![]() |
كتاب التحليل السياسي الحديث
كتاب التحليل السياسي الحديث
المؤلف: روبرت أ دال ترجمة: د. عُلا أبو زيد مراجعة: أ. د علي الدين هلال مركز الأهرام للترجمة .. الطبعة الخامسة / الطبعة الأولى 1993 الكتاب باللغة الإنجليزية تم نشره عام 1991 المحتويات: الفصل الأول: ما هي السياسة؟ .. طبيعة الجانب السياسي.. تغلغل السياسة الفصل الثاني: وصف النفوذ.. نماذج من الأدنى إلى الأقصى المواطنون: من الأدنى إلى الأقصى لماذا يعتبر تحليل القوة أمراً معقداً وليس يسيرا؟ الفصل الثالث: تفسير النفوذ.. غياب المصطلحات العلمية المتفق عليها النفوذ والسببية الجدل حول تعريف النفوذ ما هو المقصود بتعبير (نفوذ أكبر) ملاحظة ووصف النفوذ: خلاصة الفصل الرابع: شرح وتقييم النفوذ شرح الاختلافات في النفوذ الاحتمالات والحدود أشكال النفوذ تقييم أشكال النفوذ الفصل الخامس: النظم السياسية: أوجه التشابه وجهتا نظر متطرفتان سمات النظم السياسية الفصل السادس: النظم السياسية: أوجه الاختلاف مسار النظام إلى الوضع الراهن درجة (الحداثة) توزيع الموارد والمهارات السياسية التصدع والتلاحم حدة الصراع مؤسسات اقتسام القوة وممارستها الفصل السابع: الاختلافات: حكم الكثرة وحكم اللاكثرة حكم الكثرة المؤسسات السياسية في حكم الكثرة الفصل الثامن: نظام حكم الكثرة ونظام حكم اللاكثرة: تفسير كيف يوظف الحكام القسر العنيف مجتمع حديث ودينامي وتعددي الثقافات الفرعية الفصل التاسع: الرجال والنساء المهتمون بالسياسة الشريحة غير السياسية الشريحة السياسية الساعون وراء النفوذ الأقوياء التغير والتنوع في التوجهات السياسية الفصل العاشر: التقييم السياسي مشكلة القيم في الفلسفة السياسية تيارات معاكسة التراضي العقلاني: هابرماس العدالة من خلال العقد: راولز بعض الأفكار المتضمنة التنوع والصراعات والعهود السياسية الفصل الحادي عشر: اختيار السياسات: إستراتيجيات الإستقصاء والقرار إستراتيجيات العلم البحت الإستراتيجيات الكلية إستراتيجيات الرشادة المحدودة الإستراتيجيات التجريبية البحث عن بدائل |
رد: كتاب التحليل السياسي الحديث
الفصل الأول
ما هي السياسة؟ سواء شئنا أم لم نشأ، فلا يوجد أحدٌ قادر على أن ينأى بنفسه عن الوقوع في دائرة التأثير لنظام سياسي ما. فالمواطن يتعامل مع السياسة عند تصريف أمور الدولة، والمدينة، والمدرسة، والمسجد، والشركة، والنقابة، والنادي، والحزب السياسي، والجمعيات التطوعية... وغيرها كثير من منظمات عديدة أخرى. فالسياسة هي حقيقة من حقائق الوجود الإنساني لا يمكن تجنبها، فكل فرد يجد نفسه مشتركاً بطريقة ما، في لحظة ما، في شكلٍ ما من أشكال النظم السياسية. وإذا كان المرء لا يمكنه تجنب السياسة، فإنه بالضرورة لا يمكنه تجنب النتائج المتولدة عنها. وفي الماضي كانت عبارة كهذه لا تلقى اهتماماً بل وكانت مستهجنة