![]() |
قصة تفكيك "جمهورية الرملي"
سعيد باتول صحافي بجريدة الشروق مكلف بالشؤون المحلية لم يكن أكثر المتفائلين من المسؤولين المحليين يتوقع أن تمر عملية إعادة إسكان حي الرملي، الذي شكل طيلة سنة كاملة صداعا لدى المسؤولين، بسلام كونه كان بمثابة "القنبلة"، نظرا إلى حساسية العملية التي تكمن في ارتفاع عدد قاطنيه البالغ 4500 عائلة. ويبدو أن عملية "إزالة" حي الرملي الذي يوصف بـ "أكبر" حي قصديري، تم وفق خطة محكمة المعالم جند لها "كومندوس" من الدرك والأمن، بدليل غلق جميع المنافذ وغرس قوات التدخل في كل أركان وزوايا هذا الحي لمنع أي محاولة لشن احتجاجات عارمة. ..مخبرون لتقصي الأوضاع قبيل الترحيل هذا وقد استعانت السلطات المعنية للترحيل والقضاء على هذا الحي بمخبرين غرسوا طيلة أسبوعين بالحي قصد تقديم كافة المعلومات اللازمة حول كافة المنافذ والمداخل التي تؤدي إلى الحي، فضلا عن تحركات العائلات القاطنة بها لدحض أي محاولة للاحتجاج أو التمرد على قرار السلطات بإخلاء الأكواخ وترحيل قاطنيها. وخلال جولة استطلاعية قامت بها "الشروق" يوما قبل انطلاق العملية لاحظنا هدوءا تاما بالحي، فيما اهتم آخرون بجمع الخرداوات وصفائح الزنك وبيعها لعلها تدر عليهم بعضا من المال، فيما بقي آخرون ينتظرون ساعة الفرج، وهم يترقبون أهم من المحظوظين المستفيدين أو المقصين، بينما كان آخرون يخيل إليك أنهم من سكان الحي إلا أن الواقع أنهم مخبرون استعانت بهم الجهات الأمنية لرصد جميع التحركات الموجودة بالحي وكافة المداخل الحساسة بغرض التحكم فيها بشكل تام ووضع حد لأي انزلاق. صادفنا ونحن نتجول بهذا الحي "الكبير" شخصا كان رفقة عدد من قاطني الحي اعتقدنا في بادئ الأمر أنه من سكان الحي فاستفسرناه عن الطريق كوننا وجدنا صعوبة في الوصول إلى مخرجه نظرا إلى تعقد المسالك، فأجابنا بأنه لا يقطن بالحي لكنه من عمال البلدية وكلف بإحصاء العائلات استباقا لترحيلهم، بعدها استرسلنا في الحديث إليه مستفسرين عن موعد انطلاق عملية الترحيل بالحي وعن أي منطقة ستكون البداية، فرفض تقديم أي معلومة قائلا: "لا أدري، أنا موجود بالحي منذ أسبوع.. وعلمت أنه في الصباح (حدث هذا يوم الثلاثاء) تم عقد اجتماع بين الوالي المنتدب لبئر مراد رايس ومسؤولين قصد تحديد الموعد"، مضيفا: "مهمتي ستنتهي فور وصول قوات الأمن". حينها أدركت أن المعني تم تكليفه برصد جميع المداخل وجمع كافة المعلومات التي تفيد عملية التحكم في البرنامج، بعدها استفسرنا منهم المخرج فأجابنا: "اذهبوا من هذا الطريق واحذروا فإن فيه كثيرا من المطبات والحفر"، حينها أدركنا أن هذا الشخص كلف بمهمة تقديم كافة المعلومات حول مداخل ومخارج الحي لتوجيه قوات الأمن لتطويق المكان. يومان بعد ذلك، أي مباشرة بعد مسح الشطر الأول، المتمثل في المنطقة "ج"، حتى تضاعف عدد أعوان الأمن المدعمين بفرق البحث والتدخل، حيث تم بث مجموعة من العناصر في كل زاوية من زوايا الحي، وبمحاذاة الأماكن الحساسة فوق البنايات الرسمية والشركات ومحطة القطار، تجنبا لأي طارئ وحفاظا على حركة المرور، فضلا عن وضع عدد من العناصر في كل زاوية من زوايا الحي وبث فرقة خاصة