منتديات الشروق أونلاين

منتديات الشروق أونلاين (http://montada.echoroukonline.com/index.php)
-   منتدى القصة القصيرة (http://montada.echoroukonline.com/forumdisplay.php?f=63)
-   -   الهـــديـــــّــــــــــــة القــاتــلـــــــة (http://montada.echoroukonline.com/showthread.php?t=323682)

السعيد محرش 25-11-2015 07:58 PM

الهـــديـــــّــــــــــــة القــاتــلـــــــة
 

في إحدى القرى الجاثمة على سفح من سفوح جبال جرجرة العظيمة ، عرين الأمازيغ بمنطقة القبائل الكبرى بالجزائر، نشأت أريناس و قد ألهب مشاعرها فقدان والدتها و لفحها بأواره ، و هي لا تزال غضّة لم تصل بعد إلى سنّ العاشرة ، كانت والدتها قبل وفاتها قد سكبت بفؤادها أسمى الأخلاق و أجلّها ، و أنبل الفضائل و أرفعها .
مرّت السّنون على عجل ، فشبّت أريناس دافئة المشاعر ، مرهفة الحسّ ، زكيّة النّفس ، طيّبة المعشر، أحبّها ابن عمّها ماسين و افتتن بها منذ أن بلغ مبلغ الرّجال .
كانا قد قضيا صغرهما معا ، يلعبان و يمرحان بين البساتين و المروج ، و على ضفاف الجداول و الغدران ، و تحت شجر الزّان و السّنديان ، يجمعان طاقات الورود و حبّات البلّوط ، و يقطفان توت العليق و ثمار القُطْلَب ( لنج ) ، و قد زاد في ألفتهما ما جمعهما من يتم ، و اليتامى يشعرون بما يعتلج من آلام و ما يتردد من أوجاع في أنفس بعضهم بعض ، فيزدادون حنوا على أمثالهم ، و يبسطون أجنحة الرّأفة على من يشاركهم هذا البؤس و من يقاسمهم هذه الفجيعة .
اغتنم ماسين ذهاب أريناس لتملأ الدّلاء من البئر القريبة ، و كشف لها عمّا يجول بداخله ، فأنشأ يقول و الارتباك باديا على محيّاه ، و في تدحرج كلماته : إنّك تعلمين يا ابنة العمّ أنّك الفتاة التي لم أعرف غيرها ، و قد أحببتك منذ الصّغر حبّا بريئا طاهرا ، لم تدنّسه أشواق الجسد و نوازع النّفس ، كحبّ الورود لإطلالة الصّباح ، و عشق الفَراش للزّهر الفوّاح ، و قد تعاظم هذا الحبّ بين جنبيَّ يا قرّة عيني ، حتّى بتِّ اليوم نبض قلبي الذي يبعث فيَ الحياة ، و إذا فقدته فليس لي دونه نجاة ، أنت سحابة الغيث يا أريناس ، و من سواك ؟! و أنا الزّرع فإن لم تجودي فمصيري بلا ريب إلى هلاك ، و إنّي اليوم أطلب يدك للزواج ، و الرأي ما رأيت .
نظرت إليه و قد اغرورقت عيناها ، و جادت بدموعها على وجنتيها و هي تقول : إن لم أكن لك ، فلن أكون لغيرك يا ماسين ، فأنت الشمس التي أستمد منها الضّياء لنفسي إذا أعتمت و سدّ الظّلام آفاقها ، و خيّمت غيلان الوحشة ببطاحها ، كيف تظنّني لك صادّة يا ماسين ، و قلبي الواهن متعلّق بك في سرّه تعلّق النّاسك بِوِرْدِه ( أذكاره ) ، و المَقْرُورُ (من أصابه برد ) بزَنْدِه (القدّاحة) ؟!
فرح ماسين عند سماع جوابها و اغتبط ، و سرعان ما تمّت خطبتهما ، فسرّ جميع الأهل بذلك . و صلت مايا عمّة ماسين توّا بعد سفر طويل من مدينة البُليدة ، و آيات الشؤم و القلق بادية على وجهها ، فاجتمعت بماسين في غرفة المعيشة و قالت له : إنّك تعلم يا ماسين مدى حبّي لك ، و لقد ربّيتك في حجري وليدا، و كنت ولازلت أخاف عليك النّسمة الرّقيقة ، ثمّ صمتت فجأة ، اضطرب ماسين من هيأتها تلك ، و ردّ عليها مستفهما : ما الخطب يا عمّتي و علام هذا الوجوم ؟!
