![]() |
شهر رجب بين الاتباع والابتداع
شهر رجب بين الاتباع والابتداع كما عودنا الأعضاء الأفاضل، والقراء الكرام عند مطلع كل شهر هجري ببياننا لما شرع فيه من سنن، وما ألحق من بدع: نضع بين الجميع متصفحا جامعا يتعلق بشهر رجب، وقد انتقيناه من مجموعة مباركة سطره بعض أفاضل أهل العلم، فجاء هذا الملف جامعا لما تفرق في غيره، نسأل أن يتقبل منا صالح الأعمال، وإلى المقصود: هل شهر رجب مخصوص بعبادات؟ لقد شاع بين الناس، وذاع في الأزمنة المتأخرة بدع ومنكرات عند بعض المسلمين، لا يصح نسبة شيء منها لدين الإسلام؛ فلم تكن على عهد النبي ﷺ، ولا زمن أصحابه من بعده، وقد درج أُناس على اتخاذ بعض الأيام والشهور من السنة وجعلها ذات فضائل وعبادات مخصوصة، ولمناسبة قرب شهر رجب، رغبنا التحذير من هذه المنكرات والعبادات والمحدثة. ولذا سنذكر نقولاً عن الأئمة الأعلام في بطلان العوائد المحدثة، وما اعتاده بعض المسلمين في هذا الشهر - شهر رجب - وحكم تخصيصة بصلاة وصيام وعمرة وذكر ونحوه من العبادات التي ما أنزل الله بها من سلطان؛ لم تشرع في الكتاب والسنة، ولم تعرف من عمل سلف هذه الأمة .. ١. قال شيخ الاسلام في "مجموع الفتاوي"(٢٥/ ٢٩٠): " وأما صوم رجب بخصوصه فأحاديثه كلها ضعيفة، بل موضوعة، لايعتمد أهل العلم على شيء منها، وليست من الضعيف الذي يروى في الفضائل، بل عامتها من الموضوعات، المكذوبات " اهـ ٢. وقال شيخ الإسلام في "منهاج السنة"(٧/ ٣٩): " وهكذا كثير ممن صنف في فضائل العبادات، وفضائل الأوقات، وغير ذلك؛ يذكرون أحاديثَ كثيرة وهي ضعيفة، بل موضوعة باتفاق أهل العلم، كما يذكرون أحاديث في فضل صوم رجب كلها ضعيفة، بل موضوعة عند أهل العلم ". اهـ ٣. وذكر في موضع من كتابه "منهاج السنة"(٧/ ٤٣٣): "وكذلك الأحاديث المروية في فضل رجب بخصوصه أو فضل صيامه، أو صيام شيء منه، أو فضل صلاة مخصوصة فيه؛ كالرغائب، كلها كذب مختلق".اهـ ٤. وقال في "الفتاوى الكبرى" تحقيق مخلوف (٥/ ٣٧٧): "ومن صام رجب معتقداً أنه أفضل من غيره من الأشهر أثم وعُزّر" .اهـ ٥. وقال اٍبن القيم في "المنار المنيف"(ص٩٦): "وكل حديث في ذكرِ صومِ رجب، وصلاة بعض الليالي فيه، فهو كذب مفترى ".اهـ ٦. وقال الحافظ ابن رجب في "لطائف المعارف"(ص ١٣٠): " ومن أحكام رجب؛ ما ورد فيه من الصلاة والزكاة والصيام والإعتمار. فأما الصلاة؛ فلم يصح في شهر رجب صلاة مخصوصة تختص به، والأحاديث المروية في فضل صلاة الرغائب، في أول ليلة جمعة من شهر رجب، كذب وباطل لا تصح، وهذه الصلاة بدعة عند جمهور العلماء، ومن ذكر ذلك من أعيان العلماء المتأخرين من الحفاظ؛ أبو إسماعيل الأنصاري، وأبو بكر بن السمعاني، وأبو الفضل بن ناصر، وأبو الفرج بن الجوزي، وغيرهم، إنما لم يذكرها المتقدمون؛ لأنها أُحدثت بعدهم، وأول ما ظهرت بعد الأربعمائة، فلذلك لم يعرفها المتقدمون ولم يتكلموا فيها، وأما الصيام فلم يصح في فضل صوم رجب بخصوصه شيء؛ عن النبي صلى الله عليه وسلم، ولا عن أصحابه .اهـ ٧. وقال الحافظ ابن حجر في "تبيين العجب بما ورد في فضل رجب"(ص٩): "لم يرد في فضل شهر رجب، ولا في صيامه ، ولا في صيام شيء منه معين، ولا في قيام ليلة مخصوصة فيه؛ حديث صحيح يصلح للحجة، وقد سبقني إلى الجزم بذلك الإمام أبو إسماعيل الهروي الحافظ، رويناه عنه بإسناد صحيح، وكذلك رويناه عن غيره"اهـ. ولعل في هذا الجمع ما يُغني عن نقل غيره، فكثير من العلماء أنكر ذلك وأبطله كما نقل عنه في كتبه ومصنفاته .. والله الموفق. كتبه. عبد العزيز بن ندى العتيبي |
رد: شهر رجب بين الاتباع والابتداع
شهر رجب بين المبتدَع والمشروع د. نايف بن أحمد بن علي الحمد الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين وبعد : فإنه في هذه الأيام يكثر السؤال عن شهر رجب ( فضله وصيامه ..) ولعلي في هذه العجالة أذكر بعض الأحكام المتعلقة بهذا الشهر فأقول مستعينا بالله تعالى : • رجب أحد الأشهر الحُرم قال تعالى ( إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْراً فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ) (التوبة:36) والأشهر الحرم هي محرم ورجب وذو القعدة وذو الحجة عن أبي بكرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ( إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السماوات والأرض السنة اثنا عشر شهرا منها أربعة حرم ثلاثة متواليات ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ورجب شهر مضر الذي بين جمادى وشعبان ) رواه البخاري (4662) ومسلم ( 1679) . * وقد سُميت هذه الأشهر حُرما : 1/ لتحريم القتال فيها إلا أن يبدأ العدو . لذا يُسمى رجب الأصم لأنه لا يُنادى فيه يا قوماه أو لأنه لا يُسمع فيه صوت السلاح . 2/ لتحريم انتهاك المحارم فيها أشد من غيرها . وسُمي رجبٌ رجباً لأنه كان يُرجَّب أي يُعظَّم . ( لطائف المعارف / 225) * دعاء دخول رجب : عن أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول إذا دخل رجب ( اللهم بارك لنا في رجب وشعبان وبلغنا رمضان ) رواه أحمد 1/259 والبزار (616 زوائد) والطبراني في الأوسط (3939) والبيهقي في الشعب ( 3815) وهو من رواية زائدة بن أبي الرقاد عن زياد النميري قال البخاري ( منكر الحديث ) ا.