - " لو أراد الله سبحانه أن يصفهم بصفة مِنْ كسبهم لقال : (لا يمسه إلا المتطهرون) / وليس في القراءات – حتى الشاذ منها – هذه القراءة ولا ما يؤيدها " . اهـ
قلت : هذه دعوى باطلة واعتراض مردود ، فقد قرأ سلمان الفارسي رضي الله عنه (المطهرون) بتخفيف الطاء وتشديد الهاء وكسرها ، اسم فاعل من طهر .
وقرأ الحسن وعبد الله بن عون : (المطّهِّرون ) بتشديدهما ، اسم فاعل وأصله (المتطهّرون) فأدغم التاء بعد إبدالها بالطاء . (1)
وقُرأ : " المتطهرون " على أصله . (2)
فلو أنّ صاحب " الرسالة " تواضع ، فقال : " – فما أعلم – " لكان أسلم له من التوثب على كلام الله من غير بيّنة !..
وأمّا قوله : " وعود الضمير إلى " قرآن " بعيد جدا ، بل خطا جدا ، لأن القاعدة المعروفة في اللغة تقول : " إن الضمير إلى أقرب مذكور ! " . اهـ .
فأقول : ليس هذا على إطلاقه ، فقد وقع في القرآن ما يخالفه ، مثل قوله تعالى : ( لتؤمنوا بالله ورسوله وتعزّروه وتوقّروه وتسبّحوه بكرة وأصيلا ) . {الآية : 9 من سورة الفتح } .
قال الجمهور : الضمير في " تعزروه " و " توقروه " للنبي صلى الله عليه وسلم ، وفي " تسبحوه " لله عز وجل . (3)
قال ابن الجوزي رحمه الله : اختار الكثير من القرّاء الوقف عند قوله تعالى : " وتوقّروه " لاختلاف الكناية فيه وفيما بعده . (4)
ومثله قوله تعالى : ( ومن رحمته جعل لكم الليل والنهار لتسكنوا فيه ولتبتغوا من فضله ) الآية {73 من سورة القصص} .
فعلى مذهب " الأستاذ " ، يكون الضمير في قوله " لتسكنوا فيه " لأقرب مذكور وهو النهار !.. وأظن أنني لا أكلف نفسي جهدا ، لأبين فساد هذا الكلام وبعده ...
وأما قوله : " فنحن نشاهد أن المصحف يمسه المتطهر وغير المتطهر ، وإذا الأمر كذلك ، علمنا بيقين أن الله سبحانه لم يَعْنِ المصحف " !
فأقول : - أن هذا استنتاج فاتر ، ونظر قاصر ، فقد قال ابن العربي : " أنه خبر عن الشرع ، أي لا يمسه إلا المطهرون شرعًا ، فإن وجد بخلاف ذلك ، فهو غير الشرع ... " (5)
وقال ابن جزي الغرناطي رحمه الله : - معنى الآية ، أنه لا ينبغي أن يمسه إلاّ المطهرون ، أي هذا حقّه ، وإن وقع خلاف ذلك . اهـ . (6)
وهو نظير قوله تعالى : ( ومَنْ دَخَلَهُ كان آمنًا ) . قال القاضي أبو يعلى : لفظه لفظ الخبر ، ومعناه الأمر ، وتقديره : ومن دخله فأمِّنوه ! (7)
وأما قوله ( ص : 21) : " وهل مَنْ كان القرآن في صدره لا يُعدَّ ماسًّا له ؟ "
فهذا اعتراض غريب ، أبان صاحبه عن خلل في النظر ، لأننا لو اعتبرناه وأخذنا به ، لقُلْنَا بجواز مس العذرة النجسة ، لأن الذي في بطنه عذرة يُعدُّ ماسًّا لها !؟! وهذا أمر في غاية السخافة . وكأني بالأستاذ يريد أن يقول : أن حافظ القرآن ، يصح أن يطلق عليه اسم " المصحف " !!!