بحراسة الأرضية المسترجعة بعد تهديم البنيات كما تم وضع عناصر أخرى تحت أهبة الاستعداد لإحباط أي محاولة للتجمهر والتجمع. كما تم غلق الطريق الرابط بين السمار وبلدية براقي إلا للسيارات الرسمية أو الشاحنات المخصصة لرفع الأمتعة، فضلا عن منع السيارات من التوجه إلى وسط منطقة السمار ومنع أي كان من ركن سيارته بالقرب من الملعب البلدي الشهيد بولوح والقاعة متعددة الرياضات. "كوموندوس" للقضاء على أخطر منطقة بحي الرملي وحسب المعاينة التي قمنا بها أمس خلال تغطيتنا لليوم الثاني من عملية الترحيل، لاحظنا تجنيد "كومندوس" من قوات الأمن التي شرعت في محاصرة المنطقة "أ"، المحاذية لخط السكة الحديدية التي تعتبر الأكثر حساسية وخطورة نظرا إلى ارتفاع عدد قاطنيها مقارنة بالمناطق الأخرى، حيث تحصي أكثر من 2000 عائلة حسب السكان، ومن المنتظر أن تشهد ترحيل 1300 عائلة منها نحو الحي السكني الجديد، وهي المنطقة التي تزعمت في وقت سابق كافة الاحتجاجات التي شنها قاطنو الحي حسب شهادات السكان، ما جعل السلطات الولائية والأمنية تتخذ كافة الإجراءات الاحترازية، حيث بدأت التحضيرات للقيام بآخر وأصعب مرحلة من مراحل تفكيك قنبلة الرملي التي ظلت لسنوات تشكل كابوسا لدى المسؤولين المتعاقبين. مصدر مسؤول بولاية الجزائر: إعادة 1500 عائلة مقصاة إلى ولاياتها الأصلية! قررت مصالح ولاية الجزائر ترحيل العائلات المقصاة، البالغ عددها 1500 عائلة إلى ولايتها الأصلية، حيث أعطت تعليمات لسائقي الشاحنات بنقل الأمتعة الخاصة بالعائلات إلى مقر سكنها، حتى وإن كان ذلك خارج الولاية، فيما قررت متابعة جميع المقصين قضائيا، وتوعدت بالقيام بتحقيقات بعدية وطرد أي عائلة ثبتت استفادتها. وذكرت مصادر مطلعة بولاية الجزائر لـ"الشروق"، أن تعليمات أعطيت إلى أصحاب الشاحنات بنقل العائلات المقصاة، والتي تبين استفادتها من صيغ سكنية في ولايتها الأصلية من أجل إعادتهم إليها، حتى وإن تطلب الأمر التنقل إلى ولايات بعيدة عن العاصمة، ويهدف هذا القرار تجنب أي محاولة لعودة العائلات إلى الموقع الذي تم تهديمه بالكامل، ولجنب تشييدهم سكنات قصديرية، أو وضع خيمات بأماكن بالقرب من الموقع الذي رحلوا منه. ولاحظت "الشروق" خلال جولة استطلاعية قامت بها توجه العديد من الشاحنات المحملة بأمتعة العائلات المقصاة، نحو وجهات عدة، منهم من توجه إلى خارج الولاية، عقب إعلامهم بأنهم مقصون من عملية إعادة الإسكان، وإبراز الأسباب المتعلقة بذلك، فيما لجأ آخرون إلى التوجه نحو منازل عائلاتهم لوضع أثاثهم إلى غاية البت في طعونهم. وأضاف ذات المسؤول إنه لغاية الأمس، تم تسجيل ترحيل 1100 عائلة إلى الموضع السكني الجديد بحي سيدي حماد، تبعها هدم فوري للبنايات، حيث لوحظت الجرافات وهي تباشر عملها، فيما أضحت مكاتب الطعون المنقضية بالقاعة المتعددة الرياضات التابعة لبلدية جسر قسنطينة، أكثر من 500 طعن في اليومين الماضيين ينتظر دراستها في الأيام القليلة المقبلة. وحسب مصدرنا، فإن مصالح ولاية الجزائر قررت رفع دعاوى قضائية ضد أزيد من 1500 عائلة، أقصيت من العملية بتهمة التحايل، بعدما أدلت بتصريحات كاذبة، أو ثبت تزويرهم للوثائق أو