باعتبار أنها عبارة خطابية، أما اليوم فإنها حقيقة واضحة لا مراء فيها. فمصير الجنس البشري اليوم، وهل يكون الى فناء ودمار أم الى بقاء ونماء، إنما تحدده السياسة والسياسيون من خلال صياغتهم للترتيبات السياسية. وهكذا، فإن إجابة السؤال (لماذا نحلل السياسة؟) تضحى واضحة إذن. فالواقع أنه رغم أننا قد نحاول تجاهل السياسة فإنه لا يمكننا تجنبها، وهذا في حد ذاته يُعتبر سبباً قوياً يدفعنا الى محاولة فهم السياسة. فأنت قد ترغب في فهم السياسة لأنك تريد أن تشبع فضولك وحسب. أو لأنك تريد أن تشعر أنك مستوعب ومدرك لما يجري حولك في هذا العالم، أو لأنك تريد أن تصل الى أفضل الخيارات من بين بدائل عدة متاحة. بعبارة أخرى لأنك تريد أن تتصرف بحكمة. وواقع الأمر أن أي فرد يستطيع أن يفهم السياسة بقدر، ولكن السياسة موضوع غاية في التعقيد. وتكمن الخطورة في حقيقة أنه مع افتقاد الخبرة اللازمة مع تعقيدات السياسة، فإن المرء ينزع الى تبسيطها بصورة مُخِّلِة، فاكتساب المهارات الأساسية اللازمة لفهم السياسة ليس بالمهمة السهلة. طبيعة الجانب السياسي ما الذي يُمَيّز الجانب السياسي للمجتمع الإنساني عن الجوانب الأخرى لهذا المجتمع؟ ما هي سمات النظام السياسي في تميزه مثلا عن النظام الاقتصادي؟ بالرغم من أن دارسي السياسة لم يتفقوا مطلقا على إجابة واحدة لهذين السؤالين، إلا أنهم يميلون الى الاتفاق حول بعض النقاط الأساسية. فمثلا من المستبعد أن يوجد خلاف حول الفكرة التي مؤداها أن النظام السياسي هو نمط من العلاقات السياسية. ولكن، ما هي العلاقات السياسية؟ ويُعتبر كتاب أرسطو (السياسة: كُتِب بين 335 – 332 ق م) بمثابة نقطة بدء هامة، وإن كانت غير مدركة دائماً، للإجابة عن هذا السؤال، وكثير غيره من الأسئلة. ففي الكتاب الأول يحرص أرسطو على دحض وجهة نظر هؤلاء الذين يقولون بتطابق كل أنواع السلطة، ويحاول أن يميز سلطة القائد السياسي في الرابطة السياسية، أو دولة المدينة (polis)، عن أشكال أخرى للسلطة من قبيل سُلطة السيد على عبيده، أو سلطة الزوج على زوجته، أو سلطة الآباء على أبنائهم. وهكذا، ومنذ زمن أرسطو، أضحى هناك اتفاق واسع حول فكرة أن العلاقة السياسية تتضمن السلطة أو الحكم أو القوة بشكل ما. وعلى سبيل المثال، فواحد من أكثر علماء الاجتماع المحدثين تأثيراً، وهو الأستاذ الألماني ماكس فيبر Max Weber (1864ـ1920) قرر أن الرابطة يجب أن تُسمى سياسية (إذا كانت هناك استمرارية في فرض نظامها داخل نطاق إقليمي مُحدّد عن طريق استخدام القوة المادية من جانب الهيئة الإدارية، أو التهديد باستخدامها). يخلص المؤلف لاقتراح لتعريف النظام السياسي بأنه (أي نمط مُستمر للعلاقات الإنسانية يتضمن التحكم، والنفوذ، والقوة، أو السلطة بدرجة عالية)، وسيسمي المؤلف في بقية فصول الكتاب عبارات مثل (التحكم، القوة، النفوذ، والسلطة) ب (مصطلحات النفوذ). تعريفات مساعدة لكي يتجنب القارئ الخلط بين المصطلحات، وضع مؤلف الكتاب مجموعة من التعريفات: 1ـ الديمقراطية: هي نظام سياسي يقتسم فيه المواطنون البالغون فُرَص المشاركة في صنع القرارات. 