![]() |
ضعف أحاديث الرايات السود
تحقيق
الحافظ : إسماعيل ابن كثير - كتب الله له الحسنى وزيادة - لأحاديث الرايات السود وبآخره دراسة الأثر المنسوب لعلي ، رضي الله عنه " إِذَا رَأَيْتُمُ الرَّايَاتِ السُّودَ فَالْزَمُوا الْأَرْضَ .. " الخ ، رواية ودراية الحمد لله ، والصلاة والسلام على رسول الله محمد بن عبد الله ، وعلى آله وصحبه ، ومن اهتدى بهداه ؛ أما بعد : فقد وقفتُ من خلال البحث على تحقيق ماتع للحافظ المحقّق : إسماعيل ابن كثير - رحمه الله - عن الرايات السود ، فأحببت إبرازه ، وإتحافكم به ، فإليكموه ، بارك الله في الجميع : حيث عقد - أثابه الله الفردوس الأعلى - في كتابه الماتع ( البداية والنهاية ) ( 9 : 136 ) ( ط : هجر - الأولى 1418هـ ) فصلًا بعنوان : فصل في ترتيب الإخبار بالغيوب المستقبلة بعده صلى الله عليه وسلم . قال في ( ص275 ) منه : " الإخبار عن دولة بني العباس ، وكان ظهورهم من خراسان في سنة اثنتين وثلاثين ومائة " . ثم أورد كثيرًا من أحاديث الرايات السود ، وختم الكلام عنها في ( ص283 ) بقوله : ".. ، هذا كله تفريع على صحة هذه الأحاديث ، وإلا فلا يخلو سند منها عن كلام ، والله - سبحانه وتعالى - أعلم بالصواب " . وقال - أيضًا - عند كلامه عن المهديّ [ السنيّ لا المسردب ] كما في ( المصدر السابق ) ( ١9 : 55 ) : " فصل في ذكر المهدي الذي يكون في آخر الزمان " . ثم قال في ( ص62 ) منه : " .. ، وهذه الرايات السود ليست هي التي أقبل بها أبو مسلم الخراساني ؛ فاستلب بها دولة بني أمية في سنة ثنتين وثلاثين ومائة ، بل هي رايات سود أخرى تأتي صحبة المهدي .. " . دراسة الأثر المنسوب لعلي ، رضي الله عنه : " إِذَا رَأَيْتُمُ الرَّايَاتِ السُّودَ فَالْزَمُوا الْأَرْضَ .. " الخ ، رواية ودراية . ولقد انتشر منذ فترة في شبكة النت ، ووسائل التواصل الاجتماعي ؛ أثرًا ضعيفًا منسوبًا لأمير المؤمنين الخليفة الراشد : علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - زعم بعض المتكلِّمين ؛ أن له حكم الرفع إلى النبي صلى الله عليه وسلم . جاء في الأثر عن علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - أنه قال : " إِذَا رَأَيْتُمُ الرَّايَاتِ السُّودَ فَالْزَمُوا الْأَرْضَ فَلَا تُحَرِّكُوا أَيْدِيَكُمْ ، وَلَا أَرْجُلَكُمْ ، ثُمَّ يَظْهَرُ قَوْمٌ ضُعَفَاءُ لَا يُؤْبَهُ لَهُمْ ، قُلُوبُهُمْ كَزُبَرِ الْحَدِيدِ ، هُمْ أَصْحَابُ الدَّوْلَةِ ، لَا يَفُونَ بِعَهْدٍ وَلَا مِيثَاقٍ ، يَدْعُونَ إِلَى الْحَقِّ وَلَيْسُوا مِنْ أَهْلِهِ ، أَسْمَاؤُهُمُ الْكُنَى ، وَنِسْبَتُهُمُ الْقُرَى ، وَشُعُورُهُمْ مُرْخَاةٌ كَشُعُورِ النِّسَاءِ ، حَتَّى يَخْتَلِفُوا فِيمَا بَيْنَهُمْ ، ثُمَّ يُؤْتِي اللَّهُ الْحَقَّ مَنْ يَشَاءُ " . أخرجه نعيم بن حماد في كتاب الفتن ( ص573 ) . وعند البحث