منتديات الشروق أونلاين

منتديات الشروق أونلاين (http://montada.echoroukonline.com/index.php)
-   منتدى القصة القصيرة (http://montada.echoroukonline.com/forumdisplay.php?f=63)
-   -   الموت البطيء الجزء 5 (http://montada.echoroukonline.com/showthread.php?t=33136)

nabil_faa1975 05-08-2008 06:45 PM

الموت البطيء الجزء 5
 
- قال الدكتور: ..نعم ...لي الآن عندكم مطلب وحيد....وهو أن تسمحوا لي الاتصال بعائلتي والاطمئنان عليهم ..فإني يا سيدي الكريم في قلق شديد عليهم، وليحزنني أني لم أعرف بعد ماذا حلّ بهم، إلا ما أخبرنيه صاحبكم، فلو تفضلتم لأكرمتموني بمحاولة التحدث معهم،...فما رأيكم؟
- نعم هذا من حقك يا أستاذنا الفاضل،...لكن وعد مني ..إن شاء الله ستجتمعون كلكم ببعضكم عن قريب..

في هذه الأثناء وبينما كان الأستاذ يناقش كبير الاستخبارات حول رغبته الملحة في لقاء العائلة، كانت حسيبة زوجة الدكتور جالسة مع صغيريها "فاطمة" و "فيصل" في منزل غريب تحيط به من كل جانب أشجار الصنوبر العالية، كانت متراصة فيما بينها حتىّ يخيّل لمن يراها لأول وهلة أنها وجدت لتحمي شيئا لا ينتمي إليها، كان منظر المنزل يوحي بمشهد من مشاهد حياة كانت وانتهت في عصور وسطى من التأريخ الأوروبي، ناضلت حسيبة في هذه الأثناء لتبقي عينيها مفتوحتين وعقلها أيضا لأنها أرادت فهم الأمر من منظور واقعي، ماذا حدث،...بين عشيّة وضحاها أصبح بعيدة عن زوجي الحبيب ونفترق هكذا في مشهد بوليسي، ويحضرنا غرباء إلى هذا المنزل الغريب، ....إني لا أفهم شيئا ....لم تستطع هذه التساؤلات إخراج حسيبة من هذه الدائرة المغلقة، ففسحت المجال في لحظة زمنية قصيرة للذاكرة الأخرى علّها تنقلها إلى مكان آخر تفهم فيه ما يحدث ولكن هذه الأخيرة آثرت بعد عناد طويل وجهد متواصل استحضار صورة لزوجها الحبيب وهو يدعوها ذات يوم من أيام الصيف الحارة لأكل البوظة، كان فيها الأستاذ يلعب دور الفارس الشجاع وهي تجسد دور الأميرة الفاتنة لقد كان كل شيء متطابق بينهما في ذاك اليوم حتّى في كيفية وضع مغرفة البوظة في الفم، لقد أحبته منذ أن تعرف إليها في جامعة قسنطينة لما كان يحضّر لشهادة الماجستير وهي في آخر موسم دراسي لها، حدث ذلك في عمارة الآداب فبينما كانت تسير رفقة زميلة لها تقصدان الحجرة رقم 67 للأعمال الموجهة حتّى استوقفهما شاب في مقتبل العمر – لقد كان الأستاذ لحسن - سائلا إياهما عما إذا كانتا تدرسان في شعبة الأدب الفرنسي، فأجابتا بالإيجاب...ثم سألهما إذا كانتا تعرفان أحد الطلاب الذي يدرس في هذه الشعبة وأخبرهما بأن زميلا له وهو صديق لهذا الطالب أوصاه بإعطائه أمانة كانت عنده وأن الأمر جد ملح، فقالت حسيبة وكانت تعرف هذا الطالب:..أنا أدلك عليه ...فهو يدرس في الفوج أربعة ولديهم الآن على ما أظن عمل موجه في اللغة الإنجليزية في الحجرة رقم 68 تعال ...سأريك إياه....لكنّها لما سألت عنه لم تجده فقد قيل لها من بعض الطالبات بأنه اليوم في حكم الغائب، فتأسفت ثم قالت للشاب لحسن:....لم لا تأت غدا فربما سيكون هنا إن شاء الله...
قال الطالب لحسن: ...نعم ...ولكني لا أعرف صورة لشكله..فلو تفضلت وساعدتني غدا...تكسبين مثوبة عند الله يا أختي الفاضلة وسأكون شاكرا لك هذا الجميل...
دخلت هذه الجمل اللطيفة في قلب الفتاة حسيبة بسرعة عجيبة، فسرعان ما تبدّل إحساسها نحو هذا الغريب الوسيم، فقد رأت فيه حياءا وشهامة، حيث كان يتكلم معها مطأطئا رأسه خجلا، إنه طالب من أولئك الذين لا تراهم دائما في يومك...فهو وسيم وناضج على ما يبدو...والله لا أحلم بغير هذا الرجل زوجا في المستقبل...ثم بعد هنيئة أفاقت الطالبة حسيبة من نوم اليقظة هذا وقالت في نفسها:..ما هذا يا إلهي ..لقد حكمت على هذا المسكين بالرجولية والشهامة دون سابق معرفة به...إنها دائما ترهاتي التي لا تنتهي....ثم بادرته بالجواب السريع:...إن شاء الله لو كان لي وقت فسوف آتي وأريك هذا الطالب الذي تبحث عنه فلا تبتئس يا أخي ...ثم ودعته وانصرفت مع زميلتها نحو مخرج باب عمارة الآداب تبتغيان الخروج النهائي من حرم الجامعة.

