![]() |
معـــادلـة .. بمليون دولار ؟؟!!
مسألة رياضية ... بمليــون دولار « إننا نسمع من أعماقنا صوتاً ينادينا بالنداء الخالد: هذه هي المسألة. فابحثوا عن الحل؛ إنكم قادرون على إيجاده بالاستدلال؛ لأن الرياضيات لا تعرف عبارة: لن نعلم». ديفيد هيلبرت Hilbert في محاضرة أُلقيت عام 1900م. تنفرد الرياضيات ببعض الخصوصيات التي لا يعرفها إلا أهلها، ومن هذه الخصوصيات أسلوبها في التطور خلال القرن الماضي والقرن الذي نحن في بدايته. ويضع بعض الباحثين الألماني ديفيد هيلبرت (Hilbert (1862- 1943 في المرتبة الأولى بين رياضيي القرن العشرين. فقد اشتهر هذا الرجل بمحاضرة أُلقيت يوم الثامن من أغسطس عـام 1900م أمام 250 رياضياً مشاركاً في المؤتمر الدولي الثاني للرياضيات، فما أهمية تلك المحاضرة؟. كانت المحاضرة بمنزلة برنامج عمل القرن العشرين لكل الرياضيين، طرح فيه قائمةً من المسائل المعقّدة، تضم 23 مسألةً رياضيةً، من شأنها أن ينمّي البحث فيها مختلف جوانب الرياضيات، وكذلك كان الحال؛ فقد أدى ذلك في عدد من الحالات إلى ظهور فروع رياضية جديدة. وبعد مرور قرن على تاريخ إلقاء هذه المحاضرة الشهيرة بادر معهد كلاي Clay للرياضيات الأمريكي بطرح سبع مسائل سمّاها: مسائل الألفية، أو مسائل القرن الحادي والعشرين؛ فصار المجموع 30 مسألة، عكف علماء الرياضيات على حلّها منذ عام 1900م، فماذا حُلَّ منها؟ وما بقي للأجيال الصاعدة؟. نسلّط هنا بعض الضوء على هذه المسائل. يرى المتمعّنون في تطوّر رياضيات القرن العشرين أن المسائل التي طرحها هيلبرت عام 1900م أحدثت ثورةً عارمةً في هذا العلم طوال القرن، وأعطته دفعةً قويةً ترتّب عنها إنتاج غزير في جميع الاختصاصات الرياضية. ولهذا السبب اقترح مجموعة من الرياضيين عام 1990م، خلال انعقاد الجمعية العامة للاتحاد الدولي للرياضيات باليابان، أن يكون عام 2000م، وهو الذكرى المئوية لمحاضرة هيلبرت السابقة الذكر، العام الدولي للرياضيات. وتبنّى الاتحاد الدولي هذه الفكرة خلال اجتماعه المنعقد عام 1992م في ريو دي جانيرو البرازيلية، وصدر هناك بيان جاء فيه تأكيد أهمية دور الرياضيات في «فهم العالم وتطوّره»، موضحاً أنه ينبغي أن «تكون الرياضيات حاضرةً في أجهزة الإعلام العمومية»، وحدّد البيان أهدافاً ثلاثة للتظاهرات عام 2000م، هي: التحديات الكبرى للقرن العشرين، والرياضيات مفتاح للنمو، ومظاهر الرياضيات. ودعا البيان كل دول العالم والهيئات العلمية والثقافية إلى العمل على تجسيد هذه الأهداف، وتقريب الرياضيات من الجمهور العريض. مسائل ديفيد هيلبرت من الصعب طرح هذه المسائل بتفاصيلها في هذا المقام؛ لأن لغتها ستكون غير مفهومة لغير المختصين، بل ولكثير من المختصين، ولن يستوعبها سوى القارئ المختصّ في فروع معينة من فروع الرياضيات؛ لذلك سنكتفي هنا بإشارات جدّ مختصرة إلى تلك المسائل التي يبلغ عددها -كما أسلفنا- 23 مسألة، كما سنشير من حين إلى آخر إلى وضعية تلك المسائل فيما يتعلّق بحلولها: - المسألة (1): وهي مسألة ذات شقين: (أ) هل يمكن إثبات (فرضية المستمر أو المتّصل)، التي أتى بها جورج كنتور Cantor ))) (1845- 1918؟ الجواب: لا. المجيب: كورت جودل Gödel (1906- 1978م) عام 1940م. (ب) هل يمكن ترتيب الأعداد الحقيقية ترتيباً جيداً؟ الجواب: نعم، إن قبلنا بما يُعرف بـ(مسلّمة) الاختيار، وهي مسلّمة أثبت بول كوهين Cohen (1934- 2007م) عام 1963م أنـها تكافئ المطلوب، وقد فاز كوهين نتيجةً لذلك بميدالية فيلدز Fields (المعادلة لجائزة نوبل) عام 1966م. - المسألة (2): وتدور حول انسجام الحساب. الجواب: لا. المجيب: جودل عام 1931م. - المسألة (3): وتدور حول متعدّدات الوجوه في الهندسة. الجواب: لا. المجيب: ماكس ديهن Dehn (1878- 1952م) عام 1902م، وهو أحد تلاميذ هيلبرت. - المسألة (4): ما أنواع الهندسات التي يكون فيها أقصر طريق بين نقطتين هو القطعة المستقيمة الواصلة بين النقطتين؟ الجواب: حلّت المسألة. المجيب: جـورج هامل Hamel (1877- 1954م). - المسألة (5): وتدور حول زمر مريوس لي Lie (1842- 1899م). الجواب: حلّ جزئي عن طريق أندريو جليسن Gleason (1921- 2008م)، عام 1953م. - المسألة (6): هل يمكن جعل الفيزياء تُبْنى على مسلّمات؟ الجواب: سرعان ما تجاوز الزمن هذه المسألة؛ بسبب التطورات الجذرية للفيزياء الرياضية، مثل: نظرية النسبية، ونظرية الكم، وغيرهما. - المسألة (7): وتدور حول دراسة خواصّ بعض الأعداد (المتسامية والصماء). الجواب: حلّت المسألة عـام 1934م عـن طريق ألكسندر جلفوند Gelfond (1906- 1968م)، ثم أكمل الحلّ تيودور شنيدر Schneider (1911- 1988م)، وآلن بيكر Baker (1939م- ...) الحاصل على ميدالية فيلدز عام 1970م. - المسألة (8): البرهان على فرضية جورج ريمان Riemann (1826- 1866م). الجواب: جزئي، قُدّم بوجه خاصّ عن طريق جـودفري هـاردي Hardy (1877- 1947م)، وأنـدري فـاي Weil (1906- 1998م). - المسألة (9): وتدور حول نوع من الحلول في بنية جبرية. الجواب: حلّت المسألة. المجيب: إميل أرتين Artin (1898- 1962م)، وتيجي تاكاجي Takagi (1875- 1960م). - المسألة (10): هل توجد خوارزمية كونية لحلّ المعادلات الديوفنتية Diophantus (توفِّي نحو عام 290 بعد الميلاد)؟الجواب: لا. المجيب: جوليا روبنسن Robinson (1919- 1985م)، ومارتن ديفيس Davis (1928م- ...) ويوري ماتياسيفيتش Matiyasevich (1947م- ...) عام 1970. - المسألة (11): وتدور حول تعميم الأشكال التربيعية. الجواب: حلّت المسألة. المجيب: كارل سيجل Siegel (1896- 1981م). - المسألة (12): تعميم نظرية ليوبولد كرونيكر Kronecker (1823- 1891م). الجواب: مسألة عويصة في نظرية الأعداد، وقد حلّت جزئياً عن طريق تيجي تاكاجي Takagi (1875- 1960م)، وهلموت هاس Hasse (1898- 1979م). - المسألة (13): وتدور حول الدوالّ المتصلة (المستمرة). الجواب: لا. المجيب: أندري كولموجوروف Kolmogorov (1903- 1987م)، وتلميذه فلاديمير أرنولد Arnold (1937- 2010م) عام 1954م. - المسألة (14): وتدور حول مسألة عويصة تتعلّق بقضية وجود جملة مولّدات. الجواب: لا. المجيب: مازايوشي ناغاتا Nagata (1927- 2008م) عام 1959م. - المسألة (15): وتدور حول تأسيس نوع من الهندسة. الجواب: نعم. المجيب: إريك بيل Bell (1883- 1960م) عام 1945م. - المسألة (16): وتدور حول تطوير الطوبولوجيا. الجواب: حلّت جزئياً خلال عامي 1978 و1995م. - المسألة (17): وتدور حول الدوالّ الناطقة. الجواب: نعم. المجيب: إميل أرتين Artin (1898- 1962م) عام 1927م. - المسألة (18): وتدور حول التفكيك إلى أشكال هندسية.