هـ شعب الإيمان 3/375 وضعفه الحافظان ابن رجب وابن حجر رحمهما الله تعالى ( لطائف المعارف/234) . • ذبح العتيرة ( الذبيحة ) في رجب ( الرجبية ) استحب بعض العلماء ذبح عتيرة في شهر رجب مستدلين بحديث مخنف بن سليم رضي الله عنه قال : كنا وقوفا مع النبي صلى الله عليه وسلم بعرفات فسمعته يقول : ( يا أيها الناس على كل أهل بيت في كل عام أضحية وعتيرة هل تدرون ما العتيرة ؟ هي التي تسمونها الرجبية ) رواه أحمد 5/76 وأبو داود ( 2788) والنسائي (4224) والترمذي (1518) وقال الترمذي : هذا حديث حسن غريب ولا نعرف هذا الحديث إلا من هذا الوجه من حديث بن عون .ا.هـ وضعفه ابن حزم ( المحلى 7/356 ) وعبد الحق كما في ( تهذيب السنن 4/92) والخطابي في ( المعالم 4/94) وقال ابن كثير " وقد تُكلم في إسناده " ا.هـ ( التفسير 3/225) . والجمهور على أنها منسوخة بما رواه أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ( لا فَرَعَ ولا عَتِيرَة ) رواه البخاري ( 5474) ومسلم (1976) ( أنظر : المحرر 1/250 المغني 9/367 المبدع 3/306 فتح الباري 9/512 لطائف المعارف / 226 بدائع الصنائع 5/62 البحر الرائق 8/197) قال أبو داود : قال بعضهم : الفرع أول ما تنتج الإبل كانوا يذبحونه لطواغيتهم ثم يأكلونه ويلقى جلده على الشجر والعتيرة في العشر الأول من رجب . ( السنن 3/ 104) وذهب بعض العلماء كابن سيرين وأبي عبيد وإسحاق بن راهوية والشافعية إلى أن المنسوخ هو الوجوب . ( المجموع 8/335 تهذيب السنن 4/94 لطائف المعارف /226 الفروع 3/415 المبدع 3/306 وفتح الباري 9/511 نيل الأوطار 5/232 عون المعبود 7/ 343 تحفة الأحوذي 5/85) . • العمرة في رجب : يخص بعض المسلمين شهر رجب بعمرة ظنا منهم أن لها فضلا وأجرا والصحيح أن رجبا كغيره من الأشهر لا يخص ولا يقصد بأداء العمرة فيه ، و الفضل إنما في أداء العمرة في رمضان أو أشهر الحج للتمتع , ولم يثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم اعتمر في رجب وقد أنكرت ذلك أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها . ( رواه البخاري 1775) . • بدع شهر رجب : من العبادات التي أحدثها الناس في شهر رجب ما يلي : أولا : صلاة الرغائب : وهي اثنتا عشرة ركعة بعد المغرب في أول جمعة بست تسليمات يقرأ في كل ركعة بعد الفاتحة سورة القدر ثلاثا والإخلاص ثنتي عشرة مرة وبعد الانتهاء من الصلاة يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم سبعين مرة ويدعو بما شاء . وهي بلا شك بدعة منكرة وحديثها موضوع بلا ريب وذكرها ابن الجوزي في ( الموضوعات 2/124) وقال النووي رحمه الله تعالى " واحتج به العلماء على كراهة هذه الصلاة المبتدعة التي تسمى الرغائب قاتل الله واضعها ومخترعها فإنها بدعة منكرة من البدع التي هي ضلالة وجهالة وفيها منكرات ظاهرة وقد صنف جماعة من الأئمة مصنفات نفيسة في تقبيحها وتضليل مصليها ومبتدعها ودلائل قبحها وبطلانها وتضلل فاعلها أكثر من أن تحصر " ا.هـ ( شرح مسلم 8/20 الأدب في رجب للقاري /43 نيل الأوطار 4/337 ) وقال الخطابي رحمه الله تعالى " حديث صلاة الرغائب جمع من الكذب والزور غير قليل " ا.هـ ( الباعث لأبي شامة / 143)وقال الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى " فأما الصلاة فلم يصح في شهر رجب صلاة مخصوصة تختص به والأحاديث المروية في فضل صلاة الرغائب في أول جمعة من شهر رجب كذب وباطل لا تصح وهذه الصلاة بدعة عند جمهور العلماء ... وأول ما ظهرت بعد الأربعمائة فلذلك لم يعرفها المتقدمون ولم يتكلموا فيها " ا.هـ( لطائف المعارف / 228) . ثانيا : صلاة النصف من رجب : وهو من الأحاديث الموضوعة ( الموضوعات لابن الجوزي 2/126) ثالثا :صلاة ليلة المعراج : وهي صلاة تصلى ليلة السابع والعشرين من رجب وتسمى : صلاة ليلة المعراج وهي من الصلوات المبتدعة التي لا أصل لها صحيح لا من كتاب ولا سنة ( أنظر : خاتمة سفر السعادة للفيروز أبادي /150 التنكيت لابن همات /97) ودعوى أن المعراج كان في رجب لا يعضده دليل قال أبو شامة رحمه الله تعالى " ذكر بعض القصاص أن الإسراء كان في رجب وذلك عند أهل التعديل والتجريح عين الكذب " ا.هـ ( الباعث /232 مواهب الجليل 2/408) . وقال أبو إسحاق إبراهيم الحربي رحمه الله تعالى " أُسري برسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة سبع وعشرين من شهر ربيع الأول" ا.هـ ( الباعث /232 شرح مسلم للنووي 2/209 تبيين العجب /21 مواهب الجليل 2/408 ) . ومن يصليها يحتج بما رُوي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ( في رجب ليلة كُتب للعامل فيها حسنات مائة سنة وذلك لثلاث بقين من رجب ..) رواه البيهقي في الشعب 3/374 وضعفه كما ضعفه الحافظ ابن حجر في تبيين العجب (25) وقال القاري " ضعيف جدا " الأدب في رجب / 48 أقول : أمارات الوضع ظاهرة عليه فقد أجمع العلماء على أن أفضل ليلة في السنة ليلة القدر وهذا الخبر يخالف ذلك . ومن بدع تلك الليلة : الاجتماع وزيادة الوقيد والطعام قال الشيخ علي القاري " لا شك أنها بدعة سيئة وفعلة منكرة لما فيها من إسراف الأموال والتشبه بعبدة النار في إظهار الأحوال " ا.