وأعجب من ذلك ، قوله : " فإذا لم هذا مسًّا ، فماذا يكون المسُّ إذًا ؟ " وغاب عن هذا الفاضل أن أصل اللمس ، هو الحس باليد لا بالصدر ! (8)
---------------------------------------------------------------------
(1) " روح المعاني : 27/155 " (5) " أحكام القرآن : 4/1738 "
(2) " الكشاف للزمخشري : 4/469 " (6) " التسهيل : ص : 739 "
(3) راجع " الجواهر الحسان للثعالبي : 4/237 " (7) " زاد السير : 1/427 "
(3) أنظر " زاد المسير لابن الجوزي : 7/427 " (8) انظر : " تاج العروس : 4/348 "
(4)
مذاهب العلماء والسلف في المسألة
1 –قال النووي رحمه الله في " المجموع " :
" يحرم على المحدث مس المصحف وحمله ، وهو قول على وسعد بن أبي وقاص وابن عمر ، ولا يعرف لهم مخالف من الصحابة . "
2 – وقال الشوكاني :" إن المحدث حدثا أكبر يحرم عليه أن يمس المصحف بالإجماع،وخالف في ذلك داود . اهـ (1)
3 – وقال اإمام مالك رحمه الله :
" ولا يحمل أحد المصحف ، لا بعلاقته ولا على وسادة ، إلا وهو طاهر ...
إكراما للقرآن وتعظيما له . (2)
4 – وفي مسائل الإمام أحمد : - قيل له : هل يقرأ الرجل على غير وضوء ؟ قال : نعم ، ولكن لا يقرأ في المصحف ما لم يتوضأ !..
قلا إسحاق بن راهويه : - كما قال ، لما صح قول النبي صلى الله عليه وسلم : " لا يمس القرآن إلا طاهر " وكذلك فعل أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم والتابعون . اهـ
5 – وقال العلامة الكساني : - " لا يجوز للمحدث -وأولى الجنب- مس المصحف ، لأن تعظيم القرآن واجب ، وليس من التعظيم مس المصحف بيد حلَّها حدث ، ولا مسّ الدراهم التي عليها القرآن ، لأن حرمة المصحف كحرمة ما كُتب منه " (3)
---------------------------------------------------------------------
(1) " نيل الأوطار : 1/620 "
(2) " المنتقى للباجي : 1/343 "
(3) " بدائع الصانع : 1/33 "
المبحث الثاني :
في منع الجنب و الحائض
من قراءة القرآن و الدليل على ذلك
1 – عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال : " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يحجبه –أو لا يحجزه- عن القرآن شيء سوى الجنابة " وفي لفظ : " خلا الجنابة " رواه أصحاب السنن وغيرهم (1) وصححه الترمذي وابن حبان وغيرهما .
قال الحافظ في (الفتح : 1/408) : -وضعَّف بعضهم بعضَ رواته ، والحق أنه من قبيل الحسن يصلح للحجة . اهـ
قلت : وممّن حاول حاول تضعيف هذا الحديث ، الشيخ الألباني حيث قال في " تمام المنة " أنَّ : " الترمذي معروف عند العلماء بتساهله في التصحيح " ويٌرد على هذه الشبهة بأن تساهله عند العلماء فيما تفرد به ، أما ما شاركه فيه غيره من الحافظ فلا ، كما ذكر المباركفوري في " مقدمته " على شرح الترمذي " .
وقد شاركه في تصحيح هذا الحديث جماعة ، كابن السكن والهيثمي والصنعاني وابن حجر وغيرهم . (2)
كما حاول الشيخ الألباني تضعيف الحديث بالغمز في " عامر بن السِمط " والطعن فيه بما هو مبرء منه . فالرجل قد وثقه إمام الجرح والتعديل " سعيد القطان " والإمام الناقد " النسائي " وقال عنه أمير المحدثين " ابن معين " : - صالح !
- " راجع تهذيب التهذيب : 5/57 "
وأما ما تقله عن بي حاتم في شأن " أبي غريف " قوله : " تكلموا فيه ، من نظراء أصبغ بن نباتة " فالجواب : أن هذا جرح مبهم . وقد قال الحافظ : " إن كان من جُرح مجملا ، قد وثقه أحد من أ~مة هذا الشأن ، لم يقبل الجرح فيه من أحد ، كائنا من كان ... " انتهى . من تدريب الراوي للسيوطي ص : 122.
و " أبو الغريف " وثقه ابن حبان ، وقال عنه الحافظ في (التقريب) : " صدوق رمي بالتشيع ، من الثالثة " وقد روى عنه جماعة من الثقات . أنظر: ( تهذيب التهذيب 7/10 ) .
فالرجل إذن –في أدنى تقدير- حسن الحديث ، كما قال حافظ مصر العلامة أحمد شاكر رحمه الله (3)
2 – عن عبد الله بن عنمر رضي الله عنهما ، قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم : " لا تقرأ الحائض ولا الجنب شيءا من القرآن " رواه الترميذي وابن ماجه (*) والبيهقي والدارقطني بسند حسن .