2ـ الديكتاتورية: هي نظام سياسي تنحصر فيه فرص المشاركة في القرارات بين القلة. 3ـ الرأسمالية: هي نظام اقتصادي تضطلع فيه الشركات المملوكة ملكية خاصة بمعظم الأنشطة الاقتصادية الكبرى. 4ـ الاشتراكية: هي نظام اقتصادي تقوم فيه المنظمات التي تملكها الحكومة أو المجتمع بمعظم الأنشطة. كل زوج من هذه المصطلحات: الديمقراطية ـ الديكتاتورية، الرأسمالية ـ الاشتراكية، يعني ضمناً وجود ثنائية. ولكن الثنائيات عادة ما لا تفي بالغرض. فالعديد من الأنظمة السياسية هي في الواقع ليست ديمقراطية تماماً ولا ديكتاتورية بصورة كاملة أيضاً، كما أنه في العديد من الدول نجد تداخلا كثيفا بين العمليات الخاصة والحكومية. وفي عالم الواقع نجد أن السياسة والاقتصاد متداخلان بشدة. |
رد: كتاب التحليل السياسي الحديث
الحكومة والدولة
في كل مجتمع ينزع الناس نحو تطوير توقعات مُتَّفَق عليها تتعلق بالسلوك الاجتماعي في المواقف المختلفة. فالمرء يتعلم كيف يتصرف كمُضيف أو كضيف، كرب أسرة أو كجِّد، كجندي، كموظف بنك، كوكيل نيابة، كقاضٍ...الخ. وأنماط مثل هذه تُسمى أدواراً، وتنشأ عندما يشترك الناس في اقتسام توقعات، تتشابه بدرجة عالية، حول السلوك المتوقع في مواقف مُعينة. وكلنا نلعب أدواراً متعددة، وعادة ما ننتقل ـ وبسرعة ـ من دورٍ الى دورٍ آخر. وحينما يضحى النظام السياسي مُعقداً ومُستقراً، فإن الأدوار السياسية تنمو. ولعل أوضح الأدوار السياسية هي التي يؤديها الأشخاص الذين يُنشئون ويفسرون ويطبقون الأحكام التي تكون مُلزمة لأعضاء النظام السياسي. هذه الأدوار ما هي إلا مناصب، ومجموع المناصب في النظام السياسي يُشكل حكومة هذا النظام. وفي أي لحظة، فإن شاغلي هذه المناصب أو الأدوار يكونون بالضرورة أفراداً محددين، أي أشخاص محسوسين. وفي العديد من النظم لا تتغير الأدوار بتغير الأفراد الذين يتتابعون على القيام بها. أهداف الحكومة تزعم الحكومة أي حكومة بأنها تسعى الى هدف (أنبل) و (أسمى)، وهنا سنواجه ثلاث صعوبات: الأولى: اختلاف الناس في موضوع الأنبل والأسمى، وإن اتفقوا عليه، فسيختلفون على سُلّم الأولويات في مهام الحكومة (هل يقدمون الأمن على الصحة أم التعليم أم العمل الخ). الثانية: انتشار الاعتقاد بأن الحكومة لا تسعى للهدف الأنبل والأسمى. بل هي تسعى لأهداف شريرة، فالفوضوي يرى أن كل هَم الحكومة هي قمعه وكبت حريته. الثالثة: ماذا عن الحكومات الفاسدة؟ على سبيل المثال، هل كل الحكومات الديمقراطية أو الشمولية تسعى الى أهداف نبيلة وسامية؟ هذه النقطة تبدو من الناحية المنطقية سخيفة... فنحن لحد الآن ليس لدينا نموذج عن الحكومة الصالحة متفقاً عليه، كما أننا لم نقم بتعريف الحكومة!! ما هي الحكومة؟ لنأخذ أقدم تعريف للحكومة عند أرسطو (( هي الهيئة السياسية التي تمتلك كل السمات والموارد اللازمة لإقامة حياة صالحة!)) ... لنُحاكم هذا التعريف الذي يعاني من بعض الصعوبات: فلو طبقناه حرفياً لما وجدنا في التاريخ أي حكومة ينطبق عليها حتى (أثينا) فكل دولة ينقصها واحد أو أكثر من الموارد اللازمة، وكل دولة ينقصها سمة أو أكثر للدفاع عن أراضيها! لنأخذ تعريفاً حديثاً للحكومة (( هي الهيئة التي تنجح في دعم ادعائها أنها لها الحق في التنظيم المُطلق (احتكارها) للاستخدام الشرعي للقوة المادية من أجل تطبيق قواعدها. والنظام السياسي يتكون من المقيمين في هذا الإقليم والحكومة هي الدولة)) هذا التعريف يفرض في الحال ثلاثة أسئلة: 1ـ ألا يمكن للأفراد الذين ليسوا بموظفين حكوميين استخدام القوة بطريقة مشروعة؟ ماذا عن الآباء الذين يصفعون أولادهم؟ الإجابة: بالتأكيد فإن حكومة الدولة وإن كانت لا تنفرد في استخدام القوة، فإنها تنظم ذلك الاستخدام بتشريعات متكيفة مع الحالة الإنسانية... ثم أن هناك دول تجرِّم صفع الأولاد... ولكنها تجيز مباريات الملاكمة والمصارعة! 2ـ ماذا عن المجرمين الذين لم تقبض عليهم الدولة؟ فبالرغم من زعم بعض الدول بأنها تتمتع بمؤسسات قانونية وقضاء نزيه، فإنها تعج بحوادث التحرش والاغتصاب والقتل وغيرها. يجيب (المؤلف) ـ وهو من يطرح السؤال طبعاً ـ بأن هذا أيضاً صحيح، فبالقدر الذي يبتكر فيه المجرمون طرقاً يحتالون فيها على القانون فإن جرائمهم ليست مشروعة، وسيبقى تحديهم للحكومة موضع ملاحقة حتى تُكبح أو تقل جرائمهم! 3ـ ماذا عن الأوضاع التي تنتشر فيها أعمال القوة والعنف على نطاق واسع، مثل العراق واليمن وسوريا وليبيا؟ والتي تتنازع فيه قوى مختلفة على فرض سيادتها وقوانينها الخاصة في مساحات رمادية لا أثر فيها للحكومة المركزية؟ هناك شيء واحد مؤكد: عندما تبدأ أعداد كبيرة من الناس تُنكر على الدولة حقها في فرض السيادة على جميع مساحتها، فإن الدولة القائمة تواجه خطر التحلل. النفوذ دعنا نتخيل النفوذ من الأدنى للأعلى، وسنورد بعض ما ذكره المؤلف من نماذج لذوي النفوذ القريب من درجة (الصفر: أي المنعدم). يذكر المؤلف، نموذجاً من سلوك البريطانيين، عندما أبعدوا (160) ألف سجين بريطاني الى أستراليا بين عامي 1787 و 1868، ورغم أن جرائم هؤلاء بعضها لا يزيد عن كونها (سرقة صغيرة) إلا أنهم تعرضوا لقسوة عالية، فيذكر: (( في تسمانيا كان هؤلاء يُجبروا على قطع الأشجار التي يصل وزن إحداها الى 12 طن وربطها مع بعض لتصبح بشكل طوافات تدفع وتسحب من أعلى التلال الى المجرى المائي في أجواء باردة جداً وهم أشباه عراة ونصفهم الأسفل قد غرس في الوحل المثلج، مقابل وجبة من الخبز