هـ الأدب في رجب /46 * صيام رجب رجب كغيره من الأشهر لم يرد في الترغيب في صيامه حديث صحيح بل يُشرع أن يصام منه الإثنين والخميس والأيام البيض لمن عادته الصيام كغيره من الأشهر أما إفراده بذلك فلا . أما ما يذكره الوعاظ والقصاصون في الترغيب في صيام شهر رجب كحديث ( إن في رجب نهرا يقال له رجب ماؤه أشد بياضا من الثلج وأحلى من العسل من صام يوما من رجب شرب منه ) وهو حديث موضوع رواه ابن الجوزي في الواهيات (912) وقال الذهبي " باطل " ا.هـ الميزان 6/524 وحديث ( رجب شهر عظيم يضاعف الله فيه الحسنات فمن صام يوما من رجب فكأنما صام سنة ومن صام منه سبعة أيام غلقت عنه سبعة أبواب جهنم ومن صام منه ثمانية أيام فتح له ثمانية أبواب الجنة ومن صام منه عشر أيام لم يسأل الله إلا أعطاه ومن صام منه خمسة عشر يوما نادى مناد في السماء قد غفر لك ما مضى فاستأنف العمل ومن زاد زاده الله ) رواه البيهقي في الشعب (3801 ) والطبراني في الكبير (5538) وعده الحافظ ابن حجر من الأحاديث الباطلة ( مواهب الجليل 2/408 ) وقال الهيثمي " وفيه عبدالغفور – يعني ابن سعيد - وهو متروك " ا.هـ مجمع الزوائد 3/188 وقد ذكر الحافظان ابن الجوزي وابن حجر رحمهما الله تعالى جملة من الأحاديث الباطلة والموضوعة في فضائل شهر رجب ( أنظر مواهب الجليل 2/408 ) وأختم بما ذكره الحافظان ابن القيم وابن حجر رحمهما الله تعالى تلخيصا لما ذكرناه : قال ابن القيم " كل حديث في ذكر صوم رجب وصلاة بعض الليالي فيه فهو كذب مفترى " ا.هـ المنار المنيف /96 وقال الحافظ ابن حجر " لم يرد في فضل شهر رجب ولا في صيامه ولا صيام شيء منه معيَّن ولا في قيام ليلة مخصوصة فيه حديث صحيح يصلح للحجة " ا.هـ تبيين العجب / 11 ( وأنظر : لطائف المعارف /228 ) أسأل الله تعالى بمنه وكرمه أن يوفقنا لاتباع السنة واجتناب البدعة إنه جواد كريم والله تعالى أعلم وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين |
رد: شهر رجب بين الاتباع والابتداع
فضائل شهر رجب في الميزان فيصل بن علي البعداني هل لـ (رجب) فضل على غيره من الشهور؟: فضّل الله (تعالى) بعض الأيام والليالي والشهور على بعض، حسبما اقتضته حكمته البالغة؛ ليجدّ العباد في وجوه البر،ويكثروا فيها من الأعمال الصالحة، ولكن شياطين الإنس والجن عملوا على صد الناس عن سواء السبيل، وقعدوا لهم كل مرصد؛ ليحولوا بينهم وبين الخير ، فزينوا لطائفة من الناس أن مواسم الفضل والرحمة مجال للهو والراحة ، وميدان لتعاطي اللذات والشهوات. وحرّضوا طوائف أخرى سواء أكانوا ممن قد يملكون نوايا طيبة ولكن غلب عليهم الجهل بأحكام الدين أو من ذوي المصالح والرياسات الدينية أو الدنيوية الخائفين على مصالحهم وزوال مواقعهم من مزاحمة مواسم الخير والسّنّة مواسم مبتدعة ما أنزل الله بها من سلطان ، قال حسان بن عطية: "ما ابتدع قوم بدعة في دينهم إلا نزع الله من سنتهم مثلها ، ولا يعيدها إليهم إلى يوم القيامة" (1) ، بل قال أيوب السختياني: "ما ازداد صاحب بدعة اجتهاداً إلا زاد من الله بعداً"(2). ولعل من أبرز تلك المواسم البدعية: ما يقوم به بعض العباد في كثير من البلدان في شهر رجب، ولذا: فسأحرص في هذه المقالة على تناول بعض أعمال الناس فيه ، وعرضها على نصوص الشريعة وكلام أهل العلم ، نصحاً للأمة وتذكيراً لهم؛ لعل في ذلك هداية لقلوب ، وتفتيحاً لعيونٍ وآذانٍ عاشت في ظلمات البدع وتخبطات الجهل. قال ابن حجر: "لم يرد في فضل شهر رجب، ولا في صيامه ، ولا في صيام شيء منه معين، ولا في قيام ليلة مخصوصة فيه.. حديث صحيح يصلح للحجة،وقد سبقني إلى الجزم بذلك الإمام أبو إسماعيل الهروي الحافظ، رويناه عنه بإسناد صحيح، وكذلك رويناه عن غيره"(3). وقال أيضاً: "وأما الأحاديث الواردة في فضل رجب ، أو في فضل صيامه ، أو صيام شيء منه صريحة: فهي على قسمين: ضعيفة ، وموضوعة ، ونحن نسوق الضعيفة ، ونشير إلى الموضوعة إشارة مفهمة" (4) ، ثم شرع في سوقها. صلاة الرغائب: أولاً: صفتها: وردت صفتها في حديث موضوع عن أنس عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: "ما من أحد يصوم يوم الخميس (أول خميس من رجب) ثم يصلي فيما بين العشاء والعتمة يعني ليلة الجمعة اثنتي عشرة ركعة ، يقرأ في كل ركعة بفاتحة الكتاب مرة و((إنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ القَدْرِ)) ثلاث مرات، و((قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ)) اثنتي عشرة مرة ، يفصل بين كل ركعتين بتسليمة ، فإذا فرغ من صلاته صلى عليّ سبعين، فيقول في سجوده سبعين مرة: (سبوح قدوس رب الملائكة والروح) ، ثم يرفع رأسه ويقول سبعين مرة: رب اغفر وارحم وتجاوز عما تعلم ، إنك أنت العزيز الأعظم ، ثم يسجد الثانية فيقول مثل ما قال في السجدة الأولى ، ثم يسأل الله (تعالى) حاجته ، فإنها تقضى".. قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "والذي نفسي بيده ، ما من عبد ولا أَمَة صلى هذه الصلاة إلا غفر الله له جميع ذنوبه ، ولو كانت مثل زبد البحر ، وعدد الرمل ، ووزن الجبال ، وورق الأشجار ، ويشفع يوم القيامة في سبعمئة من أهل بيته ممن قد استوجب النار"(5). ثانياً: كلام أهل