منتديات الشروق أونلاين

منتديات الشروق أونلاين (http://montada.echoroukonline.com/index.php)
-   صفحات المنتدى على جريدة الشروق اليومي (http://montada.echoroukonline.com/forumdisplay.php?f=249)
-   -   الخَبَر بين مبدأ الحق في الإعلام و خُلق الستر في الإسلام (http://montada.echoroukonline.com/showthread.php?t=306335)

abdo hamdi 29-06-2015 12:15 AM

الخَبَر بين مبدأ الحق في الإعلام و خُلق الستر في الإسلام
 

يُعد الخبر الأساسَ الذي يقوم عليه العمل الصحفي، إذ مهمة الصحفي الأساسية هي تزويد الناس بالأخبار، و قد عرّف القانون العضوي رقم 12-05 المؤرخ في 18 صفر 1433 هـ الموافق لـ12 جانفي 2012 المتعلق بالإعلام في مادته 73 الصحفي المحترف أنه: "...كل من يتفرغ للبحث عن الأخبار و جمعها وانتقائها و معالجتها و/ أو تقديم الخبر لدى أو لحساب نشرية دورية أو وكالة أنباء أو خدمة اتصال سمعي بصري أو وسيلة إعلام عبر الانترنت و يتخذ هذا النشاط مهنته المنتظمة و مصدرا رئيسيا لدخله"، فالبحث عن الخبر هو المهمة الأولى، وتبعا للدور المفصلي الذي تؤديه الصحافة في المجتمعات الحديثة، اختلفت طرق التعامل مع الخبر وتوظيفه و معالجته باختلاف الأيديولوجيات و الفلسفات المستَنَد إليها.

وإنما أرغب هنا في الإشارة إلى مدى التناقض بين خُلق من الأخلاق الإسلامية التي ارتضيناها لإدارة حياتنا، مع طرق معالجة الخبر في كثير من الصحف و القنوات، وهذا قد يشكل حرجا لبعض الصحفيين على الأقل لعدم تبَيُّنهم الحدود الدقيقة التي تفصل ما بين الحق في الإعلام باعتباره مبدأ تكفله القوانين و الدساتير من جهة، و بين خُلق الستر و فَن التكتم على الخبر الذي يدعوا إليه الإسلام و يُرغِّب فيه. والسؤال هنا هو: أين يبدأ الحق في الإعلام و أين يتوقف؟ و متى يكون خلق الستر أعلى كلمةً و أَوْلى؟

أما الحق في الإعلام فقد جاء في المادة 2 من قانون الإعلام 1990 :"الحق في الإعلام يجسده حق المواطن في الإطلاع بكيفية كاملة و موضوعية على الوقائع والآراء التي تهم المجتمع على الصعيدين الوطني و الدولي وحق مشاركته في الإعلام بممارسة الحريات الأساسية في التفكير والرأي و التعبير طبقا للمواد 35 36 39 و 40 من الدستور". وعلى هذا فإنه يتضمن حق تبليغ الأنباء و المعلومات و الآراء و هي مهمة الصحفي عادة، و حق تلقي الأنباء و المعلومات والآراء. وجاء في القرآن الكريم ترغيبا في الستر وتحذيرا من ضده قولُه سبحانه و تعالى : "إنَّ الذين يُحِبُّون أَنْ تَشيعَ الفاحِشَة في الذين آمَنُوا لهم عذابٌ أَليمٌ في الدُّنيا والآخِرةِ و اللهُ يَعْلم وَأَنتُم لا تَعلَمون". النور 19، و السِّتير هو الله سبحانه و تعالى كما ورد في السنة النبوية المطهرة : " إن الله سِتِّير يُحب الحياء والسَّتر فإذا اغتسل أحدكم فليستتر" ، وقوله عليه الصلاة و السلام : " كلّ أمتي معافى إلا المجاهرين ..." ، وقوله: " من سَمَّع سَمّع الله به ..."، و قوله: " من ستر مسلما ستره الله يوم القيامة"، وغير هذا كثير جدا في أحاديثه عليه الصلاة والسلام.

إلا أن الممارسة الصحفية و الإعلامية الشائعة اليوم في بلادنا تكاد لا تُلقي لهذا الخُلق بالاً، نظرا لسيطرة المفاهيم الغربية بشكل عام، فتأتي هنا مثلا مسألة السبق الصحفي، و الإثارة و التشويق، والمنطق التجاري و الخضوع لغريزة البشر المَيَّالة لمعرفة أسرار الآخرين، لتُغَطي على خلق الستر بدعوى العمل الصحفي المحترف الذي يضمن حق المواطن في الإعلام و معرفة ما يجري من حوله، و خاصة عندما يتعلق الأمر بشخصيات معروفة في المجتمع أصبح المواطن قسيما لها في حياتها لعموميتها، و مِن ثَمَّ تُنتهك حرمة الحياة الشخصية تحت ذريعة الحق في الإعلام. كما شاعت في عدة صحف وقنوات، أخبار الفضائح الأخلاقية والإجرامية، وكثير من الأسرار المنزلية ، ولا تتورع هذه الوسائط الإعلامية عن نشر صورٍ فاضحة خادشة للحياء، أو صور القتل و الموت المثيرة للمشاعر الإنسانية.
إن هذا التناقض الحاصل على المستوى الإجرائي لا يزيله إلا تحديد دقيق للأرضية التي يبني الصحفي عليها مادته الخبرية فيأخذ من رصيده الأيديولوجي ما يُكمل به احترافيته الإعلامية و لا يناقضها أو ينقضها، وقد يعود هذا الارتباك بآثار جانبية مُدمِّرة للمجتمع على المدى الطويل، لعل بعض ملامحها تبدو واضحة اليوم في تَبِعات ما يُنشر على صفحات الفايسبوك واليوتوب وغيرها، و كأننا نحن الأمة التي تهوى الفضائح و نشرها، و هذا بيِّن على صفحات الكثير من الجرائد الوطنية تحت مُسمى الحق في الإعلام و تنوير المواطن،و الأمثلة كثيرة جدا، و الحق أننا تعلمنا في المراحل الابتدائية أن الله يأبى أن تصير حياة البشر مَشاعا لبعضهم، و لكل فرد أسرارُه التي لا يحق للآخرين منها شيء، و هكذا وجب أن يصير الحق في السَّتر مبدأ إعلاميا تماما كالحق في الإعلام، وعلى القدر نفسه من الأهمية حتى لا تغيب الثقة و يَعمَّ الخوف والقلق في المجتمع، ولعل استغلال مبدأ الحق في الإعلام بإفراطٍ و توسع، هو أحد أهم أسباب خوف السلطات من الصحافة وارتيابها في نواياها، وهو أيضا من جِلّة دواعي عامة الناس إلى الإقبال عليها رغبة منهم في فضح السلطات وكشف تقصيرها.