فقد تابع إسماعيل بن عياش ، المغيرة بن عبد الرحمن وأبو معشر (4) وصحح الحديث ابن سيد الناس ، وقال الحافظ في (الدراية) : " ظاهرة الصحة ! " (5)
---------------------------------------------------------------------
(1) أبو داود في باب : الجنب يقرأ –والنسائي في باب حجب الجنب من قراءة القرآن –والترميذي في باب : بعد باب : ماجاء في التيمم – وابن ماجه في باب : ما جاء في قراءة القرآن عبى غير طهارة – والحاكم في "المستدرك" في الأطعمة : باب : الوضوء قبل الطعام وبعده بركة وقال : صحيح الإسناد .
(2) وممَّن صححه : ابن حبان (2/85) ، وابن خزيمة (1/104) والحاكم في (المستدرك : 4/107) وأقرَّه الذهبي ، وعبد الحق الإشبيلي ، والبغوي في (شرح السنة) .أنظر تلخيص الحبير (1/139) .
(3) في تعليقه على المسند (2/629 – حديث رقم 627)
(*) الترميذي في (الطهارة ) باب : الجنب والحائض أنهما لا يقرآن القرآن –وابن ماجه في الطهارة باب : ما جاء في قراءة القرآن على غير طهارة .
(4) قال الحافظ الزيلعي في (نصب الراية :1/195) :-وله طريقان آخران عند الدارقطني ، أحدهما عن المغيرة بن عبد الرحمن عن موسى بن عقبة به .
والثاني عن محمد ابن إسماعيل الحساني عن رجل عن أبي معشر عن موسى بن عقبة به . وهذا مع أن فيه رجلا مجهولا ، فأبو معشر رجل مستضعف إلا أنه يتابع عليه . اهـ
(5) وقد صحح هذا الحديث ، الشيخ أحمد شاكر في تعليقه على الترمذي (1/237 - 238) فانظره .
3 – عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه : " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم توضأ ، ثم قرأ شيئا من القرآن ثم قال : " هكذا لمن ليس بجنب ، فأما الجنب فلا ولا آية ! " قال الهيثمي في (مجمع الزوائد : 1/276) " : رجاله موثقون اهـ .
4 – روى البخاري في صحيحه ، عن عائشة رضي الله عنهما ، قالت : " أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يتكئ في حجري وأنا حائض ثم يقرأ القرآن " (1) .
قال ابن دقيق العيد – فيما نقله عنه الحافظ- : " في هذا الفعل إشارة إلى أن الحائض لا تقرأ القرآن ، لأن قراءتها لو كانت جائزة لما توهم امتناع القراءة في حجرها حتى احتيج إلى التنصيص عليها " (2)
5 – عن عبد الله بن رواحة رضي الله عنه : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم " نهى أن يقرأ أحدنا القرآن وهو جنب " رواه الدارقطني (1/120) وقال : إسناده صالح !
6 – عن المهاجر بن قنفذ : أنه أتى النبي صلى الله عليه وسلم وهو يتوضأ ، فسلَّم عليه ، فلم يرد عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى توضأ ثم اعتذر إليه فقال : " إني كرهت أن أذكر الله إلا على طهر ! " رواه بن خزيمة في (صحيحه) وأبو داود وابن ماجه . (3)
وفيه القياس من باب أولى ، فإذا كره النبيُّ صلى الله عليه وسلم أن يقول : وعليكم السلام " على غير وضوء ، فما بالك بقراءة القرآن على جنابة أو حيض !؟!
قال بن القيم رحمه الله في (الزاد : 1/482) : " وكان – يعني رسول الله صلى الله عليه وسلم – يقرأ القرآن قائما وقاعدا وضطجعا ومتوضئا ومحدثا ، ولم يكن يمنعه من قراءته إلا الجنابة . اهـ
7 – قال النخعي : - " كان عمر يكره ، أو ينهى ، أن يقرأ الجنب والحائض " رواه البيهقي وغيره بإسناد صحيح ، كذا الحافظ في (التلخيص : 1/138) .
قلت : والكراهة في لسان السلف تعني التحريم . فتنبه !
تـنـبــيـه : -
واعلم أن الحيض أغلض من الجناب لوجهين :
· الجنب تقضي الصلاة والحُيّض لا يقضين .