قالت : إنّ أريناس لا تصلح لك زوجة يا بني . لعبت في تلك اللحظات الوساوس بماسين ظهرا على بطن ، و تقاذفته أسوأ الظنون يُمنة و يُسرة . ماسين : و كأنّي بك يا عمّتي تتهمينها بأمر شنيع وقفتِ عليه في غفلة منّي ! كانت مايا ثقيلة السّمع بسبب حمّى ألمّت بها في صغرها ، فلم تسمع ما قاله ، و استمرّت في الحديث : العلّة في الهديّة يا بني ، ماسين : الهديّة ! إذن كانت أريناس قد أخذت هديّة من رجل تعرفه و اكتشفتِ الأمر ، و جئت لتصارحيني بذلك يا عمّتي ، يا لغدر النّساء و مكرهنّ و سرعة تقلّبهنّ و تلونهنّ ! ضاع الحبّ و انطمست معالمه للأبد ، يا حسرتاه على نفسي الكسيرة !
مايا : بلى يا بني ، العلّة في الهديّة التي أهدتك إياها تاليس والدة أريناس ، ماسين : أفقدت عقلك يا عمّتي ، أيّ نوع من الهدايا هذا الذي يمنعني الزّواج من أريناس ؟! و لا أذكر أنّ الخالة تاليس قد أهدتني هديّة كما تدّعين ! مايا : و كيف لك يا ولدي أن تذكر ذلك ، و أنت لاتزال حينها في القماط ، و قد أهدتك تاليس رحمها الله الحياة في رضعات مشبعات من صدرها لما مرضت والدتك ، و لولاها لكنت ميتا ، إنّ أريناس أختك من الرّضاعة ، و الله شهيد على ما أقول ، صعق ماسين لهول الخبر و بقي في غرفته مدهوشا لأيام لا يحرّك ساكنا . علم الجميع بالمسألة ، فحالوا بينهما ، و كان سكان القبائل و لازالوا مستمسكين بتعاليم الإسلام ، راسخ فيهم رسوخ جرجرة في أرضه ، لا يتحلحل عنها مهما ضربت جوانبه الرّياح الزّعازع .
ذبل شباب أريناس فجأة و تلاشت نضارته ، و ضَوِيَ جسدها ( ضعف ) و اصفر لونها ، و أمست شبحا ممدّدا على الفراش، بعد أن فارقت الطّعام و الشّراب ، وهي تنتحب و تبكي حبّها المنكوب مردّدة : ما أسعدك يا بلابل الحبّ الطّليقة فوق الأغصان ، لا يصدّك عن الحبيب صاد ! و ما أتعسني في أسمال شقوتي ، مثقلة بالهموم مكبّلة بغير أصفاد( قيود ) ! ما ألطف الربيع ! بين أحضانه يلثم النّحلُ و الفراشُ أجمل الزّهرِ ، و ما أقسى الدّهر ! حيث أرشفني عنوة مرارة القهرِ ، و ها هي أمالي تسحقها الأقدار السّاخرة نصب عيني ، ليبقى حبّي لك يا ماسين سرمديّا تسقيه حسرة الفراق و تنعشه أنفاس الموت التي باتت أسمى المنى و أعذب الرّجاء ثم جادت بروحها إلى بارئها بعد أيّام قلائل .
سمع ماسين الخبر ، ففقد عقله و هام على وجهه في قمم جرجرة و منحدراتها و على رباها ، يصعد النّجاد و ينزل الوهاد لا يأبه لأحد و لا يلوي على شيء ، وقد استأنس الوحش وسكون الخلاء ، أينما حدّق رأى صورة أريناس و الحزنُ مرتسم على محياها الجميل ، فيخاطبها بلوعة : يا لها من هديّة قاتلة ، ليتني متّ قبل أن تصل إلى أحشائي ، صدقت يا أريناس ، يا نغمة الرّوح الفانية ، كيف للنّاسك النّبيل أن يعيش إذا حيل بينه و بين ورده ، ؟! و كيف للمقرور في ليالي البرد و الصّقيع أن يحيا إذا حرم زنده ( القدّاحة) ؟!و بقي على هذه الحال حتّى وُجد ميتا في الشّعاب المجاورة ، و هو يعانق خمار أريناس المبلّل بدموعه .