العلم حولها: قال النووي: "هي بدعة قبيحة منكرة أشد إنكار ، مشتملة على منكرات ، فيتعين تركها والإعراض عنها ، وإنكارها على فاعلها"(6). وقال ابن النحاس: "وهي بدعة ، الحديث الوارد فيها موضوع باتفاق المحدثين"(7). وقال ابن تيمية: "وأما صلاة الرغائب: فلا أصل لها ، بل هي محدثة ، فلا تستحب ، لا جماعة ولا فرادى؛ فقد ثبت في صحيح مسلم أن النبي -صلى الله عليه وسلم- نهى أن تخص ليلة الجمعة بقيام أو يوم الجمعة بصيام ، والأثر الذي ذكر فيها كذب موضوع باتفاق العلماء ، ولم يذكره أحد من السلف والأئمة أصلاً"(8). وقد أبان الطرطوشي بداية وضعها ، فقال: "وأخبرني أبو محمد المقدسي ، قال: لم يكن عندنا ببيت المقدس قط صلاة الرغائب هذه التي تصلى في رجب وشعبان ، وأول ما حدثت عندنا في سنة ثمان وأربعين وأربعمئة ، قدم علينا في بيت المقدس رجل من نابلس ، يعرف بابن أبي الحمراء ، وكان حسن التلاوة ، فقام فصلى في المسجد الأقصى ليلة النصف من شعبان... إلى أن قال: وأما صلاة رجب فلم تحدث عندنا في بيت المقدس إلا بعد سنة ثمانين وأربعمئة ، وما كنا رأيناها ولا سمعنا بها قبل ذلك" (9). وقد جزم بوضع حديثها: ابن الجوزي في الموضوعات ، والحافظ أبو الخطاب ، وأبو شامة (10) ، كما جزم ببدعيتها: ابن الحاج (11) ، وابن رجب ، وذكر ذلك عن أبي إسماعيل الأنصاري ، وأبي بكر السمعاني ، وأبي الفضل بن ناصر(12).. وآخرون(13). ثالثاً: حكم صلاتها جلباً لقلوب العوام: قال أبو شامة: "وكم من إمام قال لي: إنه لا يصليها إلا حفظاً لقلوب العوام عليه ، وتمسكاً بمسجده خوفاً من انتزاعه منه (!) ، وفي هذا دخول منهم في الصلاة بغير نية صحيحة ، وامتهان الوقوف بين يدي الله (تعالى) ، ولو لم يكن في هذه البدعة سوى هذا لكفى ، وكل من آمن بهذه الصلاة أو حسنها فهو متسبب في ذلك ، مغرٍ للعوام بما اعتقدوه منها ، كاذبين على الشرع بسببها ، ولو بُصِّروا وعُرِّفوا هذا سَنَةً بعد سَنَةٍ لأقعلوا عن ذلك وألغوه ، لكن تزول رئاسة محبي البدع ومحييها ، والله الموفق. وقد كان الرؤساء من أهل الكتاب يمنعهم الإسلام خوف زوال رئاستهم ، وفيهم نزل: ((فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِندِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَناً قَلِيلاًً فَوَيْلٌ لَّهُم مِّمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَّهُم مِّمَّا يَكْسِبُونَ)) [البقرة: 79]"(14). الإسراء والمعراج: من أعظم معجزات النبي -صلى الله عليه وسلم-: الإسراء به ليلاً من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى ، ثم العروج به السماوات السبع فما فوقها ، وقد انتشر في بعض البلدان الاحتفال بذكراها في ليلة السابع والعشرين من رجب ، ولا يصح كون ليلة الإسراء في تلك الليلة ، قال ابن حجر عن ابن دحية: "وذكر بعض القصاص أن الإسراء كان في رجب ، قال: وذلك كذب"(15) ، وقال ابن رجب: "وروي بإسناد لا يصح ، عن القاسم بن محمد ، أن الإسراء بالنبي -صلى الله عليه وسلم- كان في سابع وعشرين من رجب ، وأنكر ذلك إبراهيم الحربي وغيره"(16). وقال ابن تيمية: "لم يقم دليل معلوم لا على شهرها ، ولا على عشرها ، ولا على عينها ، بل النقول في ذلك منقطعة مختلفة ، ليس فيها ما يقطع به"(17). على أنه لو ثبت تعيين ليلة الإسراء والمعراج لما شرع لأحد تخصيصها بشيء؛ لأنه لم يثبت عن النبي -صلى الله عليه وسلم- ولا عن أحد من صحابته أو التابعين لهم بإحسان أنهم جعلوا لليلة الإسراء مزية عن غيرها ، فضلاً عن أن يقيموا احتفالاً بذكراها ، بالإضافة إلى ما يتضمنه الاحتفال بها من البدع والمنكرات(18). الذبح في رجب وما يشبهه: مطلق الذبح لله في رجب ليس بممنوع كالذبح في غيره من الشهور ، لكن كان أهل الجاهلية يذبحون فيه ذبيحة يسمونها: العتيرة ، وقد اختلف أهل العلم في حكمها: فذهب الأكثرون إلى أن الإسلام أبطلها ، مستدلين بقوله كما عند الشيخين عن أبي هريرة (رضي الله عنه): "لا فرع ولا عتيرة"(19). وذهب بعضهم كابن سيرين إلى استحبابها ، مستدلين بأحاديث عدة تدل على الجواز ، وأجيب عنها بأن حديث أبي هريرة (رضي الله عنه) أصح منها وأثبت ، فيكون العمل عليه دونها ، بل قال بعضهم كابن المنذر بالنسخ؛ لتأخر إسلام أبي هريرة ، وأن الجواز كان في صدر الإسلام ثم نسخ ، وهذا هو الراجح(20). قال الحسن: "ليس في الإسلام عتيرة ، إنما كانت العتيرة في الجاهلية ، كان أحدهم يصوم ويعتر"(21). قال ابن رجب: "ويشبه الذبح في رجب: اتخاذه موسماً وعيداً ، كأكل الحلوى ونحوها ، وقد روي عن ابن عباس (رضي الله عنهما) أنه كان يكره أن يتخذ رجب عيداً" (22). تخصيص رجب بصيام أو اعتكاف: قال ابن رجب: "وأما الصيام: فلم يصح في فضل صوم رجب بخصوصه شيء عن النبي -صلى الله عليه وسلم- ولا عن أصحابه"(23). وقال ابن تيمية: "وأما صوم رجب بخصوصه: فأحاديثه كلها ضعيفة ، بل موضوعة ، لا يعتمد أهل العلم على شيء منها ، وليست من الضعيف الذي يروى في الفضائل ، بل عامتها من الموضوعات المكذوبات... وقد روى ابن ماجة في سننه ، عن ابن عباس ، عن النبي -صلى الله عليه وسلم-: أنه نهى عن صوم رجب ، وفي إسناده نظر ، لكن صح أن عمر بن الخطاب كان يضرب أيدي الناس؛ ليضعوا أيديهم في الطعام في رجب ، ويقول: لا تشبهوه برمضان... وأما تخصيصها بالاعتكاف الثلاثة الأشهر: رجب ، وشعبان ، ورمضان فلا أعلم فيه أمراً ، بل كل من صام صوماً مشروعاً وأراد أن يعتكف من صيامه ، كان ذلك جائزاً بلا ريب ، وإن اعتكف بدون الصيام ففيه قولان مشهوران لأهل العلم" (24). وكونه لم يرد في فضل صيام رجب بخصوصه شيء لا يعني أنه لا صيام تطوع فيه مما وردت النصوص عامة فيه وفي غيره ، كالإثنين ، والخميس ، وثلاثة أيام من كل شهر ، وصيام يوم وإفطار آخر ، وإنما الذي يكره كما ذكر الطرطوشي (25) صومه على أحد ثلاثة أوجه: 1- إذا خصه المسلمون في كل عام حسب العوام ومن لا معرفة له بالشريعة ، مع ظهور صيامه أنه فرض كرمضان. 