· يحرم القربان في حالة الحيض ، ولا يحرم قربان المرأة التي أجنبت لقوله تعالى : {فآعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي المَحِيضِ وَلاَ تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهَرْنَ } ومثل هذا لم يرد في الجنابة ، بل وردت الإباحة بقوله تعالى {فَالآنَ بَاشِرُوهُنَّ وابْتَغُوا مَا كَتَبَ الله لَكُمْ} أي الولد ، فقد أباح المباشرة وظلب الولد ، وذلك بالجماع مطلقا عن الأحوال . اهـ من " بدائع الصنائع : 1/44 " .
8 – عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : " أربعٌ لا يحرُمن على جنب ولا حائض : سبحان الله ، والحمد لله ، ولا إله إلا الله ، والله أكبر "
رواه الدرامي وغيره .
قلت : لو لم يكن أبو هريرة رضي الله عنه ، يرى تحريم القراءة على الجنب والحائض لما كان لكلامه هذا فائدة . فتأمل !
9 – وكان عبد الله بن عمر رضي الله عنهما ، لا يقرا القرآن ، ولا يردّ السلام ، ولا يذكر الله تعالى إلا وهو طاهر ! أنظر:(المحلى 1/88)
قلت : هذا منه –رضي الله عنه- إجلالا لله تعالى ، وتعظيما لاسمه عزّ وجلّ ، كما كان يمتنع بعض الصحابة من مسّ عورته بيمينه ، لأنه يصافح بها رسول الله صلى الله عليه وسلم ، توقيرا له وإكراما لمقامه ، وإلاّ فإنّ ذلك مباح كما هو معلوم ، فلا تذهل !
10 – عن أبي وائل وهو من فضلاء التابعين وأعيانهم – قال : " كان يقال : لا تقرأ الجنب ولا الحائض ، ولا يقرأ في الحمام ... " ذكره البخاري تعليقا ووصله الدرامي .
قلت : وقوله : " كان يقال ، ظاهر في أنه ينمي ذلك إلى الصحابة رضي الله عنهم وهذا بيِّن بأدنى تأمل !
11 – وعن إبراهيم النخعي وسعيد بن جبير أنهما قالا : - " لا يقرأُ الجنب والحائض آية تامة ، يقرآن الحرف ! " رواه الدرامي في (سننه : 1/252) .
12 – عن قتادة قال : " لقد كان يُستحبُّ ألاَّ تقرأ الأحاديث التي عن النبي صلى الله عليه وسلم إلى على وضوء " وفي حديث عبد الرزاق " إلا على طهارة " (4)
" وكان مالك لا يحدث بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا وهو على طهارة (1) إجلالا لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم" – من الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع : 1/410 .
قلت : هذا في تعظيم الحديث ، ولا شكَّ أن القرآن أجلُّ كما قال الخطيب البغدادي رحمه الله فلئن كان الأمر بالنسبة للأول للاستحباب ، فإنه بالنسبة للثاني للوجوب . ويبدو أن هذه المسألة كانت معلومة لدى عوام الناس فضلاً عن علمائهم !
§ مذاهب الفقهاء في المسألة :
قال الإمام الحافظ أبو عيسى الترميذي : " وهو قول أكثر أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم والتابعين ومَنْ بعدهم مثل سفيان الثوري وابن المبارك والشافعي وأحمد وإسحاق ، قالوا : لا تقرأ الحائض ولا الجب من القرآن شيئا ، إلا طرف الآية والحرف ونحو ذلك . اهـ (السنن : 1/134) .
قلت : وهو مذهب أبي حنيفة ومالك في المشهور عنه ، فمن أراد الإتباع ونبذ الابتداع ، فليقتد بأئمة المسلمين وليترك المشاكسة والإغراب .
---------------------------------------------------------------------------
(1) البخاري في كتاب الحيض- باب :قراءة الرجل في حجر امرأته وهي حائض (297) .
(2) فتح الباري (1/402) .
(3) أبو داود في (الطهارة) باب : أيرد السلام وهو يبول ؟ (12) . –وابن ماجه في (الطهارة ) باب : الرجل يسلم عليه وهو يبول .
(4) فيه إطلاق (الطهارة) على الوضوء ، وهذا مشهور في كلام السلف .