في اليوم الموالي جاءت الطالبة حسيبة لوحدها فزميلتها تأخرت في الحضور، وما كان منها إلا أن جلست أمام حجرة التدريس رقم 68 متوقعة حضور ذاك الشاب الوسيم الناضج على ما يبدو، لم تفهم في بادئ الأمر لماذا هي مصرّة على مساعدته، إلا أنها كتمت هذا الأمر عن نفسها وعزمت على تنفيذ وإكمال مهمتها على أحسن وجه، كانت الساعة تشير إلى العاشرة والنصف صباحا أين لمحت غريب البارحة يلوّح بيديه معلنا حضوره في الوقت المناسب، وقفت أمامه مبتسمة ابتسامة حياء وقالت: سلام الله عليك يا أخ البارحة، أرجو من الله أن تجد هذا الطالب اليوم وتوصل له الأمانة، فهي عبئ ثقيل على كاهل من يحملها...
أجابها الشاب لحسن قائلا:..صدقت والله يا أختاه ، ثم استطرد ...وعليكم السلام ورحمة الله، إني في غاية الأسف والحرج فقد أثقلت كاهلك بهذا الأمر، والله يا أختاه إن الأمر جد مهم، وإلا لما ألححت على ملاقاة هذا الطالب، ولكنّي أعلم أن الله يسوق لنا دائما الأسباب التي تعيننا على إكمال مهمة الخير، ...
- صدقت يا أخي الكريم، وفقك الله دائما لفعل الخير،...هيا فلنذهب إلى القاعة حيث يدرس هذا الطالب، سنجده إن شاء الله...
كانت حسيبة سعيدة جدا بهذه المساعدة خاصة وأنها على ما تبدو موجهة لفعل الخير، لقد أعجبها سلوك وأخلاق هذا الشاب، خاصة وأنه كان حريصا على تأدية الأمانة لصاحبها، ....لما وصلا إلى حجرة التدريس، أشارت بيدها أن تفضل يا أخي الكريم فصاحبك في القاعة، إنه هناك يرتدي سترة سوداء وسروالا من الجينز، لعلك تراه....
- نعم أراه ..قال لحسن:...سأذهب إليه في الحال ...ولكن أرجو منك أن لا تذهبي فعندي شيء أقوله لك..
- لا بأس ...إني هنا جالسة ..لكن أرجو أن لا تطيل، فعندي درس يجب أن أحضره....
- أؤكد لك أني لن أطيل....
مشى لحسن بخطوات سريعة نحو هذا الطالب، وما إن وصل إليه حتّى بدأ يكلمه عن الأمر،..لم يمض وقت طويل حتّى أخرج من جيبه شيئا ملفوفا بقطعة قماش ثم أعطاه إياه في سرعة عجيبة، وانصرف مودعا إياه، وطفق مسرعا نحو الطالبة حسيبة قائلا لها:..أردت أن أشكرك على هذه المساعدة القيّمة...
- قالت الطالبة حسيبة:..لا تشكرني يا أخي فهذا واجب ليس إلاّ..
- أردت فقط أن أخبرك أن ما فعلته كان مهما جدا، لأني لو لم ألتق هذا الشخص اليوم لكانت أم هذا المسكين في عداد الأموات،
- يا سبحان الله...اللهم سترك..ألهذا الحد يا أخي الكريم....
- نعم يا أختاه...المهم جازاك الله الخير الكثير في الدنيا والآخرة، ولكن اسمحي لي بأن أدعوك لشرب الشاي وأرجو أن لا ترفضي دعوتي، إني لا أقصد أي شيء يخالف الأعراف، ولكني أريد شكرك ليس إلا،....
- لا ...لا يا أخي الكريم ..فشكري قد تمّ في هذه اللحظة، أما دعوتك فلا أقبلها ...إلى اللفاء ومع السلامة....
- عفوا...إن أسأت التعبير فمرادي كان خيرا، أرجوك أن لا تغضبي يا أختي ....
- لم أغضب يا سيدي الكريم، ولكن توجد أمور يجب مراعاتها، ...
قال لحسن في نفسه: كيف أقول لها بأني أعجبت بها بسرعة كبيرة وأتمنّاها زوجة لي، إن هذا الأمر صعب جدا ...المهم لن أتخلّى عنها بسهولة....ثم استدرك الشاب نفسه قائلا للطالبة: ...اعذريني يا أختي فقد تسرعت ...المهم بارك الله فيك وجزاك كل الخير، إلى اللقاء...