2- اعتقاد أن صومه سنّة ثابتة خصه الرسول بالصوم كالسنن الراتبة. 3- اعتقاد أن الصوم فيه مخصوص بفضل ثواب على صيام سائر الشهور ، وأنه جارٍ مجرى عاشوراء ، وفضل آخر الليل على أوله في الصلاة ، فيكون من باب الفضائل لا من باب السنن والفرائض ، ولو كان كذلك لبينه النبي -صلى الله عليه وسلم- أو فعله ولو مرة في العمر ، ولما لم يفعل: بطل كونه مخصوصاً بالفضيلة. العمرة في رجب: يحرص بعض الناس على الاعتمار في رجب ، اعتقاداً منهم أن للعمرة فيه مزيد مزية ، وهذا لا أصل له ، فقد روى البخاري عن ابن عمر (رضي الله عنهما) ، قال: "إن رسول الله اعتمر أربع عمرات إحداهن في رجب ، قالت (أي عائشة): يرحم الله أبا عبد الرحمن ، ما اعتمر عمرة إلا وهو شاهِدُه ، وما اعتمر في رجب قط" (26). قال ابن العطار: "ومما بلغني عن أهل مكة (زادها الله تشريفاً) اعتيادهم كثرة الاعتمار في رجب ، وهذا مما لا أعلم له أصلاً" (27). وقد نص العلامة "ابن باز"(28) على أن أفضل زمان تؤدى فيه العمرة: شهر رمضان؛ لقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: "عمرة في رمضان تعدل حجة" ، ثم بعد ذلك: العمرة في ذي القعدة؛ لأن عُمَرَه كلها وقعت في ذي القعدة ، وقد قال الله (سبحانه وتعالى): ((لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ))[الأحزاب: 21]. الزكاة في رجب: اعتاد بعض أهل البلدان تخصيص رجب بإخراج الزكاة ، قال ابن رجب عن ذلك: "ولا أصل لذلك في السُنّة ، ولا عُرِف عن أحد من السلف... وبكل حال: فإنما تجب الزكاة إذا تم الحول على النصاب ، فكل أحدٍ له حول يخصه بحسب وقت ملكه للنصاب ، فإذا تم حوله وجب عليه إخراج زكاته في أي شهر كان" ، ثم ذكر جواز تعجيل إخراج الزكاة لاغتنام زمان فاضل كرمضان ، أو لاغتنام الصدقة على من لا يوجد مثله في الحاجة عند تمام الحول..ونحو ذلك(29). وقال ابن العطار: "وما يفعله الناس في هذه الأزمان من إخراج زكاة أموالهم في رجب دون غيره من الأزمان لا أصل له ، بل حكم الشرع أنه يجب إخراج زكاة الأموال عند حولان حولها بشرطه سواء كان رجباً أو غيره"(30). لا حوادث عظيمة في رجب: قال ابن رجب: "وقد روي أنه كان في شهر رجب حوادث عظيمة ، ولم يصح شيء من ذلك ، فروي أن النبي ولد في أول ليلة منه ، وأنه بعث في السابع والعشرين منه ، وقيل في الخامس والعشرين ، ولا يصح شيء من ذلك..."(31). وقفة مع بعض الدعاة: يمارس بعض الدعاة اليوم أنواعاً من البدع الموسمية كبدع رجب مع اقتناعهم بعدم مشروعيتها؛ بحجة الخوف من عدم اشتغال الناس بغير عبادةٍ ، إن هم تركوا ما هم عليه من بدعة. ومع أن البدعة أخطر الذنوب بعد الشرك ، إلا أن هذا توجهٌ في الدعوة وطريقة التغيير خطير مخالف لهدي النبي ، والواجب: أن يدعى الناس إلى السنة المحضة التي لا تكون استقامة بدونها ، قال الثوري: "كان الفقهاء يقولون: لا يستقيم قول إلا بعمل ، ولا يستقيم قول وعمل إلا بنية ، ولا يستقيم قول وعمل ونية إلا بموافقة السنة"(32). وكان الواجب على هؤلاء أن يتعلموا السنة ، ويعلموها ، ويدعون أنفسهم ومن حولهم إلى تطبيقها؛لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- يقول: "من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد"، ولله در أبي العالية حين قال لبعض أصحابه: "تعلموا الإسلام ، فإذا تعلمتموه فلا ترغبوا عنه ، وعليكم بالصراط المستقيم ، فإن الصراط المستقيم: الإسلام ، ولا تنحرفوا عن الصراط المستقيم يميناً وشمالاً ، وعليكم بسنة نبيكم ، وإياكم وهذه الأهواء التي تلقي بين أهلها العداوة والبغضاء" (33). ومن قبله قال حذيفة (رضي الله عنه): "يا معشر القراء: استقيموا، فقد سبقتم سبقاً بعيداً، ولئن أخذتم يميناً وشمالاً لقد ضللتم ضلالاً بعيداً" (34). وأخيراً: فإن الدعاة اليوم والأمة معهم مطالَبون بتجريد المتابعة للنبي -صلى الله عليه وسلم- في كل شأن ، تماماً مثل ما هم مطالبون بتجريد الإخلاص لله (عز وجل) ، إن هم أرادوا لأنفسهم نجاةً ، ولدينهم نصراً وإعزازاً ، قال الله (عز وجل): ((فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً)) [الكهف: 110] وقال (سبحانه): ((وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ)) [الحج: 40]. وفق الله الجميع للخير ، وهو الهادي إلى سبيل الرشاد. -------------------------------------------------- الهوامش : 1) الحلية ، 6/73. 2) الحلية ، 3/9. 