والتحقيق ؛ اتضح لي بعض الأمور ، وهي الآتية : • الأول : أن الأثر ضعيف جدًا ، ففيه علل ، يكفي واحدًا منها ؛ لرد الأثر ، فكيف بها مجتمعة ؟! وهذا نقل لما وجدته حول هذا الأثر : " أولها : ضعف نُعيم بن حماد لكثرة روايته للمناكير ، وقد شهد الحفاظ على كتابه الفتن بأنه طافح بالمناكير . وثانيها : ضعف رِشدين شيخُ نُعيم . وثالثها : ضعفُ ابن لهيعة . ورابعها : جهالة أبي رومان ، فقد بحثت عنه [ في ] كتب التراجم ، ولم أرَ من صرّح باسمه . وسأذكر بعض الأحاديث التي رواها أبو رومان عن علي بن أبي طالب ، والتي هي أشبه بالموضوعات !! وخامسها : اضطراب المتن ، فقد روى نُعيم بن حماد هذا الحديث ؛ ولكن بلفظ مختلف في كتابه الفتن فقال في إحدى المواضع : « حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ ، وَرِشْدِينُ ، عَنِ ابْنِ لَهِيعَةَ ، عَنْ أَبِي قَبِيلٍ ، عَنْ أَبِي رُومَانَ ، عَنْ عَلِيٍّ ، قَالَ : « إِذَا اخْتَلَفَ أَصْحَابُ الرَّايَاتِ السُّودِ بَيْنَهُمْ كَانَ خَسْفُ قَرْيَةِ بِإِرَمَ ، يُقَالُ لَهَا حَرَسْتَا ، وَخُرُوجُ الرَّايَاتِ الثَّلَاثِ بِالشَّامِ عِنْدَهَا » . وكذلك رواه مرةً أخرى ؛ ولكن بلفظ مختلف ، فقال : « حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ ، وَرِشْدِينُ ، عَنِ ابْنِ لَهِيعَةَ ، عَنْ أَبِي قَبِيلٍ ، عَنْ أَبِي رُومَانَ ، عَنْ عَلِيٍّ ، قَالَ : « إِذَا اخْتَلَفَتْ أَصْحَابُ الرَّايَاتِ السُّودِ خُسِفَ بِقَرْيَةٍ مِنْ قُرَى أُرَمَ ، وَيَسْقُطُ جَانِبُ مَسْجِدِهَا الْغَرْبِيُّ ، ثُمَّ تَخْرُجُ بِالشَّامِ ثَلَاثُ رَايَاتٍ : الْأَصْهَبُ ، وَالْأَبْقَعُ ، وَالسُّفْيَانِيُّ ، فَيَخْرُجُ السُّفْيَانِيُّ مِنَ الشَّامِ ، وَالْأَبْقَعُ مِنْ مِصْرَ ، فَيَظْهَرُ السُّفْيَانِيُّ عَلَيْهِمْ » . ولا يخفى على كل طالبٍ وهاء الأحاديث الخاصة بالسفياني ، وأشباهها . وخلاصةُ الحكم في هذا الحديث أنه منكرٌ سندًا ، ومتنًا ، ولا يُستشهد به ، ولا تصح نسبته إلى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ، رضي الله عنه " . فمثل هذا الأثر لا يُحتج به . • الثاني : إذا تقرّر ما تقدّم من أنه لا يصح وقفه على عليٍّ - رضي الله عنه - من جهة الرواية . فكيف يرفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم ؟! وأهل السنة ليسوا بحاجة للاستدلال بالأحاديث ، والآثار الموضوعة ، والضعيفة عند الرد على الخوارج كداعش ، وغيرهم من أهل البدع ، ففي كتاب الله ، والسنة الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم ، وآثار السلف الصحيحة غنية ، وكفاية للمسترشد . • الثالث : من ضمن ما ذكره المتكلِّم أن الواقع يشهد للحديث . وطلاب العلم فضلًا عن العلماء يعلمون خطورة تصحيح الأحاديث ، والآثار بشهادة الواقع . قال الإمام الألباني - رزقه الله لذة النظر إلى وجهه الكريم - في ( السلسلة الضعيفة والموضوعة ) ( 4 : 36 ) : " ( تنبيه ) : كتب بعض الطلاب الحمقى ، وبالحبر الذي لا يُمحى ، عقب قول الذهبي المتقدِّم - نسخة الظاهرية : " قلت : بل صحيح جدًا " ، وكأن هذا الأحمق يستلزم من مطابقة معنى الحديث الواقع أنه قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم ، و هذا جهل فاضح ، فكم من مئات الأحاديث ضعفها أئمة الحديث ، وهي مع ذلك صحيحة المعنى ، و لا حاجة لضرب الأمثلة على ذلك ، ففي هذه السلسلة ما يغني عن ذلك ، و لو فُتح باب تصحيح الأحاديث من حيث المعنى ، دون التفات إلى الأسانيد ، لاندسّ كثير من الباطل على الشرع ، و لقال الناس على النبي صلى الله عليه وسلم ما لم يقل ، ثم تبوءوا مقعدهم من النار والعياذ بالله ، تعالى " . بل إن الواقع المُشاهد المحسوس أن تنظيم القاعدة ، ومن انشق عنه من دواعش ، وغيرهم ، كلهم يستعملون الكنى والألقاب ، وينتسبون للقرى والبلدان والدول . فلم قصر المتكلم الأمر على نوع واحد من الخوارج ، ولم يعمّمه على جميعهم ؟! فهذا من تناقضاته ، هداني الله وإياه . والصحيح هو : لا أثر لهذا الأثر في تأييد الخوارج من دواعش ، أو غيرهم من عدمه . فلو صحّت الأحاديث ، والآثار في الرايات السود ، فإنها تتنزّل على مجاهدين صالحين يقاتلون تحت راية الإمام الصالح المهدي عند ظهوره . بخلاف أولئكم الفسقة الفجّار من الخوارج ، والقرامطة ، وغيرهم من العصابات . فلو ذهبنا نعدِّد جرائمهم ، والشواهد عليها ؛ لطال بنا المقام من : خروجهم على ولاة أمور المسلمين ، وبغضهم لعلماء السنة ، وتكفيرهم وقتلهم بالشبهة للمسلمين ، ولمعصومي الدماء ، وغدرهم بالناس ، وتشبههم بالنساء ، واستعمالهم للمخدرات في أمور أخرى يخجل المرء من ذكرها . فخليق بهؤلاء الشراذم أن يكونوا في جيش الدجّال مع الروافض ، واليهود ، والنساء . وإلا هل كان جهاد رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم ، وصحبه الكرام - رضي الله عنهم - هكذا ؟! حاشاه من حالهم ، بأبائنا وأمهاتنا هو عليه الصلاة والسلام . وحاشا صحبه الكرام ، رضي الله عنهم . ولكن هي الأهواء تعمي وتصم ، وتهوي بأصحابها في الردى ، والعياذ بالله . • الرابع : ينبغي التنبّه لأساليب أهل الأهواء الذين يحاولون استغلال البحوث العلمية ، والردود السلفية ؛ لتمرير باطلهم . ولهذا فإن الرد على غلط هذا المتكلّم ، ليس معناه الإقرار لباطل الخوارج ؛ بل فيه دعوة للعودة إلى المنبع الصافي ( الوحي الشريف ) ، ومراعاة المنهج العلمي السلفي الذي سار عليه أئمتنا ، رحمهم الله رحمة واسعة . هذا والله أعلم ، وصلى الله على المبعوث رحمة للعالمين ، نبينا محمد ، وعلى آله وصحبه أجمعين ، والحمد لله رب العالمين . كتبه راجي عفو ربه : أبو عبد الرحمن الأشقر ليلة الأحد 1436/12/13هـ |
| الساعة الآن 04:23 PM. |
Powered by vBulletin
قوانين المنتدى