غير ذلك، موازاة مع استكمال تحقيقات بحق المستفيدين من العملية، كاشفين إمكانية طرد أي عائلة أثبتت التحقيقات البعيدة استفادتها من سكنات في صيغ أخرى كرّ وفرّ بين الأمن والمقصين "القزول" لطرد العائلات المقصاة من الترحيل بالرملي! وتواصلت عملية إعادة إسكان قرابة 700 عائلة تقطن بعدة مناطق بحي الرملي، الخميس، وسط إجراءات أمنية استثنائية، خوفا من وقوع احتجاجات على خلفية إقصاء العشرات من العائلات في اليوم الأول، فيما طردت قوات الأمن العديد من العائلات التي كانت موجودة بقاعة الرياضات بالسمار، التي خصصت لإيداع الطعون. عاش حي السمار أمس حالة كر وفر بين قوات الأمن والسكان المقصين من عملية الترحيل، التي شملت قاطني المنطقة "ج"، حيث داهم العشرات من أعوان الأمن وطوقوا القاعة متعددة الرياضيات بالسمار، لمنع العائلات التي أودعت طعونها من المكوث داخلها وضمان عدم عودتهم إلى الحي ككل، كما فرقت عشرات الأفراد المحتجين ممن طالبوا بالرد السريع على طعونهم. وفرضت مصالح الأمن والدرك طوقا أمنيا استثنائيا على المنطقة ككل، حيث أبقت على الوجود الأمني بالمنطقة التي تم تهديمها كليا، حتى لا تسمح للعائلات المقصاة بالعودة إليها أصلا أو التجمع بها والتجمهر احتجاجا على إقصائها، حيث تمنع منعا باتا العائلات التي يشتبه فيها أنها من قاطني حي الرملي المرحلين حتى يقوموا بطردهم ومنعهم من الاقتراب من القاعة. ويهدف هذا الإجراء، حسب مسؤولي البلدية، الذين تحدثت إليهم "الشروق"، إلى القضاء نهائيا على هذا الحي. وأغلقت مصالح الأمن حركة المرور في وجه المركبات المتجهة صوب منطقة السمار بهدف التمكن من التحكم في "جحافل" المقصين الذين قارب عددهم 500 عائلة مع صبيحة اليوم الثاني، كما قامت بتطويق جميع المناطق الحساسة، على غرار محطة القطار ومداخل حي الرملي ككل. وشنت مصالح الأمن حملة مطاردة للعائلات المقصاة حتى تتجنب إنشاء خيم على قارعة الطريق، حيث أجبرت سائقي الشاحنات على الابتعاد كليا عن المكان وتحمل كافة المسؤوليات بعدما تودع العائلات طعونها. من جهتهم، أبدى المقصون من عملية إعادة الإسكان استياءهم من الإقصاء غير المبرر حسبهم، وسياسة التشريد التي مورست في حقهم، حيث استغربت عائلات عدم وجودها ضمن قائمة المستفيدين رغم أنه لم يسبق لها الاستفادة من أي صيغة سكنية، فيما حملت قائمة المستفيدين عائلات تحوز عقارات ومساكن وفيلات بالبلدية وحتى منهم تجار جملة بالمنطقة مثلما، قال لنا سمير مواطن أقصي من العملية. من جهتها، تساءلت السيدة حليمة، التي حرمت من الحصول على حقها رغم استيفائها جميع الشروط اللازمة، إلا أنها تفاجأت من عدم منحها السكن، قائلة: "لقد حزمت أمتعتي داخل الشاحنة وتوجهت صوب مركز المناجم لأفاجأ بإقصائنا من العملية.. بعدها طمأننا المسؤولون بإيداع الطعن بغية النظر في الأمر قبل أن نفاجأ بقدوم قوات الأمن التي طردتنا بالقوة". وتساءلت: "لماذا كل هذه المعاملة؟ ألسنا جزائريين؟" وناشدت محدثتنا السلطات المعنية الإسراع في دراسة طعونهم، خاصة أنهم يواجهون المجهول وأضحى الشارع مصيرهم المحتوم. |
| الساعة الآن 04:37 AM. |
Powered by vBulletin
قوانين المنتدى