3-المبحث :
في ذكر شبهات من أباح القرآن
للجنب و الحائض و الرد عليها
· الشبهة الأولى :
قال الألباني –تبعا للشوكاني كعادته- ما نصه :
" فالأقرب عندي – والله أعلم- أن المراد بالطاهر في هذا الحديث ، وهو المؤمن ، سواء كان محدث حدثا أكبر أو أصغر أو حائضا أو على بدنه نجاسة " اهـ (من تمام المنة ص : 107)
قلت : الجواب على هذه الشبه من وجوه :
1- الوجه الأول :
قوله صلى الله عليه وسلم لحكيم بن حزام –وهو مؤمن طبعا- : " لا تمس القرآن إلا وأنت طاهر " فهذا يبطل هذه الدعوى ويكشف وهاءها .
وفي بعض ألفاظ حديث عمرو بن حزم : " ولا تمس القرآن إلا على طهور " فهذا ظاهر من وجهين .
- الأول : أن الخطاب كان موجها لمسلم .
- والثاني : ورود لفظة "طهور " التي تعني الوضوء ، لقوله صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي رواه مسلم والترمذي : " لا تقبل صلاة بغير طهور " (1)
أَثمَّ بعد هذا كله ، يقال : لا توجد قرائن لحمل الطاهر على المتوضئ ؟!؟
2 – الوجه الثاني :
استعمال الصحابة والتابعين والأئمة من بعدهم لفظة " طاهر " فيمن ارتفع حدثه ، من ذلك حديث :
" أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالوضوء لكل صلاة ، طاهرا أو غير طاهر ، فلما شق ذلك عليه ، أمر بالسواك لكل صلاة " .
أخرجه أحمد وأبو داود وابنا خزيمة وحبان والحاكم والبيهقي وانظر سنن الدرامي (1/176) .
- وفي "الموطأ " أن بن عمر كان يقول : " لا يصلي الرجل على الجنازة إلا وهو طاهر " ذكره البخاري معلقا في كتاب الجنائز .
- وعند الترمذي وحسنه ، عن أنس : " أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يتوضأ لكل صلاة طاهرا وغير طاهر ... الحديث " انظر (عارضة الأحوذي : 1/77) .
- وترجم الإمام مالك الحديث : " لا يمسّ القرآن إلا طاهر " فقال : " الأمر بالوضوء لمن مس القرآن " !
- وقال الحافظ الدرامي رحمه الله (1/176) : " فدلَّ فعلُ رسرول الله صلى الله عليه وسلم أن معنى قول الله تعالى { إذا قُمتُم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم } الآية . لكلِّ محدث ليس للطاهر – يريد " المتوضئ " كما هو ظاهر – ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم :" لا وضوء إلا من حدث" اهـ
- وقال الترمذي (عارضة :1/137) : - قالوا (2) : " يقرأ الرجل القرآن على غير وضوء ، ولا يقرأ في المصحف إلا وهو طاهر ! "
قلت : وهذا باب يطول ذكره لو تَتَبَّعْنَاهُ وفيما ذكرت كفاية ليكون شاهدا على أن السلف يستعملون لفظة "طاهر" عند إطلاقها على المتوضئ .
فعجبا لمن يدّعي أنه متبع للسلف ، ثم يُعرض عن مذهب هؤلاء السادة من الصحابة والتابعين ، والأئمة والمحدثين ... فليت شعري أي سلف بقي بعد هؤلاء !؟!
---------------------------------------------------------------
(1) قد مر تخريجه
(2) يريد أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم والتابعين .
(3)
3 – الوجه الثالث :
قال المباركفوري رحمه الله في ( تحفة الأحوذي : 1/137 ) : -

" القول الراجح عندي ، قول أكثر الفقهاء ، وهو يقتضيه تعظيم القرآن وإكرامه ، والمتبادر من لفظ "الطاهر" في هذا الحديث هو المتوضئ ، وهو الفرد الكامل للطاهر " اهـ .
وهذا كلام في منتهى الحسن والإتقان ، لأن المتوضئ يجمع كل إطلاقات تلك اللفظة ... يعني أن المتوضئ يندرج فيه المؤمن ، وغير الجنب ، وغير الحائض إن كانت امرأة ، وغير النجس ... فتدبر هذا المعنى واحفظه فإنه نفيس ومفيد !..
4- الوجه الرابع :
أن الطهارة إذا أطلقت ، حُملت على معناها الشرعي ، وهو الوضوء لقوله صلى الله عليه وسلم : " إني كرهت أن أذكر الله إلا على طهر " أخرجه أبو داود وابن خزيمة في (صحيحه) وغيرهما وقد سبق ذكره آنفا .