الجواب: حلّت المسألة. المجيب: لودويغ بيبرباخ Bieberbach (1886- 1982م) عام 1910م. - المسألة (19): وتدور حول حساب التغيّرات. الجواب: نعم. المجيب: سيرج برنستين Bernstein (1880- 1968م)، وتيبور رادو Rado (1895- 1965م) عام 1929م، ثم إيفان بيتروفسكي Petrovski (1901- 1973م) عام 1939م. - المسألة (20): وتدور حول إيجاد دراسة شاملة للمسائل الحدية (المعادلات التفاضلية الجزئية). الجواب: جزئي. - المسألة (21): وتدور حول وجود معادلة تفاضلية خطية تحقّق شروطاً معينة. الجواب: حلّت المسألة. المجيب: هلموت روهرل Röhrl (1927م- ...) عام 1957م. - المسألة (22): وتدور حول الدوالّ التحليلية. الجواب: حلّت المسألة. المجيب: هنري بوانـكري Poincaré (1854- 1912م)، وبول كوبي Koebe (1882- 1945م) عام 1907م. - المسألة (23): وتدور حول تطوير طريقة عامة لحلّ مسائل حساب التغيّرات. الجواب: جزئي. وأنهى هيلبرت محاضرته الشهيرة بالفقرة الآتية: «الوحدة العضوية للرياضيات موجودة في طبيعة هذا العلم؛ لأن الرياضيات هي أساس كلّ معرفة دقيقة لأيّ ظاهرة طبيعية؛ لذا يمكنها أن تؤدي هذه المهمّة النبيلة. أتمنى أن يأتي لها القرن الجديد (القرن العشرون) بموهوبين متحمسين». المسائل السبع للقرن الحادي والعشرين أدّت مسائل هيلبرت دوراً فعالاً في دفع حركة البحث في الرياضيات خلال القرن العشرين، وحلّ منها جزء كبير، ومازال الجزء الآخر ينتظر دوره كما أسلفنا. وفي هذا السياق، بادر أحد الأثرياء الأمريكيين، وهو لندن كلاي Clay، مؤسّس معهد كلاي للرياضيات بماساشوساتس الأمريكية، إلى تمويل جائزة بسبعة ملايين دولار من أجل حلّ سبع مسائل رياضية مستعصية، هي: - المسألة (1): مخمّنة بوانكري Poincaré (1854- 1912م). - المسألة (2): فرضية ربمان Riemann (1826- 1866م). - المسألة (3): مخمّنة وليم هودج Hodge (1903- 1975م). - المسألة (4): مسألة ستيفن كوك Cook (1939م- ...)، المتعلقة بالإستراتيجية التي ينبغي تبنّيها أمام مسألة معقّدة، وهي تُعرف بالرمز: P=NP. - المسألة (5): معادلات جورج نافي Navier (1819- 1903م)، وكلود ستوكس Stokes (1785- 1836م)، الخاصة بميكانيك السوائل. - المسألة (6): نظرية شان نينغ يانغ Yang (1922م- ...)، وروبرت ميلز Mills (1927- 1999م). - المسألة (7): مخمّنة بريان Birch (1931م- ...)، وبيتر Swinnerton-Dyer (1927م- ...) حول المنحنيات الناقصية. ولما كان هيلبرت قد أعلن عن مسائله عام 1900م في باريس، فقد شاء معهد كلاي للرياضيات أن يُعلن هو الآخر عن هذه المسائل السبع في باريس تحت شعار (من أجل تنمية المعرفة الرياضية ونشرها)، وتمّ الإعلان عن هذه الجائزة يوم الأربعاء 24 مايو عام 2000م، وكلّف المعهد سبعة رياضيين كباراً ليعرض كلّ واحد منهم مسألةً من هذه المسائل السبع. والملاحظ أنها مسائل لا ترمي إلى توجيه الرياضيات وجهةً معينةً خلال القرن الحادي والعشرين، بل تريد لفت الانتباه إلى عدد قليل من القضايا المركزية في الرياضيات بُذلت من أجل حلّها جهود جبارة خلال سنوات كثيرة لكن من دون جدوى، مثل فرضية ريمان. شروط نيل جائزة معهد كلاي للرياضيات - لا ينبغي اقتراح الحلول على المعهد مباشرةً، بل لا بد أن ينشر الحلّ المقترح أولاً في مجلة رياضية محكّمة ذائعة الصيت. ويجب أن ينال مضمون الحلّ المقترح قبول الأسرة الرياضية ورضاها خلال العامين المواليين للنشر؛ إذ لا تدرس اللجنة الخاصة بالجائزة أيّ حلّ ما لم يمرّ على نشره عامان كاملان. - خصّص المعهد مليون دولار لحلّ كلّ مسألة ، وهو الجهة الوحيدة التي ترجع إليها صلاحية الأمر بتقديم الجائزة لمن يستحقها. - اللجنة العلمية بالمعهد هي التي تقرّر ما إذا كان الحلّ المقترح يعدّ حلاً كاملاً أم لا. - لدراسة الحلّ المقترح يشكّل المعهد لجنةً خاصةً بتلك المسألة يكون من بين أعضائها على الأقلّ عضو من لجنة