السعيد محرش
الطارف ـ الجزائرـ

حلباوي محفوظ 26-11-2015 08:25 AM

رد: الهـــديـــــّــــــــــــة القــاتــلـــــــة
 
قصة جميلة جدا شكرا

السعيد محرش 27-11-2015 10:42 AM

رد: الهـــديـــــّــــــــــــة القــاتــلـــــــة
 
اقتباس:

المشاركة الأصلية كتبت بواسطة حلباوي محفوظ (المشاركة 2092315)
قصة جميلة جدا شكرا


لك مني أخي محفوظ أسمى التحايا و التقدير

warda22 27-11-2015 12:09 PM

رد: الهـــديـــــّــــــــــــة القــاتــلـــــــة
 
الحقيقة الحقيقة
لا أجد ما أقوله تغلغلت كل تلك اللحظات بداخلي لتعبر عن تراجيديا ولا مثيل
من الناحية الأدبية استمتعت يا أستاذ أما العقدة فالهدية خنجر مسموم حولت كل شيء
وماعالجه النص واقع معيش
أبدعت أبدعت
أتمنى على الاشراف تثبيتها
تحياتي يا أستاذ

bkl 27-11-2015 02:24 PM

رد: الهـــديـــــّــــــــــــة القــاتــلـــــــة
 
...............................

أَنْفَاسُ الإِيمَانْ 28-11-2015 04:58 PM

رد: الهـــديـــــّــــــــــــة القــاتــلـــــــة
 
عودا حميدا أستاذ السعيد..
حرف سامق كعادته وقصة برِعت في ايقاظ الشعور ومعايشة الحدث.

تحية تليق


mohamed yakon 03-12-2015 08:19 PM

رد: الهـــديـــــّــــــــــــة القــاتــلـــــــة
 
قصة جميلة باسلوب بسيط و لكن من السهل الممتنع . القيمة التي تتحدث عنها القصة صارت غائبة في ايامنا .

السعيد محرش 12-01-2016 08:50 PM

رد: الهـــديـــــّــــــــــــة القــاتــلـــــــة
 
اقتباس:

المشاركة الأصلية كتبت بواسطة warda22 (المشاركة 2092748)
الحقيقة الحقيقة
لا أجد ما أقوله تغلغلت كل تلك اللحظات بداخلي لتعبر عن تراجيديا ولا مثيل
من الناحية الأدبية استمتعت يا أستاذ أما العقدة فالهدية خنجر مسموم حولت كل شيء
وماعالجه النص واقع معيش
أبدعت أبدعت
أتمنى على الاشراف تثبيتها
تحياتي يا أستاذ


رأيك الجميل نابع من جمال داخلتك و رفعة ذوقك ، كل التقدير موصول بالشكر و العرفان لشخصك الكريم . مودّتي

السعيد محرش 07-02-2016 12:33 PM

رد: الهـــديـــــّــــــــــــة القــاتــلـــــــة
 
اقتباس:

المشاركة الأصلية كتبت بواسطة bkl (المشاركة 2092775)
السلام عليكم
اعجبتني القصة فعلا رغم مرارتها و هي دون شك تعبر عن الواقع المر الذي يحتاج الى حلول سريعة
كل الشكر و التقدير لك

تقديري و امتناني لما تفضلت به سيدي و أتحفتني برأيك في ما نثرت في هذا المنتدى أو بالأحرى الروض الغناء . لك كل الشكر

السعيد محرش 07-02-2016 12:37 PM

رد: الهـــديـــــّــــــــــــة القــاتــلـــــــة
 
اقتباس:

المشاركة الأصلية كتبت بواسطة أَنْفَاسُ الإِيمَانْ (المشاركة 2093207)
عودا حميدا أستاذ السعيد..
حرف سامق كعادته وقصة برِعت في ايقاظ الشعور ومعايشة الحدث.

تحية تليق


الأستاذة أنفاس الإيمان قد سمق حرفي و ازداد ألقا برأيك في القصة التي ازدانت به . احترامي الدائم لشخصك الكريم


الساعة الآن 07:15 PM.

Powered by vBulletin
قوانين المنتدى