5 – الوجه الخامس :
الأخذ بالاحتياط في الدين ، وهذا أمر قررته الشريعة ، ونزل به الكتاب وأفصحت عنه السنة في مواطن كثيرة ، فالأحرى بل المتحتِّم على كل مؤمن أن يأخذ بالأحوط والأكمل !..
وعجبت للشيخ الألباني ، يحتج باعتراض الشوكاني القائل : " لا بُدَّ لحمله على معيّن من قرينة " ثم هو يحمل " الطاهر " الوارد في الحديث على " المؤمن " بغير قرينة !
وأعجب من ذلك قوله في ( تمام المنة ص : 816 ) : أن المراد عدم تمكين المشرك من مسّه ! وهذا تحكم بغير دليل ... وتأويل فاسد يأباه حديث عبد الله بن رواحة الذي يقول فيه : " نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ب\يقرأ أحدنا القرآن وهو جنب " رواه الدارقطني وقال : إسناده صالح !
وأعجب من كل العجائب ، قوله بعد ذلك –أي الشيخ الألباني - : " البراءة الأصلية مع الذين قالوا بجواز مسّ القرآن من المسلم الجنب ، وليس في الباب نقل صحيح يجيز الخروج عنها " اهـ
قلت : الاحتجاج بالبراءة الأصلية في هذا الباب ، وضعٌ للشيء في غير محله ، لأن الاعتبار بتلك الحجة إنما يصلح مع عدم وجود نص ، كما هو مقرر في أصول الفقه .
وأما ما نحن بصدده ، فقد رأيت ما ورد فيه ...
تنبيه :
قوله : ... مع الذين قالوا بجواز مس القرآن ... يوهم أن في السلف مَنْ قال بذلك ، والواقع أنه لم ينقل عن أحد من الصحابة ولا التابعين ولا الأئمة المقتدى بهم ، أنه ذهب ذلك المذهب الغريب .
قال الإمام النووي رحمه الله في ( المجموع : 2/82 ) : -
" فرع : في مذاهب العلماء في مس المصحف وحمله : مذهبنا – أي الشافعية- تحريمها ، وبه يقول أبو حنيفة ومالك وأحمد وجمهور العلماء "
ثم قال : - " وهو قول علي وسعد بن أبي الوقاص وابن عمر رضي الله عنهم ، ولم يُعرف لهم مخالف " اهـ
· الشبهة الثانية :
احتجّوا بحديث عائشة رضي الله عنها ، الذي أخرجه مسلم ، قالت : " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكر الله على كل أحيانه " وعلّقه البخاري .
قالوا : أنه يدل بظاهره على أنه صلى الله عليه وسلم كان يقرأ حال الجنابة أيضًا . فإن قولها : " على كل أحيانه " يشمل حالة الجنابة أيضًا ، وقولها : "يذكر الله " يشمل تلاوة القرآن أيضًا .
والجواب كما قال السادة العلماء - :
أن حديث عائشة يُخصّص بحديث علي الثابت ، والذي فيه : " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرئنا القرآن ما لم يكن جنبًا " (1) فيراد بذكر الله غير تلاوة القرآن .
قال صاحب " سبل السلام " : - حديث عائشة خصّصه حديث علي وأحاديث أخرى – وكذلك هو مخصّض بحالة الغائط والبول والجماع والمراد بكل أحيانه مُعظمها ، كما قال الله تعالى { يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم } .
وقال : - أخرج أبو يعلى من حديث علي عليه السلام قال : " رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم توضأ ثم قرأ شيئا من القرآن ، ثم قال : هكذا لمن ليس بجنب ، فأما الجنب فلا ولا آية ! "
قال الهيثمي : رجاله موثقون ، وهذا يدل على التحريم لأنه نهي وأصله ذلك (2) ويعاضده ما سلف (3) .
قلت : قول عائشة رضي الله عنها : " يذكر الله على كل أحيانه " لا يتعارض أبدا مع حديث علي لأن مرادها –والله أعلم- أنه لا يفتر عن التسبيح والتمجيد والذكر ، حتى وإن كان جنبا ، وهذا ظاهر ، وقد مرّ عن أبي هريرة رضي الله عنه أن الجنابة والحيض لا يمنعان ذكر الله تعالى .