و لقد أشارت الكثير من النصوص القانونية إلى هذه المسألة نذكر منها المادة 3 من القانون العضوي المتعلق بالإعلام الصادر في 3 أفريل 1990 و التي أشارت إلى أنه " يمارس الحق في الإعلام بحرية مع احترام كرامة الشخصية الإنسانية..." و جاء في المادة 6 "أن حق الوصول إلى مصادر الخبر لا يجيز للصحفي أن ينشر أو يفشي المعلومات التي من طبيعتها أن تمس أو تهدد الأمن الوطني أو الوحدة الوطنية أو أمن الدولة...". ولا أدري لماذا يكون أمن الدولة أعظمَ حُرمة من أمن المواطن البدني و النفسي، مع كون المواطن أساسَ الدولة، وهو بانيها وحاميها.
و يَنُصُّ القانون العضوي المتعلق بالإعلام الصادر سنة 2012، في المادة 2 من الباب الأول: "يمارس نشاط الإعلام بحرية في إطار أحكام هذا القانون العضوي و التشريع و التنظيم المعمول بهما وفي ظل احترام : الدستور و قوانين الجمهورية، الدين الإسلامي و باقي الأديان، الهوية الوطنية و القيم الثقافية للمجتمع...، كرامة الإنسان و الحريات الفردية و الجماعية". وجاء في المادة 92 من الفصل الثاني الباب السادس: "يجب على الصحفي على الخصوص: الامتناع عن نشر أو بث صور أو أقوال تمس بالخلق العام أو تستفز مشاعر المواطن". ونصت المادة 93 صراحة أنه: "يُمنع انتهاك الحياة الخاصة للأشخاص و شرفهم و اعتبارهم. ويمنع انتهاك الحياة الخاصة للشخصيات العمومية بصفة مباشرة أو غير مباشرة".

و وَرَد في نص ميثاق أخلاقيات مهنة الصحافة لصحفيي المغرب العربي الذي نشرته الخبر بتاريخ 31-12-2012، ووقع عليه أربع مدراء لصحف جزائرية، أنه "على الصحفي أن يعي ما يترتب من نتائج على ما يُنشر"، ونص أيضا : "تختلف وظيفة الصحفي عن الملحق الصحفي و المكلف بالعلاقات العامة و أي وظيفة أخرى مشابهة كما تختلف مهنة الصحفي عن مهنة الشرطي". وجاء في المادة العاشرة تحت عنوان احترام حق الحياة الشخصية و كرامة الإنسان: "يُطالب الصحفي باحترام حق الفرد في حياته الشخصية وكرامته، كما يلتزم باحترام قرينة البراءة و الحرص على عدم المس دون دليل موثق بسمعة أو شرف الآخرين، كما يمتنع عن القذف و التشهير و الشتم والاتهامات الباطلة".

كل هذه المواد التي أوردتُها أمثلةً على ما أذهب إليه، تضع للحق في الإعلام حدودا أخلاقية وقانونية تتوافق مع الأخلاق الاسلامية، فهو ليس حقا مطلقا لأن الأمر يتعلق بحياة البشر و كرامتهم وسُمعتهم، ولَإِن كان أي نص قانوني أو مبدأ أخلاقي عُرضة عند تطبيقه للتعديل أو التحريف أو المقاربة و التسديد، فإن الإدراك الجيد و الذكي لحدود الحق في الإعلام وممارسته بوعي تام، مسألة على قدر كبير من الأهمية لأن الخبر هو المادة الأولية في صناعة الرأي العام وليس التعامل معه أو معالجته بالأمر اليسير و الشيء الهين، ولا ينبغي أن يكون الخلق الإنساني الكريم مَرتَعاً للاستغلال السيئ وغير المسؤول للحق في الإعلام، وقد يكون التكوين الجيد للصحفي و وعيُه الحميد ، أضمنَ السُبُل للجمع الحكيم بين المفهومين وأكْفلَها لممارسةٍ صحفية مسؤولة.
عبد العزيز حامدي


الساعة الآن 07:04 AM.

Powered by vBulletin
قوانين المنتدى