![]() |
الهجوم على السنة : نشأته وتطوره
الهجوم علي السنة : نشأته وتطوره (3-3) وخطورة فرقة الخوارج -أول الفـــرق ظهورا في الإسلام - أنها ترد أمر الرسول صلي الله عليه وسلم بقحة وجرأة ، وتخالف ما جاء به ، وهذا يتناقض مع ما يزعمونه من أنهم يؤمنون به رسولا لرب العالمين ، فالإيمان به رسولا يلزم طاعته ، ولهذا لما قال أولهم للرسول صلي الله عليه وسلم : ( اعدل ، فإنك لم تعدل ) كان قوله هذا تجويزا منه أن يخون ويظلم فبما ائتمنه الله عليه من الأموال ، فكيف يستقيم هذا مع ادعاء هذا القائل أنه يؤمن به رسولا لرب العالمين !! ولذلك قال الرسول صلي الله عليه وسلم لأمثال هذا الرجل : ( أيأمنني من في السماء ولا تأمنوني ) . وقد كذب هؤلاء بالسنن الثابتة المتواترة زاعمين أنها تخالف القرآن ، فمن ذلك تكذيبهم بحكم الرجم ، وتكذيبهم بالنصاب الذي يقطع فيه السارق ، فيزعمون أن الزاني المحصن يجلد ولا يرجم ، وأن السارق تقطع يده في القليل والكثير . يقول شيخ الإسلام ابن تيمية : ( فهم لا يرون اتباع السنة التي يظنون أنها تخالف القرآن ، كالرجم ، ونصاب السرقة ، وغير ذلك فضلوا )(1) وهذا الرد للسنة ليس بسبب تكذيبهم بصحة النقل عن الرسول صلي الله عليه وسلم ، ولكنه رد لقول الرسول صلي الله عليه وسلم . يقول شيخ الإسلام ابن تيمية في ذلك : ( والخوارج جوزوا على الرسول نفسه أن يجور ويضل في سنته ، ولم يوجبوا طاعته ومتابعته ، وإنما صدقوه فيما بلغه من القرآن دون ما شرعه من السنة التي تخالف - بزعمهم - ظاهر القرآن )(2) وقد كان من أتي بعدهم من نفاة السنة أشد دهاء منهم ، فلم يصرحوا كما صرح هؤلاء برد السنة ، ولكنهم أخذوا يحتالون لذلك بشتي الحيل . يقول شيخ الإسلام ابن تيمية : ( وغالب أهل البدع غير الخوارج يتابعونهم على هذا ، فإنهم يرون : أن الرسول صلي الله عليه وسلم لو قال بخلاف مقالتهم لما اتبعوه ، كما يحكي عمرو بن عبيد في حديث الصادق المصدوق ، وإنما يدفعون عن أنفسهم التهمة غما : برد النقل ، وإما : بتأويل المنقول ، فيطعنون تارة في الإسناد ، وتارة في المتن ، وإلا فهم ليسوا متبعين ، ولا مؤتمين بحقيقة السنة التي جاء بها الرسول صلي الله عليه وسلم ، بل ولا بحقيقة القرآن )(3) وقد ضل هؤلاء برفضهم السنة ، ووقعوا في أخطاء جسيمة ، ومن ذلك : أنهم كفروا المسلمين بالذنوب والسيئات ، واستحلوا دماءهم وأموالهم ، وجعلوا دار المسلمين دار حرب ، ودارهم دار الإيمان ، والسبب في ذلك كمــــا يقول شيخ الإسلام هو: ( خروجهم عن السنة ، وجعلهم ما ليس بسيئة سيئة ، وما ليس بحسنة حسنة ،.... وهذا تشترك فيه البدع المخالفة للسنة ، فقائلها لابد أن يثبت ما نفته السنة ، وينفي ما أثبتته السنة ، ويحسن ما قبحته ، أو يحسن ما قبحت ، وهذا القدر قد يقع من بعض أهل العلم خطأ في بعض المسائل ، لكن أهل البدع يخالفون السنة الظاهرة