فلا وجه إذن لمعارضة أحاديث منع القراءة من الجنب ، التي هي نص ، بمثل هذا الحديث الذي يتطرق إليه الاحتمال .
· الشبهة الثالثة :
استدلوا بقصة هرقل ، وفيها أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث له كتابا ، وهو مشرك يدعوه إلى الإسلام وفيه: قوله تعالى :{ يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواءٍ بيننا وبينكم ألا نعبُدَ إلا الله ولا نشرك به شيئا ...} إلخ .
قال ابن حزم ومَنْ شايعه : " فهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث كتابا وفيه هذه الآية إلى النصارى ، وقد أيقن أنهم يمسُّون هذا الكتاب "
والجواب :
أولا : قال الإمام النووي رحمه الله (4) : أن ذلك الكتاب كان فيه آية ولا يسمَّى مصحفا . اهـ (5).
ثانيا : قال العلامة برهان الدين الحلبي في " سيرته : 1/366 " : - " قيل : وهذه الآية كتبها صلى الله عليه وسلم قبل نزولها ، لأنها إنما نزلت في وفد نجران ، وذلك في سنة تسع ، وهذه القصة كانت في سنة ستّ "
قلت : وقد أورد الحافظ ابن كثير هذا الاحتمال في تفسيره : (1/372) فقال :
" يحتمل أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لمَّا أمر بكتب هذا في كتابه إلى هرقل ، لم يكن نزل بعد ، ثم نزل القرآن موافقة له صلى الله عليه وسلم ، كما نزل بموافقة عمر بن الخطاب في الحجاب وفي الأساري ، وفي عدم الصلاة على المنافقين ... " إلخ . اهـ
فأنت ترى تنازع العلماء فيما كتبه النبي صلى الله عليه وسلم إلى هرقل ، هل كان قرآنًا أم لا ؟ وإذْ قد تطرق الاحتمال ، فقد بطل به الاستدلال ..!
وهكذا تضمحل دعاوى المستبيحين لحرمة القرآن وتضعف حجّتهم !..
ثالثا : قال الحافظ ابن حجر في " الفتح : 1/39 " :
" وأما الجنب فيحتمل أن يقال : إذا لم يقصد التلاوة جاز ، على أن في الاستدلال بذلك من هذه القصة نظرا ، فإنها واقعة عين لا عموم فيها ، فيقيّد الجواز على ما إذا وقع احتياج إلى ذلك ، كالإبلاغ والإنذار ، كما في هذه القصة ، وأما الجواز مطلقًا حيث لا ضرورة ، فلا يتّجه " اهـ
رابعا : قصة هرقل هذه ، فيها فعل ، ونهيُهُ صلى الله عليه وسلم أمته عن مس القرآن ، قولٌ ، وقد تقرر في علم الأصول أن السنة القولية مقدمة على السنة الفعلية عند التعارض .
خامسا : هذا الاحتجاج منقوض بما ذهب إليه الألباني نفسه ، حيث حمل " الطاهر " على " المؤمن " ، وهرقل لا شك في كفره ، فكيف يوفق أصحاب هذا المذهب المتخبط ، بين هذه الأقوال المتنافرة والأراء المتدافعة !؟!
---------------------------------------------------------------
(1) رواه أحمد وأصحاب السنن ، وصححه ابن خزيمة وابن حبان والحاكم .
قال عنه شعبة : " هذا الحديث ثلث رأسمالي ! " هذا في رواية ابن خزيمة ، وفي سنن الدارقطني : قال : "ما أحدث بحديث أحسن منه !"
قلت وهذا يرد ما ذكره البيهقي عن (عبد الله بن سَلِمَة ) ونسبه إلى شعبة : " من أنه كبر وأنكر حديثه وعقله ، وإنما هذا بعد كبره " .
قال العلامة أحمد شاكر في " تعليقه " على " الترمذي " (1/274) - وعبد الله بن سلمة هذا قال العجلي : تابعي ثقة ، وقال يعقوب بن شيبة : ثقة يُعدّ في الطبقة الأولى من فقهاء الكوفة بعد الصحابة ... وقد توبع عبد الله بن سلمة في معنى حديثه هذا عن علي ، فارتفعت شبهة الخطأ عن روايته . ! اهـ
(2) أي أن أصل النهي التحريم ، إلا أن يُصرف بقرينة ، وهي هنا معروفة .
(3) وانظر : " تحفة الأحوذي : 1/136-137 " .
