![]() |
من مقدمة كتاب الأمة المشلولة (بتصرف)
من مقدمة كتاب الأمة المشلولة (بتصرف)
... وأكثر ما يغيظ أن الأنظمة منتصرة، والتجارة مزدهرة، والأمة منكسرة. وليس في هذا الموقف تناقض لأن هذه الأنظمة حين تخففت من المسئولية القومية والمسئولية الشعبية عاشت ناعمة البال صالحة الحال وسط طغمة الموالين والجلادين. لقد غاب الإحساس بالرسالة عن النُخب العربية الحاكمة والمعارضة، فانقلب العمل السياسي الى صراع قوى عارية بلا ثقافة ولا أهداف فكرية. فحتى الغطاء الأيديولوجي لم يعد قادراً على إخفاء المصالح والمكاسب الشخصية المباشرة. وفي هذه المسيرة المظفرة! يغدو الحديث عن التطبيع ـ سلباً وإيجاباً، لا فرق ـ ضرورة راهنة لأنه ألصق بالعقل التجاري الربحي .. لقد تلاشى الحديث عن الوحدة والتصدي والتطبيع، وحل محله حروب أهلية، وتفاقم الفساد وغاب الأمن الثقافي والاجتماعي والسياسي، وأصبحت قوى عالمية تتدخل بشؤوننا دون مشاورة أي طرف. وكثر الحديث من قبل محللين سياسيين قصيري النظر، رادين ذلك لانهيار الاتحاد السوفييتي، وكأن الأمة كانت على وشك الخلاص من مشاكلها، ولكن انهيار المعسكر الشرقي أوقف ذلك الخلاص. إن العقل القصير النظر والمحدود الفاعلية ليس عقلاً. ليس عقلاً لأنه فاقد لشروط التفكير السليم. فالعقل في العربية يعني التحكم في الأمور وفرض الإرادة البشرية عليها. والتفكير نتاج العقل الذي يقدم المنهج والطريقة للتحكم بالأمور. فكل ما يقتصر على الأمور المباشرة العاجلة، وخاصة في القضايا الجمعية، ليس عقلاً، بل هو رد فعل بسيط ومباشر على محرض خارجي. لنسمه فكرة، خاطرة، نزوعاً.. لكنه يظل شيئاً مختلفاً عن العقل التجريدي البعيد الأهداف.. التفريق بين العقل البعيد المدى والعقل القصير المدى هو التفريق بين إرادتين إحداهما تفقد اهتمامها بالأمور إذا طال الزمان وامتدت المتابعة، والأخرى تصبر وتلاحق وتثبت. كذلك هو تفريق بين إدراك (بانورامي) لعالم مترابط (غائي) الحركة، وإدراك يقوم على نظرة وقتية لمشهدٍ مفكك منطوٍ على نفسه... ــــــــــــــــــــــــــــــــــ من كتاب الأمة المشلولة: تشريح الانحطاط العربي/ محيي الدين صبحي/دار رياض الريس: لندن 1997 |
| الساعة الآن 07:20 AM. |
Powered by vBulletin
قوانين المنتدى