المروية )(4) وقد واجه الصحابة الكرام والتابعون لهم بإحسان هذه الفرقة وأمثالها من أهل البدع ، فأنكروا عليهم بدعهم ، وحذروا الناس منهم . فعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال : ( أصحاب الرأي أعداء السنن ، أعيتهم الأحاديث أن يحفظوها ، وتفلتت منهم أن يعوها ، واستحيوا حين سئلوا أن يقولوا : لا نعلم ، فعارضوا السنن برأيهم ، فإياكم وإياهم )(5) وعن أبي قلابة قال : ( لا تجالسوا أهل الأهواء ، ولا تجادلوهم فإني لا آمن أن يغمسوكم في الضلالة ، أو يلبسوا عليكم في الدين بعض ما لبس عليهم )(6) وعن الحسن البصري أنه قال : ( لا تجالسوا أهل الأهواء ولا تجادلوهم ولا تسمعوا منهم )(7) ثم قيض الله عز وجل في كل عصر من العصور من يقف لهذه الفرق الضالة وأقوالها بالمرصاد ، ويواجه ظلماتها بنور الحق ، وهؤلاء هم حملة السنة ، وقد وعوا عن الله وعن رسوله ما جاء في كتاب الله وسنة رسوله ، واستناروا بمنهج رسول الله صلي الله عليه وسلم في كشفهم للضلال والشبهات ، وكلما زاد أهل الضلال في عنادهم وتعسفوا في رد الحق ، كلما توسع أهل الحق في الرد عليهم وبيان باطلهم . يقول ابن المديني - رحمه الله - في حديث رسول الله صلي الله عليه وسلم : ( لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين علي الحق .... ) هم أهل الحديث ، والذين يتعاهدون مذهب رسول الله صلي الله عليه وسلم ، ويذودون عن العلم ، لولاهم لأهلك الناس المعتزلة والرافضة والجهمية ، وأهل الإرجاء والرأي )(8) مناظرة الإمام الشافعي ( 204 هـ ) للرافضين للسنة . أول من عرف عنه أنه ناظر الرافضين للسنة ، وأطال في حجاجهم والرد عليهم ، هو الإمام الشافعي - رحمه الله - فقد ذكر في كتابه الأم في ( كتاب جماع العلم ، باب حكاية قول الطائفة التي ردت الأخبار كلها ) وقد ذكر الشافعي هناك محاورة ، جرت بينه وبين واحد من هذه الفرقة ( ينسب إلي العلم بمذهب أصحابه ) وملخص حجة من يرد الأخبار كلها كما حكاه الشافعي عنهم : أن القرآن جاء تبيانا لكل شئ ، فإن جاءت الأحاديث بأحكام جديدة لم تكن في القرآن كان ذلك معارضة من ظني الثبوت : وهي الأحاديث ، لقطعي الثبوت : وهو القرآن ، والظني لا يقوي علي معارضة القطعي ، والسنة إن جاءت مؤكدة لحكم القرآن ، كان الاتباع للقرآن لا للسنة ، وإن جاءت لبيان ما أجمله القرآن ، كان ذلك تبيانا للقطعي الذي يكفر من أنكر حرفا واحدا منه بالظني الذي يكفر من أنكر ثبوته ، ويلزم علي هذا أن يقبلوا الأحاديث إذا كانت متواترة ، لأنها تفيد القطع بثبوتها ، إلا أنهم لا يسلمون بذلك ، بل هي عندهم أيضا ظنية الثبوت ، لأنها جاءت من طرق آحادية ظنية ، فاحتمال الكذب في روايته قائما ، ولو كانوا جمعا عظيما )(9) ويتلخص جواب الإمام الشافعي - رحمه الله - عن شبه هؤلاء بما يلي : 1 - أن الله أوجب علينا اتباع رسوله ، وهذا عام بمن كان في زمنه ، وكل ما يأتي بعده ، ولا سبيل إلي ذلك لمن لم يشاهد الرسول صلي الله عليه وسلم إلا عن طريق الأحاديث ، فيكون الله قد أمرنا باتباعها وقبولها ، لأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب . 2 - أنه لابد من قبول الأحاديث لمعرفة أحكام القرآن نفسه ،فإن الناسخ فيه والمنسوخ لا يعرفان إلا بالرجوع إلى السنة . 3 - أن هناك أحكاما متفقا عليها بين جميع أهل العلم وطوائف المسلمين قاطبة ، حتى الذين ينكرون حجية السنة ، وذلك كعدد الصلوات المفروضة ، وعدد ركعاتها ، ونصاب الزكاة وغيرها ، ولم يكن من سبيل لمعرفتها وثبوتها إلا بالسنة . 4 - أن الشرع قد جاء بتخصيص القطعي بظني ، كما في الشهادة علي القتل والمال ، فإن حرمة النفس والمال مقطوع بهما ، وقد قبلت فيهما شهادة الاثنين ، وهي ظنية بلا جدال . 5 - أن الأخبار وإن كانت تحتمل الخطأ والوهم والكذب ، ولكن الاحتمال بعد التثبت والتأكد من عدالة الراوي ومقابلة الروايات بروايات أقرانه من المحدثين أصبح أقل من الاحتمال الوارد في الشهادات ، خصوصا إذا عضد الرواية نص من كتاب أو سنة ، فإن الاحتمال يكون معدوما . 6 - ولم يذكر الشافعي - رحمه الله تعالي - في هذا الموضع جواب قولهم : إن الله أنزل الكتاب تبيانا لكل شئ ، وذكره في مواضع كثيرة من كتابه الرسالة ، وجوابه :أن الله لم ينص في الكتاب علي كل جزئية من جزئيات الشريعة ، وإنما بين أصول الشريعة ومصادرها وقواعدها ومبادئها العامة ، ومن الأصول التي بينها : وجوب العمل بسنة الرسول صلي الله عليه وسلم ، كما في قوله تعالي : (وَمَا آتَاكُمْ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا )(10) ومن طالع كتاب ( الرسالة ) للإمام الشافعي ، فإنه يجده قد رد ردودا مطولة علي من رفض الاحتجاج بالسنة ، أو الاحتجاج بشئ منها ، كالذين رفضوا الاحتجاج بخبر الآحاد .(11) (1) - مجموع الفتاوي ( 13 / 208 ) . (2) - مجموع الفتاوي ( 19 / 73 ) . (3) - مجموع الفتاوي ( 19 / 73 ) . (4) - مجموع الفتاوي ( 19 / 72 ) . (5) - أخرجه ابن عبد البر في جامع بيان العلم( 2001 ) ، والخطيب في الفقيه والمتفقه ( 479 ) . (6) - أخرجه الدارمي ( 1 / 120 ) ولآجري في الشريعة ص 56 . (7) - أخرجه اللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة ( 1 / 133 ) . (8) - مفتاح الجنة ص 48 . (9) - راحع كتاب الأم ( 7 / 250 ) وانظر : دفاع عن الحديث النبوي ص 101 ، والأضواء السنية علي مذاهب رافضي الاحتجاج بالسنة النبوية ص 24 ، 25 وما بعدهما . (10) - سورة الحشر / 7 . (11) - انظر : الأضواء السنية ص 27 . منقول: http://www.alssunnah.com/gates.aspx?gate_id=1295 |
رد: الهجوم على السنة : نشأته وتطوره
شكرا جزيلا لك أخي الكريم .
وفقك الله لكل خير , آمين . |
| الساعة الآن 09:20 AM. |
Powered by vBulletin
قوانين المنتدى