3) تبيين العجب فيما ورد في فضل رجب ، لابن حجر ، ص6 ، وانظر: السنن والمبتدعات للشقيري ، ص125. 4) المصدر السابق ، ص 8. 5) انظر: إحياء علوم الدين ، للغزالي ، 1/202 ، وتبيين العجب فيما ورد في فضل رجب ، ص 22 24. 6) فتاوى الإمام النووي ، ص 57. 7) تنبيه الغافلين ، ص 496. 8) الفتاوى لابن تيمية ، 23/132 ، وانظر: الفتاوى ، 23/134 135. 9) الحوادث والبدع ، ص103. 10) انظر: الباعث على إنكار البدع والحوادث ، ص 61 67. 11) المدخل ، 1/211. 12) انظر: لطائف المعارف ، تحقيق الأستاذ / ياسين السواس ، ص 228. 13) مقدمة مساجلة العز بن عبد السلام وابن الصلاح ، ص 7 8. 14) الباعث على إنكار البدع والحوادث ، ص 105. 15) تبيين العجب ، ص 6. 16) زاد المعاد لابن القيم ، 1/275 ، وقد ذكر ابن حجر في فتح الباري (7/242 243) الخلاف في وقت المعراج ، وأبان أنه قد قيل: إنه كان في رجب ، وقيل: في ربيع الآخر ، وقيل: في رمضان أو شوال ، والأمر كما قال ابن تيمية. 17) لطائف المعارف ، لابن رجب ، ص 233. 18) ذكر بعض تلك المنكرات: ابن النحاس في تنبيه الغافلين ، ص 497 ، وابن الحاج في المدخل ، 1/211 212 ، وعلي محفوظ في الإبداع ، ص 272. 19) البخاري ، ح/ 5473 ، ومسلم ، ح/ 1976. 20) انظر: لطائف المعارف ، ص 227 ، والاعتبار في الناسخ والمنسوخ من الآثار للحازمي ، ص 388 390. 21، 22) لطائف المعارف ، ص 227. 23) لطائف المعارف ، ص 228. 24) الفتاوى: 25/290 292. 25) البدع والحوادث ، ص110 111 ، وانظر (تبيين العجب..) لابن حجر ، ص 37 38. 26) صحيح البخاري ، ح/1776. 27) المساجلة بين العز بن عبد السلام وابن الصلاح ، ص 56 ، وانظر: فتاوى الشيخ محمد بن إبراهيم ، 6/131. 28) انظر: فتاوى إسلامية ، جمع الأستاذ/ محمد المسند ، 2/303 304. 29) لطائف المعارف ، 231 232. 30) المساجلة بين العز وابن الصلاح ، ص 55. 31) لطائف المعارف ، ص233. 32) الإبانة الكبرى ، لابن بطة ، 1/333. 33) الإبانة الكبرى ، لابن بطة ، 1/338. 34) البدع والنهي عنها ، لابن وضاح ، ص 10 11. |
رد: شهر رجب بين الاتباع والابتداع
بدع شهر رجب، والتنبيه على ما صح من السنن-فيه- للشيخ: علي حسن عبد الحميد إن الحمدَ لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذُ باللهِ مِن شرورِ أنفسِنا وسيئاتِ أعمالِنا، مَن يهدِه اللهُ فلا مُضِلَّ له، ومَن يضللْ فلا هاديَ له. وأشهدُ أنْ لا إلهَ إلا اللهُ -وحده لا شريك له-. وأشهدُ أنَّ محمدًا عبدُه ورسولُه. أمَّا بعدُ: فإنَّ أصدقَ الحديثِ كلامُ الله، وخيرَ الهَدْي هديُ محمد -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم-، وشرَّ الأمور محدثاتُها، وكلَّ محدَثةٍ بدعة، وكلَّ بدعةٍ ضلالة، وكلَّ ضلالةٍ في النَّار. وبعدُ: أحببتُ أن يكون كلامُنا -في هذا اليَوم من شهر رجب- متعلقًا بشيءٍ مِن الفوائد الفِقهيَّة والعلميَّة المتعلِّقة بهذا الشَّهر الكريم؛ فالله -تَبارَك وتَعالَى- يختصُّ مِن الأزمنةِ أزمنةً، ومِن الأمكنةِ أمكنةً، ومِن الأشخاص أشخاصًا. فشهرُ رجب هو أوَّل الأشهر الحُرم، وهو الذي يُسمَّى «رجبَ الفَرد». لذلك: اعتقدَ العربُ في الجاهليَّة فيه عقائدَ -أقرَّ بعضَها الإسلامُ، وخالفَ بعضًا آخر-، وكذلك في هذه الأزمنة -كما هو في أزمنةٍ سبقتْ-؛ فإن كثيرًا من المسلمين يَفعلون أفعالاً في رجبٍ يَظنُّونها هَديًا شرعيًّا، وسُننًا دينيَّة، وليست هي مِن ذلك في شيء. لذلك: اعتنى أهلُ العلمِ -قديمًا- في بيانِ ما يتعلَّقُ برَجَب؛ فألَّف الإمامُ ابن دِحيةَ كتابًا سمَّاه :«أداء ما وَجَب مِن بيان وَضعِ الوضَّاعين في رجب»، وألَّف الحافظُ ابنُ حجر العسقلاني كتابًا سمَّاه «تَبيينُ العَجَب فيما ورد في فَضلِ رجب». وسنُحاول -في هذه العُجالة السَّريعة-إن شاءَ اللهُ- إلقاءَ الضَّوء على مُجمَل ذلك -مما ثبتَ؛ فنحض عليه، ومما لم يثبتْ؛ فننهَى عنه-. أول ذلك: ما يتوهَّمُه النَّاسُ مِن صحَّةِ حديثٍ فيه: أنَّ النَّبي -عليهِ الصَّلاةُ والسَّلام- قد دعا: «اللهمَّ! بارِك لَنا في رجَبَ وشَعبان، وبَلِّغنا رمضان»؛ فهذا حديثٌ لا يَصِح، قد بَنى عليهِ بعضُ النَّاسِ دعاءً خاصًّا في فضلِ رجب، دعاءً خاصًّا في المبارَكةِ بشهرِ رَجب، ولا شكَّ ولا ريبَ أن (رجب)شهرٌ مبارَك -باعتبارِه من الأشهر الحُرُم-؛ ولكنْ: لا يعني ذلك أن يُخصَّ بأمورٍ لم تَرِدْ في سُنَّة النَّبي -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم-. أمَّا الدُّعاءُ المطلَق؛ فلا أحدَ ينهَى عنه، ولا أحدَ يَكرهُه، فما أطلقَه الشَّرعُ نُطلِقه، وما قيَّده الشرعُ نقيِّدُه، وما خصَّصَه الشَّرعُ بِفضائلَ نُخصِّصه . . وهكذا في سائر أحكامِ هذه الشَّريعةِ الغرَّاء. كما أنَّهم خصَّصوا شهر (رجب) بِدُعاء؛ فإنهم خصَّصوه بِصلاة، وسمَّوها «صلاةَ الرَّغائب»، وهي: ثِنتا عشرة ركعة بسِتِّ تسليماتٍ، تُصلَّى بين المغربِ والعشاء في أوَّل ليلةٍ من شهرِ رجب، وهذه الصَّلاة لا تَصِح، ولا تَثبتُ في السُّنة. ونحن -دومًا-على اعتقادٍ راسخٍ، ويقينٍ ظاهِر-: أنَّه لا تَثبتُ الأحكامُ إلا بالنُّصوصِ الصَّحيحةِ، وكذلك: لا تَثبتُ الفضائلُ إلا بالنُّصوصِ الصَّحيحةِ، ونحن على خِلاف قولِ مَن يقولُ بأنَّ الفضائلَ يجوزُ الاستِدلالُ عليها بِما لم يَصِحَّ من الحديثِ، حتى مَن قال ذلك مِن أهل العلم؛ وضع له شُروطًا، وهذه الشُّروط قلَّ أن يَضبطَها أحدٌ، أو أن يُتقنَها شخصٌ -إلا في أضيق مجال-. وقد كانت -هنالك- مُساجلة علميَّة بين بعضِ أهلِ العلم في صَلاة الرَّغائب -هذِه-، والحقُّ فيها كان لمن نَهَى عنها؛ لعَدم الثُّبوت فيها، وقد نشرَ هذهِ المساجلةَ بعضُ الأفاضل -في هذا العَصر-. وإذْ قد ذكرنا الصَّلاةَ بين المغربِ والعشاء -تخصيصًا-، وبيَّنَّا أنَّها لا تَثبتُ عن النَّبي -عليهِ الصَّلاةُ والسَّلام- في رجب؛ فكذلك نقول: لا تَثبت -كذلك- في غيرِ رجب؛ إلا ما وَرَد مِن سُنَّة المغرب البَعديَّة، أو النَّفل المُطلَق. أمَّا ما اعتادهُ بعضُ النَّاس مما يُسمَّى «صلاة الأوَّابين»؛ فهذا لا يَثبت. و«صلاة الأوَّابين» -الثَّابتةُ-: هي صلاة الضُّحى، وفي ذلك حديثٌ صحيحٌ صَريح، قال فيه النَّبي -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم-: «صلاةُ الأوَّابين: صلاةُ الضُّحَى»، وأمَّا اعتقادُ أنَّ صلاةَ الأوَّابين هي صلاةٌ بعددٍ معيَّن مِن الرَّكعات -يوميًّا- بين المغرب والعشاء؛ فهذا ما لا يَصِح، ولا يَثبتُ عن النَّبي -صلَّى الله عليه وآلِه وسلَّم-. كما أنَّه لا يجوزُ تخصيصُه بالدُّعاء، وكذلك بالصَّلاةِ؛ فكذلك لا يجوزُ تخصيصُه بالصِّيام، أو بعضِه. فبعضُ النَّاس يصومُ أوَّل رجب، أو نصفَ رجَب، أو آخرَ رجَب، أو أيامًا معيَّنة في رَجب؛ كلُّ ذلك ليس مشروعًا، وليس عليه دليلٌ صحيحٌ في سُنَّة النَّبيِّ -عليه أفضلُ الصَّلاةِ وأتمُّ التَّسليم-. نقول: نعم؛ مَن كان مُعتادًا صيامَ الأيَّام البِيض -الثَّالث عشر، والرَّابع عشر، والخامِس عشر-مِن كلِّ شهر-، أو مَن كان مُعتادًا صيام الاثنين والخَميس -مِن كلِّ أسبوع-؛ فصام (رجب)، كما صام جُمادى، كما صام غير ذلك -مِن الأيام الفاضلة في الشُّهور الهجرية-؛ فهذا لا نُنكر عليه؛ إنَّما الإنكار -كما قُلنا- على مَن خصَّص فِعلًا خاصًّا؛ لاعتقادٍ خاصٍّ، بلا دليلٍ خاصٍّ؛ وهنا موضع النَّكير، وموضِع الخَلل! وكذلك -أيضًا- نقول بالنِّسبة للعُمرة: وقد توهَّم بعضُ الصَّحابةِ -رضيَ اللهُ عنهُم-وهو عبـدُ الله بن عُمر-بحضرة السَّيدة عائشةَ- أنَّ الرَّسول -عليهِ الصَّلاةُ والسَّلام- اعتمر في رجب؛ فأنكرتْ ذلك السَّيِّدةُ عائشةُ -رضيَ اللهُ-تعالى-عنها-، وقالت: لم يَعتمِر رسول الله -عليهِ الصَّلاةُ والسَّلام- إلا أربَع عُمَر -أو عُمرات-، وكنتُ معه فيهن -جميعًا-؛ فسكتَ ابنُ عمر -رضيَ اللهُ-تعالى-عنه-. لكن: مَن وافقتْ عمرتُه (رجَب) لمجردِ الفِعل -ليس لمزيدِ الاعتِقاد-؛ فلا نُنكرُ عليه -أيضًا-، كما لو وافقَ صيامُه صِيامًا في رجَب -مِن غيرِ مَزيد اعتقاد-؛ أيضًا: لا نُنكرُ عليه، وبخاصَّةٍ: أنَّ شهر رجبٍ قد أتَى في هذه الأيَّام -مثلًا- في العُطلةِ، وفي الإجازة، والنَّاس يَستغلُّون ذلك للسَّفرِ إلى العُمرة؛ فهم لا يَستغِلُّون ذلك لمزيد فضلِ شَهرِ رجبٍ؛ وإنَّما يَستغلُّون ذلك؛ بسببِ ظَرفِهم، وبسببِ عُطلتِهم وإجازتِهم -التي يكونُ لهم فيها فُسحةٌ في السَّفر، وما أشبه ذلك-. وكذلك -أيضًا- نقولُه في الإنفاق -صَدقات، وزَكوات-؛ فإنَّه لا يُشرع تخصيص رجب بالزَّكاة لاعتقاد مَزيَّة فَضل، أو مَزيدِ أجرٍ؛ لكنْ: مَن وافق حَولُه شهرَ رجبٍ؛ فهذا لا مانِع مِن ذلك؛ وإن كان وردَ عن عددٍ من الصَّحابةِ أنهم كانوا يجعلون حَوْلَهم في الصَّدقات والزَّكَوات شهر رمضان؛ لِما فيه مِن البِرِّ، ولما فيه مِن الأجر، ولِما فيه مِن حال الرَّسول -عليهِ الصَّلاةُ والسَّلام-وأنه كان أجودَ ما يكون في رمضان-؛ ففعل ذلك الصَّحابةُ -رضيَ اللهُ-تعالى-عنهُم-، وكانوا يُخصِّصون شهر رمضانَ لأداء زكاتِهم. هذا -أيضًا- لا ينفي ما سواه؛ يعني: لو أن أحدًا لم يُخصِّص شهرَ رمضان، ولم يتَّبع السَّلف في ذلك؛ هل نقول له: أحدثتَ، أو ابتدعتَ؟! نقول له: لا؛ فالأمر فيه سعة. لكن: بعض الصَّحابةِ الذين جعلوا زكواتِهم مخصوصةً بشهر رمضان؛ إنَّما فعلوا ذلك؛ مُراعاةً لحال النَّبيِّ الكريم -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم-كما قُلنا- باعتبارِه -صلواتُ اللهِ وسلامُه عليه- كان أجودَ مِن الرِّيحِ المُرسَلة، وكان أجودَ ما يكونُ -كذلك- في شهرِ رمضان. ومما -أيضًا- يُعتقدُ ويُتوهَّم في شهر رجب -وبخاصَّة في يوم السَّابع والعشرين-أو في ليلة السَّابع والعشرين منه-: اعتقادُ ثُبوت الإسراءِ والمعراج، وليس هنالك دليلٌ قاطِعٌ على أنَّ الإسراء والمعراجَ حَدثَ في هذا اليَوم، أو في هذه اللَّيلة، مع ثُبوت الإسراءِ والمعراج مِن نُصوص الآيات والأحاديث المتواترة عن النَّبي -عليهِ الصَّلاةُ والسَّلام- في ذلك -بما لا شكَّ فيه-؛ لكنْ: نتكلَّم عن تحديد اليوم، وعن تحديد الوقت والزَّمان؛ أمَّا المكان: فمعروف؛ من مكَّةَ إلى بيت المقدِس إلى السَّماء {سُبْحَانَ الَّذِي أسْرَى بِعَبْدِهِ ليلًا مِن المسجِدِ الحَرَامِ إِلَى المَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَه لِنُرِيَهُ مِن آياتِنَا}، وهكذا -أيضًا- في آيات «سورة النَّجم» -في موضوع المعراج-. ونحن على مَبدأ مُستقيم ومُستقِرٍّ: أنَّ الاحتفالاتِ بالمناسَبات، وقد