![]() |
هلوسات إلحادية
هلوسات إلحادية:17: استيقظ:" أبو الإلحاد" ورأسه لا تزال متورمة من فرط تأملاته حول:" ضنك الإلحاد وخزيه، وتهافت بنيانه، وضيق شرنقته:19:". أحس أن عِرقا هائجا ينبض في جمجمته:10:. قضى يومه شاردا عابسا متفكرا:9:، ولما عاد من عمله آخر اليوم: أتى مكتبته، فأخذ يتصفح كتاب:" إفحام أهل الملل والأديان:16:". لقد هوى به هذا الكتاب منذ قرأه قبل سنوات إلى:" قعر مستنقع الإلحاد:2:", وجلّى له كثيرا من الحقائق التنويرية التي ما تزال توجه دفة حياته البئيسة:10:. نظر في الفهرس، وهو يمني النفس أن يجد شيئا يدفع عنه الحيرة والاضطراب الذي استحوذ عليه منذ فترة:5:, فخطر له أن يقرأ الكتاب مرة أخرى تجدد له:" إلحاده الرث:19:". قرأ صاحبنا كتابه المفضل متمعنا حتى كاد يحفظه:16:, فخيل إليه أنه صار:" ورشة متنقلة:8:: لتفكيك أوصال المعتقدات الدينية، ولكشف مغالطاتها المنطقية, وسقط في روعه أنه طرد عنه كثيرا من شكوكه, بعدما أوشك أن يخسر معركته مع هواجسه ووساوسه:5:. جلس يتفكر في حاله, وأن:" الحكمة": تقتضي أن ينقل المعركة إلى أرض أخرى غير أرض نفسه, فإن:" خير ضروب الدفاع هو الهجوم:8:": كما هو معلوم:16:. إن:" الإلحاد": نار تستعر في أحشائه, فإن خلى بينها وبين نفسه، حرّقته وذرّته في الهواء، فليهجم إذن على أعداء الإلحاد في ديارهم:4:، وليُجلب عليهم بما وقر في قلبه من دلائل:" الفلسفة والمنطق"، لعله يستعيد شيئا من:" ثقته بنفسه، واعتداده بكفره وعناده:5:". أبحر:" أبو الإلحاد" بحاسوبه على أمواج اللجة الإلكترونية يحمل:" أوساق الأماني:13:" حتى رسى في إحدى:" المنتديات التوحيدية" يمني النفس بغزوة تنويرية مجيدة:18:. حل صاحبنا بساحة الخصوم:" منتشيا والفخر الإلحادي يملأ خياشيمه:16:", وقصد قسم التسجيل، ليلبس لهذا الموقع ما يليق به من الثياب الرقمية, فإن:" الأسماء المستعارة":" حلية المنتديات الإلكترونية، وزينة المواقع التواصلية:16:", وبها يتميز:" اللبيب الفطن" من بين أفواج:" الأغمار والمجاهيل": ذوي الأسماء الباهتة، والمعرفات الشاحبة، فإن:"جراءة الملحد": شطر رأس ماله الإلكتروني، وشطره الثاني:" معرف رنان:8:". بدأ:" أبو الإلحاد" ينقر على لوحة المفاتيح في ثقة حروف معرفه الجديد:" ملحد وبس:16:", ثم بدأ ينسج موضوعا يندرج تحت ما يسميه النقاد:" غرض الإلحاد الهجومي الإنترنيتي:5:". شعر بالزهو من سلاسة أفكاره:16:، كانت كلماته تسيل دونما عناء فتملأ الشاشة أمامه, كأن صفحات الكتاب الذي أنهاه لتوه: ما تزال ماثلة أمام ناظريه مرتسمة في مخيلته, كتب عن:" القضاء والقدر"، وعن:" الوجود والعدم"، وعن:" العقل والروح"، وعن:" الحدوث والأزل"، وعن:" الجواب الإلحادي": الحاسم لكل تلك المقولات الدينية التي لا يراها إلا:" ستارا شفافا": تحجبه أسوار من المغالطات المنطقية الماكرة:16:. لقد بد:"ا أبو الإلحاد" كمن يحاول نفض غبار التدليس عن تلك المفاهيم المختلفة, لكنه في واقع الأمر إنما كان يسعى ليزيح سحائب الشك عن نفسه المتحيرة:10:. كان يجادل نفسه ويقارعها، وإن كان خطابه في الظاهر لغيره:19:. تلقى صاحبنا جوابه الأول من أحد كتاب المنتدى, يدعى:" الخطيب:15:"، وقد عقب على موضوعه بالكلمات التالية: { مرحبا بك أيها الزميل, تعجبني حماستك، وسيلان قلمك:16:, إذ طرحت في سطور من التساؤلات: ما لو أجبناك عنه لما انتهينا خلال شهور:2::2:؟؟؟