واللحم الذي غالبا ما يكون فاسداً)) فهؤلاء يكونوا عند الدرك الأسفل من النفوذ، لا حول ولا قوة لهم. وفي المعسكرات النازية، كان المساجين يتعرضون لأسئلة تبدو بريئة مثل (اسمك، عمرك، مكان مولدك) ثم فجأة يُقتلون أمام رفاقهم لإحداث الرعب في نفوسهم. وهؤلاء أيضاً نفوذهم (صفر). يدعونا الكاتب للارتقاء قليلا (حيث يتدرج من الصفر الى أعلى) ويقول: تخيل نفسك أنك أحد العبيد في الولايات المتحدة ـ قبل الحرب الأهلية ـ أو في البرازيل، فإن نفوذك لا يكون (صفر)، فأنت باقٍ على قيد الحياة لمصلحة سيدك في ذلك، وقد يسمح لك بالزواج والتكاثر وممارسة (نفوذك!) على زوجتك وأطفالك! ثم يدعونا الكاتب الى الارتقاء قليلا، أي أن نصبح مواطنين ذوي سيادة على أنفسنا، ولكنها دون المستوى الذي يجعلنا أحرارا. فيقول: لنتخيل أن أحدنا في أحد التجمعات السكنية الريفية في أمريكا الجنوبية، وأن التلال والجداول محيطة بذلك التجمع، ووسيلة النقل هي البغال حتى تصل قرية فيها وسيلة مواصلات بدائية حديثة، وكان معك زوجتك التي على وشك الولادة، وعجزت نساء تجمعك السكني على توليدها، فعليك قطع الأودية والوصول للتشبث في إحدى الساحبات (التراكتور) والوصول الى طبيب القرية الأكبر، والذي يعتذر لأنك لا تحمل النقود لدفع أجرة التوليد! ثم يحاول الكاتب الارتقاء بنا الى درجة أعلى فيقول: لنفرض أن لك سيادة على نفسك ومعك مصاريف الأطباء والتعليم، ولكنك قد تكون أحد ضحايا وشاية تقرير كتبه فيك أحد المخبرين السريين في دول كثيرة من العالم! المواطنون من الأدنى الى الأقصى يقع مواطنو الدول الديمقراطية بين الحد الأدنى والحد الأقصى من النفوذ. ولكن لو تفحصت واقع الحال، لوجدت أنه ليست هناك مساواة (البتة). في مجال العمل مثلاً، وعلى مر التاريخ، وفي كل أنحاء العالم، يوجد تسلسل هرمي: رؤساء، مرؤوسين، مشرفين، مراقبين الخ ومن ثم يأتي العمال. أناس يصدرون الأوامر، وآخرون يستمعون ويُنفذون! وقد سُئل أحد عمال الكيميائيات في شرق الولايات المتحدة الأمريكية: س: هل يُسأل العمال عن رأيهم في ظروف العمل؟ ج: مطلقاً، فأنت عادة ما تسمع إشاعات، ثم ترى القرارات معلقة على لوحة الإعلانات. س: من يتخذ القرارات؟ ج: تتخذ في مستويات عليا بعيدة عنا. مجيب آخر: إنهم لا يفرقون بيننا وبين وسائط النقل، فكل منا لإيصال ما يريدون الى مبتغاهم. وإذا أراد العمال ترتيب أوضاعهم، وطالبوا في تأسيس نقابة، تتحالف القوى المثيلة في كل البلاد لقطع (شأفة) من يقوم بذلك. والتصفيات بالقتل والحرمان والفصل تملأ تاريخ البلدان الإمبريالية. إن هؤلاء العمال هم ليسوا معدومين النفوذ، ولكن قوتهم أضعف من قوة من يتحكم بجهدهم. يقفز المؤلف مرة واحدة الى أعلى مواقع النفوذ وهو رئيس الولايات المتحدة. فيقول إن قوة هذا هي محدودة للغاية إذا ما انفصلت عن مواقع القوة والنفوذ لمن يتعاون