عُرفتْ هذه المناسَبات في الأزمنةِ الفاضِلات، وفي الأيَّام المبارَكات، ومع ذلك: لم يَفعلها مَن هُم أحرصُ منَّا على الأعمال الصالِحات -كالصَّحابة، والتَّابعين، وأتباعهم، والأئمَّة الأربعة، ومَن بَعدَهم-مِن فُحولِ الأُمَّة وعُلمائِها والأئمَّة-؛ وبالتَّالي: فإن مثلَ هذا الاحتِفال ليس مِن الهدْيِ النَّبويِّ، وليس مِن الخيرِ المَرجوِّ، ونحنُ -دائمًا وأبدًا- نقولُ: (وخيرُ الهديِ هديُ محمدٍ -صلَّى اللهُ عليهِ وعلى آلِه وصحبهِ أجمعين-)، ولو كان خيرًا لَسبقونا إِليه، وكما قال مَن قال مِن الصَّحابةِ -رضيَ اللهُ عنهُم-: «اتَّبِعُوا ولا تَبتَدِعُوا؛ فقد كُفِيتُم، عَليكم بالأمرِ العَتِيق». فدِينُنا دِين اتِّباع، ودِينُ تَسليمٍ، ودِينُ استِسْلام، ودِينُ تَسنُّنٍ، وليس دِينَ إحداثٍ، ولا ابتِداعٍ، ولا اختِراعٍ، ولا اجتهادٍ في غيرِ نصٍّ؛ كما قال عبد الله بن مسعود -رضيَ اللهُ عنه-: «اقتصادٌ في سُنَّة خير مِن اجتهادٍ في بدعة». فنحن نقتصدُ، أو نتَّبع السُّنة -بل نقتَصِد فيها- أولَى وأولى مِن أن نجتهدَ ونقعَ فيما يُخالف السُّنَّة، أو فيما يكونُ بِدعةً في الدِّين. هنالك سُنَّةٌ وحيدةٌ مهجورةٌ في شهرِ رجبٍ: فكما قُلنا؛ نرى كثيرًا من النَّاس يتهافتونَ على المحدَثات -في الوقتِ الذي يَزهدُون فيه في السُّننِ النَّبويَّات-وبخاصَّة منها المَهجورات-، وإن كانت هذه المسألةُ -التي سأقولُها- مسألةٌ خِلافيَّة بين أهلِ العلم؛ لكنْ: أنا أذكرُ لكم تَرجيحَ شيخِنا الشَّيخِ الإمامِ أبي عبدِ الرَّحمن محمَّد ناصِر الدِّين الألباني -رحمَهُ اللهُ-؛ فقد كان يُرجِّح استحبابَ (العَتِيرةِ) في شهر رجب. و(العَتِيرةُ): هي ذبيحةٌ يُتقرَّب بها إلى الله في شهرِ رَجب. وكان شيخُنا -رحمَهُ اللهُ- يُضعِّف الحديثَ المرويَّ في «سُنن أبي داود»: «على كلِّ أهلِ بيتٍ في كل عامٍ أضحِيةٌ وعَتِيرةٌ»، المشهورُ في الحديثِ: «عَلى كلِّ أهلِ بيتٍ في كلِّ عامٍ أُضحِيةٌ»؛ لكن: جاءت زيادةٌ في أسانيدَ صِحاح تقول: «وعَتِيرة». فهذا الحديثُ ظاهرُه يفيدُ الوُجوب؛ ولذلك: القولُ الصَّحيحُ في الأضحيةِ -عند بعض أهلِ العلم-بحسبِ هذا الدَّليل- أنها واجبة، وإن خالف آخَرون فقالوا: هذا النَّص لو لم يَرد ما يُبيِّن الاستحبابَ فيه؛ لكان الحُكمُ واجبًا مِن خلالِ هذا النصِّ؛ لكن: أبو بكر وعُمر -رضيَ اللهُ-تعالى-عنهُما- ما كانا يُضحِّيان؛ حتى لا يَعتقدَ النَّاسُ أنَّها فريضةٌ -أو كما ورد عنهُما-رضيَ اللهُ-تعالى-عنهُما-، وهُما اللَّذانِ قال فيهما نبيُّ الله -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم-: «اقتَدُوُا باللَّذَيْن مِن بعدي: أبي بكرٍ وعُمرَ»، فكما قال النَّبي -عليهِ الصَّلاةُ والسَّلام-فيهما-رضيَ اللهُ عنهُما-: «هُما السَّمعُ والبَصرُ» -رضيَ اللهُ-تعالى-عن أبي بكر وعمر-. أقولُ: كما ورد ما يَرفع وُجوبَ الأُضحية؛ ورد ما يَرفع وُجوبَ العَتِيرة، فقد صحَّ عن النبي -عليهِ الصَّلاةُ والسَّلام- أنه قال: «لا فَرَعَ، ولا عَتِيرة». بعض أهلِ العِلم حَكَم على هذا الحديثِ بأنَّه ناسِخٌ لذاك الحديثِ؛ لكنْ: عُلماء آخَرون -ومنهم شيخُنا الشَّيخ الألباني-رحمهُ اللهُ- قال: هذا ليس بِناسِخ؛ وإنَّما هذا يَرفع الوُجوب؛ فلا فَرَع ولا عَتِيرة طالما أنَّه وَرد في العَتيرةِ حضٌّ -بل أمرٌ-، ثم جاء هذا الحُكم: «لا فَرَعَ ولا عَتِيرة»؛ فإن هذا -حينئذٍ- ينفي الوُجوبَ ولا يَنفي الحُكم، و(إعمالُ الدَّليلَين أَولى مِن إهمالِ أحدِهِما)؛ هذا مِن قَواعد أُصولِ الفِقه -عند أهل العلم-. أما (الفَرَع): فهو ما كان أهلُ الجاهليَّةِ يتقرَّبون به بأوَّل ما تُنتِجُه بهائِمُهُم؛ أوَّل ما تُنتجه البَهيمةُ -من بهائِمهم-في الموسِم-؛ فإنَّهم كانوا يتقرَّبون به، ويتعبَّدون بذَبحِه لأصنامِهم وأوثانِهم؛ فجاء الشرعُ في النَّهيِ عنه وعدم إقرارِه. لكن (العَتِيرةَ): طالما أنه قد أمرَ الشَّرعُ بها؛ فهذا جاء نفيًا للوُجوب، وليس نهيًا عن أصلِ الحُكم. هذه سُنَّة مهجورة قال بها بعضُ أهلِ العِلم -كما قلتُ-، وشيخُنا الشَّيخ الألباني -رحمَهُ اللهُ- كان يحضُّ عليها. ومِن بابِ ذِكرِ الشَّيءِ بِمثالِه، مِن السُّنن المهجورة -أيضًا-ولعلنا ذكرنا ذلك في بعضِ المجالِس-، مِن السُّنن المهجورة -أيضًا-وإن كانت في غيرِ هذا المقام؛ لكن ذكَّرني بها الذَّبح والتقرُّب كما قال اللهُ -تعالى-: {لَن يَنالَ اللهَ لحومُها ولا دِماؤُها ولكنْ ينالُهُ التَّقوى مِنكم}: الهَديُ في العمرة. نحن معروف -عندنا- الهدي في الحج؛ لكن مِن السُّنن المهجورة: الهَدي في العُمرة؛ فقد وَرَد عن النَّبي، وعن ابن عُمر، وعن عددٍ مِن الصَّحابة: (أنهم كانوا يَهدُون ويَذبحون إذا اعتَمَرُوا)؛ لكن -كما قُلنا- هذا -أيضًا- على الاستِحباب وليس على الإيجاب، وإحياءُ السُّنةِ له فضل عظيم. أسألُ الله -عزَّ وجلَّ- أن يوفِّقَنا -وإيَّاكم- لأن نكونَ مِن أهلِ السُّنة المُلتزِمين بها، الحَريصين عليها، الدَّاعين إليها؛ إنَّه -سبحانَه- وليُّ ذلك والقادِر عليه. وصلَّى الله وسلَّم وبارَك على نبيِّنا محمدٍ، وعلى آله وصحبِه أجمعين. |
| الساعة الآن 12:50 PM. |
Powered by vBulletin
قوانين المنتدى