المعهد، وعضوان من خارج اللجنة مختصّان في الحقل الرياضي الذي تنتمي إليه المسألة. ويمكن تقديم الجائزة كاملةً إلى شخص واحد أو تقاسمها مع عدة باحثين أو ورثتهم. - في حالة ما لم يتّضح أمر صحة الحلّ المقترح فمن حقّ اللجنة أن توصي بحجب الجائزة، وإن تبيّنت فيما بعد صحة الحلّ المقترح تستطيع اللجنة إعادة النظر في منح الجائزة. - إذا تمكّن أحد الباحثين من اكتشاف مثال مضادّ لإحدى المسائل، عدا المسألة الرابعة، فإن اللجنة تدرس هذا المثال بعد نشره بعامين. - كلّ مداولات اللجان الخاصة بهذه الجائزة ومراسلاتها سرّية، ولا يجوز تسجيلها أو نشرها إلا بإذن خاصّ من الجهة المكلّفة في المعهد. شروط نيل ميدالية فيلدز لا شكّ أن الذين سيفوزون بجائزة من جوائز معهد كلاي للرياضيات ستكون لهم حظوظ كبيرة في الفوز أيضاً بنيل ميدالية فيلدز، لكنّ لميدالية فيلدز أيضاً شروطاً، فما هذه الشروط؟ جون فيلدز Fields (1863- 1932م) رياضي كندي عمل أستاذاً في جامعة تورنتو الكندية بدءاً من عام 1902م إلى وفاته، ودرّس بكندا وأوربا في نهاية القرن التاسع عشر الميلادي، واحتكّ خلال إقامته بأوربا بمشاهير الرياضيين. ولم يكن فيلدز من كبار الرياضيين، لكنه اشتهر في دنيا الرياضيات بفضل فكرته التي تبنّاها المؤتمر الدولي للرياضيات عام 1932م، وتتمثّل في منح ميدالية عالمية في الفروع الرياضية تعادل جائزة نوبل، التي لا تمنح للرياضيين، وقد قرّر الرياضيون فيما بعد إطلاق اسم فيلدز على هذه الميدالية. وكانت رغبة فيلدز أن تمنح الميدالية وفق القواعد الآتية: - تمنح الميدالية لمن قدّم إسهاماً مهماً في أحد حقول الرياضيات. - تُمنح مرة كلّ أربع سنوات. - يكون عدد الحاصلين عليها محصوراً بين 2 و4 أشخاص. - لا تُمنح لمن تجاوز سنّه أربعين سنةً مهما كانت قيمة أعماله العلمية. - يعلن عن الفائزين، وتسلّم إليهم الميدالية خلال انعقاد المؤتمر الدولي للرياضيات الذي ينظّم مرةً كلّ أربع سنوات، إضافةً إلى مبلغ 15 ألف دولار لكلّ منهم. هناك جوائز عالمية أخرى كثيرة، منها جائزة رولف نفنلينا Nevanlinna (1895- 1980م)؛ فقد قرّرت لجنة الاتحاد العالمي للرياضيات عام 1981م منح جائزةً، أُطلق عليها اسم هذا الرياضي الفنلندي، وهي تسلّم مرةً واحدةً كلّ أربع سنوات خلال المؤتمر العالمي للرياضيات يوم تسليم ميدالية فيلدز، وتموّل هذه الجائزة جامعة هلسنكي الفنلندية التي عمل بها وترأسها نفنلينا. ومن أحدث الجوائز العالمية تلك التي بادرت بإنشائها النرويج؛ فمن أشهر رياضيي هذا البلد العبقري نيلز هنريك آبل Abel (1802- 1829م)، الذي وافته المنية وعمره لم يتجاوز 27 عاماً؛ فقرّرت أكاديمية العلوم والآداب النرويجية عام 2001م -على غرار جائزة نوبل التي تمنحها السويد- تأسيس جائزة سنوية سمّتها (جائزة آبل)، ووافقت الحكومة النرويجية على ذلك عام 2002م بمناسبة الذكرى المئوية الثانية لميلاد آبل، وأسّست صندوقاً مالياً بمبلغ يقارب 26 مليون يورو لهذه الجائزة؛ بهدف دفع مكافأة مالية للفائز بالجائزة تُقدَّر بنحو 800 يورو. من المعلوم أن المسألة الأولى (مخمّنة بوانكري Poincaré) تم حلّها عام 2003م عن طريق جريجوري إياكوفلفيتش بيرلمان Grigori Iakovlevitch Perelman (1966م- ...). والطريف أن هذا العالم العملاق أحرز ميدالية فيلدز عام 2006م، فرفضها ولم يحضر الحفل. بقلم أبو بكر خالد سعد الله القبة - الجزائر - بتصرف في العنوان- |
| الساعة الآن 04:30 PM. |
Powered by vBulletin
قوانين المنتدى