(4) " المجموع : 2/82 "
(5) ولذلك قال العلماء بجواز مسّ الرسائل والكتب التي تشمل على بعض القرآن ، إن كان يسيرا ، على خلاف طفيف بين الفقهاء ، راجعه إن شئت في كتب الفروع .
· الشبهة الرابعة :
احتجّوا بما ذكره البخاري معلقا (1) قال :
" كان أبو وائل يرسل خادمه (2) وهي حائض إلى أبي رزين فتأتيه بالمصحف فتمسكه بعلاقته "
والجواب على هذه الشبهة من وجهين :
الأول : أن أبا وائل تابعي ، لا حجة فيما ذهب إليه ، هذا فيما لو لم يكن في المسألة نص ، فكيف إذا خالف ما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة ؟!
والثاني : وعلى تقدير صلاح هذا الأثر للاستدلال ، فإنه حجة عليهم لا لهم ، لأن إمساك الخادم المصحف بالعلاقة ، دليل على أن الناس في ذلك الوقت ، قد استقر الأمر عندهم على عدم جواز مس الحائض للمصحف ، فتأمل الأثر وأعمل فيه الفكر ، يتجلى لك الصواب !
· الشبهة الخامسة :
احتجوا بما رواه ابن المنذر : " أنَّ ابن عباس كان يقرأ ورده وهو جنب " وذكره البخاري معلقا . (3)
والجواب على ذلك :
أنّ هذا فعلٌ ، لو كان مرفوعا ، لتوجّه ترك العمل به ، لأنه مخالف للقول ، فكيف وهو فعل صحابي ، وقد نص العلماء على أن مذهب الصحابي ليس بحجة ، كما أفاده النووي رحمه الله في " شرح مسلم : 1/31 " (4)
وقد خالف ابن عباس هاهنا جمهور الصحابة ، ولم يتابعه أحدٌ منهم ، وعارض ما ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فليس فيما فعل حجة !..
· الشبهة السادسة :
قال البخاري : " تقضي الحائض المناسك كلها إلا الطواف بالبيت " ومراده الاستدلال على جواز قراءة الحائض والجنب بحديث عائشة رضي الله عنها .
قال الحافظ : " وأعمال الحج مشتملة على ذكر وتلبية ودعاء ، ولم تمنع الحائض من شيء من ذلك ، فكذلك الجنب ، لأن حدثها اغلظ من حدثه " اهـ (5)
قلت : في هذا الاستدلال نظر ، لأن منع الحائض والجنب من القرآن ، لا يمنعهما من ذكر الله تعالى ، مع أن جواب رسول الله صلى الله عليه وسلم كان ظاهرا ، فيما يتعلق بمناسك الحج ، فحتى وإن قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " اصنعي كل ما يصنعه الحاج غير أن لا تطوفي بالبيت ولا تصلي " فليس في ذلك إباحة القرآن للحائض ، لأن قراءة القرآن ليست من مناسك الحج ! فافهم !
ومن عجائب الشيخ الألباني أنه ترك الأحاديث المتعاضدة على منع الجنب من قراءة القرآن ، وتمسك بقول سعيد بن جبير ، وكأن المسألة ليس فيها سوى أثره !!!
والجواب على هذه الشبهة :
أن هذا أثر تابعي لا تقوم به حجة ، فلا يُفرح به ، هذا من جهة ، ومن جهة أخرى ، أنه اجتهاد ورأي ، بدليل قوله فيما ذكر عنه : " أليس في جوفه قرآن " .
فجعل الحفظ في السر ، كالقراءة والنطق به ، والفرق بينهما واضح !..
وافهم من كلامه هذا ، أن الذي في الكنيف (6) له أن يقرأ القرآن ، ما دام يحفظ القرآن في صدره !..
وهذا استدلال ظاهر الضعف ، فيما لم يرد فيه نص ، فما بالك فيما ورد فيه ما ورد !..
---------------------------------------------------------------
(1) في باب : قراءة الرجل في حجر امرأته وهي حائض .
(2) أي جاريته ، والخادم يطلق على الذكر والأنثى . اهـ
(3) في كتاب الحيض : باب : تقضي الحائض المناسك كلها إلا الطواف بالبيت
(4) وانظر : " إرشاد الفحول للشوكاني : ص 214 "

(5) فتح الباري : 1//407


الساعة الآن 06:01 PM.

Powered by vBulletin
قوانين المنتدى