من يومها والشاب لحسن يتردد كل يوم على حجرات شعبة الأدب الفرنسي، فقد تعلّق قلبه بهذه الفتاة فعلقت رجلاه على أبواب حجرات معهد اللغات، لقد صارحها بإعجابه كذا مرّة، وكانت كلماته في غاية الأدب والرومنسية، رويدا رويدا أصبح لا يطيق الابتعاد عنها، وقد كان مبتغاه ومراده خيرا، لذا لم تجد الطالبة حسيبة صعوبة في أدراك نبل وأخلاق هذا الشاب ولكنها اشترطت عليه أن يخطبها من أبويها لأن هذا هو التصرف السليم، أما أن تتكلم معه هكذا دون قيد فهذا من المحال، ازدادت قيمة الفتاة في نفس لحسن وأقسم بعون الله ومشيئته أن تكون له دون غيره، وبالفعل فقد تم الأمر واستسلم الاثنان لحبهما الشرعي، فلم يمر عام ونصف حتّى تزوجا على سنة الله ورسوله، ودعاها بعد ذلك لأكل البوظة في الحرم الجامعي، لقد كان يوما سعيدا، تذكرته الزوجة حسيبة وهي تتنهد على تلك الأيام الجميلة، لقد تبسمت وهي ترى ثمرة حبهما، صغيراها فاطمة وفيصل، لقد كانا يشبهان والدهما، إنهما بحق ثمرة حب عفيف طاهر شرعي، لقد كانا نائمين لم يصحوا بعد من حوادث مشاهد الأكشن البوليسية هذه، يتبع

تحياتي نبيل شبانة


الساعة الآن 12:25 PM.

Powered by vBulletin
قوانين المنتدى