, لكن دعني أسألك سؤالا: يهمني جوابك عنه: "هل أجبرك أحد ما على اختيار الإلحاد:5:؟". قرأ:" ملحد وبس": التعقيب، فحرك رأسه متعجبا, يا له من سؤال:5:؟؟؟. طبعا: أجاب أنه: شق بنفسه، ولنفسه:" سبيل الإلحاد الموحشة": كما تشق السفينة عباب البحر الهائج, ولن يضيره أن يقف أهل الأرض في وجهه فهو إنسان حر:16::3:. عندها جاءه السؤال الذي لم يذكر أنه طرق سمعه قط, ولم يعرض له صاحب كتاب:" إفحام أهل الملل والأديان "، بل: لم يحم حوله على كثرة ما أورد على الخصوم من:" المسائل الفلسفية، والإشكالات الميتافيزيقية؟؟؟". سأله محاوره: " أيها الزميل: هل لك أن تخبرنا عن أي قانون مادي صدرت إرادتك الحرة:5::5::5:؟؟؟". و:" كيف استطاع جسمك المادي: أن يعي مفهوما لا وجود له في العالم المادي البتة:5:!؟؟, ألا وهو مفهوم:" الحرية والاختيار والإرادة الحرة:5:؟؟؟". قرأ صاحبنا السؤال مرارا, وكلما هم بجواب: بدا له هزاله وخفته:10:، فعدل عنه إلى غيره, حتى يئس أن يتحصل له شيء ذو بال في المجلس نفسه:2:!؟؟. تحسر على أيام خلت:2:: كان فيها:" حاضر الخاطر، متوقد الذهن، سريع البديهة"، فاختار بكامل حريته التي:" لا يفهم لها كنها، ولا مصدرا": أن ينسحب بشرف قبل أن يفتضح أمره:8:. أطفأ الحاسوب، وهو يفكر في:" وجه الخروج من هذا الفخ المحكم:5:؟؟؟". هل حقا يملك:" الاختيار الحر:5:؟؟؟"، أم أنه:" آلة مادية متطورة مبرمجة:5:؟؟؟". فجأة: خطر له:" خاطر عجيب:5:": تساءل ما الذي يمنع أن تكون المادة التي تشكل هذا العالم نفسها: تملك حرية الاختيار:5:؟؟؟. ماذا لو كانت مع ذلك في:" غاية الحكمة:5:؟؟؟", فهي لا تختار إلا الأفضل:16:، ربما كان الأمر كذلك:5:؟؟؟, فلما تتبع الإنسان حركتها، ودرس سلوكها: ظن لفرط جهله أنها: لا تملك إلا:" السير في تلك المسالك الرتيبة": التي كشف عنها العلم بعد قرون من الملاحظة والتجربة والتأمل:5:؟؟؟. ماذا لو كانت المادة أرقى من هذا الإنسان المغرور:5:؟؟؟. إنها تسير وفق:" قوانين مادية": اختارتها بمحض مشيئتها الحرة، لأنها اكتشفت أنها:" الأفضل والأحكم:16:". تخيل:" أبو الإلحاد": ما الذي سيحل بهذا العالم: لو أن:" الجمادات والسوائل والغازات": التي تملأ الكون: سلكت فجأة مسالك البشر، واقتدت بهم في تخبطهم، وتضارب اختياراتهم، وتذبذب مواقفهم:5:؟؟؟. أحس لوهلة: أن كثيرا من الزملاء من بني جنسه: أحط شأنا من بعض الجمادات:2:، أحس بجفونه تنطبق رغما عنه, كان يشعر بالعطش، ويود لو يشرب كوب ماء قبل أن يستسلم للكرى. حمل:" أبو الإلحاد": كوب ماء، ورفعه إلى فيه, لكنه استحال في سرعة البرق:"جليدا ": كاد يكسر ثناياه, لم يصدق عينيه, لكن الماء استحال من غير سبب ظاهر، وفي يوم مشمس:قطعة من جليد كأنها الصخر:2::5:!؟؟. أخذ قنينة أخرى، فسكب منها ماء يملأ الكوب, فخيل إليه أن الماء يتبخر, حين هم أن يشرب, لم ينتبه إلا والبخار الحار: يكاد يشوي صفحة وجهه:5::2:؟؟؟. ألقى بالكوب، والفزع يملأ كيانه؟؟؟