معه. فالمتعاونون معه حركتهم أكثر وقد تنفذ الى كل كتلة صغيرة داخل الولايات المتحدة، أو حتى خارجها. وأنت تتأمل في هذه المجموعة القليلة من النماذج التي تم اختيارها من بين عدد لا نهائي من الاحتمالات، سوف يرد على ذهنك بلا شك ـ إن لم يكن قد خطر لك قبلاً ـ أن القوة والنفوذ يوجدان بصياغات عدة ومنوعة الى درجة تجعل أي وصف مبسط بخصوصهما يُسقط أو يُشوه بالضرورة جوانب هامة وضخمة مما يحدث فعلا في الواقع. |
رد: كتاب التحليل السياسي الحديث
صعوبة التحليل السياسي
لقد استمعت قبل أن أبدأ بتلخيص هذا الجزء من كتاب التحليل السياسي الى جلسة مطولة لأحد المحللين السياسيين حول هجمات باريس التي أسفرت عن مقتل أكثر من 130 قتيلاً، في سبع هجمات في ليلة واحدة. كما لاحظت ردود فعل الحكومات الأوروبية: فمنها من أوقف استعمال تأشيرة (شنغن) إلا لمواطني دول الإتحاد الأوروبي، ومنها التهديد المتواصل من زعماء العالم الغربي لمواصلة مكافحة الإرهاب! بالرغم من أنه لم تُعلن أي جماعة عن مسئوليتها عن تلك الهجمات، فإن المحللين أطلقوا العنان لخيالهم في تحميل مسئولية تلك الهجمات لجماعات بعينها. وكانت أسئلة مثل: لماذا فرنسا؟ وما علاقة ذلك بما يجري في سوريا والعراق؟ ولماذا لم تكن تلك الهجمات في موسكو؟ ومن ورائها؟ فقد كان المحللون ينتقلون من تحميل المسئولية من القاعدة لداعش للنظام السوري للمخابرات الروسية!! من هنا نستنتج أن المحللين يخطئون في تحليل ما حدث قبل ظهور أدلة التحقيقات، فكيف سيتنبئون بما سيحدث؟ كل ذلك حفزني لتلخيص هذا الجزء. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ استكمالاً لما انتهينا إليه في توزيع القوة والنفوذ في الجزء السابق، ولكي نتيقن من أن التحليل السياسي ليس سهلاً ومتيسرا لمن يريد أن يمارسه: 1ـ التوزيع: لكي نصل الى وصف في توزيع القوة والنفوذ في أي جماعة أو كتلة: مدرسة، شركة، حي، قرية، مدينة، دولة، مجتمع دولي، أي شيء تريده، فإنه من الواضح أنه من الضروري التعرف على الكيفية التي تتوزع فيها القوة والنفوذ. وإنه في الوضع المثالي يتطلب معرفة الدخل والعمر والمستوى التعليمي أو غيره، لكن في مسألة القوة يكون الموضوع أصعب بكثير. 2ـ الجماعات: حتى اللحظة السابقة، كان الحديث ينطبق على الأفراد، أما الجماعات: أحزاب، نقابات، برلمان، مؤسسات الدولة، فهنا يجب إضافة صفة (فاعلين) حسب منطوق أساتذة العلوم السياسية. 3ـ التراتب: من الخطأ إطلاق تقسيمات مثل: تحت خط الفقر وفوق خط الفقر، وتحت خط القوة وفوق خط القوة، فليس هناك مجتمع ينقسم الى أصحاب الملايين والمتضورين جوعا، كما أنه بين أعلى مرتبة في السلم الوظيفي والأدنى مرتبة، هناك العديد من يحتل تلك المنطقة الوسطى فيما بينهما، واللذين يزحفون نحو الأعلى ونحو الأسفل باستمرار. 