![]() |
البُعدُ الغائب في الإصلاح الإداري
يتوقف نجاح العمل الإداري أو فشلُه على مدى كفاءة الموظّف وأهليَّتِه أوّلاً، إذ لا معنى لتوفير الوسائل إذا غابت الكفاءات، وهذا ما يجعل الاهتمام بالموظّف أَوْجَب الواجبات على الجهات المعنية، وأُولى الخطوات في سعيها نحو تحسين الخدمة العمومية، لكنّ الواقع عندنا عكَس المسألة، فغَدَت الوسائل أهمّ، والاهتمام بها أَوْلى، وذلك وفاءً لنظرة الإنسان للإنسان في الدّول المتخلّفة، حيث نزلت الإنسانية من عَلْيائها وأمْست شيئا من الأشياء. أزعم أنّ الإصلاح الحقيقي للعمل الإداري لا بدّ أن يمرّ أوَّلاً عبر إصلاح الفرد، وصلاح الفرد لا يقتصر فقط على توفير راتبٍ محتَرم، أو ينحصر في تسخير الوسائل المادّية، بل هناك جوانب أخرى لا تُعطى حقَّها من الاهتمام، وأثَرها بعيدٌ جدّا في الأداء الإداري، وهي نواحٍ لا يمكن إصلاحها بقرار أو مرسوم. من أهمّ ما ينبغي إصلاحه في العمل الإداري، العلاقات الأفقية، أي تلك المُتبادَلة بين الموظَّفين في الفضاء الإداري الواحد، فقد أُصيبت بثَلمٍ بالغ الخطورة، وساءت إلى درجة كبيرةٍ جدّا، وأصبحت مبنيةً على أساس المصالح الضَّيِّقة، والحسابات الخاصَّة، وتماهت فيها الحدود الفاصلة بين الشؤون الشخصية والشؤون العامّة، وشاعت على هذا المستوى ظواهر أخلاقية مُؤسِفة،من أهمّها السِّعاية بين الأفراد لتحقيق مكاسب مادّية أو معنوية. إنّ الأثر الذي يتركه سوء العلاقات الأفقية بعيدٌ غَورُه في تدنّي مستوى العمل المطلوب، وينعكس سلبًا على نفسيات الموظَّفين ومعنوياتهم وصفاء تفكيرهم، ومِن ثمّ يستنزِف هذا الجوّ المريض جهداً كبيرا من الموظّف، فيقلّ مردودُه بالضَّرورة، فأضحى إصلاح هذا المستوى هامّا جدّا، لأن العلاقات الأفقية بلغت مستوى من السّوء يَقبُح السكوتُ عليه، هادفين من وراء ذلك إلى ما يليق بالأداء الإداري المُحترَم. وممّا ينبغي الالتفات إليه أيضا، العلاقاتُ الرّأسية، أي تلك المتبادَلة بين الرؤساء والمرؤوسين، وحالها في كثير من الأحيان أسوأ من وضعية العلاقات الأُفقية، إذ لا تزال العلاقات العمودية – رغم ما يؤطّرها من نصوص قانونية- بعيدةً جدّاً عن المستوى المطلوب لأداء عمل إداري سليم، ولا تزال الكثير من الإدارات تسير بمنطق "ما أُريكُم إلّا ما أرى"، وتتوارى فيها سُلطة القانون لتُفسِح المجال لسُلطة (الرّئيس)، وهنا يتّسع المجال لمُمارسة التَّعسّف الذي يَحظُره القانون نظريّاً، كما يتّضح في هذه العلاقات غيابُ السّلوك الديمقراطي الذي من شأنِه أن يحمل طَرفيْ العلاقة على جناح الحوار البنّاء والمؤسَّس على قاعدة أخلاقية متينة وخَلفيةٍ قانونية واضحة، وهذا في الوقت الذي يدّعي فيه الكثير من المسؤولين خِدمة المؤسّسات الدّيمقراطية. ومن أسوأ ما يشكو منه هذا المستوى من العلاقات، غياب الثّقة بين الطرفين، ممّا حوّل كثيرا من الإدارات إلى معارك مفتوحة، وأحلاف أطراف ضدّ أخرى، مبنيةٍ أساساً على النّفع الخاصّ والمصلحة الضيّقة. ومِنَ الوهمِ البعيد أن نحسَب توفير الوسائل المادّية وزيادة الرواتب كافٍ شافٍ، فالموظّف إنسان وليس آلةً في سلسلة إنتاج، فلماذا تُغتال حاجاتهُ الفكرية – عمليّا وليس قانونيا – ويُغتال أمنُه النّفسي والصّحي، بخِنجَر الرّوتين الإداري الفجّ؟ إنّ الإدارة الجزائرية ليست بحاجة إلى (جنود) يُطبّقون التّعليمات دون نقاش أو مُراجعة، بل هي بحاجة إلى موظّفين مُدبِّرين، قادرين على تسيير المشاكل الجديدة والمتجدّدة بأفكار جديدة أو متجدّدة، بشرط أن يُتاح لهم قدر من حرّية الحركة، سيرا على مبدأ " الإنسان مقدّس والتّسيير حر"، والغريب عندنا أن تحتكِر فئات معيّنةحقّ التفكير، وحقّ تطبيق أفكارها، وهذا مناقض تماما للمنطق السّليم. وممّا أُهمِل أمرُه في عملية الإصلاح الإداري، عدم الالتفات إلى المستوى الأخلاقي والفكري للموظّف، فكيف نطالب موظّفا لا يملك ثقافةً أخلاقية مقبولة،ولا مستوى فكري مقبول، باستقبال المواطنين استقبالا حسناً! إنّ إصلاح العمل الإداري إصلاحاً جادّاً يقتضي من القائمين عليه تفكيرا متكاملا، فَفتح أبواب الإدارة أمام المواطن وغلقُها أمام الموظّف مِن عجائب المُمارسات الإدارية، كما أنّ قدرا عظيما من الغُبن الواقع على المواطن سببُه خُلقيٌّ مَحض، أو فكريٌّ صِرْف، والجميع يعلَم أن كثيرا من الإصلاحات الجارية لا يمكنها أن تُحقِّق أهدافها إذا لم يكن الفَردُ صالحاً لتطبيقها، أمّا أن نَزيد الأعباء على الموظّف بحُجّة خدمة المواطن وكأنّه مُجرّد حَلقةٌ في سلسلة إنتاج فيعني أنّ الضّريبة ستكون مُضاعفةً عليه لأنه مواطن وموظّف، ويعني هذا أيضا، أنّ الإصلاح المنشود لا يزال بعيداً، لا سيما وأنَّ الإدارة عاجزةٌ عن مُسايرة التَّغيُّرات السّريعةالحاصلة في مجتمعٍ ماضٍ بسرعة البرق، بينما تظلّ هي تسير بسرعة السّلحفاة! عبد العزيز حامدي |
| الساعة الآن 06:17 PM. |
Powered by vBulletin
قوانين المنتدى