، هل هي مقدمات الجنون؟؟؟. همّ أن يجلس على أريكته، فلم يشعر إلا وهو منبطح أرضا, لقد ضنت الأريكة بنفسها عليه، فانزاحت بمقدار ذراع:5::2:؟؟؟. ما الذي يجري:5:؟، كيف تتحرك أريكة من خشب وجلد:5:؟، بل كيف تختار لذلك:" اللحظة المناسبة"، لينال هذه السقطة المؤلمة:8:؟؟؟. لا بد أنه يفقد عقله شيئا فشيئا:2:؟؟؟, نظر إلى السقف، فخيل إليه أنه يتأرجح، فهرول مسرعا يريد الباب, لكن أنى له بفتحه:5:؟؟؟، لم تفلح كل محاولاته ومفاتيحه في قهر هذا الباب الخشبي:5::2:؟؟؟. فجأة: رأى النافذة مفتوحة، فأطل منها، لعله يجد من ينقذه من هلوساته, لكنه لم ير أحدا, إما:" أنه جن:5:", أو:" أن العالم من حوله يتصرف بخلاف ما اعتاده طيلة حياته:5:؟؟؟". يبدو أن:" العالم المادي": اكتسب أبرز صفات الشخصية الإنسانية:8:, لم تعد مادته بذلك الحزم والانضباط والثبات الذي عهده، بل إنها صارت تتسم بنفس خصيصة الإنسان:" استقلال الإرادة وحرية الاختيار:5:؟؟؟". يا له من:" كابوس مرعب:5::18:!؟؟": لقد أصبح العالم فجأة:" خضما مضطربا: لا وثوق بشيء منه:3:", كل ذرة حوله: تتصرف كأنها ابتلعت صيدلية كاملة من حبوب الهلوسة:8:. رأى:" العمارات: تذوب ذوبان الشحم على النار:2:", ورأى:" النار: باردة:2:"، و:"الماء: محرقا:2:"، و:"الحديد: سائلا:2:". رأى كل شيء يمضي في غير الوجهة التي انطبعت في ذهنه منذ عقل, ولا يؤدي شيئا مما يفترض أنه الحكمة من وجوده, لم يبق شيء حوله قابلا للفهم والتوقع، ود: لو كان للأشياء سمع فيخاطبها, ويستفسرها ويرجوها أن تلين له، وأن تستجيب لإرادته, لكن شيئا من ذلك لم يحدث:2:. بدا له: ألا انتفاع بشيء أبدا على هذه الحال، فحتى الآلات صار لها اختيار ومشيئة:5::5::8:؟؟؟، فهاهي ذي السيارات لا تطيع ركابها, بل تمضي حيث شاءت، ولا تعبأ لشيء يخالف إرادتها:2::2:. لقد صار العالم المادي بحذافيره: غارقا في أتون مستعر من الحرية المطلقة:2:. رأى:" أبو الإلحاد": نفسه يجري في العراء، يحاذر أن يسقط عليه جدار، أو أن يحرقه معدن سائل، أو يخنقه غاز قاتل:19:. ظل يجري وأنفاسه تكاد تنقطع, رافعا يديه: يذب بهما عن نفسه ما يتقاطر عليه من:" شظايا العالم المادي": المجنون المفتون بحريته المكتسبة:5::5:؟؟؟. بحث يائسا عن:" شيء مادي": يستطيع الاحتماء به, بحث عن شيء ما يزال يحيا وفق:" القوانين المادية الجبرية:5:؟؟؟". أمسك:" شيئا لينا": ناعم الملمس بيديه، وأخفى وجهه فيه، فشعر بالأمان, فتح عينيه، فإذا هو يغطس بوجهه في:" الوسادة" المبللة:8:، والعرق ما يزال يتصبب من جبينه, فاعتدل جالسا: يسترد أنفاسه، متعجبا من غرابة كابوسه:19::10:، ويمسح بكمه جبينه، وهمهم: " ما أسعد العالم المادي بجبريته:16::8:، وما أتعس الإنسان بحريته:3::14:!؟؟". |
| الساعة الآن 12:33 PM. |
Powered by vBulletin
قوانين المنتدى