4ـ القوة الكامنة والقوة المتحققة: إن القوة التي يتمتع بها أي شخص محددة لعدد من العوامل التي تتحكم فيها. ولا يوجد من يملك قوة غير محددة. حتى الزعماء مثل هتلر وستالين اللذان وصلا لقدر ومستوى أعلى مما عرفه البشر (لاحظ: كلمتي قدر ومستوى فإنهما غير معرفتين تماماً). فلم يتنبأ ستالين بهجوم هتلر على الاتحاد السوفييتي (رغم أن القوة الكامنة لستالين كانت فوق أي حدود)، فقد أعدم بقوته المتحققة ما يقرب من الأربعين مليونا، ولم يتنبأ هتلر بانهيار جيوشه في شرق أوروبا. في حين تكون الموانع الدستورية والمؤسسية عند غيرهما موجودة. 5ـ المحيط والمجال حتى نستطيع عن أن نصف القوة، فقد نحتاج أن نجيب عن السؤال التالي: (التوزيع بنظر الى مَن؟ وبخصوص ماذا؟). فإذا كان لأحدهم عبيد، فإنه يمارس قوته عليهم، فهم هنا (مجال القوة أو محيطها)، ولكنه ليس له سلطة على فلاحين مستقلين. هذا يشبه تَسيُّد أجهزة الأمن على مواطنيها، وعجزها عن رد عدوان في دول كثيرة. 6ـ القوة الفردية والجماعية ستختلف مسألة الحديث عن القوة فيما كنا نتكلم عن فرد منعزل، أو فرد ضمن جماعة، ففي الانتخابات يكون صوت الفرد حتى لو كان (عالماً أو مخترعا) يتساوى مع صوت (مُعاق يصل لصناديق الاقتراع). وهكذا فتذمر عامل من صعوبة العمل لا قيمة له إن لم يكن داخل نقابة تتبنى مطالبه، وكذلك هم المواطنون المتذمرون من سياسات دولهم دون أن ينضووا تحت جماعات مؤثرة. 7ـ دائرة التحكم عندما تأتي الى مطعم كبير في مدينة كبيرة، وعندك القدرة المالية، فإنك تطلب ما تشاء، ولكن عندما تكون جوعانا وتمر على مطعم متواضع في الطريق البري ليس عنده إلا صنفان من الطعام فخياراتك ستتحدد بين أن تختار أحدهما أو تبقي على جوعك... كذلك تتم مسائل ضخ المرشحين لانتخابات البرلمان، دون مشاورة أغلبية المواطنين، فيجبر أحدهم على اختيار من لا يريد، أو عدم الذهاب الى الاقتراع من أساسه، من هنا تظهر بعض النتائج أن نسبة المقترعين لم تتعدَ 20% في كثير من بلدان العالم. وينسحب على ذلك من يضعوا الدستور أو القوانين، إنهم قلة قليلة مما يُسمى بدائرة التحكم. 8 ـ الوعي لنفرض أنك وأخوتك وضعتم جداول أعمال اتفقتم على تنفيذها، لكن كيف ينظر الآخرون لتلك الجداول؟ وإن قُدِّر لك ولمجموعة أن تضعوا جداول أعمال للمجتمع الذي حولكم، كيف ستكون ردة فعل ذلك المجتمع؟ إن الوعي هنا يعني القدرة على رسم صورة لم تشاهدها وهو (الوعي المستقبلي) وهو خلاف عن (الوعي الماضوي) فيستطيع مخرج سينمائي أن يتخيل حالة (معركة أُحد) من خلال ما كُتب عنها، أما أن يتخيل معركة ستحدث بعد خمسين عاما؟ وهكذا الوعي السياسي يحتاج لثقافة ومعرفة بأهواء وعادات ونظم من تعيش معهم سواء على المستوى المحلي أو الدولة أو حتى العالم، لتستطيع بعدها أن تضع جداول أعمالك وتتقي أسوأ الشرور. |
| الساعة الآن 06:56 AM. |
Powered by vBulletin
قوانين المنتدى